نحن والعالم والأزمة النقدية القادمة

محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن - العدد: 6597 - 2020 / 6 / 19 - 01:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

مقدمة
‏‏خلال ثلاثة أشهر فقط أدت أزمة فيروس الكورونا الى ضياع عقود من العمل والنمو و إخراج للملايين من مصيدة الفقر ،الآن تعيد الأزمة مئات الملايين في العالم إلى دائرة الفقر من جديد. كما أدت الأزمة إلى تطورات كبيرة وخطيرة في الاقتصاد العالمي. والأمانة تقتضي أن نقول انه ليس بمقدور أحد أن يتنبأ بتداعيات السياسة النقدية والمالية التي تطبقها البنوك المركزية وأجهزة المالية العامة الآن في الدول الكبرى والتي سيكون لها آثار بالغة على الاقتصاد العالمي بشكل عام وعلينا كدول فقيرة بشكل خاص.و سوف نحاول في هذا المقال أن نعرض لما يحدث بشكل موجز ومبسط قدرالإمكان عسى أن نكون مستعدين لما هو قادم قبل حدوثه.

توجهات أمريكا في الأزمة الحالية
ولأن الموضوع معقد فقد رأيت أن أركز على الوضع الاقتصادي القائم في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص ‏باعتبار أن ما يحدث فيها يؤثر علينا وعلى العالم كله خاصة فيما يتعلق بسياسات التيسير النقدي المكثفة التي تطبقها هذه الأيام مستغلة صلاحياتها في طباعة الدولار وإدارة شؤونه .
وبداية ومنذ مجيء ترامب الى السلطة بدأت إدارته في اتباع سياسات إنعزالية وحمائية بهدف واضح وهو تقويض أركان العولمة حيث روجت إدارة ترامب حتى قبل أزمة الفيروس إدعاءات بأن أمريكا والغرب تضرروا من العولمة وأن المستفيد الوحيد منها هو الصين والهند وباقي ‏الدول الآخذ في النمو. وهم لم يقولوا هذا صراحة ولكن سياسة أمريكا بالذات في التعامل الخشن مع كل المؤسسات الدولية وسعيها لإحكام قبضتها عليها كما حدث مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية أظهر هذه النوايا ‏بوضوح. خاصة ما حدث مؤخرا مع منظمة الصحة العالمية حينما انسحبت أمريكا منها وأوقفت دعمها السنوي لها بهدف القضاء عليها. وظهر هذا أكثر وضوحا في تشجيع أمريكا ترامب بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي بهدف نسف الاتحاد بالكامل. كما يسعى ترامب إلى إعادة توطين كل الصناعات الامريكية الموجودة حاليا في جنوب شرق آسيا ‏وفي الصين وفي دول أخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية من جديد. وبدأ يهدد بالفعل كل الشركات الأمريكية العملاقة بضرورة العودة إلى أمريكا وإلا تعرضت لعقوبات من قبل الحكومة الفيدرالية . وفي ذات الوقت ‏بدأ في فرض رسوم جمركية عالية على الصادرات الصينية لأمريكا وبعض من الدول الحليفة لأمريكا والهدف واضح من كل ذلك وهو القضاء على العولمة والإضرار بالصين باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومنافس قوي لأمريكا على زعامة العالم.
‏وعندما اندلعت أزمة فيروس كورونا في بداية العام الجاري بدأت إدارة ترامب في توجيه اللوم الى الصين وتحميلها مسؤولية انتشار هذا الفيروس في العالم وتبعتها في هذا دول غربية أخرى مثل ألمانيا وكندا واستراليا. الصين ردت على هذا بادعاء آخر بأن أمريكا هي المسؤولة عن تخليق الفيروس في معامل الجيش الأمريكي، والحقيقة انه معظم علماء ‏الإبيديميولوجي المحترمين في الغرب وأحدهم صديق لي يعمل بين جامعتي كولومبيا وهارفارد في الولايات المتحدة أكد لي أن الفيروس بالفعل بدأ في الصين ولكن السيكوانس الخاصة به تثبت أنه من إنتاج الطبيعة وعملية الارتقاء البيولوجي وأنه من المستحيل تصنيعه معمليا.والمهم أن هذا الجانب في الأزمة لا ‏يعنينا كثيرا بقدر ما يعنينا تبعاته الاقتصادية. وفي هذا فقد بدأت امريكا ومن ورائها الغرب والشرق وكل العالم تقريبا في التعامل مع أزمة الكساد الخطيرة التي نجمت عن وقف محركات الاقتصاد العالمي في فترة الثلاثة أشهر الماضية ، وهو ما أدى إلى خسائر فادحة في كل القطاعات الاقتصادية باستثناء البعض القليل منها مثل الخدمات الصحية وتكنولوجيا الاتصالات والصناعات الغذائية.كما ارتفعت معدلات الإفلاس والبطالة والفقر بشكل مخيف لم تعهده البشرية منذ وجودها على الأرض. وبالرغم من كل إجراءات الغلق والحظر وتعطيل الحياة لم ننجح بعد في السيطرة على هذا الفيروس.

