أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس علي العلي - أساسيات الدستور العراقي ثالثا _الصيغة الأتحادية















المزيد.....


أساسيات الدستور العراقي ثالثا _الصيغة الأتحادية


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali )


الحوار المتمدن-العدد: 6402 - 2019 / 11 / 7 - 14:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثالثا_ الصيغة الأتحادي
مفهوم الأتحادية الوارد في الكثير من مواد الدستور ووصفه العراق بالدولة الأتحادية كما ورد مثلا في المادة (1) (جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق)، قد جاء إنسجاما مع ما جاء بديباجة الدستور، حيث ورد فيها (نحنُ شَعْب العراقِ الذي آلى على نَفْسهِ بكلِ مُكَونِاتهِ وأطْياَفهِ أنْ يُقَررَ بحريتهِ واختيارهِ الاتحادَ بنفسهِ، .... إنَّ الالتزامَ بهذا الدُسْتورِ يَحفَظُ للعراقِ اتحادَهُ الحُرَ شَعْبَاً وأرْضَاً وسَيادةً)، هذه الأسطر القليلة أعادت العراق لمفهوم مشوش وغير حقيقي ولا يمكن أن يكون بهذه الصيغة لإنعدام أسس الأتحاد أصلا.
النص السابق يقول (نحن شعب العراق) وهذا يعني أن المتكلم واحد بكافة ما تملك كلمة الواحد من وضوح وتحديد نافيا للجهالة التي يمكن أن يبرر بها البعض حالة الأتحادية، القاعدة المنطقية التي تقول أن الواحد فرد يمكن أن يقسم ولكن لا يمكن جمعه مع نفسه ليكون واحد أيضا، هذا المنطق العبثي الذي جاء بالنص يكشف أن تبرير اللاحقة النصية التي أعقبت النص لا يمكن أستخدامها للتأويل والتفسير ومن ثم تبرير وتمرير هذا المبدأ الجديد على العراق الواحد (أن يَتَّعِظَ لِغَدِهِ بأمسهِ)، طالما أن المتحدث ما زال واحدا ولم يتكلم بصيغة الجمع.
ومع أعتراف الدستور ذاته في بعض النصوص أن المجتمع العراقي مجتمع متنوع وواحد منذ أن عرف كدولة ونظام دستوري معترف به عالميا وواقعيا، فقد جاء في المادة (3) (العراق بلدٌ متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو عضوٌ مؤسسٌ وفعال في جامعة الدول العربية وملتزمٌ بميثاقها، وجزءٌ من العالم الإسلامي)، هذا النص يثبت أن فكرة الأتحادية فكرة أقحمها المشرع الدستوري بناء على إرادات فردية خارجية عنه، أو تؤسس لمشروع خارج إرادة العراقيين الواحدة والموحدة، وإن كانت هذه الإرادة قد تملك مشروعا أخر أو تريد الوصول إليه أجلا.
ولمعرفة المصدر الأساسي الذي يمكن الركون إليه في وصف حقيقي للدولة أيا كان شكله أو نوعية نظام الحكم فيها لا بد من الرجوع إلى القانون الدستوري العام، والقانون الدستوري يمكن تعريفه بمجموعة القواعد القانونية الأساسية التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم والسلطات العامة فيها، وتنظم العلاقات بينها وتبين كذلك الحقوق والحريات، وهنا إذا لا بد من الرجوع للقواعد العامة فيه وهي بالمجل أراء فقهية وأجتهادات علمية قائمة على المقارنة والشرح والأمثلة المسندة من نصوص الدساتير، وما ثبت عند فقهاء القانون الدستوري من رؤية وأفكار واضحة.
يقسم فقهاء القانون الدستوري الدول من حيث الشكل إلى:
• دول موحدة (أو بسيطة) .
• ودول مركبة.
