أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خالص عزمي - *موريتانيا كما شاهدتها















المزيد.....

*موريتانيا كما شاهدتها


خالص عزمي
الحوار المتمدن-العدد: 1863 - 2007 / 3 / 23 - 11:30
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



انها المرة الثانية الي يصدق فيها قائد عسكري وعده بالتخلي عن السلطة لحكم الشعب ؛ كانت الاولى بقرار من الرئيس السوداني سوار الذهب ؛ وهذه هي الثانية التي تثلج صدر الامة العربية على يدي العقيد علي ولد محمد فال ؛ الذي وعد بتسليم نظام الحكم الى من سيحضى باختيار الشعب ؛ فكان عند وعده ؛ وما هذه المجتزأة الا تحية للموقف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ان المعلومات العامة الواردة في مختلف المصادر الحالية تشير الى ان مورتانيا ؛ جمهورية اسلامية تبلغ مساحتها الجغرافية مليوني كم2 ؛ ويبلغ عدد سكانها ثلاثة ملايين تقريبا يتكلمون العربية الحسانية بالدرجة الاولى وهناك من يتكلم ايضا ( وولف ؛ سونيبك ؛ بولا ) . ومن اهم مدنها نواكشوط ( العاصمة ) ونواذيبو ؛ وشنقيط ؛ وأطار ... الخ ؛ و تحادد مورتانيا دول هي المغرب والجزائر ومالي والسنغال , وقد نالت مورتانيا استقلالها بتاريخ 28 تشرين الثاني عام 1960اثناء حكم الرئيس الراحل المختار ولد داده

× × ×

ذلك هو الساحل الممتد المتعرج المتموج المختلط حببا وزبدا ؛ يستنشق نقاء الصحراء ويمتطي تصخاب الاطلسي ؛ سور من معجزات المبدع ؛ الطبيعة السمحاء ؛ والارض المغطاة بالرمل والحصى ؛ والرياح التي تعصف اليوم لتهدأ غدا . الطائرة العملاقة ؛ تتشامخ وتتباهى وهي تهبط رويدا رويدا على مطار نواذيبو . انه ( الساحل الكلبي ) كما يعرفه لنا محافظ الولاية المضياف وهو يسوق سيارته التي تحملنا الى دار الضيافة ذي الريازة والفرش العربية . ونواذيبو هذه هي عاصمة الولاية ؛ كان اسمها بورت أتين ؛ اوقد انشأ عام 1905ليكون ميناءا ومركزا عظيما للثروة السمكية ومن ثم الحديد .
ما هي الا سويعات قليلة في هذه المدينة الجذابة ؛ حتى غادرنا الى نواكشوط العاصمة التي تعنيبالعربية ( ساحل الصدف ) . اقد تأكدت لنا هذه التسمية حينما زرنا الميناء حيث كان ساحله مغمورا بالصدف والمحار . ان نواكشوط محاطة بخيام كثر لا عد لها وذلك بسبب المناخ والجفاف حيث يلجا اليها كثير من الناس في مثل تلك الظروف الجوية القاسية ؛هذا الى جانب التقاليد العربية التي تعتبر الخيمة مكانا لايعوضه حتى البيت الفاره؛ وهو ما شاهدناه مرأى العين حيث تشمخ الخيام في كثير من حدائق وساحات بيوت الشخصيات المهمة العامة ؛ اما لمجرد الالتقاء او لاقامة الولائم وعقد ندوات الحوار ؛ او الاستماع الى ما يتحدث به المختصون في شتى شؤون المعرفة ؛ كالتاريخ والادب والشعر .

