أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - العقد البيداغوجي بين الأستاذ والتلميذ: هذا ما كنتُ أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى















المزيد.....

العقد البيداغوجي بين الأستاذ والتلميذ: هذا ما كنتُ أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى


محمد كشكار

الحوار المتمدن-العدد: 6473 - 2020 / 1 / 26 - 09:45
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


وذَكِّرْ لعلَّ الذّكرى -في هذه الحالة- تُخفِّفُ عن أولياء التلاميذ ماديًّا، وأستفيدُ أنا شخصيًّا كواحدٍ منهم:
أطرح عليكم هذا الاجتهاد الشخصي حول طُرق التدريس وأعرضه عليكم للنقد، لأن النقد يصقل ويطور الفكرة أما الشكر فيخدّر العقل ويقتل الإبداع.

كنتُ أقول لتلامذتي في الحصة الدراسية الأولى في أول السنة ما يلي:
أهلا و سهلا بكم في قسمكم ومعهدكم وأتمني لكم عاما سعيدا، سوف يُتوَّجُ بالنجاح إن شاء الله إن عملنا معية لتحقيق ذالك. بعد التحية, أعرّف بنفسي: أنا أستاذ علوم الحياة والأرض, عيّنوني -منذ 34 سنة- أستاذا لتدريس هذه المادة ومنحوني -بكل اعتباطية- "ترخيصا للتدريس مدي الحياة دون قيد أو شرط"، وما زلت أمارس هذه المهنة، مهنة التدريس، بكل رغبة ولذة. آليتُ علي نفسي أن أحسّن مستواي العلمي والبيداغوجي والتعلمي، لذلك لا زلتُ حتى الآن أتعلم مثلكم وأتعلم منكم أيضا، وأنا علي قاب قوسين أو عامين من التقاعد.
نمرّ الآن إلي المهمّ وهو "العقد البيداغوجي" الذي يربط بيني وبينكم، وهو عقد ضمني غير مكتوب ومسكوت عنه -دون قصد- من جل مدرسي الابتدائي والثانوي والعالي.

سأحاول شرح هذا العقد حتى تتبين الحقوق من الواجبات:
1. سنبدأ ببعض الحقوق التي كفلها لكم القانون وأنتم لا تتمتعون بها فعليا إما لِتقصيرٍ منكم أو لتعسف من غيركم:
- أول حق هو حقكم في الاحترام الكامل من قِبل المدرس والإدارة والعَمَلَة، يعني ممنوع اللمس والضرب
والسب والشتم والإقصاء المجاني وتخفيض العدد والتدخل في الشؤون الخاصة والتشهير بالأخطاء.
- ثاني حق هو حقكم في فهم الدرس حتى وإن أدّى الأمر إلي تأخير في البرنامج باستثناء برنامج السيزيام والنوفيام والباكلوريا، وذلك لكونها سنوات تُتَوَّجُ في آخر السنة بامتحانات وطنية.
- ثالث حق هو حقكم في نقاش العدد الذي يُسند إليكم ومقارعة الأستاذ الحجة بالحجة، لكن بكل أدب ولياقة.

2. ولكم بعض الواجبات أيضًا:
- أول واجب هو احترام المدرس وليس تقديسه، لأنك لو لم تحترم المدرس فلن تتركه يقوم بواجبه ولن تستفيد من علمه، ولو قدّسته فلن تستفيد أيضا لأنك ستصدّق كل ما يقوله وأنت مسلوب الإرادة، والعلم لا يطلب التقديس بل يطالب بالنقد فهو مبني أصلاً علي الخطأ والصواب.
- ثاني واجب هو عدم التأخر الزمني في الحضور وعدم تعطيل سير الدروس والانتباه لكل ما يقوله الأستاذ أو التلاميذ المتدخلون في القسم.
- ثالث واجب هو مراجعة الدروس في المنزل، ليس لأن المدرس كلفك بها فقط، بل لأن المعلومات لا تُفهم ولا تَستقر في الذاكرة إلا بالمراجعة والهضم الشخصي المتأني والقيام بالتمارين، والذكاء غالبًا ما يُكتسب ولا يُورّث.

3. بعد ذكر بعض الحقوق وبعض الواجبات، أعود إلي طريقتي الخاصة في العمل والتعامل مع التلاميذ وهي وليدة تجربة وعلم حيث أقول لهم:
- لن أستعمل قانون العقوبات المدرسية التأديبية مهما فعلتم، حتى وإن وصل الأمر إلي التعرض لي في الشارع، رغم إيماني الراسخ بأن انعدام الانضباط في المعهد قد يمثل صورة من صور إهمال تربية التلميذ. اشطبوا إذن بالأحمر كلمة " عقوبة" -علي الأقل معي أنا- لأنني لست مسؤولا عن زملائي ولا عن الإدارة ولا عن الوزارة. وهذا الموقف من العقوبة ليس طِيبة ولا كرما مني، بل هو موقف علمي مبني علي اطلاع واسع علي تجارب تربوية في مجتمعات أخري. وكلامي هذا لا يعني البتة التشجيع علي التسيّب لهذا سأقترح عليكم بعض الإجراءات، إن وافقتم عليها فستقوم مقام القانون الداخلي بيننا: يُقصَي من القسم كل تلميذ يعطل سير الدرس ولا يستجيب لتحذيرات المدرس المتكررة، وكل مَن يقِل أدبه علي زميله أو علي المدرس. الحكمة من هذا الإجراء هو حماية الأكثرية من أخطاء الأقلية وتجنيب التلاميذ الوضعيات غير الحضارية وغير التربوية، كالمواجهة الكلامية المتشنجة في القسم بين المدرس والتلميذ. بعد خروج التلميذ، يهدأ المدرس ويواصل درسه ويهدأ التلميذ خارج القسم. فإذا كان المدرس مخطئا، يدعو التلميذ إلي الرجوع للقسم ويعتذر له أمام الملأ، وإذا كان التلميذ مخطئا يرجع للقسم بعد دقائق ويطلب العفو من المدرس ويواصل التعلّم. يُسند واحد علي عشرين لكل مَن يُضبط في محاولة أو عملية غش في الامتحان لأنه سيتفوق علي زملائه دون وجه حق وسيأخذ عددا مرتفعا لا يدل على مستواه العلمي الحقيقي، وقد يعلمه الغش، هذا السلوك غير التربوي، الكسل والاعتماد على الحيلة لتحقيق النجاح. ولن أحيله على مجلس التربية لأن لا يُعاقب على جُرم شجعته الظروف المحيطة على ارتكابه بسبب الضغوطات الخارجة عن نطاقه، مثل اكتظاظ القسم وطول البرنامج أو عدم ملاءمة هذا الأخير لاهتمامات التلميذ.
- سأقترح عليكم بعض الأدوات المدرسية وأترك لكم حرية اختيار النوعية الغالية منها أو الرخيصة حسب إمكانياتكم المادية إلا الكتاب المدرسي فهو إجباري وضروري وسنستعمله في القسم وفي المنزل للاستفادة من المعلومات والتمارين. تمنيتُ لو كان الكتاب اختياريا أيضا مثل ما هو موجود في البلدان المتقدمة.
- ألاحظ دائما مستوي متواضعًا في اللغة الفرنسية لدي تلاميذ السنة أولى الثانوي بسبب التعريب الكامل في التعليم الأساسي [في تونس يدوم التعليم الأساسي تسع سنوات من الأولى أساسي إلى التاسعة أساسي، يعني مرحلة الابتدائي ومرحلة الإعدادي, يدرس التلاميذ خلاله - باللغة العربية - الرياضيات والفيزياء والتقنية وعلوم الحياة والأرض]، لذلك ألفتُ انتباهكم إلي أهمية هذه اللغة في تكوين مستقبلكم الدراسي، وليس أدل علي ذالك أنكم في مرحلة الثانوي تدرسون بالفرنسية، الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتقنية وعلوم الحياة والأرض والإعلامية، وفي مرحلة الجامعة تدرسون بالفرنسية أيضا، الطب والهندسة والطيران وكل الشعب العلمية دون استثناء. لا تتجاهلون إذن اللغة الفرنسية لأن لا يتجاهلكم العلم الحديث. وأحسن طريقة لتحسين مستواكم هو استعمالها في القسم وخارج القسم. لا تغفلوا أيضا عن تعلم اللغة الأنـﭬليزية، فهي اللغة العالمية الأولى في العالَم. أما اللغة العربية فهي هُويتكم ولغتكم الأصلية وأوصيكم بها خيرًا لأن اللغة يفرضها رجالها ونساؤها وتقدمُ بلدانها وازدهارُ اقتصادها.
- أرى أن "خطأ التلميذ في القسم" أصبح يُعتبر إيجابيا، لا بل أصبح محركًا للقسم. كان وضع الخطأ سلبيا في المنظومة التربوية القديمة وأصبح اليوم ايجابيا في المنظومة التربوية الجديدة. فكلما أخطأ التلميذ أكثر، استفاد هو وزملاؤه أكثر، ونجح الدرس أكثر.
- أما تقييم الامتحانات فيخضع إلى ضوابط علمية : لديكم ثلاثة فروض كل ثلاثة أشهر, فرض في الأشغال التطبيقية داخل القسم وفرض مراقبة بنصف ساعة يحتوي علي أسئلة مباشرة حول الثلاثة دروس الأخيرة وفرض تأليفي في آخر الثلاثي يتكون من أسئلة تخص الذاكرة والفهم والرسم والملاحظة وخاصة توظيف المعلومات.
- أرى أن من حق التلميذ المطالبة بمقياس الإصلاح (Barème de correction) في بداية الامتحان حتى يستفيد منه أثناء الإجابة وعند الإصلاح.

إمضائي
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ أول نشر على النت: معهد برج السدرية في 27 نوفمبر 2008.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,716,950,007
- فرحةٌ لا توصَفُ: بعدَ ثمانِ سنوات تقاعد، عدتُ اليومَ إلى متع ...
- عودة الروح!
- لماذا، في بلدي، تتكاثر الرداءة كما تتكاثر الجراثيم في جسم ضع ...
- أطرح عليكم للنقاش مشروع طريقة تقييم إشهادي في نهاية تربّص تك ...
- أي مدرسة أعددنا في تونس للأجيال القادمة سنة 2050؟ جزء 2
- ما الفرقُ بين الأساتذة الجامعيين الذين يدرّسون في الدول المت ...
- ويسألونكَ عن الديداكتيك.. قُلْ هي ليست عِلمًا بل هي أرقَى من ...
- تأويلات منصفة للمرأة في كتاب الشيخ راشد الغنوشي، -المرأة بين ...
- هل يحق للأستاذ أن يتباهَى بتلامذته المتفوّقين الذين تخرّجوا ...
- لماذا بالَغ أولياء التلامذة في شيطنة الأساتذة؟ (Pamphlet)
- سلوكيات بيداغوجية بسيطة ساعدتني كثيرا في التدريس
- نبذة مقتضبة حول حياة ماريا مونتيسوري، رائدة البيداغوجيا العل ...
- هل أنتَ مَعَ أو ضِدَّ حَثِّ الأطفالِ على المطالعة بمقابِلٍ م ...
- حَوَّاءُ هيَ الأصْلُ وليسَ آدَمُ!: تأويلٌ من تأويلات محمد عب ...
- العلم يقول: ممكن الآن تجنيب ابنك وراثة مرض وراثي، لكن الأغني ...
- مقارنة طريفة بين الأستاذ المباشر والأستاذ غير المباشر (الأست ...
- تَوْصِيفٌ عِلْمِيٌّ ل-النفس الأمّارَة بالسوء-؟
- نَعِيبُ زَمانَنا والعَيبُ فِينا!
- أكبرُ سَقْطةٍ أخلاقيةٍ مهنيةٍ (Déontologique)، ممكن يقع فيها ...
- كليات العلوم التونسية، لماذا لم تنتج لنا علماء!


المزيد.....




- نازح سوري يعرض بيع كليته لشراء خيمة تؤوي عائلته
- كورونا في أرض العرب.. تعرف على قائمة الدول التي وصلها والإجر ...
- ألمانيا- دعوة للحذر بعد إصابة العشرات في حادث دهس خلال الكرن ...
- أرادا الاستمتاع بيوم عيد الحب! فماذا كانت النتيجة؟
- السباق على خلافة ميركل يتسارع بين توجهين داخل حزبها
- السعودية توجه تحذيرا إلى مواطنيها في إيطاليا
- الشرطة الألمانية: ثلث المصابين في حادث فولكمارسن من الأطفال ...
- قاعدة أمريكية في طرابلس... هل هي محاولة من الوفاق لقلب موازي ...
- لأول مرة... دوري كرة قدم نسائي في السعودية ابتداء من الشهر ا ...
- فرنسا تعلن شفاء جميع المصابين بـ-كورونا-


المزيد.....

- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - العقد البيداغوجي بين الأستاذ والتلميذ: هذا ما كنتُ أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى