تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (7)


حسين علوان حسين
الحوار المتمدن - العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 17:57
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

ملك الرجعية نعوم تشومسكي: "الثورات الاشتراكية السابقة مُدانة، أما الثورات الاشتراكية القادمة فهي فكرة مجنونة"
أوردتُ في الحلقة السابقة نص المقابلة التي أجراها مع نعوم تشومسكي بتاريخ 12 آذار 2013 محرر " باكس ماركسيستا": كرستوفر هِلالي - الناشط لاحقاً في "الحزب الشيوعي الأمريكي" (ACP) الذي تأسس في 21 تموز 2024. أول إجابة لتشومسكي تقرأ:

"هِلالي: السؤال إذن هو: هل الممارسة العنيفة مبررة بالنسبة لنا للإطاحة بحكومة ما؟
تشومسكي :إذن، هل نحمل أسلحتنا، ونخرج إلى الشارع، ونبدأ بتدمير بنك تشيس مانهاتن؟ حسنًا، إذا كنت ترغب في الموت خلال خمس دقائق، فهذا اقتراح جيد. عدا ذلك، لا علاقة لسؤالك بالعالم على الإطلاق، لذا لا جدوى من مناقشته. أعتقد أنها فكرة مجنونة، ولكن بصرف النظر عن ذلك، الأمر أشبه بسؤال: هل نصعد على كويكب ونهاجم الأرض؟ حسنًا، ربما لا أعتقد أنها فكرة جيدة، ولكن لماذا نتحدث عنها؟"
أنتهت إجابة تشومسكي على السؤال الأول.
السؤال الأول المطروح على تشومسكي يخص الموضوع المهم جداً لكل حركة أجتماعية ثورية: "هل الممارسة العنيفة (violent praxis) مبررة بالنسبة لنا للإطاحة بحكومة ما؟"
والإجابة الماركسية على هذا السؤال معروفة ومشروطة بالوضع الاقتصاجتماسي القائم في الزمكان للطبقات المستغَله في ظل نظام الحكم السائد. الشيوعيون في كل مكان يناضلون لتغيير نظام دكتاتورية رأس المال القائم. في "البيان الشيوعي" لماركس وإنجلز، لدينا قوانين هذه الجواهر الثورية:
"باختصار، يدعم الشيوعيون في كل مكان كل حركة ثورية ضد النظام الاجتماعي والسياسي القائم.
وفي جميع هذه الحركات، فإنهم يطرحون قضية الملكية كقضية محورية، بغض النظر عن مدى تطورها في ذلك الوقت.
وأخيرًا، فإنهم يسعون جاهدين في كل مكان لتوحيد وتوافق الأحزاب الديمقراطية في جميع البلدان.
لا يتوانى الشيوعيون عن إخفاء آرائهم وأهدافهم. فهم يعلنون جهارًا أن غاياتهم لا يمكن تحقيقها إلا بالإطاحة بالقوة بجميع الأوضاع الاجتماعية القائمة. فلترتجف الطبقات الحاكمة من الثورة الشيوعية. ليس لدى البروليتاريين ما يخسرونه سوى قيودهم. أمامهم عالم يكسبونه.
يا عمال العالم، اتحدوا!"

فإذا ما استطاعت القوى الديمقراطية الثورية في أي مكان توحيد نفسها وتحقيق التغيير الاجتماسي المنشود ديمقراطياً عن طريق الاحتكام لنتائج صناديق الأقتراع من أجل تطبيق برامجها التقدمية، فخير على خير. أما إذا ما كان النظام السياسي القائم مقولباً قانونياً بشكل ممنهج وشمولي بحيث تتسيد فيه على نحو حصري ودائم أزلام أوليغارشية دكتاتورية رأس المال التي تمنع غالبية أفراد الشعب من الطبقات الاجتماعية المستغَلة من إسماع صوتها وخدمة مصالحها الحيوية بالطرق الديمقراطية (مثلما هو حاصل في بلدان الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً) فإن "الممارسة العنيفة" التي يسأل هِلالي عنها تشومسكي تصبح فعلاً ثورياً مشروعاً، بل وواجباً (تلبية نداء الحرية الواجب)، تبرره ضرورات تحقيق المصالح الأساسية والحيوية لغالبية أفراد الشعب المستغَلين ممن لا صوت لهم البتة في رسم السياسة الداخلية والخارجية لأوطانهم. أحرار العالم يعشقون الحرية، ويدركون أن الفوز بها يتطلب وعي ضرورة الحراك الشعبي من أجل التغيير الذي لا مناص منه لإسماع صوتهم وخدمة مصالحهم المشروعة باعتبارهم الأغلبية الاجتماعية العظمى، على الأقل عبر تنظيم الإعتصامات الجماهيرية السلمية. وهذا هو بالضبط ما فعله المعتصمون في نيويورك لحركة "احتلوا وول ستريت" (17 تشرين الأول - 15 تشرين الثاني 2011) التي صاغ عالم الأنثروبولوجيا ديفيد غرايبر شعارها: " نحن الـ 99% "، وذلك للاحتجاج على نفوذ الشركات الذي يُفسد الأحزاب السياسية والانتخابات ومؤسسات الحكم الأمريكية. وقد كان برنامجها يستهدف الحد من نفوذ الشركات على السياسة، والتوزيع الأكثر توازنًا للدخل، وتوفير المزيد من فرص العمل الأفضل، وإصلاح النظام المصرفي - خاصةً الحد من المضاربات المصرفية، وإلغاء ديون قروض الطلاب، وتخفيف حدة أزمة حبس الرهن العقاري.
كل هذه هي مطاليب عادلة تخدم المصالح الاساسية والحيوية للسواد الأعظم من المواطنين الأمريكيين قاطبة.
كيف كان رد فعل جلاوزة دكتاتورية رأس المال الأمريكية على هذه الحركة الشعبية السلمية؟
مع انتشار الحركة في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية بمراقبة المتظاهرين أولاً. ففي 21 كانون الأول 2012، حصلت منظمة "الشراكة من أجل العدالة المدنية" على وثائق حكومية أمريكية ونشرتها لتكشف واقع أن أكثر من اثني عشر مكتبًا ميدانيًا محليًا تابعًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الأمن الداخلي، ووكالات فيدرالية أخرى، قد راقبت نشطاء حركة "احتلوا وول ستريت" في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من وصفها بأنها حركة سلمية. ثم بدأت الأعتقالات التعسفية؛ حيث أكّد جدعون أوليفر- الذي مثّل حركة "احتلوا" مع نقابة المحامين الوطنية في نيويورك - إن حوالي 2000 متظاهر قد اعتُقلوا في مدينة نيويورك وحدها. وفي التقرير النهائي لدراسة استمرت ثمانية أشهر، إتهم باحثون في كليات الحقوق بجامعة نيويورك وجامعة فوردهام شرطة نيويورك باستخدام القوة المفرطة غير المبررة، وبعرقلة حرية الصحافة، والقيام بعمليات اعتقال تعسفية لا أساس لها.
https://en.wikipedia.org/wiki/Occupy_Wall_Street
هذا هو – للمرة الألف – مصداق التحليل الماركسي لآلة الدولة في كل زمكان كجهاز قمع يكرّس الهيمنة الطبقية بكل السبل التي تتيحها تلك الطبقة لنفسها بنفسها، بضمنها الاعتقالات التعسفية والسجن والقتل والتصفيات الجسدية.
وهذه هي حقيقة ثورات كل الأحرار: النضال الديمقراطي السلمي وسيلة لتحقيق التغيير الاقتصاجتماسي كضرورة لازمة وواجب أخلاقي أسمى ومقدس؛ فإن سدَّت قوانين دكتاتورية رأس المال الشمولية المتعفنة هذا الطريق الديمقراطي السلمي المشروع عبر ارتكابها للجرائم القمعية وأعمال التخريب المادية والمعنوية ضد حراك الأحرار، عندئذ تصبح "الممارسات العنيفة" المتصاعدة الأشكال والوتائر حتى النهاية ليست فقط مبررة ثورياً؛ بل هي الاستجابة الضرورية لنداء الواجب في التغيير الثوري. الثورة ضد الظلم لا تحتاج تبريراً فلسفياً متحذلقاً بالفذلكات اللغوية البتة، لكون تبريرها واقعياً قائماً ومعاشاً يومياً: واقع وجود الظلم الاجتماعي الذي يستعبد فيه أقل من 1% من البشر أكثر من 99% منهم.