في نواكشوط ــ آنذاك ــ مواقع مهمة ؛ هي القصر الرئاسي والمجلس الوطني ؛ والمكتبة المركزية التي بنيت بمساعدة الصين الشعبية ؛ والمتحف المورتاني ؛ والمركز الحرفي ؛حيث شاهدنا فتيات موريتانيات يقمن بالرسم والتصميم والاعداد والغزل ثم نسج البسط وغيرها من المنسوجات القطنية والصوفية حيث يمتزج فيها اللونان البني والابيض بانسجام تام . وفي نواكشوط ايضا أسواق عصرية وأخرى شعبية تشبه الى حد كبير اسواقنا في بعض المحلات ا و الاقضية والنواحي والقرى .وفي بعض طرق العاصمة دكاكين لبيع الصناعات الفولكلورية ؛ كالصناديق الصغيرة المطعمة والمزخرفة بمعادن الفضة او الحديد اوالنحاس ؛ تبعا لقيمتها المادية ؛ وكذلك الخناجر ونفاضات السكائر والقلائد المصنوعة من العقيق او الصدف او الاخشاب الثمينة . ويجلب بعض المورتانيين التجار كثيرا من المصنوعات الشعبية التي تعتمد على جلود الحيوانات وانيابها واخشاب الغابات من سواحل نهر السنغال .
وحينما تجول في نواكشوط وغيرها من المدن الموريتانية ؛ تلتقى بالمواطنين (على الصعيدين الشعبي والرسمي ) وهم يرتدون الزي الوطني التقليدي المكون من السروال ( الذي يشبه الى حد بعيد ما يلبسه الجبليون ؛ الاكراد او اللبنانيون ؛ او السوريون او الالبان ... الخ ) والثوب الصغير المزخرف بالنقوش المذهبة الذي يغطي الصدر والظهر وحسب ؛ ثم تأتي بعد ذلك العباءة الفظفاظة الانيقة المصنوعة من قماش سمائي اللون عادة ؛ مطرزة بخيوط مذهبة تكون ملتئمة من الوسط ومفتوحة من الجانبين ؛ وهي ملائمة تماما للموريتاني صيفا وشتاءا وتسمى ب ( الدراعة ) . ومما اذكره ان وزير التهذيب والثقافة الموريتاني ؛ آنذاك ، السيد محمد بن باباه ؛كان قد اصطحب الوفد الثقافي والتربوي العراقي ( وكنت من ضمنه ) الى قصر الرئاسة في نواكشوط ؛ حيث استقبلنا بترحاب وضيافة كريمة مؤسس مورتانيا الحديثة الراحل المختار ولد داده ؛ وقد طاب له ان يخلع على كل منا ؛ هدبة مكونة من بدلة تقليدية موريتانية حريرية ومعها تلك الدراعة الشهيرة ؛ وقد اتيحت لنا فرصة ارتداء هذه الملابس الشعبية في حديقة الفندق ؛ حيث التقطنا صورا تذكارية ما زالت في البوماتها لحد اليوم تشير الى تلك المناسبة الكريمة .

في المرحلة الثانية من زيارتنا غادرنا بالطائرة الى شنقيط ( عيون الخيل ) كبرى مدن محافظة الادرار ؛ وأذكر انني قرأت اسم شنقيط في كتاب ( منية المريد ) لمؤلفه أحمد التيجاني بن بابا الشنقيطي المتوفى عام ( 1260 هـ )؛ وقد استقبلنا استقبالا شعبيا تتوسطه سيدات يحملن الدفوف ويطلقن الاناشيد المرحبة بالضيوف بقصائد ملحنة لمثل هذه المناسبة . وبعد استراحة قصيرة وضيافة كريمة قمنا بجولة في انحاء المدينة التاريخية المبجلة ؛حيث دخلنا ازقتها الرملية الضيقة لنصل الى أقدم مساجد المدينة ؛ حيث تطل منارته التأريخية التي بنيت قبل اكثر من ستمائة عام ؛ وحيث ترقد في باحته الساعة الحجرية ؛ وبعض الواح المرمر التي نقشت عليها اسماء مشاهير المدينة والمدافعين عنها .بعد ذلك قمنا بزيارة مكتبة احد مدرسي شنقيط التقليدين الافاضل حيث قادنا الى بيته من بوابة لابد للداخل ان ينحني تماما لينفذ منها . كانت مكتبته تحتوي على المئات من الكتب التراثية المطبوعة او المخطوطة في مختلف جوانب المعرفة ومنها كتب الادب والحديث والتفسير والتحقيق ؛ تحيطها أكداس من الجزازات التي لايعرف غير صاحبها من اين اتت والى اي كتاب تعود تعليقاتها وهوامشها . لقد اخبرنا ونحن نستمع اليه ؛ بأن المخطوطات التراثية عامة تكاد تكون مقدسة القيمة كالشرف ؛ فهي تبقى عادة مع صاحبها اينما حل او رحل ؛ ليفيد منها صاحبها او طالبوا العلم . ولهذا فان الدولة جادة في تسجيل اكبر قدر منها لتودع في دار خاصة بالمخطوطات شريطة ان تحمل اسماء مالكيها في اركان تهيأ لذلك .

