باختصار حول تطور مفهوم فلسفة الاخلاق والتنوير مع بزوغ عصر النهضة في اوروبا (القرن16)


غازي الصوراني
الحوار المتمدن - العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 22:47
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

بدأ هذا العصر بعد أن تم كسر هيمنة الكنيسة على عقول الناس بتأثير الفلاسفة والمفكريين العقلانيين والديمقراطيين الثوريين الذين اسهموا في ازاحة وتحطيم الفلسفة الرجعية الاقطاعية ومنطلقاتها الغيبية . فمع بداية عصر النهضة ظهرت أفكار الفيلسوف الانجليزي " فرنسيس بيكون" (1561_ 1626) الذي يعتبر "أعظم عقل في العصور الحديثة" ، طالب بتطهير العقل وغسله من التصورات والأوهام المسبقة التي تهدد العقل، ثم جاء الفيلسوف الفرنسي "ديكارت" (1596-1650) ، الذي أكد أن المهمة الأساسية للمعرفة هي ضمان رفاهية الانسان وسعادته عبر سيطرته على الطبيعة وتسخير قواها لصالحه ، وعلى هذا الأساس ظهر ما نستطيع أن نسميه أخلاق العقل ، التي أعلن عنها بجرأة تلميذه الفيلسوف المادي "باروخ سبينوزا" (1632-1677)حينما انتقد أخلاق "الكتاب المقدس" انتقاداً مراً، واستنتج مبدأ الحق من القوة، واعتبره مبدأ كل أخلاق . ثم جاء "جان جـاك روسو" (1712 -1778 ) ودعا إلى المساواة بين البشر وأن يظل الناس أحرارا كما ولدوا، أما فولتير (1694/1778 )، فقد عاش كل حياته مناضلاً ضد التعصب الديني.
أما الفيلسوف الألماني "كانط" ( 1724 -1804 ) فقال: إن الواجب هو المفهوم المركزي في الأخـلاق وهو الذي يحدد مفهوم الخير ( والخير هو فعل الواجب ) .والى جانب كانط ، حفلت الثقافة الألمانية بآراء فيخته وشلنغ و"هيغل" (1770 – 1831) الذي تقوم خصوصية مذهبه الأخلاقي على الالتزام الاخلاقي تجاه الاسرة والمجتمع والدولة ، لقد رأى في نابليون والثورة الفرنسية والتنوير الأوروبي تحولاً حاسماً في تاريخ العالم ، أدى هذا التحول إلى إخضاع الواقع الاجتماعي للعقل الذي يحتل مكانة بارزة أو مركزية في فلسفته ، فهو يقول وما أروعه في قوله : "كل ما ليس بعقلي يجب أن يصبح عقلياً.". فمتى نؤمن بالعقل؟؟إن الواقع العربي يجب أن يتحول إلى واقع عقلاني .. ذلك هو المدخل الضروري نحو التغيير الديمقراطي المنشود .
أما "أوغست كونت"- رائد علم الاجتماع الحديث - ( 1798 _1857 ) ، فالأخلاق لديه علم يهدف أول ما يهدف إلى البحث عن قوانين الحوادث الأخلاقية في المجتمع ، وعلى هذا الاساس اصبح مفهوم الاخلاق أحد مكونات علم الإجتماع .
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت أفكار نيتشة ( 1844 _1900 ) ، التي تدعو الى تدمير الأخلاق القديمة وتمهيد الطريق لأخلاق ما يسميه" الإنسان الأعلى " !!، فالأخلاق الحقة عنده هي إرادة القوة، هكذا كان نيتشة واضحاً وصريحاً في احتقاره للضعفاء.
بعد نيتشه ، ظهر سيغموند فرويد ( 1856_1939) الذي قال بأن دوافع الانسان واخلاقياته هي انعكاس لميوله اللاشعورية ، ولا سيما الجنسية ، أما التفسير التطوري ، وخاصة مذهب " هربرت سبنسر " ( 1820 -1903 )- فان مصدر الأفكار والآراء حول الأخلاق التي نادى بها تشكلت على أساس بيولوجي ، وهي فكرة " بقاء الأصلح " في تطبيقها على الواقع الاقتصادي والبقاء للأقوى فيه . وفي هذه المرحلة ظهرت الفلسفة النفعية أو البرجماتزم عبر افكار وليم جيمس ( 1842 _1910 ) الذي تأثر بالمفكر الأمريكي تشارلز بيرس(1839-1914) صاحب مقولة " لكي نجد معنى للفكرة ينبغي أن نفحص النتائج العملية الناجمة عن هذه الفكرة " ، فعوضاً عن سؤالنا عن مصدر الفكرة ، فان فلسفة البرجماتزم تفحص النتائج ولا تهتم بالمصدر ، إنها تتجه الى النتيجة أو الثمرة او المصلحة المباشرة. والأخلاق هنا مبنية على هذا الأساس الذي اعتمدته الإمبريالية الامريكية من أجل استغلال الشعوب الفقيرة واستمرار تبعيتها وتخلفها .
بعد وليم جيمس ، جاء تلميذه جون ديوي ( 1859 – 1952 ) الذي قال أن النمو و التطور ، هما أعظم الأشياء وأفضلها وأجدرها بالاحترام ، فقد جعل ديوي من النمو والتطور مقياسه الأخلاقي ، أما عالِم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 ـ 1920)، فقد رأى أن الحداثة المعاصرة، وانتقال العالم من العصر القديم إلى العصر الحديث، يمكن إرجاعه إلى سببين رئيسيين، هما : «روح» الرأسمالية، و«الأخلاق» البروتستانتية ، وبذلك كانت الأخلاق البروتستانتية –عند فيبر - هي الحاضن لروح رأسمالية تكمن وراء كل إنتاج أو إبداع" .
من كل ما تقدم ، نلاحظ انتقال المسألة الأخلاقية في عصر النهضة أو في حضارة الغرب الرأسمالي عموما ، من مستوى الدين الآمر ، والفكر اللاهوتي إلى مستوى الفكر الانتقادي ، وأصبحت قواعد الأخلاق الرأسمالية موضوعاً من مواضيع الثقافة الامبريالية.
وبإزاء هذه الحركة "الميتافيزيائية" قامت الفلسفة المادية الجدلية عبر إعلان ماركس عن "فلسفة علمية تقوم على مبدأ المادية التاريخية ، فقد بين كل من ماركس وانجلز أن الأخلاقيات يحددها النظام الاقتصادي والاجتماعي للأمة، وأكدا أن تفاقم التناقضات بين الرأسماليين والكادحين وجموع الفقراء ، سيقود بالضرورة إلى أذكاء نضال الفقراء الطبقي ، والتعجيل بعملية التغيير والثورة الديمقراطية.