أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - اللِّصُّ الغبيّ















المزيد.....

اللِّصُّ الغبيّ


ضيا اسكندر

الحوار المتمدن-العدد: 6547 - 2020 / 4 / 26 - 12:35
المحور: كتابات ساخرة
    


في عام 1980 أثناء خدمتي العسكرية الإلزامية، كان المهجع الذي أبيتُ فيه مقسَّماً إلى عدة غرف، تتّسع كلٌّ منها إلى ثمانية أسرّة حديدية. وكان موضع سريري في آخر الغرفة قرب النافذة المواجهة للباب. كنت أعتني بسريري المُغطّى بناموسية ورديّة اللون تُضفي عليه مزيداً من الجمال، وتجعلني معزولاً عن المحيط كأنني في بيتي. ولعدم وجود علّاقة ثياب، كنت أستخدم أحد أعمدة السرير قبل النوم، لتعليق ثيابي العسكرية وأرتدي البيجاما.. ثم أنكبُّ على القراءة في مجلّتَي «الحرية» و «الهدف» الماركسيتين حتى يغلبني النعاس.
ومن سوء طالعي، أنه كان إلى جوار سريري أحد الزملاء، لديه من الصفات البشعة التي نادراً ما تجتمع كلها في شخص واحد؛ فهو جشع أناني ساذج. إضافةً إلى فوضويته واستخفافه بترتيب سريره، ولا مبالاته في كل ما يتعلق بالنظافة وفي حسن الجوار.
ذات يوم في أوائل شهر نيسان، قبضنا رواتبنا المجزية آنذاك. فقد كنت أخدم في «سرايا الدفاع» التي يرأسها "رفعت الأسد" شقيق رئيس البلاد. حيث الامتيازات المادية والمعنوية الكبيرة. وكان راتبي يزيد عن الـ (400) ليرة. بينما رواتب العسكريين المجنّدين لدى باقي قطعات الجيش لا تتعدّى الـ (100) ليرة.
وكالعادة وضعتُ الراتب في جزداني الصغير وأودعته جيب سترتي وأقفلتُ عليه بزِرَّين تحسّباً من الضياع. وعند حلول الليل خلعتُ السترة وعلّقتها على عمود السرير وفوقها بنطالي واضطجعتُ أقرأ. لاحظتُ زميلي في الجوار يتقلُّب في سريره متأفّفاً أرقاً. عَزَوْتُ السبب إلى ضجره من ضوء اللمبة. واحتراماً لراحته قمتُ وأطفأتها، ووضعتُ المجلّة التي أقرأ فيها تحت وسادتي ونمت.
عند الصباح ألقيتُ عليه التحية ونهضتُ لارتداء بزّتي العسكرية. فما كان منه إلا وانتفض كالملسوع وهتف ملهوجاً:
- بتعرف؟! كأنّي مسروق!
واندفع بهلع يبحث في كافة جيوبه بعجلة وارتباك وهو يغمغم متحسّراً: «يا ألله، معقولة الحرامي ما تاركلي ولا ليرة من راتبي؟!»
قلت له محاولاً التخفيف عنه وأنا أستشعر خبراً سيئاً:
- طوّل بالك يا رجل! فتّشْ على مهلك. أكيد رح يكون بجَيبة من الجِيَب!
من الطبيعي والحال هذه أن أتفقّد بدَوْري جزداني. أزحتُ بنطالي عن عمود السرير جانباً وانهمكتُ بتحرير زِرَّي جَيب سترتي، وسارعتُ بفتح جزداني لأجد راتبي وقد تقلّص إلى الـ (100) ليرة!.
شرعتُ بلهفة تفتيش كافة جيوبي لتعود يداي خالية! رمقتُ زميلي وقلت بتوتّرٍ وذهول:
- بتعرف؟! كمان أنا مسروق! يا رجل، ما تاركلي الحرامي غير (100) ليرة!
قال لي بمواساةٍ مزيّفة:
- أيه هنيّالك، اضحكْ بعبّك.. أنا ما تركْلي ليرة وحدة..
تسمّرتُ أُحدّق فيه تتناهبني مشاعر الحيرة والاستغراب والارتياب، وحدسي يُنبئني بأن محدّثي هو السارق. قلت له متعجّباً محاولاً حشْرهِ في زاوية خيانة الزمالة والعيش المشترك:
- ولك الغريب هالحرامي قدّيش مانو مطمئنّ! تخيّلْ أنه زايح الناموسية، ورافع بنطالي توصّل عالسترة، وفاكك ازرار الجيبة، ومفتّش بالجزدان على أقلّ من مهلو، وأخد أكتر من (300) ليرة، ورجع بكلّ ثقة حط الجزدان محلّه وزرّر الجيبة.. ورجّع البنطال والناموسية متل ما كانو! يعني أكيد السارق من هالمهجع! ومستحيل يكون في احتمال تاني..
أجاب بخبْث وهو يرتعش من شدّة الاضطراب:
- بالله أنك ذكي.. يا سيدي بقصّ إيدي إذا اللي سرقنا مانو على معرفة وثيقة فينا..
شعرتُ بالغليان يفور في صدري. وإمعاناً في محاصرته تابعتُ غامزاً من قناته:
- بعدين برأيك، كيف اختار سريري وسريرك، اللي هنّي بآخر الغرفة، وما فكّر يسرق الزميل اللي سريره عالباب؟!
أجاب متبرّماً وكأنه أدرك ما يدور في خَلَدي:
- شو بِعرّفني، العمى والله شي بحطّ العقل بالكفّ..
واتجه ببصره إلى باقي الزملاء في الغرفة هرباً من مواجهة تحليلاتي، يسألهم فيما إذا تعرّضوا للسرقة كما هو حالنا؟ وكانت الأجوبة جميعها بالنفي.
كنت على وشك أن أوجّه له اتهاماً صريحاً نظراً لخصاله الوضيعة، وأطلب منه تفتيش ثيابه بنفسي بحضور باقي الزملاء كشهود على الواقعة. لكنني عدلتُ عن الفكرة. فقد يكون أخفى النقود في مكانٍ حريز لا يخطر على بال. فينقلب موقفي من الهجوم إلى الدفاع. فأنا لا أملك الدليل القطعي على إدانته. زفرتُ مستسلماً واكتفيتُ بوعيدٍ قائلاً: «عاجلاً أم آجلاً رح اعرف هالإبن الحرام اللي سرقني!». وبدأتُ أفكّر كيف سأُمضي بقية الشهر بـ (100) ليرة فقط؟
طلبتُ من زملائي إقراضي لأتمكّن من تسديد نفقاتي إلى أن يحين موعد قبض الراتب القادم. وبالفعل، اقترضتُ من اثنين (200) ليرة على أن أقوم بإعادتها على مدى شهرين.
وقام زميلي المسروق بتقليدي واستدان من زميلين آخرين، واعداً أنه سوف يسدّد ما بذمّته أول الشهر دفعةً واحدة!
بعد عشرة أيام جاء زميلي (المسروق) من السوق يحمل بيده كيس نايلون كبير الحجم. وفور وصوله هتف بلهجةٍ مفعمةٍ بالفخر والاغتباط وهو يُفرغ الكيس:
- باركلي حبيب، اشتريت طقم وقميص وكرافيت.. إذا بقلّلك مرح تصدّق.. شي متل الكذب! يا سيدي أنا ونازل من الثكنة بالميكرو شفت بجنْبي عالمقعد جزدان، يبدو نسيانو أحد الركاب. والله يا أبو الشباب حطّيتو بجيبتي حتى نزلت بـ «البرامكة». فتحت الجزدان وإذ فيه حوالي الـ (1000) ليرة.. قلت لحالي أخ عيني ألله، صار فيني أوفي ديوني قبل أول الشهر. قمت رحت اشتريت هالطقم حلوان اللقيّة.. شوف ما أحلاه! دخيل اسمك يا ربّي كيف عوّضتني بهالسرعة!
تأمّلته مليّاً، وأجريتُ محاكمة خاطفة استرجعتُ فيها بيقظة وسرعة وقائع ذلك الصباح، الذي اكتشفتُ فيه تعرّضي للسرقة وظننتُ به يومها. ولإبعاد الشبهة عنه قدّم مشهداً مسرحيّاً هزيلاً وادّعى أنه سُرِقَ مثلي.. وها هو الآن يؤدّي مشهداً خسيساً آخر، يقدّم فيه القرينة ضدَّ نفسه في ذلك الكيس.
قلتُ له محتجّاً كاظماً غيظي، وقد تأجّج يقيني من أنه هو السارق:
- يا رجل! شو هالتمييز عند ألله؟ ما أنا كمان متلك تعرّضت للسرقة، وما فكّر يعوّضلي؟!
لن أنسى نظرته اللئيمة وابتسامة التشفّي على وجهه، وهو يهمُّ بارتداء طقمه الجديد، وكأنه حضَّر الإجابة سلفاً. فانبرى قائلاً بفظاظة:
- أيه انت ما بتآمن لا بألله ولا بمحمد! كيف بدّو يعوّضلك؟ شايف الشيوعية لوين وصّليتك؟ خلّيها تنفعك تقلّلك!
وأطلق ضحكةً صاخبة فرقعت في أرجاء الغرفة. واستدار ليتردي الطقم الذي اشتراه من راتبي.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,858,703,059
- «المترجم الخائن»
- صاحب الأنف الضخم!
- «وردَّدتِ الجبالُ الصدى»
- ما بعد كورونا..
- حظر التجوّل
- بيروتُ الحُلُم، والحقيقة..
- لكِ، «ألف شمس مشرقة»
- أيُّ نظامٍ نريد؟
- الغِرُّ
- «عدّاء الطائرة الورقية» ولأجلكِ، ألف مرّة أخرى..
- «الكندرجي»
- «سجينة طهران»
- الوكْفُ والمِزْراب
- سكْسوكة
- المَهْزوز
- الحُبُّ في زمن «الكورونا»
- قراءة في رواية «الواجهة»
- كهف أفلاطون والديمقراطية السورية
- حبيبتي حزينة!
- يا للهول! إنهم يتناسخون!


المزيد.....




- الفنان محمد منير يعتذر لبنات مصر عن التحرش باسم -الرجال الشر ...
- مهرجان البندقية السينمائي يقام في إطار تقليدي
- جوني ديب ينفي الاعتداء على طليقته بالضرب لسخريتها من وشم على ...
- في ذكرى اغتيال الأديب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني
- شاهد: تغطية واجهة الأوبرا في باريس بصور أفراد طواقم طبية تقد ...
- تفاصيل جديدة وأسرار تعلن لأول مرة عن قتل الممثلة المصرية عبي ...
- مرايا الشتات، أو الفنانون السبعة
- إينو موريكوني.. عبقرية فذة في تاريخ الموسيقى التصويرية
- كاريكاتير العدد 4718
- نيبينزيا: ندعو الأمين العام للأمم المتحدة إلى عدم تأخير تعيي ...


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - اللِّصُّ الغبيّ