أعلام عراقية شامخة: الأستاذ المتمرس الدكتور عبد اللطيف علوان الجميلي / ذكريات (4)


حسين علوان حسين
الحوار المتمدن - العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 19:42
المحور: مقابلات و حوارات     

ثورة 14 تموز 1958
بدأت السنة الجامعية الثانية بعد انفجار ثورة 14 تموز 1958 - التي أحدثت إنقلاباً كبيراً في كل مناحي حياتنا، وكانت أيامها الأولى مبشّرة بوافر الخير لفئات الشعب كافة، رغم أحداث العنف المؤسفة التي رافقت أيامها الأولى ضد بعض قادة النظام الملكي السابق. وسرعان ما أصبحت فئات الشعب كافة متحدة وراء الثورة ومتكاتفة على حب العراق، والإعتزاز بالتحقق الناجز لسيادته، والحرص على السير بمستقبله إلى أمام. ولا أدل على ذلك من حقيقة أنه بالرغم من هروب رجال الشرطة من مراكزهم - لأن جهاز الشرطة كان الذراع الذي لا يرحم للسلطة المهزومة - فَلَم تُسجل أي مخالفة أو جريمة خلال الأسابيع الأولى التي تلت نجاح الثورة.
وبقدر تعلق الأمر بقسمنا الجامعي، فقد طرأ إنقلاب آخر فيه هو الآخر أيضاً، إذ صدر الأمر بترحيل الأستاذ مستر ستيرلنغ خلال 48 ساعة لأسباب لا نعرفها. ثم غادرت الأستاذة مسز روبرتسن بسبب ترحيل زوجها مدير مركز جمعية الشبان المسيحيين. بعدها، قرَّر الأستاذ مستر تومسن (Thomson) مغادرة العراق لأنه كان من المحافظين، ولَم ترق له الشعارات الثورية التي رفعها الطلبة على جدران بناية الكلية ضد الاستعمار البريطاني، ولا غيرها من فعّالياتهم الثورية. وتَمَّ استقدام كادر تدريسي جديد من الأساتذة الأجانب للقسم ، منهم مستر برسفورد (Beresford) الذي كان تقدمياً صريحاً وأستاذاً محبوباً جداً لدى الطلبة. وأذكر أن زميلي الأستاذ مؤيد عبد الأئمة سعيد قد أخبرني أنه قام بعد سنوات طويلة بزيارة مدينة نيوكاسل في انكلترا، والتقى هناك بالأساتذة مستر برسفورد ومستر غروز (Grooze) – الذي كان من المحافظين – ومستر تيرنر (Turner) الذي لا أعرف توجهاته، والأستاذة الست ألِزَبِث القاضي زوجة أحد العراقيين وكانت آية بالجمال بعينيها الخضراوين، حيث كان الطلبة من الأقسام التي تداوم معنا - الأحياء واللغة العربية - يصطفون بالطابور على جوانب الممر لتكحيل أعينهم بمرآها وهي تتوجه لقاعة المحاضرات. وقد درّستنا مادة علم الصوت والتلفظ، حيث حلَت محل الأستاذ مستر ستيرلنغ. أما الأساتذة الأجانب القدماء الذي واصلوا التدريس في القسم فهم: رئيسه مستر بلومان؛ ومِس هَرِك (Herrick)؛ ومسز ﭘـــاترسن (Patterson) - وكلاهما سيدتان كبيرتان بالسن وعاليتا الكفاءة - ومستر برِوَر (Brewer).
وأذكر أنه في بداية السنة الجامعية الثانية، أقرَّت رئاسة القسم تدريس رواية: "ألَن كواترماين" (1887) (Allan Quatermain) للكاتب البريطاني: إيتش. رايدر هاغَرْد (H. Rider Haggard). وعندما قمت بقرائها قراءة سريعة، أعترضتُ على إقرارها لدى مقرر القسم الأستاذ الدكتور حمدي يونس بسبب وجود انحياز واضح فيها ضد المواطنين الأفارقة. عندها، صدر الأمر من رئاسة القسم بسحب تلك الرواية واستبدالها برواية "صاحب الساقين الطويلتين" (Daddy Long Legs) للكاتب التقدمي جورج برنارد شو.
ومن الأحداث التي لا تنسى في تلك السنة الجامعية كان ذلك المهرجان التاريخي الكبير للشعراء والأدباء في نادي الكلية، والذي ألقى فيه الشاعر الكبير والفنان التشكيلي مظفر النواب قصيدته: "للريل وحَمَد" التي هزّت عالم الشعر وقتذئذٍ، واعتبرها النقاد من أمثال علي الشوك والشاعر الكبير سعدي يوسف فتحاً جديداً بحيث أن إعجاب الأخير بها جعله يُصرِّح: "إنني أضع جبين شعري كله على طريق الريل وحمد".
في هذه السنة، وعلى الصعيد الشخصي، حدث أمرٌ أعتبره فناراً هادياً لمسيرتي العلمية عندما رشَّحني أحد ثوار 14 تموز من أقاربنا وهو المرحوم عبد الهادي الدرّة (استشهد بمقارعة الانقلاب الفاشي يوم 8 شباط 1963) لأشتغل مترجماً في "مديرية التلفونات المركزية" آنذاك (مديرية الهاتف المركزي، حالياَ). وبعد اجتيازي الإختبار بتفوق أمام الأديب المرحوم الأستاذ أنيس زكي حسن في دار الإذاعة، إلتحقت بالوظيفة. وكان واجبي هو متابعة مكالمات هواتف الأجانب والسفارات وفندقي بغداد والخيّام التي كانت تجري باللغة الإنجليزية. وقد وفَّرت لي هذه الوظيفة فرصة الاستماع إلى اللغة الانجليزية ست ساعات يومياً طوال حقبة تزيد قليلاً على السنة. ومن الطرائف التي تجدر الإشارة إليها أنه كان من ضمن عملنا الإنصات على مكالمات الاتصالات الدولية. وكان في حينها الاتصال الهاتفي بالخارج محدداً بساعتين فقط: من الرابعة إلى السادسة مساءً، وذلك من مديرية التلفونات الكائنة في السنك. وكانت المكالمات الدولية كافة تمر عبر لندن. فإذا ما أراد شخص ما الاتصال بموسكو أو سدني باستراليا، كان على موظف البدالة في بغداد أن يتصل ببدالة لندن ويعطيهم رقم الهاتف المطلوب لإجراء المكالمة. وكان دوامي في البدالة بإحدى وجبتين تناوباً: من الساعة 12 ظهراً حتى السادسة مساءَ، أو من السادسة مساءً حتى منتصف الليل. وفي وجبة الليل، كانت سيارة الدائرة توصلنا نحن الموظفين إلى دورنا لوجود قرار منع التجول. وبعد السنة الثانية، رُشِّحت للدراسة بمرتبة الشرف في القسم، بيد أن إحدى المواد الثانوية المقررة - علم النفس - التي كانت تدرّسنا إياها الدكتورة عفيفة البستاني كانت مجدولة حصتها دائماً في الساعة الثانية من بعد الظهر، مما تعذر علي حضورها بسبب تضارب وقتها مع دوامي بوظيفتي، فرسبت فيها بسبب الغياب. وهكذا فقد خسرت بسبب الوظيفة فرصة الالتحاق بمرحلة الشرف رغم تحقيقي المستوى الدراسي المطلوب في دروس الاختصاص الخاصة بهذه المرتبة. ولقد كانت تلك الوظيفة طفرة مادية كبيرة رفعت مستوى معيشتنا إلى حد كبير.
وقد شهدت تلك الفترة السيطرة الكاملة للحزب الشيوعي العراقي على الحياة في الكلية التي باتت تعرف بإسم "الصين الشعبية". وكانت سيطرة الحزب على الوسط السياسي عظيمة إلى الحد الذي نجح فيه بتنظيم أول مظاهرة أو مسيرة مليونية بتاريخ العراق الحديث شاركت فيها الوفود الجماهيرية من ألوية العراق كافة من زاخو إلى الفاو، وذلك بمناسبة الأول من آيار – عيد العمال العالمي لعام 1959. حيث كانت المسيرات تبدأ من الباب الشرقي (ساحة التحرير الأن) وتقطع شارع الرشيد بطوله لتتفرق عند الباب المعظم. وقد أسهمت كل فئات الشعب فيها، حتى الشرطة العراقية. وكانت شعاراتها تتمركز على شعارات الحزب الشيوعي العراقي المعروفة: "وطن حر وشعب سعيد" و"سِلْم، سِلْم، صداقة"، والشعار المركزي: "الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم". وأذكر أن رجال الشرطة العراقية كانوا يهتفون:
إسأل الشرطة ما ذا تريد: وطن حر وشعب سعيد.
وكنت أحمل كامرة تصوير أعارني إياها قريبي المرحوم عبد الهادي الدرّة صوّرت فيها لقطات كثيرة جداً لتلك المسيرات، ما زال بعضها محفوراً بذاكرتي لأسباب سأذكرها لاحقاً.

يُتبع، لطفاً.