هل يستعين طرامب بالسادات؟!
مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 04:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل يستعين طرامب بالسادات
(ملاحظة أولية: هذا المقال مبني على تحليل وتخمينات ومعلومات عامة و"شخصية".. فضلاً عن انتماء وطني وتقدير لأمن الدولة والأمة المصرية، مصالح ووجودًا)
لا شك أن الرئيس الأمريكي، الملتاث بالعنف والنهب والإيهام بالترويع، يحلم بأن يؤدي لإسرائيل "خدمة العمر".. ألا وهي إخضاع مصر، العقبة الكأداء أمام الأيديولوجية الصهيونية. فقد حقق طرامب وأسلافه الكثير من إخضاع النظم الحاكمة، وحتى بعض المعارضات العربية، لرغبات التمدد الصهيوني الخادم أيضًا لمصالح الاحتكارات المالية الأمريكية والغربية.
لكن، وعلى الرغم مما يروج عن علامات الوهن والتماهي على النظام المصري، فإنه لا يسلم حتى اليوم بجل مطالب العدو ورعاته الجائرة، لأن الاستجابة تمثل تهديدًا ماحقًا لوجود الأمة المصرية العريقة، وذلك على الرغم من الأدوار المشبوهة التي تلعبها نظم عربية معلومة بالضغط والإحراج وحتى التواطؤ السافر مع العدو.
يُلوّن طرامب مشروعه الإمبريالي بصبغة شخصية فاقعة كـ"صانع للسلام" في أكبر كذبة تشهدها السياسة الدولية، وكأن العالم قد عمي عن مذابح غزة وضرب إيران ولبنان، وحماية الكيان البغيض، واضطهاد قضاة المحاكم الدولية، والاعتداء على فنزويلا وحصار كوبا والمطالبة بضم كندا وجرينلاند، والمؤامرات التي لا تتوقف في السودان وليبيا وسوريا والقرن الأفريقي وإقليم الساحل.. ومن السخرية أن يرشحه لجائزة نوبل السفاح نتنياهو ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم!!
يعمل طرامب واللوبي الصهيوني على تشجيع التوسع الإسرائيلي بلا رادع، على أن تقتطع أمريكا لنفسها ساحل غزة وثروات مياهها الإقليمية، وليقيم أيضًا منتجعًا شخصيًا فاخرًا لأثرياء الغرب ويكون شراكة بين زوج ابنته وبعض تايكونات المال العرب.
وكانت خطة طرامب المقرّة في مؤتمر شرم الشيخ مجرد التفاف مرحلي على المقاومة المصرية المنفردة لمشروع التهجير، فهو يعلم علم اليقين أن إسرائيل ستختنق حتمًا دون التوسع والترانسفير، أي تهجير الكتلة السكنية العربية في غزة، ولتكون النموذج الأوليّ لتهجير مماثل في الضفة الغربية وحتى في شمال إسرائيل ذاتها.
وأظن أن جمهرة خبراء وعلماء الاستخبارات المركزية الأمريكية سيعودون بالتأكيد لتحليل لحظات في تاريخ مصر كان نظامها الساداتي متماهيًا بالكامل مع المخططات الأمريكية وحتى الصهيونية، بقصد الاستفادة من دروس تلك المرحلة بما يمرر المخططات المتجددة.
كان السادات (خطيئة عبد الناصر الثانية بعد عامر) قد تفاقمت نرجسيته الشخصية بعد توليه الرئاسة في مفاجأة تاريخية صادمة، وتخلصه السهل من رجال صاحب الفضل عليه (عبد الناصر)، ثم احتكار نصر أكتوبر لشخصه (رغم أدائه الكارثي في الحرب).. ولكنه وجد نفسه في طريق مسدود بسبب الصلف الإسرائيلي وتمسكها بسيناء وكل أرض الميعاد، وكذلك تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في مصر بعد الحرب من جرّاء سياسة "الانفتاح الاقتصادي" المخربة، والتي بلغت ذروتها الاجتماعية والسياسية في "انتفاضة الخبز" عام 1977 والتي اضطر السادات أثناءها إلى الابتعاد في أسوان وربما التفكير في الهرب إلى السودان.