ويقوم هذا التقسيم على أساس التركيبة العامة للسلطة السياسية للدول، وما إذا كانت السلطة موحدة أم أنها سلطات متعددة، فالدول الموحدة أو البسيطة تكون السلطة فيها موحدة مما يؤدي إلى وحدة القانون فيها لا إلى تعدده، أمما الدول المركبة فتكون السلطة فيها مركبة، أي تتعدد السلطات فيها، وهذا يؤدي بالتالي إلى تعدد القانون لا إلى وحدته.. وسوف نعرض لدراسة أشكال الدول، فنبدأ بدراسة الدول الموحدة أو البسيطة، ثم نعرض بعد ذلك لدراسة الدول المركبة.

الدولة البسيطة.
يعني مفهوم الدولة البسيطة أو الموحدة هي تلك (الدولة التي تكون السيادة فيها موحدة، فتظهر الدولة كوحدة واحدة، وتكون السلطة فيها واحدة، ويكون شعبها وحدة بشرية متجانسة، واقليم موحد)، ولا يؤثر في اعتبار الدولة البسيطة اتساع رقعة اقليمها، أو اتصال وانفصال أراضي اقليمها، كما لا يؤثر في اعتبار الدولة بسيطة أو موحدة شكل نظام الحكم فيها ملكياً كان أو جمهورياً، فالدولة الموحدة قد تكون ملكية كالسعودية مثلا ويمكن أن تكون جمهورية كالجزائر أو إيران.
تتعرض الدول البسيطة أحيانا إلى ظروف سياسية قاهرة أو إلى إنشقاق أجزاء منها أو تشظي في جزء من إقليمها لأسباب مختلفة كما حدث في قبرص مثلا، هذا لا يعني أن هذا الحال إن لم تتم إعادته على ما كان سابقا قبل الإنشقاق أو الإنفصال سيولد دولة مركبة بأي صفة فدرالية أو كونفدرالية، ما لم تتهيأ له أسباب قانونية موضوعية أساسية منها حصول الجزء المنشق على أعتراف دولي واسع أو تميزه بخصائص فردية يعبر عنها عبر معاهدات أو أتفاقات دولية تؤسس لوضع مستقل خاص بكل جزء، أو عبر إرادة شعبية حقيقية لجزئي الدولة في تأسيس عقد أجتماعي جديد.
ومن أهم مظاهر الدولة البسيطة أو الموحدة ما يلي:
• وحدة سلطات الدولة: تتميز الدولة البسيطة أو الموحدة بالبساطة في تركيب السلطة السياسية فيها، وتمثل وحدة السلطة السياسية في وحدة سلطات الدولة الثلاث (السلطة التشريعية) و(السلطة التنفيذية) و(السلطة القضائية)، التي تمارس اختصاصاتها وفقاً لأحكام الدستور الواحد فيها.. فالسلطة التشريعية موحدة وتتولى سن القوانين التي يخضع لها جميع أفراد الدولة للفصل في منازعتهم..
• وحدة الدستور والتشريعات: فالدولة البسيطة أو الموحدة تخضع لدستور واحد يسري على أجزاء الدولة، ويحدد السلطات العامة الثلاث واختصاصاتها وعلاقاتها ببعض.. كما تخضع لتشريعات واحدة تخاطب جميع مواطني الدولة المقيمين على اقليمها.
• وحدة الاقليم ووحدة الجنسية، فإقليم الدولة البسيطة أو الموحدة يخضع في جميع أجزائه (الأرضية، والمائية، والجوية لسيادة الدولة)، كما أن جنسية مواطني الدولة البسيطة أو الموحدة جنسية واحدة يخضع لها جميع المواطنين المقيمين على إقليم الدولة ويتم اكتساب هذه الجنسية وفق معايير موحدة.
• وحدة السلطة الحكومية: من مظاهر الدولة البسيطة أو الموحدة وحدة السلطة الحكومية، ولا يؤثر في وحدة السلطة الحكومية كون الدولة تختار في توزيعها لاختصاصاتها بين نظام المركزية في الإدارية أو اللامركزية الإدارية، فالمركزية واللامركزية الإدارية يتعلقان بكيفية توزيع الوظائف الإدارية في الدولة ولا يتعلقان بنظام الحكم السياسي في الدولة أو بمباشرة الوظيفة السياسية، وهما بالتالي لا يمسان وحدة الدولة السياسية التي تعتبر السمة الأساسية للدولة البسيطة أو الموحدة، حيث يبقى هناك دستور واحد وتشريعات واحدة وسلطة حكومية واحدة، وسلطات عامة واحدة: تشريعية كانت أم تنفيذية أم قضائية.
هذه التحديدات التي يتفق عليها معظم فقهاء القانون الدستوري وجهابذة المشرعين تبين لنا ماهية الشكل الذي عليه واقع الدولة العراقية بالتحديد، ومن خلال قراءة علمية ومختصة للدستور العراقي السابق والسوابق والدستور الحالي من أنها دولة بسيطة غير مركبة، ولا يمكن أن نبرر لحالة أستثنائية خارج القانون الأساسي للدولة والذي لم يجد أي تعارض بينه وبين محددات النظام الدولي ولا العلاقات الدولية على تأسيس ذلك والاستناد له.
هنا والحالة هذه لا يمكن ولا لأي مبرر لا قانوني ولا دستوري ولا حتى في مجال العلاقات الدولية المعمول بها اليوم نجدد مبرر واحد يسعف ما تم حشره والبناء عليه في وصف العراق بالدولة الأتحادية، السؤال المثار دوما لماذا هذا الاصرار والتوكيد على هذه النقطة وكان بالإمكان أن تنظم أحكام الدستور مثلا على مفهوم اللا مركزية الإدارية ضمن أطار الدولة الواحدة، والواقع الفقهي والدستوري لا يتعارض بين التأسيس على اللا مركزية الإدارية وبين كون الدولة بسيطة.

الدولة المركبة.
يقصد الدستوريون وكتاب القانون بمفهوم الدول المركبة هو (اتحاد دولتين أو أكثر بحيث تخضع كلاهما لسلطة سياسية مشتركة).. وتتخذ أنواع الدول المركبة عادة أشكلاً متعددة ومتنوعه وحسب قواعد الأتفاق بينها تختلف في مدياتها من حيث الضعف أو القوة تبعاً لنوع الاتحاد بين الدول الداخلة فيه، فقد يتخذ الاتحاد الذي سينشأ لاحقا شكل (الاتحاد الشخصي) الذي يعتبر أضعف الاتحادات، يليه في القوة السياسية والدستورية (الاتحاد التعاهدي)، ثم يتدرج بعده (الاتحاد الفعلي أو الحقيقي)، وأخيراً الاتحاد المركزي حيث تتحول كيانات الدول وشخصياتها الفعلية أو الأقاليم أو الإمارات الداخلة فيه إلى دولة اتحادية أو مركزية لتتحول إلى مفهوم الدولة الفيدرالية..
وإن كانت الدول الداخلة في كل من الاتحاد الفعلي أو الاتحاد التعاهدي بالضرورة العملية تحتفظ بشخصيتها الفعلية داخل إطارها التنظيمي الخاص وحتى في أطار المجتمع الدولي، إلا أن هذه الدول عادة ما تفقد شخصيتها الدولية في الاتحاد المركزي أو الدولة الاتحادية وتندمج في أطار عام تمثله الشخصية الدولية الجديدة، ويترتب على ذلك فقدانها لمفهوم السيادة الشخصية لصالح سيادة الدولة الجديدة.
وللتفريق بين أشكال الدول الأتحادية أو المركبة سنعرض لها موجزا في عجالة لبيان الفروقات والاختلافات بينها، ليس على أساس ما يكون يل على أساس ما كان، وهي:.