المشكلة الرئيسية
‏وإزاء هذه الأوضاع الخطيرة بدأت الولايات المتحدة ومن ورائها الغرب وكل دول العالم تقريبا في العودة إلى فتح اقتصادياتها بشكل تدريجي لإنقاذ ما تبقى منها. وكانت المشكلة الكبرى هي نقص إيرادات الخزانة العامة مقابل النفقات في كل الدول في الوقت الذي تحتاج فيه إلى إيرادات أكبر من المعتاد للتعامل مع مشكلات جديدة غير المشكلات التقليدية. ومن هذه المشكلات الجديدة بناء منظومة صحية جديدة ومتطورة استعداد ا للأزمة الصحية القادمة ،‏ ‏وكذلك تزويد قطاع الأعمال والبنوك بموارد مالية كافية لتحفيز النمو الاقتصادي من جديد وفي ذات الوقت مد مظلة التأمينات والإعانات الاجتماعية للملايين ممن تضرروا في أرزاقهم وأعمالهم نتيجة حبسهم في البيوت ومنعهم من مزاولة أي نشاط من أجل احتواء الفيروس.
‏ولتوضيح مدى عمق الأزمة فإن نسبة العجز إلى مجموعة الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة بلغت حتى الآن حوالي 18% وفي اليابان حوالي 9% وفي منطقة اليورو 10% وفي بريطانيا 12% وفي الصين حوالي 13% وذلك حسب تقديرات شركة مورجان ستانلي.
ولم يعد أمام كل الحكومات إلا اللجوء إلى الاقتراض من الداخل والخارج من خلال سياسات التمويل بالعجز التقليدية. وفي أمريكا تضطر الحكومة الفيدرالية أيضا إلى إصدار سندات لتمويل جزء من العجز لديها من حين لآخر وتحظى هذه السندات عادة بقبول كبير من المستثمرين في الداخل والخارج خاصة الصين وروسيا ولكنها أي أمريكا لجأت في هذه الازمة إلى سياسة التيسير الكمي بأرقام فلكية من أجل توفير السيولة في كل أسواقها لتحفيز الاقتصاد على النمو بسرعة كما سنوضح حالا.

كيف تعمل سياسات التيسير الكمي
باختصار شديد فإن سياسة التيسير الكمي عبارة عن خلق وطباعة نقود جديدة يستخدمها البنك المركزي " بنك الاحتياطي الفيدرالي" ا في شراء سندات طويلة الأجل من المؤسسات المالية والبنوك والشركات لتوفير السيولة للأسواق لتحفيزها على النمو وخلق وظائف. وهي نفس السياسة التي طبقها الاحتياطي الفيدرالي في امريكا للتعامل مع الأزمة المالية العالمية عام 2008. وقتها قام البنك بضخ حوالي 1.3 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي وقد تبعت أمريكا في هذا التوجه بريطانيا واليابان والمجموعة الأوروبية، والأخيرة ترددت في البداية في اتباع هذه السياسة بسبب اعتراض ألمانيا ولكن ما لبث أن بدأت المجموعة في تطبيق هذه السياسة لاحقا. وأتذكر هنا تصريح لماريو دراجي رئيس المركزي الأوروبي عندما قال إننا سنفعل أي شيء من أجل احتواء أزمة الديون التي استفحلت في أوروبا في عام 2012.
الآن بدأت أمريكا في تطبيق سياسة التيسير الكمي من جديد للتعامل مع أزمة الكورونا منذ بداية إبريل 2020 وقد بدأت بضخ 2 تريليون دولار الاسواق الامريكية وهو مبلغ يعادل ضعف ما تم ضخه خلال الأزمة المالية عام 2008 وبعدها بأيام قليلة بدأ الاحتياطى الفيدرالي في التلميح بأن مجموع ما قد يضطر إلى ضخه من دولارات جديدة خلال عامي 2020 و 2021 سيصل إلى 6 تريليون دولار في شكل ديون جديدة لشراء سندات أمريكية مسحوبة على الخزانة العامة وعلى الشركات الامريكية. وكالعادة أعلنت البنوك المركزية في المجموعة الأوروبية وبريطانيا واليابان البدء في سياسات للتيسير الكمي لتحفيز أسواقها أيضا للنمو من جديد.