من شنقيط التراثية التأريخية رحلنا الى ( أطار ) أي الطريق ؛ وهي عاصمة الادرار ؛ وقد علمنا بانها بنيت في القرن السابع عشر ؛ وهي تتمتع بموقع دفاعي هام ؛ و تتكون من واحات وأودية وبساتين ؛ حيث تكثر فيها اشجار النخيل الى جانب مختلف انواع الفاكهة ؛وتعتمد أطار في زراعتها على المياه الجوفية حيث تستخدم المضخات والمراوح الهوائية لاستخراج المياه . وتعتبر هذه المدينة هي المركز الثاني في موريتانيا بعد نواكشوط العاصمة .
في المساء اقام الوالي وليمة تكريمية ؛ اعقبتها سهرة في شرفة واسعة من دار الضيافة ؛حيث قدم خلالها شباب وشابات أطار نماذج راقية من الغناء والرقص الشعبي المحتشم على انغام الطبول والدفوف ووسائل الايقاع التقليدية الاخرى . لقد لاحظت بان ما قدم من اغنيات ؛ لايختلف ابدا عما يقدم في البصرة والزبير من مثل تلك الاغاني الشعبية ؛ ومن طريف ما يذكر ؛ ان ختام مثل تلك السهرة المحترمة يكون عادة بترديد اغنية ( ان كنت انت نعسان ؛ اشرب شاي موريتان ) والشاي الموريتاني يشبه الى حد بعيد الشاي الاصفر الصيني ؛ او ما يسمى عندنا بشاي النعناع .

في ختام هذه المجتزأة المكثفة ؛ اود ان اشير الى ان موريتانيا تسير في خطى واسعة نحو التطور ؛ الا انها ما زالت تحتاج كثيرا الى الدعم المادي والمعنوي بشكل يدفع بها الى مزيد من التقدم . فهذه الدولة يعيش بين جوانحها شعب ذكي متفتح وباسل وقادر على العمل و بذل الجهد من اجل تحقيق النجاح في شتى الميادين . وفي موريتانيا طبقة مثقفة واعية متعطشة الى مزيد من العرفة بكل الوانها وأشكالها ؛ وليس ادل على ذلك من تلك الندوات الشعرية والادبية والفكرية التي تعقد في البيوت او الخيام او المدارس التقليدية بشكل متواصل ويحضرها مئات من طليعة مثقفي هذه البلاد العريقة . و لقد اتيحت لي الفرصة لان التقي بعدد من المثقفين من مختلف الطبقات والاتجاهات ؛ فلاحظت ان جلهم يعرف عن كتابنا وشعرائنا وادبائنا وتراثنا المشرقي ؛ الشيء الكثير؛ كما لاحظت بأن المطبوع الحديث (بكل الوانه واجناسه ) ؛ لم يستطع ازاحة تشبثهم بمنابع التراث العربي الاصيل وسدنته من كبار الاساتذة والباحثين والتربويين الذين يبذلون جهودا مضنية في سبيل الحفاظ على ذلك الكنز التأريخي الثمين ونشر نتاجه بين صفوف المتعلمين بمختلف الطرق والوسائل . وهنا أشير الى ملاحظة قد تكون شكلية بمظهرها الا ان التمعن فيها يؤكد على عمقها في ابراز جانب الاعتزاز بؤلئك المربين والمهذبين ؛ حيث شاهدت ولاكثر من مرة ؛ كيف يهرع شخص من علية القوم ووجهاء المجتمع مهرولا نحو شيخه الذي علمه في القرية ليقدم له فروض الاحترام والتقدير فينزل على يديه مقبلا تأكيدا على اكباره وتبجيله .

وما هذه الباقة العطرة من اللمحات المجتزأة الا نماذج حقيقية صادقة ؛ قطفتها من جنينة زيارة قصيرة الامد ؛ عميقة الاثر ليستنشق عبيرها كل من اراد معرفة او قربا من هذا الشعب العربي العريق .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لمزيد من التفاصيل الواسعة حول الموضوع ؛ يراجع ـــ خالص عزمي ــ محاضرة مطبوعة بعنوان ( مورتانيا مشاهدات وتأملات ) القيت بدعوة من اتحاد الكتاب والمؤلفين العراقيين في مقره العام في حزيران 1974 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- من مناهل مجالس بغداد الادبية
- تل الحروف المتفحمة
- حجاب المرأة والحرية الشخصية
- والقصف الوحشي مستمر
- أدب القضاة -20
- في هوى بغداد
- أدب القضاة رسائل وتعليقات
- قصيدتان
- وكان يقودها انتحاري
- هل ان الشعب العراقي هو المسؤول ؟
- -يحكى أن - 5
- الوطنيون ووحدة المصير
- النعامة المرعوبة
- - 2 - موجز لبعض ما كتبت عن العراق في عام
- (موجز لبعض ما كتبت عن العراق في عام ( 1
- _12_ أدب القضاة محمود العبطه
- نشر ثقافة الحوار وتطويره
- ما احلى الوفاء
- نوابغ الفكر العراقي
- الاتجاه المعاكس نحو البيت الابيض


المزيد.....




- مشروع يحيي سيارة -De Tomaso Pantera- الأسطورية
- -اخترت الصفح-.. رسالة أميركي نجا من تفجيرين إرهابيين
- نيويورك تايمز تكشف هوية مشتري قصر لويس الـ14
- أغلبية الأمريكيين غير راضين عن -ترامب-
- أمريكي يعلم زوجته تقاليد صب القهوة العربية (فيديو)
- مجلس الأمن يناقش غدا مشروع قرار بشأن القدس
- أكثر من نصف البريطانيين يريدون الآن البقاء في الاتحاد الأورو ...
- بأمر من محمد بن سلمان... السعودية تدخل العصر النووي بالتنقيب ...
- الجزء الثامن من -حرب النجوم- يتخطى 200 مليون دولار في أول يو ...
- طريقة غير تقليدية لتزيين شجرة الكريسماس (فيديو)


المزيد.....

- عن الذين يقتاتون من تسويق الأوهام! / ياسين المصري
- إصدار جديد عن مكانة اللغة العربية في الجامعات الإسرائيلية / حسيب شحادة
- نقش الحقيقة السبئية: جغرافية التوراة ليست في اليمن / فكري آل هير
- المقصوص من الاسلام الكامل صانع الحضارة / محمد سعداوى
- الأمثال العامية المعاصرة / أيمن زهري
- اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد / زهير الخويلدي
- طبيعة وخصائص الدولة في المهدية / تاج السر عثمان
- ابن رشد من الفقه الى الفلسفة / محمد الاغظف بوية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خالص عزمي - *موريتانيا كما شاهدتها