نمو أم تنمية؟ ولمن؟
مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 12:23
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ 56 عامًا ونحن نرى ونسمع ونقرأ الكثير من الادعاءات عن الفترة الناصرية التي استمرت 15 عامًا.. وكان هذا أمرًا متوقعًا فديدن الحياة السياسية في مصر أن يطيح كل حاكم بسمعة وإنجازات سابقه، بتضخيم وحتى تجريم أخطاء عبد الناصر الحقيقية أو المبالغ فيها أو التي يتم تشويهها بدأب.
ورغم أنني لست ناصريًا، كما لم يكن عبد الناصر نفسه راضيًا عن تسمية الناصرية التي ابتدعها الشوام سواء عن إعجاب أو كراهية.. إلا أنني أرى من غير المنطق بالمرة إلصاق كل السيئات بفترة حكم عبد الناصر، حتى تشويه أكبر انتصاراته.. فمثلاً اعتبر البعض أن تأميم قناة السويس كان مغامرة لا داعي لها بزعم أن القناة كانت ستعود إلى مصر بقضها وقضيضها عام 1969 بعد انتهاء فترة الامتياز البالغة تسعة وتسعين عامًا.. بل تبارى آخرون في مبالغات سمجة عن سيئات إنشاء السد العالي، بل والمطالبة بهدمه، كما فعل مرشد الإخوان وبعض الليبراليين.. واليوم يتبارى آخرون في تسفيه مجانية التعليم والعلاج...الخ.
صحيح تمامًا أن أعضاء مجلس قيادة الثورة ومجمل الضباط الأحرار لم يكونوا كلهم على نفس درجة وعي وثبات الرؤية الثورية الوطنية عند عبد الناصر، وصحيح أيضًا أن استئثارهم بالسلطات قد رفعهم إلى مصاف أعلى في إطار رأسمالية الدولة فتغيرت مصالحهم صوب الارتداد حتى على الثورة نفسها في أواخر عهده وبعد رحيله، وذلك في سياق أوسع لما أسماه هو نفسه عام 1965 بتبلور "الطبقة الجديدة"، فغياب الديمقراطية وعدم الرقابة الشعبية وشكلية التنظيمات السياسية (من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي) كانت بمثابة جواز المرور للانقلاب على نظام يوليو نفسه من داخله.
ولنعد قليلاً إلى الجذور.. فلم يكن الوعي السياسي لدى معظم الضباط الأحرار يتجاوز كثيرًا تحقيق الجلاء والقضاء على الحكم الملكي المدعوم أيضًا من الإقطاع وأحزاب كبار ملاك الأراضي. بينما كان هناك بينهم أعداد قلية تأثرت بصعودالإخوان المسلمين والشيوعيين والحزب الوطني وحزب مصر الفتاة بعد الحرب العالمية الثانية. وكان عبد الناصر نفسه أقربهم في شبابه إلى التفاعل مع تلك القوى الجديدة على الحياة السياسية في العهد الملكي التي كانت تهيمن عليها أحزاب كبار الملاك من الوفد وأحزاب الأقلية.
المهم أنه بعد تنفيذ قوانين الإصلاح الزراعي اتسع طموح عبد الناصر لما هو أبعد في السياسة الداخلية.. حيث أدرك أن مستقبل ثورته مرهون بتحسين الأوضاع المعيشية للشعب، وأن طموحاته في الإصلاح الاجتماعي مرهونة بالتنمية الاقتصادية (وخاصة توطين الصناعة وإحلال الواردات)..
فأقدم عام 1954 على إصدار قانون لتشجيع استثمارات رأس المال الأجنبي، لكن وقفت أمريكا والغرب له بالمرصاد بسبب صفقة الأسلحة السوفيتية وموقفه الحازم من إسرائيل واعترافه بجمهورية الصين الشعبية ودوره في تأسيس حركة عدم الانحياز.
وأدرك عبد الناصر أنه لا مستقبل لثورته بدون تنمية اقتصادية واجتماعية جذرية، وهي التي تتطلب تعبئة كل الموارد الوطنية المتاحة والمحتملة لتحقيق التنمية، والتي ستكون كفيلة أيضًا بالحفاظ على التأييد الشعبي لحكم شباب الضباط. فتوج هذا في العام التالي لانتخابه رئيسًا بتأميم شركة قناة السويس، والذي كان من أهم أهدافه تمويل بناء السد العالي.
ولم يكن عبد الناصر ليتغاضى عن دور الولايات المتحدة في إفشال العدوان الثلاثي، فاتخذ موقفًا بالغ الحدة في الهجوم على الشيوعيين المصريين والعرب، وفي هذا السياق انجرف نحو الوحدة السورية والعداء للنظام العراقي. لكن هذا كله لم يضع بين يديه الموارد الأجنبية الكفيلة بتحقيق التنمية المرجوة.
فأقدم على قرارات تأميم وتمصير الشركات والبنوك الأجنبية عام 1957، والغريب أن أثرياء مصر وصناعها طالبوا بعدم احتفاظ الدولة بملكية هذه الأصول وبيعها لهم، لكنه رفض لأنه أراد أن تكون هذه الموارد تحت يد الدولة لتحقيق التنمية، ورأى أن على الرأسماليين المحليين المبادرة الاستثمارية بأنفسهم وليس الاستيلاء على شركات ضخمة دون مجهود.
ولأول مرة صيغ وقتها شعار "المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني" الذي أثار حفيظة الغرب عليه، ناهيك عن التعاقد مع الاتحاد السوفيتي على بناء السد العالي بعد رفض البنك الدولي بإملاء أمريكي.
ومضى عبد الناصر خطوة أبعد، ولكنها جاءت متناقضة، فبينما أصدر قرارات التأميم لشركات الرأسمالية المصرية عام 1961 (خاصة بعد تلاعب بنك مصر في سوق القطن) وأعلن التحول الاشتراكي (أي "الاشتراكية العربية" أو"التطبيق العربي للاشتراكية العلمية") كان في الوقت نفسه يحتفظ في معتقل الواحات بمئات من الاشتراكيين منذ 1959 حتى 1965).. أي أنه شرع في تنفيذ الخطة الخمسية الأولى بقيادة برجوازية الدولة من عسكريين وبيروقراط وتكنوقراط، حتى جاءت هزيمة 1967 ووفاته عام 1970 ثم الردة الشاملة عن نهجه على أيدي السادات.
وأيًا كانت النتائج لهذه المسيرة المتعرجة، التي روج لها البعض بمقولة "التجربة والخطأ".. فإنه يمكن القول إن ثورة عبد الناصر قد أنهت الاحتلال البريطاني والحكم الملكي الفاسد والعميل وطبقة كبار ملاك الأراضي، وبالمثل خلقت ثلاث فئات اجتماعية جديدة تمامُا، تمثلت في فلاحي الإصلاح الزراعي وعمال القطاع العام والمهنيين خريجي الجامعات.
أما بالنسبة للحديث عن الردة التي قادها السادات (وكان خطيئة عبد الناصر الثانية بعد عبد الحكيم عامر) فمن الخطل اعتبارها استمرارًا للنهج الناصري، حيث كانت انقلابًا كاملاً عليه في كل المجالات، حتى وإن كانت الردة تحققت على أيدي قوى انضوت لفترة تحت حكمه وتماشت معه، ثم انتفخت مكاسبها نتيجة عدم جذرية التحول المسمى بـ "الاشتراكي أو اللارأسمالي" بسبب غياب التنظيمات السياسية والنقابية الفعالة، وانعدام مناخ الحريات السياسية المفترضة في نظام اشتراكي.
استمر نظام الردة في العهود التالية حتى وصلنا إلى الوضع الحالي الذي يتبنى مذهب النمو النيوليبرالي الخاضع للمستعمر (وحتى للنظم النفطية فيما بعد)..
ومن المعروف أن النيوليبرالية تهدف إلى خلق "دولة الحد الأدنى"، ومن أهم معالمها: "التحرير الكامل لأسواق الإنتاج والمال والعمل والخدمات.." وتصفية القطاع العام وترك الحرية الكاملة للملكية الخاصة المحلية والأجنبية دون التزام بخطط تنموية أو مسؤولية اجتماعية أو مضايقات حكومية..الخ. وكانت النتيجة المباشرة هي تفاقم البطالة والإفقار وانهيار الخدمات العامة حتى للفئات الوسطى والتخلي عن شعار يوليو بـ "تذويب الفوارق بين الطبقات".. بل تفشت أنماط رديئة من رأسمالية المحاسيب والطفيليين والسماسرة والبلطجية وناهبي المال العام... بل وانتشرت المخدرات والجريمة وشركات (عصابات) الأمن والمخدرات والتردي الأخلاقي الذي لم يسبق له مثيل.
غير أن الأخطر من ذلك كله كان الوقوع في مصيدة الديون التي تديرها المؤسسات المالية الدولية والرأسماليات والشركات الأجنبية، وبمستويات غير معقولة. فضلاً عن تبني منظور القوى الاستعمارية لمصر بأنها غير مؤهلة للصناعة، وأن الزراعة ليست مستقبلها نظرًا لمحدودية الموارد المائية، وأن مستقبل مصر مرهون بالإيرادات الريعية مثل السياحة وتحويلات العاملين بالخارج.. والتنمية العقارية لصالح الأثرياء والأجانب.
وتفاقمت الأوضاع سوءًا بالتغلغل الرأسمالي النفطي الذي يتمتع بموالسة وفساد حكومي ظاهر، وشمل حتى الإعلام والثقافة.
وبعدما كانت مصر تحقق معدلات تنمية متفوقة عالميًا، وكانت متقدمة صناعيًا حتى عن كوريا والهند مثلاً، أصبحت تستورد كل شيء من عربات السكك الحديدية إلى "الأستك".
أما النمو الدائر فيتلخص في بيع الأراضي والسواحل الشاسعة والأبراج والكازينوات والمطاعم، حتى أصبحت "التنمية العقارية" تستهدف إشباع الأجانب قبل المواطنين.
وللأسف يغيب فهم هذا التناقض بين النموذجين الناصري وما بعده عن فهم الكثيرين الذين لم يعيشوا أجواء يوليو ويستسلمون للدجل الإعلامي الذي يتجاهل الفرصة العظمى لاستكمال تجربة تنموية (بكل ملاحظاتنا عليه) لصالح ما يروج له من نمو أعرج يستحلب عرق المنتجين لصالح شتى أصناف الطفيليين.