مراجعات وأفكار -١٠


محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن - العدد: 7338 - 2022 / 8 / 12 - 01:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

المراجعات
1- بعد أن نتجاوز الخامسة والستين من عمرنا تتغير نظرتنا للحياة ونبدأ في تأمل كل ما حولنا بعمق أكبر ونبدأ في التحلي بقدر أعلى من التسامح وتبسيط الأمور والتجاوز عن الصغائر التي كنا نتصلب أمامها ونحن صغار وبدلا من هذا نبدأ في البحث عن لب الأشياء وإدراك حقائق كم فاتتنا في زحمة ومشاغل الحياة لنكتشف أن أهم ما فيها ليس أين نوجد أو إلى أين تتجه مسيرتنا أو ماذا نعمل أو ماذا نملك ولكن من يقف إلى جانبنا بحب وإخلاص في هذا العالم المتوحش والذي بدونه تهون الحياة كلها وعندها ندرك أننا كبشر مخلوقات في غاية الهشاشة والضعف.
2- أكثر المشاكل التي تزعجنا كاقتصاديين هي التضخم خاصة عندما يصاحبه نوع من الركود لأن أكثر من يتضرر منه الفقراء وذوي الدخل الثابت، كما ان التعافي منه صعب لان ما يحدث بعد انتهاء موجة التضخم هو أن معدلات زيادة الأسعار عادة ما تبدأ في الاستقرار أو الزيادة بمعدلات صغيرة ولكنها لا تعود أبدًا إلي ما كانت عليه من قبل، ولذلك كتبنا منذ سنتين عن توقعاتنا بزيادة التضخم نتيجة للسياسات النقدية والمالية التي اتبعتها كل حكومات العالم خلال فترة الاغلاق مع بداية انتشار فيروس الكوفيد، وقتها أوصينا ببعض النصائح التي يمكن أن تخفف من الآثار الضارة للتضخم علينا.
التضخم الآن وصل الى مستويات لم يعرفها الغرب منذ نحو أربعين عاما فما بالك بشرقنا العربي وهو ما يعني زيادة أعداد الفقراء عبر العالم. والسؤال الذي يبحث الناس عن إجابة له هو متي ستنحسر هذه الموجة التضخمية؟ والإجابة في رأيي وبحسب تحليلي لما اطلع عليه من قياسات التضخم حول العالم هي أن التضخم لن يرحل عنا قبل عدة سنوات خاصة وأن بعض الزملاء الاقتصاديين في الغرب من أنصار معالجة التضخم من خلال جانب الطلب يطالبون البنوك المركزية بمواصلة رفع أسعار الفائدة للحد من الاقتراض بالإضافة الي الحد من ضخ نقود جديدة في الأسواق وذلك لدفع كل من قطاعي الاعمال والقطاع العائلي إلى نوع من الادخار الاجباري وهو ما يؤدى في النهاية إلى ما نسميه بالكساد التضخمي وهي بالضبط المشكلة التي يعاني منها العالم حاليا. والحل أو الحلم في رأي المدرسة التي أنتمي إليها يمكن أن يأتي من جانب العرض باعتبار أنه السبب المباشر للتضخم الحالي ممثلا في ارتفاع أسعار البترول والغاز وعدم انتظام سلاسل الإمدادات خاصة في قطاعات النقل المختلفة وهو ما يؤدى إلى اختناقات عديدة، هذا بالإضافة إلى الحرب في أوكرانيا ووقف صادراتها الضخمة من الحبوب والاسمدة وهذه المشاكل كلها تندرج تحت اقتصاديات جانب العرض. أضف إلى هذا ما تتبعه الصين حاليا من سياسة Zero-Covid
وما ترتب عليها من غلق لمقاطعات بأكملها وحبس عشرات الملايين في بيوتهم وغلق الكثير من الموانئ وتعطيل الكثير من الصادرات الصينية الحيوية للعالم.
هذا بالإضافة الي قلق الناس من الانفاق وتردد رجال الأعمال في التوسع نتيجة الخوف من عودة الحكومات لسياسات الاغلاق بسسب أي تحورات جديدة لفيروس الكورونا أو ظهور فيروسات جديدة. وقد ذكرت كلمتي الحل أو الحلم لأن الحل يمكن من الناحية النظرية أن يأتي من خلال التحكم في هذه العوامل وحل مشاكلها، ولكن الغباء الإنساني وتدهور مستويات الرشادة في تفكيرنا وسلوكنا كما نقول دائمآ تجعل الحلول السريعة للتضخم أمرًا صعب المنال وأتمنى من كل قلبي وبإخلاص أن أكون مخطئًا في تشاؤمي.
ومن العوامل الخطيرة لزيادة التضخم أيضا ظاهرة تفاقم الآثار السلبية للتغيرات المناخية على الكثير من الحاصلات الزراعية خاصةً القمح ومن يحضر إلى أوروبا هذه الأيام سوف يصاب بالذهول من حجم الجفاف الذي يضرب في جميع أنحائها لدرجة أن المياه في بعض الأنهار الصغيرة جفت تماما كما أن مساحات هائلة من الأراضي الزراعية خاصة في فرنسا والمخصصة للحبوب تحولت من اللون الأخضر الي الأصفر نتيجة موجات الحر العنيفة التي تضرب أوروبا وتؤدي إلى اشتعال الحرائق الضخمة في كل ماهو أخضر وهو ما يعني انخفاض في الحاصلات الزراعية والمزيد من الارتفاع في أسعارها. ومرة أخرى فإن السلوك الإنساني المستهتر واللامسؤول سواء في الإنتاج الضخم والاستهلاك المبالغ فيه هو ما أودى بنا إلى هذا المنعطف الخطير والذي يهدد كل أشكال الحياة على الأرض وهو ما يذكرني بما قاله أينشتاين يومًا بإن الفرق بين العبقرية والغباء هو أن للعبقرية حدودًا.