ولكن لا! ليس بالنسبة لربيب البنتاغون تشومسكي المتقنع بقناع الثورية الزائفة. بالنسبة له، وحدها آلة دولة دكتاتورية رأس المال لها الحق كل الحق بممارسة أبشع أشكال القمع ضد المعتصمين السلميين؛ وليس أمام الأخيرين من خَيار سوى القبول بالذل المؤبَّد لعبودية دكتاتورية رأس المال التي تحرمهم ليس فقط من حقهم في تقرير مصيرهم بنفسهم، بل وتتولى بنفسها وعلى نحو ممنهج وخبيث تخريب وتصفية اعتصاماتهم السلمية الموجهة للفوز بهذا الحق المقدس.
كيف يلفِّق هذا التشومسكي إنحيازه الرجعي لمصالح أسياده من تنانين رأس المال للعصابات الابستينية المتعددة التي تحكم وتتحكم بمصائر شعوب كل بلدان الغرب منذ أكثر من قرن كامل؟
إنه يلصق بالثوار الشرفاء (الثوار هم أشرف الناس وأنبلهم وأكرمهم وأشدهم إيثاراً لمصالح مجتماعاتهم طراً في كل عصور التاريخ قاطبة) - بالضبط مثلما تفتري أجهزة القمع دكتاتورية رأس المال - صفة الخارجين على القانون من عصابات السطو المسلح على المصارف أولاً، فيزيف بالقول: " إذن، هل نحمل أسلحتنا، ونخرج إلى الشارع، ونبدأ بتدمير بنك تشيس مانهاتن؟"!!!
ما علاقة "تدمير بنك تشيس مانهاتن" بالممارسة الثورية الحريصة كل الحرص على الحفاظ على كل ثمار قوة العمل الاجتماعي، بضمنها المؤسسات المالية؟ من الذي شيَّد بنايات هذا البنك وحقق ازدهاره بقوّة عمله؟ العمّال الذين يبتغي الثوار تحرير قوة عملهم، أم سليلو الفساد ومراكمو سرقات فائض القيمة من أولئك العمال المستغَلين: آرون بور وروكفلر وشركاهما؛ ام هو عميل الموساد ومجرم الاتجار بالجنس وابتزاز رؤساء الغرب به - وأولهم المجرم الدولي قاتل الأطفال والنساء ترامب ونتنياهو: جفري إبستين - الذي زوّده تشومسكي بأرفع كتاب تزكية له - وشركاه من تنانين زبائن المصرف المذكور؟
ما هذا التلفيق الفاضح؟ وما أحقر هذا التخادم مع أبشع المجرمين في التاريخ؟
ثم إنه يحكم على ممارسة ملبي نداء واجب الكفاح الثوري لتحقيق مصالح 99% من المواطنين بكونها ضرباً من الإنتحار غير المفيد، ثانياً: "حسنًا، إذا كنت ترغب في الموت خلال خمس دقائق، فهذا اقتراح جيد." !!!
ومن بعدها يخلص إلى تلفيق كون أداء الأحرار لهذا الواجب إنما هو ممارسة غير منطقية وغريبة عن طبيعة الأشياء التي نعرفها في هذا العالم الذي نعيش فيه، وبالتالي فإنه لا تستحق حتى مجرد النقاش: "عدا ذلك، لا علاقة لسؤالك بالعالم على الإطلاق، لذا لا جدوى من مناقشته." !!!
أيهما غير المنطقي والسائد في عالم هذا اليوم: استعباد أقل من 1 % من تنانين دكتاتورية رأس المال الشمولية لـ 99% من البشر، أم حراك ثوّار المستعبَدين الأخيرين لكسر قيود المستعبِدين الأولين؟
يتبع، لطفاً.