أولاً - الاتحاد الشخصي
يبنى مفهوم الاتحاد الشخصي على اتحاد دولتين أو أكثر بحيث تخضع الدول الداخلة في الاتحاد لحكم شخص واحد سواء كان ملكاً أو رئيساً للجمهورية مع احتفاظ كل من الدول الداخلة في الاتحاد باستقلالها الخارجي وشخصيتها الدولية، ويكون لكل منها استقلالها الداخلي ونظام حكمها ودستورها الخاص وسلطاتها العامة المستقلة من تشريعية وتنفيذية وقضائية.. ومن أهم الآثار التي تترتب على قيام الاتحاد الشخصي.
أ‌- خضوع الاتحاد لرئاسة شخص واحد: فالمظهر الوحيد المميز للاتحاد الشخصي هو وحدة رئيس الدولة، وهذا يجعل منه اتحادً موقوتاً، إذ يزول الاتحاد بمجرد اختلاف شخص رئيس الدولة.. وفي هذه الحالة يمارس رئيس الاتحاد الشخصي سلطاته لا بصفته رئيساً للاتحاد وانما يمارسها بصفته رئيساً لإحدى الدول الداخلة في الاتحاد، ويمارسها تارة أخرى بصفته رئيساً لدولة أخرى في الاتحاد، فهي شخصية لها دور مزدوج أو متعدد بتعدد الدول الداخلة في الاتحاد.
ب‌- لا يتولد عن الاتحاد الشخصي نشأة دولة جديدة: حيث تستقل كل دولة من الدول الداخلة في الاتحاد الشخصي بسياستها الخارجية، أي يكون لها سياستها الخارجية الخاصة بها، وتمثيلها الدبلوماسي الخاص ومعاهداتها الخاصة، كما تستقل كل دولة بمسؤوليتها الدولية عن تصرفاتها القانونية.
ت‌- احتفاظ الدول الداخلة في الاتحاد الشخصي باستقلالها الداخلي، فيكون لها دستورها الخاص، ونظامها السياسي، وسلطاتها العامة المستقلة من تشريعية وتنفيذية وقضائية.. كما يبقى رعاياها محتفظين بجنسيتهم المستقلة، ويعد رعايا كل دولة داخلة في الاتحاد أجانب بالنسبة للدول الأخرى المكونة للاتحاد.. وقد وردت اشارات في بعض الدساتير العربية على الاتحاد الشخصي، من أمثلها: ما تضمنه الدستور المصري لعام 1923 الذي يفيد إمكانية قيام الاتحاد الشخصي بين مصر وغيرها من الدول، وهو نص المادة (47) التي كانت تقضي بأنه: “لا يجوز للملك أن يتولى مع ملك مصر، أمور دولة أخرى بغير رضاء البرلمان”.. وما نص عليه القانون الأساسي للعراق الصادر عام 1925 في المادة (24) منه على أنه: "لا يحق للملك أن يتولى عرشاً خارج العراق .
ثانياً - الاتحاد التعاهدي
ينشأ الاتحاد التعاهدي نتيجة معاهدة تبرم بين دول كاملة السيادة وتتفق فيما بينها على تنظيم علاقاتها الاقتصادية والثقافية والعسكرية وغير ذلك من العلاقات التي تربطها ببعضها البعض، والاتفاقية التعاهدية أو ما يسمى بصكّ الاتحاد لا توجد دولة جديدة وإنّمــا تنشئ علاقة اتحادية بين مجموعة من الدول نحتفظ بموجبها كل دولة بسيادتها واستقلالها وحاكمها وحكومتها وبنظامها السياسي وتمتلك حـــقّ الانسحاب من الاتحاد، ويوجد بموجب معاهدة التحالف أو صكّ الاتحاد مؤتمر أو جمعية عمومية لرعاية وتنظيم شؤون الاتحاد تتألف من مندوبين عن حكومات الدول الأعضاء الذين يمثلون دولهم في اجتماعات الجمعية، وينتهي الاتحاد التعاهدي إمّــا بانفصال الدول الأعضاء وانحلال الاتحاد، أو زيادة تماسكها وترابطها ودخولها في اتحاد فدرالي عوضاً عن الاتحاد الكونفدرالي ، ومثالاً على ذلك: (الأتحاد الأوربي ومجلس التعاون الخليجي).