فكانت "مبادرة السلام" المشؤومة، والتي قامت على منطلقات عجيبة مثل أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، وأن العرب واليهود أبناء عم، وأن العامل النفسي يشكل 70% من أسباب الصراع. وأكسبته المبادرة تلميعًا غير مسبوق في الإعلام الغربي، الأمر الذي فاقم من جنون العظمة لديه، لكن ما أحبطه نسبيًا أنه لم يجد المكافأة الأمريكية بالحجم الذي توقعه.
وفي لحظة تاريخية حرجة كهذه، ألهمته قريحته المعوجة بأن يقترح اقتراحًا مجنونًا بأن يزود إسرائيل بمياه النيل، كي تروي اليهود والمسلمين والمسيحيين في القدس، ولتكون بمثابة "زمزم الجديدة". وهو اقتراح استسلامي سافر ويناقض باستهار كل الاتفاقات الدولية بهذا الشأن.
وبالطبع قوبل الاقتراح السفيه بإعجاب إسرائيلي، وبغضب شعبي مصري واسع، بل عارضته إثيوبيا بشدة لأنه يمثل خرقًا لكل اتفاقات نهر النيل. أما أنصار السادات فقد حاولوا التخفيف من جريمة "العرض الساداتي" بادعاء أنه عرض "رمزي" لإرساء السلام وتوحيد الديانات الثلاث.
الأمر المؤكد لديّ أن مخططي إدارة طرامب يفكرون جديًا في استرجاع هذه الحادثة، والاستفادة منها لتطويع المقاومة المصرية للتهجير.. وهاهو طرامب يصدر تصريحات "مجاملة" عن خطورة السد الإثيوبي على وجود الأمة المصرية، والتلويح بجهود أمريكية غامضة لحل المشكلة. والمؤكد أن الأسلوب الطرامبي في "حل النزاعات" يقوم على مبدأ المساومة وعقد الصفقات.
فما هي العناصر التي أتوقعها للصفقة المقترحة؟
(1) لا حل لتحقيق "السلام" سوى بالتنازلات المتبادلة.
(2) مصر تستضيف 12 مليون لاجيء عربي (وسط المجتمع المصري وليس في مخيمات) ولن يضيرها كثيرًا أن تستقبل مليونين من سكان غزة، مع مراعاة ألا يكون هذا بشكل يثير غضب الأمة المصرية وجيشها. فهؤلاء ستكون إقامتهم دائمة ومندمجة لأنهم لن يكون لهم وطن يمكن العودة إليه.
(3) العودة لمشروع شيمون بيريز عن "السلام الاقتصادي" أي إقامة منطقة اقتصادية في رفح المصرية، وربما تمتد للعريش، بتعاون بين المال الخليجي والأيدي العاملة العربية والتكنولوجيا الإسرائيلية، وتحت المظلة الاستراتيجية الأمريكية.
(4) أما المقابل الذي قد يُطرح على الدولة المصرية، فهو حل مشكلة سد النهضة، بضمان الحصة المصرية في سنوات الجفاف، والاشتراك في إدارة دولية للسد.
(5) مقابل هذا تقوم مصر بمد "ترعة السلام" إلى إسرائيل للتخفيف عن كلفة تحلية مياه البحر، ولازدهار الزراعة الإسرائيلية.
(6) تطوير اتفاقات "مبادرة حوض النيل" التي يرعاها البنك الدولي (ومازالت مصر ترفضها) وفحواها تسليع المياه وبيعها.
(7) إذا كانت إثيوبيا هي من قاومت اقتراح السادات في السبعينيات، فهي اليوم مرحبة جدًا ببيع المياه لحليفتها إسرائيل، على أن تحصل مصر على "عمولة" بزيادة طفيفة لحصتها.
(8) إذا كانت عقيدة إسرائيل تقوم على التوسع من النيل للفرات، فإن ذهاب النيل نفسه لإسرائيل سيحل كل المشاكل.