3-تعلمنا ‏في الاقتصاد بأنه ‏حتى ينعم أي مجتمع بديمقراطية حقيقية فلابد أن يكون مجتمعا مستقرا وأن الاستقرار الحقيقي يعني استقرار الطبقة المتوسطة اقتصاديا وتمتعها بمستوى رفاهية معقول، وعادة ما يعقب الاستقرار الاقتصادي ولو بعد حين نوع من الاستقرار السياسي. وفي هذا فإن فرحتنا بثورات الربيع العربي التي توقعنا أن تنشر الديموقراطية في ربوع العالم العربي لم تدم طويلا وانتهت بسرعة مذهلة نتيجة نجاح القوى المعادية لها في خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار الاقتصادي، وهو ما ينشر حالة من الخوف لدا الطبقة المتوسطة التي تفضل عادةً حالة الاستقرار مع الاستبداد على الديموقراطية. ‏وحتى الشعوب التي نجحت في التشبث بأطراف الديمقراطية مثل تونس والسودان والعراق ولبنان انتهى بها المطاف إلى أوضاع مأساوية وفوضوية إلى حد مثير للقلق وخطير بسسب شبح الحروب الأهلية الذي بات يهددها. والحقيقة أن المشكلة ليست في الديمقراطية الوليدة في هذه الدول، ولكنها في حالة عدم الاستقرار والخلافات الداخلية العميقة. والسؤال الملح هنا هو ‏هل سينعم العرب بالديمقراطية يوما ما؟ نقول لا بكل أسف لأن العرب لم يتعلموا شيئا من فكر النهضة والحداثة وتجارب بناء الدول ولا تعلموا شيئا من أخطائهم التاريخية.
4-هناك قاعدة شرعية تنص بأنه "لا ينكر المختلف عليه" بمعنى أنه في حالة عدم إجماع فقهاء الإسلام على شيء فإنه هذا الشيء لا يجوز منعه أو اعتباره منكرًا، وبناءا علي ‏هذه القاعدة يمكننا القول هنا وبناءًا على خبرتنا المصرفية بأن الفوائد التي تدفعها البنوك للمودعين ليست حراما. ‏والسبب أن ما حرم في القرآن هو الربا وهو الزيادة المبالغ فيها في المعاوضة استغلالًا لحاجة المقترض، ولكن ‏لو أننا نظرنا بدقة إلى ما يحدث في البنوك لوجدنا أن المودع عندما يذهب إلى البنك لا يفعل هذا لاقراض البنك ولكن لاستثمار بعض مدخراته، كما أن البنك بالتأكيد لم يطلب من العميل أن يقرضه شيئا، ‏ومن الناحية الأخرى فإن عملاء البنك الذين يحصلون على قروض مصرفية فإن أول ما نفعله في إدارة الائتمان هو إن نتأكد من ملاءتهم المالية أي أنهم أغنياء ولديهم ضمانات وقادرين على إعادة سداد القرض، ‏وهذا يعني وبصراحة انه لا مكان في عالم البنوك للفقراء سواء في جانب الإيداع أو جانب الاقتراض وكلا الطرفين يذهب إلى البنك بمحض إرادته واختياره. كما أن البنوك مقيدة في تحديد أسعار الفائدة بقواعد معينة يحددها البنك المركزي بمعنى انه لا يمكنها المبالغة في سعر الإقراض. إذن أين الاستغلال هنا في كل هذه المعاملات؟ والخلاصة أن الفائدة ليست هي الربا التي نهى عنها القرآن.
الأفكار
١‏لم أجد في حياتي شيوعيا أو اشتراكيا يتردد في امتلاك منزل أو سيارة خاصة به وحده وهو غير مستعد أن يشاركه أخرون في منافعهما ناهيك عن تملكهما وهذا ليس بشيء مدهش أو غريب بالنسبة لي لأننا هكذا خلقنا نحن البشر حيث تتسم غريزة التملك والتميز لدينا بقوة ليس بمقدورنا تغييرها. ولذلك فإن الشيوعية أو الاشتراكية التي ينبغي أن ننشدها كما أرى ينبغي أن تعني أن نجتهد في مساعدة الآخرين لتملك هذه الأصول مثلنا بدلا من رفع الشعارات الجوفاء بالمساواة الكاملة ونبذ مبدأ الملكية الخاصة التي نعرف جيدا أننا غير جادين وغير مستعدين لتطبيقها على أنفسنا.
٢في عصر العلم وتوفر المعلومات للجميع وبشكل غير مسبوق، فإن مدمني الشعارات والمغيبين عن الواقع والعقلانية يحتاجون لجهود خارقة حتى يظلوا مغيبين ومفصولين عن الواقع والمنطق وكان الله في عونهم.

‏‏‏محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي