المادة وأشكال وجودها وحركتها


غازي الصوراني
الحوار المتمدن - العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 14:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

المادة وأشكال وجودها وحركتها:
من المعروف أن نقطة انطلاق المادية الديالكتيكية هي الإعتراف بالوجود الموضوعي للمادة، للطبيعة، المتطورة، المتحركة، بشكل خالد. لهذا لابد، في البداءة، من دراسة المادة وأشكال وجودها.
- المادة:
يحيط بنا عدد لا حصر له من الكائنات المتباينة أعظم تباين في خصائصها بعضها يحشر في عداد الكائنات الحية. وبعضها لا يتوفر فيه أي دليل على الحياة. بعضها قاس وبعضها طري أو سائل. بعضها متناه في الصغر وخفيف، وبعضها ذو أجسام هائلة وثقيلة جداً. بعض الأجسام مشحونة بالكهرباء، وبعضها غير مشحون بها.... إلخ. كل هذا بمجموعه يشكل ما يدعى بالطبيعة.
ومهما تباينت أجسام الطبيعة وتمايزت عن بعضها، فالخاصة الجامعة بينها هي إنها موجودة خارج وعي الإنسان، واحساسه ونفسه وبشكل مستقل عنه.
ولم ينشـأ الإنسان ووعيه الا في درجة معينة من تطور الطبيعة كنتاج رفيع لها، في حين وجدت الطبيعة ذاتها بشكل خالد، ولم يوجد ولا يمكن أن يوجد أي "وعي ما فوق الإنسان" أو "وعي مطلق"، وعلى هذا فالفلسفة المادية تعلم أن الطبيعة، أن المادة، هي السابقة؛ وأن الروح، أن الوعي هو اللاحق، وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع.
إن الفلسفة المادية، إذ تعمم حصيلة التطور التاريخي الطويل تصوغ ، شيئاً فشيئاً، مفهوم المادة العلمي.
يقول لينين: "إن المادة هي مقولة فلسفية للدلالة على الواقع الموضوعي الذي تعرفنا عليه إحساساتنا، الواقع الذي تنسخه هذه الإحساسات وتصوره وتعكسه، ويوجد بشكل مستقل عنها".
في هذا التعريف ينعكس جوهر النظرة المادية عن العالم، وانتصاب المادية ضد المثالية وضد نظرية استحالة المعرفة.
إن آفاقاً لا تحد تتكشف أمام العلم في استقصائه اعماق المادة، مهما صغرت ومهما تعقدت، إن العقل البشري لا يتوقف عن الحدود التي عرفها بل يحاول أن يتعداها ليتعمق في معرفة جوهر المادة وجزئياتها، ذلك أن الحقائق التي عرفناها، يستقر خلفها حقائق أخرى لم نعرفها بعد، وهذه تمهد لاكتشاف حقائق ثالثة وهكذا إلى ما لا نهاية.
ثم أنه لا ينبغي الخلط بين سؤالين اثنين: أولهما هو هل للأجسام الطبيعية كيان خارج وعينا ومستقل عنه؟ وثانيهما: ما هي بنية هذه الأجسام، وما هي العناصر الفيزيائية التي تتكون منها؟ وما هي الصفات الفيزيائية لهذه العناصر؟ السؤال الأول فلسفي ويتعلق بنظرية المعرفة، أما الإجابة على الثاني فمن مهمات العلوم الطبيعية، ولا سيما الفيزياء. بيد أننا حين نؤكد على الفارق بين السؤالين، لا نستطيع الفصل بينهما. إن العلوم الطبيعية تدرس العالم الواقعي والأجسام المختلفة في هذا العالم، كما تدرس بنية هذه الاجسام وخواصها، وارتباط بعضها ببعض، والقانونيات الملازمة لها. بيد أن هذه العلوم لا يمكن وجودها من غير الاعتراف بالواقع الموضوعي للعالم المحيط بنا. ومفهوم المادة هو انعكاس لهذا الواقع الموضوعي. ولهذا فمفهوم المادة، بالمعنى الفلسفي الماركسي، يتمتع بأهمية كبرى بالنسبة إلى العلوم الطبيعية.
إن المفاهيم الأساسية التي أوجدتها العلوم الطبيعية، للدلالة على مواضيع هذه العلوم: كالصغيرة الأولية، والذرة، والجزيء والعنصر الكيماوي والتشكيلة الجيولوجية، والمنظومة الفضائية ....إلخ، إن هذه المفاهيم ترتبط حتماً بمفهوم المادة الفلسفي، ويعبر عنها من خلاله.
لقد لاقى مفهوم المادة هجوماً أعنف من أي هجوم تعرضت له الفلسفة المادية. ولا عجب في ذلك لأن هذا المفهوم هو حجر الزاوية في المفهوم المادي عن العالم، لذا يهاجمه أعداء المادية باستمرار. لقد أكد المثاليون مراراً وتكراراً أن مفهوم المادة الذي يعني الواقع الموضوعي إنما دحض أو شاخ؛ غير أن تطور العلم، ومعطيات ممارسة النشاط العملي أثبتا، بشكل لا يدحض، عكس ما ذهبوا إليه.
كل شيء في تبدل وتغير وذو نهاية. ولكن إذا ما اختفى شيء برز مكانه شيء آخر، بحيث أن أية صُغَيرة مادية لا تختفي من غير أثر، ولا تتحول إلى لا شيء، وبالمقابل فليس هناك من صغيرة مهما كان شأنها، تخلق من لا شيء. وحيث تنتهي حدود أحد الأشياء المادية تبدأ حدود أشياء مادية أخرى. ولا نهاية لهذا التعاقب الذي لا حد له، ولا للتأثير المتبادل بين الأجسام المادية. فالمادة، فالطبيعة خالدة، لا نهاية لها ولا حدود.
ليست المادة شيئاً وحيد الصورة ومن نوعية واحدة. إنها تبرز في أجسام متباينة لا حصر لتباينها، متميزة نوعاً وكماً، وهي تشكل جماعات من الأشياء الأقارب، من حيث خصائصها، وهي ما نسميها بالأنواع المتباينة للمادة.
وهذه الأنواع المتباينة للمادة تتميز بالتعقيد إلى هذا الحد أو ذاك، وهي مواضيع بحث مختلف العلوم من الفيزياء إلى الكيمياء، والبيولوجيا....إلخ. أما الأنواع البسيطة نسبياً منها فهي الصغيريات الأولية كالفوتون، والالكترون، والبوزيترون، والبروتون، والميزون، والأنتي بروتون والنترون والانتي نترون....إلخ.
أما التعقيد الواسع فهو من نصيب الذرات والجزيئات ثم تليها في التعقيد الغازات والسوائل والأجسام الصلبة التي نحتك بها في حياتنا اليومية. وكذلك الأجرام السماوية المختلفة كالكواكب والنجوم والمجموعات النجمية.
وتتميز أجسام الطبيعة العضوية، وخاصة الإنسان، ثمرتها العليا، بدرجة عالية من التعقيد. ويعتبر المجتمع الإنساني موضوعاً مادياً خاصاً تدرس علوم كثيرة جوانبه ومظاهره المختلفة: من هذه العلوم المادية التاريخية، والتاريخ والاقتصاد السياسي، والاحصاء الاقتصادي....إلخ.
- الحركة شكل لوجود المادة :
المادية الجدلية لا تحصر تعدد أشكال الحركة في شكل واحد منها، ميكانيكي، مثلاً أو أي شكل واحد آخر، بل تربط الحركة بالتغير، بتطور الاجسام، بمولد الجديد واندثار القديم ، لا توجد المادة إلا في حركة وهكذا فإن الحركة شكل من أشكال وجود المادة وهي خاصية ملازمة لها. "إن الحركة هي أسلوب لوجود المادة . ولم توجد في أي مكان مادة دون حركة ولا يمكن أن توجد".
- الحركة مطلقة والسكون نسبي:
حركة المادة مطلقة وابدية ، وخلافاً لكون الحركة مطلقة فإن السكون نسبي. ولكنه لا يجوز تصوره حالة جامدة متحجرة. فالجسم لا يمكن أن يكون ساكناً إلا بالنسبة لجسم آخر، لكنه بالضرورة يشترك في الحركة العامة للمادة. وفوق ذلك فحتى حين يكون الجسم في حالة سكون فإن عمليات فيزيائية أو كيميائية أو عمليات أخرى تجري فيه طيلة الوقت.
فإن حركة المادة ابدية مطلقة ، في حين أن السكون وقتي نسبي، أنه مجرد لحظة من لحظات الحركة.
ذلك إن كل ما يولد الأحاسيس لدينا مادي، ولكن ليس كل الظواهر المادية تولد لدينا أحاسيس: فالأشعة ما فوق البنفسجية والعمليات الجارية وسط الشمس وعدد لا يحصى من الظواهر الأخرى ليس بمقدورنا أن نحس بها. وبالرغم من كل أهمية السمتين الثانية والثالثة للمادة فالأمر الرئيسي الذي يميز المادي عن غير المادي هو وجوده خارج الوعي.
إن هذا الفهم للمادة يتسم بأهمية كبرى في الوقت الحاضر وتؤكده كلياً الاكتشافات العلمية الحديثة والمعاصرة. وعلى ضوء التصورات العلمية الحديثة يمكن أن نشير إلى المجموعات التالية لأشكال حركة المادة:
_الأشكال الميكانيكية: وهي تنقل الأجسام مكانياً بالنسبة إلى بعضها البعض.
_الأشكال الفيزيائية: وهي التغيرات في الواقع المكاني والسرعة والكتلة والطاقة والشحنة الكهربائية ودرجة الحرارة والحجم وغير ذلك من صفات الأشياء المادية، وهي أيضاً، _مجموعة أشكال الحركة التي تدرسها الفيزياء كالعمليات الحرارية والكهرطيسية بما فيها الظواهر الضوئية والتجاذب المتبادل وكافة العمليات التي تجري داخل الذرة وداخل النواة.
_الأشكال الكيميائية: وهي تحول بعض المواد إلى بعضها الآخر، وتكوين تراكيب الذرات وإعادة تكوينها (اتحادها وانفصالها).
_الأشكال البيولوجية: وهي كافة التغيرات أو الحركة في الحياة العضوية.
_الأشكال الاجتماعية: وهي التغيرات الجارية موضوعياً في المجتمع البشري وحدهُ والملازمة له دون غيره، أو هي العمليات الاجتماعية (التناقضات والصراعات الطبقية ...إلخ) وتاريخ المجتمع الإنساني.
إن أي شكل من أشكال الحركة المذكورة أعلاه إنما هو موجود موضوعياً بغض النظر عن وعي البشر، وهو يمثل عملية مادية. أما حركة أحاسيسنا وأمزجتنا وأفكارنا فهي موجودة في أذهان البشر فقط. وبديهي أن الأحاسيس والأفكار لا يمكن أن توجد بدون حاملها المادي، نعني الدماغ.