رؤية المفكر الراحل سمير امين للتاريخ والصراع الطبقي والعلاقات القائمة بين المركز والأطراف


غازي الصوراني
الحوار المتمدن - العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 13:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

إن رؤية المفكر الماركسي الراحل د.سمير أمين هي رؤية ابداعية للتاريخ والصراع الطبقي (وليس الجغرافي) وهي رؤية مؤسسة على الفكر الماركسي نفسه، ومستفيدة من تطور المعارف والعلوم التاريخية والجغرافية، وبالتالي كان من الطبيعي كما تقول د. فهمية شرف الدين " أن تأخذ هذه الرؤية بالاعتبار تقسيم العالم ما بين مراكز وأطراف، وكانت نظريته حول التطور اللامتكافئ بداية اتجاه آخر في الفكر والنظر في محاولة لصياغة أكثر دقة للآليات التي تتحكم بتطور بلدان الأطراف والآليات الأخرى التي تصوغ تطور المراكز، حيث خرج سمير أمين من دائرة التجمد الفكري – كما تضيف د. شرف الدين – وابتدأ في اعادة قراءة التاريخ بما فيه تاريخ الماركسية ووثائقها بعين أخرى، ترى إلى الموضوع من زاوية عالم آخر غير أوروبي التمركز، عالم آخر مترامي الأطراف، لكنه مستغرق في التخلف والاستتباع، أي من زاوية العالم الثالث، ولم يكن إعلان الموقف هو الأهم في نظر سمير أمين، لقد كان يطمح إلى أكثر من ذلك، إلى العبور نحو نظرية أخرى تكون أكثر التصاقاً بتجربة العالم الثالث وهمومه، وكان تنقله في أفريقيا (وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوربا) – منذ الستينات إلى الآن – وسيلة للتعرف عن قرب إلى المشكلات التي تعانيها هذه المجتمعات (المتخلفة والتابعة بوجه خاص) بسبب الاستغلال الرأسمالي البشع للمراكز، فرأى باكراً أن التحليلات الجاهزة التي تطبق في بلداننا العربية وفي أفريقيا وأمريكا اللاتينية ستزيد في التشوه الذي أصاب هذه المجتمعات أيام الاستعمار، وأن التطبيقات العملية للنظريات التنموية لن تؤدي إلى تحقق طموحات هذه الشعوب في الحرية والاستقلال والتقدم (للمراجعة أنظر مجلة الطريق – مارس – ابريل 1996 – د. فهمية شرف الدين – قراءة في النظام الفكري لسيمر أمين – ص166) .
إن نظرة سمير أمين الاجمالية إلى العلاقات القائمة بين المركز والاطراف شبيهة بنظرة منظري التبعية . فالتراكم في المركز عملية " متمحورة على الذات"، إنه محكوم بآليته الداخلية الخاصة كما في تحليل ماركس، أما في الاطراف (وهنا الاختلاف مع ماركس) فإن التراكم يكون تابعاً أو "خارجياً" مقيداً بين المركز الرأسمالي والأطراف، أو الهوامش، كما هو حال بلداننا العربية اليوم في ظل تبعيتها التي تكرس إحتجاز تطورها وتخلفها.
وفي هذا السياق، فإن قراءة سمير أمين للعلاقة بين المركز والأطراف تشكل اضافة نوعية للمادية التاريخية بخلاف النظرية الخماسية (هنا تأتي أهمية دراسته للثورة الروسية وفيما بعد الثورة الصينية والماوية) وهو بذلك يقارب الرؤية اللينينية والماوية أو الثورتين الاشتراكيتين في روسيا والصين اللتان قامتا في بلدين متخلفين على العكس من فرضية ماركس القائلة بقيام الثورة في البلدان الصناعية الأكثر تقدماً.
المسألة الثانية في هذا الجانب، تتعلق بقراءة سمير أمين التاريخية للتشكيلات الاجتماعية حيث يرى أن النظم الخراجية للعالم القديم (أوروبا القديمة – الشرق العربي الإسلامي – الصين والهند) كانت تشكل منظومة متكاملة مركزية، الشيء الذي اعطى امكانية وفرص التغير والتحول في هوامش النظام آنذاك.
وبقلب هذه الفرضية على العالم الحديث حيث تشكل دول المركز "قلب النظام" يستبعد سمير أمين الثورات الاجتماعية فيها، بمعنى القطع مع النظام الرأسمالي في دول المركز حسب فرضية ماركس، وبناء على ذلك يقول في تحليله لمستقبل الاشتراكية في القرن 21 " أنا هنا لست بصدد وصف ما "ستكون عليه" اشتراكية القرن الواحد والعشرين، أو ما "يجب أن تكون عليه". وأي تحديد من هذا النوع سيتعارض مع قراءتي للماركسية التي تقرر أن الاشتراكية (ومن باب أولى الشيوعية) لا يمكن إلا أن تكون نتاجاً لصراع الطبقات والشعوب المستغَلة والمقهورة، وليس تطبيقاً "لمشروع ثقافي" محدد من قبل. ولكن يمكننا رغماً عن ذلك، طبقاً لما جرت عليه الماركسية والشيوعية، أن نتفق على المبادئ العامة التي يرتكز عليها تحليلنا للتحديات، وحجم الصراعات (وهما لا ينفصلان)، وهي:
1. بناء عالم مؤسس على التضامن بين البشر، لا "المنافسة.
2. بناء عالم مؤسس على الاعتراف بالصفة غير التجارية للطبيعة ولموارد الكوكب.
3. دعم السياسات التي توثق الرباط بين المقرطة بلا حدود، وبين التقدم الاجتماعي، وتأكيد استقلالية الأمم والشعوب؛
4. تأكيد التضامن بين شعوب الشمال والجنوب في بناء رابطة دولية على أساس مناهضة الإمبريالية. (وهو هنا يُسَخّر الجغرافيا في خدمة النضال السياسي والطبقي لان الجغرافيا هنا تتخذ طابعاً جيوسياسياً طبقياً صراعياً بين الشمال ( الثراء والاستغلال) والجنوب (الفقر والتبعية والتخلف) وبالتالي فهو لا ينطلق مع موقع جغرافي مطلقاً حسب تفسير البعض).
الإضافة الأخيرة في هذا الجانب، هي حرصي على التأكيد بصورة واعية، موضوعية وصريحة، على تبني المنطلقات النظرية الإبداعية للمفكر الماركسي سمير أمين، وهو " تبنى" يندرج تحت إطار التوافق أو الاختلاف من على أرضية الماركسية ومنهجها بدرجة أساسية (وهو حق اجتهادي لكل رفيق منا على قاعدة الإلتزام الواعي الجدلي بهوية حزبنا)، وهو أيضاً "تبني" معرفي يرتبط أو ينعكس عن الوعي بوقائع وحركة الحياة من حولنا في هذا الكوكب عموماً وفي واقعنا العربي والفلسطيني خصوصاً، يؤكد على ذلك قدرة الرأسمالية على تجديد نفسها – كما استنتج بحق المفكر الماركسي الراحل فؤاد مرسي – في ظل غياب العوامل الذاتية (الاحزاب الثورية) والموضوعية في بلدان المراكز رغم تفاعل الأزمة المالية والاقتصادية في اللحظة الراهنة، وهي أزمة لم تصل بعد إلى درجة التفاقم أو الذروة التي وصلتها عام 1929/1930، ولكن حتى لو وصلت إلى هذه الذروة أو الكساد العام، فإن غياب أو ضعف الأحزاب الشيوعية أو اليسارية وانحسارها وتشرذمها التعددي بين الستالينية والتروتسكية والماوية والاشتراكية الديمقراطية الليبرالية الانتهازية، أدى - إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بفلسفة وخطاب وممارسات أو مغريات النظام الرأسمالي نفسه – إلى تراجع الفكر اليساري ليس من مواقع القوى والاحزاب فحسب بل أيضاً – وهذا هو الأخطر- من الذهنية الشعبية للمواطنين في أوروبا والولايات المتحدة واليابان.
وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى طبيعة الاستغلال البشع من قبل المراكز الرأسمالية ضد بلدان الأطراف ( في آسيا وأفريقيا وبلداننا العربية) حيث يقوم هذا الاستغلال بالدرجة الأولى من منطلق الاستيلاء على فائض القيمة للشعوب، الثروات والموارد من المواد الخام والزراعة في سياق إبقاء هذه البلدان سوقاً استهلاكية وفق سياسة تحول دون امتلاكها لأي شكل حقيقي من أشكال التطور الرأسمالي، خاصة في التطور أو التقدم الصناعي بما يضمن استمرار احتجاز تطورها وتخلفها واستمرار تبعيتها.
في ضوء ما تقدم يمكن أن نتفهم ونتبنى أفكار ومنطلقات سمير أمين الإبداعية فيما يتعلق بمقولة الأطراف والمراكز، وهي مسألة تحتاج إلى مزيد من القراءة والمتابعة في سياق الممارسة المتفاعلة مع الواقع، وإلا نصبح عرضة للتوهان دون بوصلة أو مرشد.