مشهد التأييد السياسي.. ودلالات الترحيب الأمريكي


أحمد فاضل المعموري
الحوار المتمدن - العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 00:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

مخاض التشكيل وظلال الصراع الإقليمي، مرت جميع الحكومات العراقية السابقة بفترات تأخير متباينة في مخاض تشكيلها، ناتجة في المقام الأول عن التنافس المحموم والصراع على المناصب وحسم ملف التصدي للمسؤولية. واليوم، لا يشكل الوضع استثناءً؛ إذ نواجه تأخيراً واضطراباً سياسياً وأمنياً يتأثر بشكل مباشر بالصراع الإقليمي المحتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في منطقة مضيق هرمز، خاصة بعد رفض إيجاد حلول سياسية جذرية بين الطرفين.
إن تشكيل الحكومة العراقية بات مرتبطاً، بشكل أو بآخر، بالصراع الأمريكي في المنطقة، حيث تلعب القوى الدولية دوراً محورياً في فرض إرادة الحكومة كواقع مفروض. ويقترب المشهد العراقي الحالي كثيراً من السيناريو السوري في لبنان، عندما قررت القوى الفاعلة إنهاء الوجود العسكري السوري هناك، ليحل محله لاعبون محليون كحركة أمل وحزب الله كواقع مفروض على الدولة اللبنانية. ورغم الخروج العسكري، ظلت سوريا لاعباً قوياً في المشهد اللبناني، وتحول "الثلث المعطل" إلى الأداة الأقوى في توجيه القوى السياسية عبر تحالفات صِيغت من خلال المثلث اللبناني السوري الإيراني. وتتكرر هذه المعادلة اليوم في العراق من خلال الفصائل التابعة للقوى والأحزاب المدعومة إقليمياً، والتي تهيمن على الساحة السياسية بعد انحصار القرار في قوى محدودة، وهو سيناريو يبدو أنه يتماشى مع الرغبات والمصالح الأمريكية في المرحلة الراهنة.
الشرعية الدولية والاعتراف الدبلوماسي المبكر، في خضم هذه التعقيدات، يظهر أن المرشح لرئاسة الوزراء قد حاز زخماً دبلوماسياً واسعاً ومبكراً؛ إذ بدأ هذا الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية عبر إشادات من الرئيس ترامب وتوم باراك، مروراً بالعمق العربي المتمثل في سوريا وفلسطين عبر محمد مصطفى، وصولاً إلى قوى إقليمية ودولية أخرى مثل باكستان والأردن. يعكس هذا الحراك الدولي والإقليمي المتسارع رغبة جماعية في استقرار المشهد السياسي العراقي، والبحث عن شريك يحظى بـ "قبول دولي" سريع لتفادي انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى والانسداد.
جدلية "الصدفة" و"الاختيار" في صعود الزيدي ، يطرح هذا المشهد سؤالاً جوهرياً: هل كان صعود شخصية السيد علي فالح الزيدي نتيجة توافقات "صدفة" أملتها الظروف الراهنة، أم أنه "اختيار" مدروس بعناية من قبل القوى الفاعلة في المشهدين المحلي والدولي؟
المفارقة تكمن في إشادة الرئيس الأمريكي ترامب في أكثر من مناسبة بنزاهة وفوز علي الزيدي، برغم أن رجل الأعمال علي الزيدي لم يترشح للانتخابات العراقية أصلاً، ولم يتم انتخابه مباشرة من قبل الشعب العراقي. وبدلاً من ذلك، تم تمرير هذه الشخصية كضرورة سياسية لإنهاء أزمة خانقة، والخروج بالبلاد من عنق الزجاجة التي كادت أن تنكسر جراء الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية التي عصفت بالشعب العراقي ودفعت بالعملية السياسية إلى حافة الانهيار.
ويُعد الزيدي شخصية مقربة من الدوائر الحزبية والسياسية في الداخل العراقي، وفي الوقت نفسه يمتلك صلات وثيقة بالدوائر الإقليمية، لا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة التي يمتلك إقامتها؛ مما يمنحه مرونة وخلفية اقتصادية وسياسية في التحرك الخارجي.
توازنات الدعم وتحدي الاستقلالية ، إن الإشارات المستمرة إلى أن صعود الزيدي تم بتأييد أمريكي تضع الحكومة المرتقبة أمام تحدٍّ بنيوي كبير، يتمثل في موازنة معادلة "الاستقلالية الوطنية" في مواجهة "الدعم الدولي"، وهي واحدة من أعقد المعادلات في السياسة العراقية المعاصرة. ومع ذلك، فإن تلقي التهاني من أطراف متباينة مثل سوريا، باكستان، فلسطين، والأردن في آن واحد، يشير إلى محاولة لإيجاد توازن دقيق بين المحاور الإقليمية والدولية المختلفة لضمان ديمومة الحكومة واستقرارها.
الأولويات والملفات المطروحة أمام المكلف ، ترسم برقيات التهنئة الدولية ملامح الأولويات والملفات الساخنة التي ينتظر المجتمع الدولي من حكومة علي الزيدي التعامل معها وحسمها. ويأتي على رأس هذه الملفات صياغة العلاقة مع واشنطن، من خلال تعزيز التعاون المشترك وتلبية دعوة الزيارة الرسمية كخطوة أولى لتثبيت ركائز الدعم الدبلوماسي والاقتصادي.
أما على صعيد الدور الإقليمي، فإن الإشادات الدولية المتزامنة توحي بتطلع خارجي بأن يلعب العراق دور "الوسيط" أو أن يتحول إلى "ساحة مستقرة" لتقريب وجهات النظر الإقليمية بدلاً من كونه منطلقاً لتصفية الحسابات، مستنداً إلى تجارب إقليمية سابقة كالدور الباكستاني في إنهاء الصراعات. ويتكامل هذا الدور مع ضرورة تطوير روابط الصداقة والتعاون مع الجوار العربي، وتحديداً سوريا وفلسطين والأردن، كركيزة أساسية لاستعادة العراق لعمقه العربي وتأمين محيطه الجغرافي والسياسي في مرحلة شديدة الحساسية.