‏وتجدر الإشارة هنا إلى أن امريكا على رأس الدول القليلة التي تستطيع أن تقترض من الخارج بعملتها من خلال إصدار أذون خزانة بالدولار. وأمريكا ‏ هنا ‏تستفيد من كون الدولار هو عملة الاحتياطي الدولي في العالم ‏وهو يمثل حوالي %30 مما تحتفظ به الدول من احتياطيات نقدية لدى بنوكها المركزية ، وكذلك لكون الدولار هو عملة التسويات الدولية في العالم وقد تحدثنا بتفصيل أكبر عن هذا الموضوع في بعض مقالاتنا السابقة على هذا الموقع. و بشكل عام لإزال الدولار يحتفظ بثقة المستثمرين و المدخرين في جميع أنحاء العالم دون سائر العملات الرئيسية الأخرى بالرغم من كل ما تعانيه أمريكا من مشاكل اقتصادية والسبب وجود أكبر اقتصاد في العالم من خلفه وقدرة أمريكا‏ على طباعته في أي وقت تشاء لسداد التزاماتها.
ولكن الولايات المتحدة بدأت في إساءة استخدام ما تتمتع به من نفوذ وصلاحيات مالية ونقدية من خلال المبالغة في عمليات التيسير الكمي بالدولار التي تستفيد منها وحدها تقريبا رغم أن هذا يحقق بعض الرواج الاقتصادي على مستوى العالم ولكنه في النهاية هو نوع من الاستدانة من الخارج بأسعار فائدة قليلة جدا مقارنة بالدول النامية مثل مصر التي تدفع أسعار فائدة على سنداتها السيادية بالدولار تبلغ أضعاف ما تدفعه أمريكا.
الفرق بين التيسير الكمي اليوم وامس
‏في الأزمة المالية عام 2008 كان الهدف الرئيسي من سياسة التيسير الكمي التي طبقها الاحتياطي الفيدرالي لأول مرة وقتها هو إنقاذ البنوك والشركات الأمريكية العملاقة التي تورطت في عمليات التوريق المالي لمحافظ سندات الرهن العقاري. ‏كما قامت الحكومة الأمريكية وقتها أيضا بشراء حصص ‏مؤقتة في بعض الشركات الأمريكية لإنقاذها من الإفلاس مستخدمة ‏أموال دافعي الضرائب. ولكن في أزمة الكورونا اليوم فإن الاحتياطي الفيدرالي يشتري بالأساس سندات الشركات بما فيها تلك ذات المخاطر العالية والمصنفة Junk وذلك لتلبية احتياجات جميع الشركات وتمكينها من العودة. والاحتياطي في هذا ينسق و يعمل مع كل من الخزانة العامة ‏والكونغرس لتوفير التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

مخاطر‏التيسير الكمي وعلاقته بالتضخم
‏حسب السياسة النقدية التقليدية التي ندرسها كان من المفترض أن تؤدي عملية خلق النقود بهذه الكميات الضخمة إلى نوع من التضخم ولكن هذا لم يحدث حتى الآن. وليس هناك تفسير محدد لنا كاقتصاديين وراء اختفاء التضخم في كل الاقتصاديات المتقدمة التي ذكرناها. ورأينا الشخصي أن هذا قد يرجع إلى مناخ عدم اليقين السائد سواء على مستوى قطاع الأعمال والمنتجين وهو يمثل جانب العرض أو على مستوى القطاع العائلي والمستهلكين وهو يمثل جانب الطلب. بمعنى أن ‏أزمة الفيروس وحبس الناس في بيوتهم وفقدانهم لكل أو جزء من دخلهم بالتأكيد يؤدي إلى تردد الجميع في الاستهلاك غير الضروري وهو كثير في عالم اليوم خاصة في الدول المتقدمة. هذا بالإضافة إلى ارتفاع متوسط أعمار السكان هنا في الغرب وهؤلاء يرتفع لديهم الميل الحدي للادخار عادة. وهذا التطور السلبي في جانب الطلب ينعكس بالضرورة على المنتجين ولذلك هم ‏مترددون أيضا في القيام بأي استثمارات جديدة. وبالنتيجة تتجه الأموال الجديدة إلى الاستثمار في البورصة ولعل في هذا توضيح أو محاولة للرد على السؤال الذي نواجه به دائما ‏في أي منتدى اقتصادي نشارك به هذه الأيام وهو لماذا ترتفع مؤشرات البورصة هذه الأيام بينما الاقتصاد يترنح على مستوى العالم.
‏وبالطبع فإن هناك أسباب فنية أخرى لظاهرة ارتفاع مؤشرات البورصات الرئيسية في العالم هذه الأيام منها غلبة أسهم شركات معينة على مؤشرات الاسواق المالية والطرق المعقدة في المضاربات التي تقوم بها صناديق التحوط والسماسرة هذه الأيام وهذا حديث آخر.
‏وعودة إلى موضوع التضخم حيث نعتقد أن من الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى خفض معدلات التضخم هو ما يبدو من وجود تفاهم ضمني بين رأس المال والسلطة بحيث تعمل الأخيرة على تخفيض الضرائب من أجل تشجيع رأس المال على الاستثمار وخلق وظائف جديدة كما يقولون، أما بالنسبة للعجز الناجم عن انخفاض الإيرادات العامة عن المصروفات العامة نتيجة انخفاض الضرائب فإن مسألة تمويله لم تعد مشكلة كبيرة. فكل ما يتطلبه الأمر هو إصدار سندات جديدة مسحوبة على الخزانة العامة بآجال مختلفة وهذه الأخيرة يتم شراءها بواسطة المستثمرين المحليين والأجانب، وعند الاحتياج لأي سيولة فإن البنوك المركزية يمكن أن توفر هذه السيولة من ‏خلال طبع نقود جديدة تستخدم في شراء هذه السندات. ‏ وهكذا تعمل سياسة التيسير الكمي في دائرة جهنمية.
‏ونود أن نلفت الانتباه هنا إلى حقيقة هامة ومخفية في هذه السياسة الجديدة وهي أن التزام الحكومة في نهاية المطاف بسداد كوبونات وأصول هذه السندات يتطلب بالضرورة أن تكون أسعار الفائدة منخفضة لتخفيف أعباء هذه الديون على الموازنة العامة للحكومة وواضح من هذا أنه لم يعد هناك استقلال حقيقي بين جهاز المالية والموازنة العامة وبين البنك المركزي وهذا شيء معتاد في دولنا العربية وفي الشرق مثل الصين ولكنه تطور جديد في الغرب وقد بدأ في أمريكا وهو يعني باختصار أن الموازنة العامة ‏التي تديرها الحكومة تبيع ديونها للبنك المركزي وهذا يوضح سبب آخر لانخفاض معدلات تضخم وهو سياسة التيسير الكمي التي تؤدي إلى انخفاض تكلفة عمليات التمويل لعجز الموازنة .وصحيح أن هذه السياسات أدت إلى حل الأزمة المالية في عام 2008 إلا أن لها سلبيات كثيرة ظهر منها حتى الآن بالاضافة الى ما سبق ما يلي:
أنها تعمل لصالح أمريكا بالأساس وأنها قد تؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار نتيجة إغراق الأسواق الدولية به ولهذا آثار سلبية على الدول التي يشكل الدولار جزءا كبيرا من احتياطياتها. ولذلك بدأت الصين وروسيا وغيرها في التوجه الى الذهب على حساب الدولار ولكن لا زال الدولار مرغوبًا من الجميع ويمثل النسبة الأعلى في الاحتياطيات الدولية كما أسلفنا.
‏وبالرغم من حقيقة أن كل ما سبق معروف للمستثمرين ولكافة الدول والبنوك المركزية إلى أن الملاحظ أنه في وقت الأزمات يسارع الجميع إلى الاحتفاظ بمدخراتهم في أدوات الدين الأمريكية ‏ باعتبارها الملاذ الآمن في وقت الأزمات. وقد حاولت الصين بشتى الطرق أن تحظى عملتها بنفسي القبول الذي يتمتع به الدولار دون أدنى نجاح والسبب هو النظام الشيوعي القائم في الصين و غياب الديمقراطية ‏والشفافية وسيطرة الحزب الشيوعي على كل مفاصل الدولة. والمدهش هنا أن كل أغنياء الصين وروسيا يتفننون في تهريب أموالهم إلى أمريكا والغرب. ولذلك سوف تظل أمريكا مهيمنه على العالم لفترة طويلة قادمة.
المستفيد الأكبر من سياسات التيسير الكمي في الاسواق هم الأغنياء وبالنتيجة فإن هذه السياسات تؤدي إلى تفاقم مشكلة اتساع فجوة الدخل والثروة بين الأغنياء والفقراء وهي من أخطر المشاكل التي تواجه كل الدول تقريبًا.
بالنسبة للدول العربية
‏اما بالنسبة للدول العربية فإن أغلبها يعاني أصلا من مشكلة ارتفاع نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي، ‏ومن المرجح أن يزداد الموقف فيها تعقيدا بسبب طبيعة اقتصادياتها الريعية التي تعتمد في مصادر دخلها من العملة الصعبة ‏على تصدير البترول والغاز الطبيعي وبعض السلع والمصنوعات البسيطة والسياحة والخدمات وتحويلات العاملين من مواطنيها في الخارج. كل هذه المصادر للأسف تعرضت للإنخفاض بشكل كبير بسبب أزمة الكورونا ونتوقع أن تعاني معظمها من عجز قياسي في موازناتها العامة وصعوبات في سداد التزاماتها بالقروض الأجنبية وبالتأكيد سوف تكون بحاجة إلى قروض جديدة للوفاء بهذه الالتزامات ولتمويل وارداتها من السلع والخدمات الضرورية. والأسوأ من هذا ما لوحظ هنا في الغرب من هروب لأموال ضخمة من الدول النامية والعربية إلى الغرب خلال الأشهر القليلة الماضية منذ اندلاع هذه الأزمة قدرها صندوق النقد الدولي بحوالي 100 بليون دولار.
ولا نتوقع أيضا أن يكون بمقدور الدول العربيه تطبيق أي سياسات تقشفية قوية على شعوبها التي تعاني أصلا من مشاكل البطالة ونقص الخدمات الصحية التي تليق بالبشر وتدهور التعليم وانعدام نظم التأمينات الاجتماعية. أي محاولات لفرض سياسات تقشفية جديدة قد تؤدي الى نوع من الغضب الشعبي وعدم الاستقرار. ولذلك سوف تستمر هذه الدول في الاستدانة من الداخل والخارج وعادة ما يكون هذا على حساب استقلال إرادتها السياسية.
أضف الى هذا أن التوقيت ليس مناسبا على الإطلاق لزيادة الضرائب على الشركات أو الافراد ولذلك ستخرج الدول العربية من هذه الأزمة محملة بالمزيد من الأعباء والقروض.
ولازلت مشكلتنا الكبرى في العالم العربي هي هذا الهيكل الإنتاجي المتخلف الذي نعاني منه منذ عقود وسوء الإدارة الاقتصادية وتفضيل حكوماتنا أيام الرخاء سياسة الإنفاق بالاستدانة بدلا من فرض نظام للضرائب التصاعدية على القادرين ومحاربة الفساد وهو في رأينا من أفضل المصادر للحصول على دخل جيد لزيادة الإيرادات العامة وتحقيق تنمية شاملة.
وبالرغم من كل المعاناة لازالت شعوبنا مستعدة للقبول بأي تضحيات جديدة من أجل تقدمها لو أنها رأت حكوماتها تبدأ بنفسها في الحد من النفقات العامة غير الضرورية والبذخ الذي يضيع في مشروعات غير ضرورية يغلب عليها طابع المنظرة والتباهي. الحل هو في احترام الشعوب وإشراكها في القرارات المصيرية وتطبيق منظومة متكاملة للنمو المستدام كما ذكرنا وذكر غيرنا مرارا من قبل خاصة فيما يتعلق بمبادئ الحوكمة الرشيدة والمساءلة والتنمية البشرية، أي تنمية الإنسان قبل تنمية الحجر.
الخلاصة
إن العالم كله مقبل على فترة صعبة تتسم بعدم الاستقرار وقد تمتد لسنوات طويلة حتى لو وجد علاج أو لقاح لهذا الفيروس لأن كل الدول ستتجه للانغلاق على ذاتها و ستتقلص العولمة بشكل ملحوظ خاصة ما يتعلق بحرية التنقل والسفر والتجارة البينية. ولكن السؤال الكبير يظل قائما وهو هل ستعود الآلة الرأسمالية الى العمل بنفس الطريقة الوحشية القديمة أم أننا سنتعلم شيء ما من هذه التجربة المريرة ونبدأ في البحث عن نموذج تنموي وحياتي جديد بعيدا عن هذا النموذج الحالي القائم على الاستهلاك والتلوث بلا حدود والنمو المستمر بلا هدف وعلى حساب التوازن البيئي ودون مراعاة للهشاشة التي أوصلنا الأرض إليها.