ثالثاً - الاتحاد الفعلي (أو الحقيقي)
يتكون الاتحاد الفعلي (أو الحقيقي) من اتحاد دولتين أو أكثر في اتحاد دائم أو مؤقت مع خضوع جميع الدول الداخلة في الاتحاد لرئيس دولة الاتحاد، حيث لم تعد الشخصية الدولية للدول الأعضاء في الاتحاد قائمة وإنما تتبلور في شخصية قانونية جديدة هي دولة الاتحاد التي تباشر وحدها مظاهر السيادة الخارجية، ويترتب على قيام الاتحاد الفعلي فقدان الدول الداخلة فيه شخصيتها الدولية – بخلاف الاتحاد الشخصي – وتصبح هذه الدول دويلات أو ولايات أو أقاليم، وتنشأ شخصية دولية جديدة هي شخصية دولة الاتحاد المركزية التي تتمتع وحدها بكافة مظاهر السيادة الخارجية (كالتمثيل الدبلوماسي)، وابرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وإعلان الحرب بين الاتحاد وأي دولة أجنبية.. في حين تعتبر الحرب التي تقوم بين أعضاء الاتحاد حرباً أهلية لا حرباً دولية ..
رابعاً - الاتحاد المركزي (أو الدولة الاتحادية): وأيضاً يسمى الاتحاد الفدرالي
يقصد بالاتحاد المركزي (الفدرالي ) هو اندماج عدة دول في دولة واحدة بحيث تفقد الدول الأعضاء شخصيتها الدولية، وتصبح هذه الدول بعد قيام الاتحاد دويلات أو ولايات أو إمارات، وتنشأ شخصية دولية جديدة هي شخصية دولة التحاد المركزي التي تتولى جميع الاختصاصات الخارجية باسم جميع الأعضاء في الاتحاد، كما تتولى جانبا من الشؤون الداخلية لدويلات أو ولايات أو إمارات الاتحاد.
وينشأ الاتحاد المركزي نتيجة تقارب الشعوب من الناحية التاريخية والحضارية والثقافية، أو الشعور بالحاجة للاتحاد، ويستند هذا الاتحاد إلى دستور اتحادي وليس إلى معاهدة دولية، وهذه النقطة جديرة في الأهتمام من ناحية الوصف القانوني والدستوري لها.
ومن أهم مظاهر الدولة الاتحادية:
أ – في المجال الخارجي: تبدو مظاهر الدولة الاتحادية في المجال الخارجي من خلال تمتع الاتحاد بشخصية دولية واحدة هي التي تقرر لدولة الاتحاد، ذلك أن القانون الدولي لا يعرف في تعامله إلا دولة الاتحاد وسلطاتها، فهي وحدها التي لها الشخصية الدولية دون الدويلات أو الولايات أو الإمارات المكونة لها.. ويترتب على ذلك ما يلي:
• يكون للدولة الاتحادية وحدها الانفراد بممارسة السيادة في المحيط الدولي كإعلان الحرب، ومباشرة التمثيل الدبلوماسي، وابرام المعاهدات، وتحمل المسؤولية الدولية عن نتائج أفعال سلطتها وهيئاتها الاتحادية والمحلية على السواء..
• ان اقليم الدولة الاتحادية يتكون من مجموعة أقاليم الولايات أو الإمارات الأعضاء المكونة للاتحاد، فالسلطة الاتحادية تمارس اختصاصاتها مباشرة على أقاليم الولايات أو الإمارات الأعضاء، فتقوم بتنفيذ قوانينها وقراراتها بصورة مباشرة دون حاجة لتوسط سلطات الولايات أو الإمارات، وبدون النظر للحدود الجغرافية لأقاليمها، وهكذا تقوم الدولة الاتحادية على اقليم موحد يمثل الكيان الجغرافي للدولة الاتحادية في مواجهة العالم الخارجي.
• ان جنسية الدولة الاتحادية هي جنسية واحدة (الجنسية الاتحادية) وهي تعبير عن وجود شعب واحد في هذه الدولة وهو الشعب الاتحادي.. وتختلف الجنسية الاتحادية عن الرابطة التي تربط الفرد بالولاية أو الإمارة أو ما يسمى بالتابعية المحلية أو المواطنة التي تمثل انتماء سكان الولايات أو الإمارات إلى دويلاتهم أو اماراتهم، وذلك على عكس الأمر في الاتحادات التعاهدية حيث تتعدد الجنسيات بتعدد الدول الأعضاء..
ب – في المجال الداخلي ان الدويلات أو الولايات أو الإمارات الأعضاء في الدولة الاتحادية لا يكون لها الشخصية القانونية الدولية، إلا أنها بالمقابل لا تفقد جميع أو كل مظاهر السيادة الداخلية وإنما تتمتع ببعضها ويتمتع ببعضها الآخر الدولة الاتحادية.. وتبدو مظاهر الوحدة في الدولة الاتحادية في المجال الداخلي من خلال ما يلي:
1.الدستور الاتحادي:
الدستور الاتحادي في الدولة الاتحادية هو القاعدة القانونية العليا والأساس القانوني الذي تقوم عليه الدولة الاتحادية.. ومن هنا يحظى الدستور الاتحادي بأهمية سياسية وأخرى قانونية في دراسة الدولة الاتحادية، وتتمثل الأهمية السياسية في أن الولايات أو الإمارات لن تقدم على الانضمام إلى دولة الاتحاد ما لم تكن متيقنة أن الدستور الاتحادي سيضمن لها مصالحها الذاتية.. وتبدو الأهمية القانونية للدستور الاتحادي في أنه الأساس القانوني للدولة الاتحادية ككل..
2.الأختصاصات والصلاحيات
توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والولايات أو الإمارات الأعضاء: حيث يعتبر مثل هذا التوزيع للاختصاصات من الخصائص المميزة للدولة الاتحادية، إذ لا يمكن القول بوجود هذه الدولة إذا كان أحد الطرفين ينفرد بمباشرة جميع الاختصاصات.
فالاتحاد الكونفدرالي هو بالحقيقة اتحاد بين حكومات دول مستقلة وليس إتحادا حقيقيا بين شعوب تلك الدول حيث تظل الدولة العضو محتفظة بكامل سيادتها وإستقلالها وحقها في إتخاذ ما تراه من سياسات لخدمة مصالحها، ومن أهم ما يترتب على قيام الاتحاد الكونفدرالي بالنسبة للهيئة المشتركة هو ما يلي:
• يقوم الاتحاد على أساس معاهدة دولية وذلك لتحقيق أهداف معينة بأساليب معينة بين دولتين مستقلتين أو أكثر ويمثل الاتحاد، وإن كانت هناك إمكانية إنسحاب أي عضو بشروط معينة.
• ينشأ هيئة مشتركة ذات كيان مستقل مهمتها خدمة أهداف التكتل ولا تملك هذه الهيئة حق تمثيل الدول الأعضاء فيها إلا في أضيق الحدود، وبموجب إجراءات قد تحدد في كل حالة على حدة، وليس لهذه الهيئة شخصية دولية مستقلة بمنأى عن الدول الأعضاء.
• ليس للهيئة المشتركة سلطة مباشرة وتنفذيه على حكومات ورعايا الدول الأعضاء، ويحتفظ رعايا الدول الأعضاء بجنسياتهم.
• غالبا ما تخضع القرارات التي تصدرها لمبدأ الإجماع، أي ضرورة التصويت على قراراتها الهيئة المشتركة بإجماع الدول الأعضاء حتى يمكن أن تصبح تلك القرارات نافذة أو قابلة للتنفيذ .
الخلاصة التي نستنتجها من كل هذا الشرح والتوضيح أن مبادرة مشرع الدستور العراقي لم يكن موفقا ولا متناغما مع الفهم الدستوري الحقيقي وأديباته الفقهية، ولا مع أسس وأحكام القوانين العراقية السائدة في وصف الدولة العراقية الجديدة التي نشأت عن دستور عام 2005 حين نعتها بالدولة الأتحادية مراعاة لظروف وأفكار ستؤسس لتشظية هذه الدولة مستقبلا بأعتبار أن حق تقرير المصير لجزء من الدولة الأتحادية، لا يكفله الدستور والقانون العراقي وإنما يخضع لقوة النظام الدولي وقوانينه، وهنا بالإمكان لأى جزء أو مكون حق طلب الانفصال والأستقلال وتقرير المصير طالما أن الأتحاد كان بإرادة والانفكاك منه سيكون بذات الإرادة، وهو ما أقدم عليه مثلا إقليم كردستان حين نظم أستفتاء وصف باللا قانوني واللا دستوري حول رغبة سكان الإقليم بالانفصال.


الخلاصة.
من خلال المقارنة بين ما أوردته الأساسيات الثلاث المعتمدة في ديباجة الدستور والتي وصفناها بروح الدستور وزبدته المستخلصة كرؤية أساسية، يمكننا أن نقول جملة من الملاحظات السريعة والتي تحتاج بدورها إلى دراسات معمقة وفقهية وأستنادا للتجربة العملية التي مرت عليها خلال الخمسة عشر سنه الماضية من تاريخ سن الدستور، والتي لا بد لها أن تكون حاضرة وغيرها من الأفكار الإيجابية تهيئة وتوطئة لمرحلة التغيير والتحديث التي ألزم الدستور نفسه السلطتين التشريعية والتنفيذية على أنجازه.
هذه الملاحظات والتي لا يمكن وصفها بالهينة أو التي يمكن أن نجد لها حلولا فورية أو نتساهل في مدى ما تتركه على الواقع وعلى بنيان الدولة والمجتمع من أثار مدمرة، يصفها الكثيرون من أنها ألغام وضعت على مسارات الطريق الذي أختاره المشرع لبناء الدولة الجديدة، فلا يمكن للديمقراطية والتعددية أن تثمر فلسفة سياسية وبناء حداثي مع وجود تعارضات تقزم مفهوم الديمقراطية وتجعل منها مجرد صورية شكلية وطريق ممهد لظهور ديكتاتوريات أجتماعية باسم المكون أو الفئوية التي تتحدى إرادة المجتمع.
لا يمكن مع تلك التعارضات التي لفت الكثير من النصوص أن تحقق أيا من أساسيات الدستور وبناء الرؤية الإنسانية التي أرادها، لا في موضوع العدل والمساواة ولا في موضوعي الديمقراطية والتعددية في ظل أستحكام الاضطراب البنيوي في مجمل النسقية التي يجب أن تتوفر في النصوص والأفكار العامة، كما لا يمكن أن نقر بالنتيجة التي سلم بها المشرع من حفظ وحدة البناء الديموغرافي وشعار المواطنة الواحدة مع تلك التعبيرات، التي نجحت في تقسيم المجتمع وحولته إلى نظام كانتونات تتنازع فيما بينها على المكاسب، وشجع الانحراف نحو مفهوم المصالح الذاتية الفئوية بدل الأجماع والاجتماع على مصلحة المجتمع الواحد وحفظ مصالحه الوطنية الكبرى.
وظيفة الدستور الأجتماعية ليست الأخذ بيد المجتمع للخضوع له كقيمة عليا فقط دون أن يكون هو صانع لواقع يعبر عن مصالح المجتمع وتطلعاته، ولكن الأهم من ذلك أن يمنح المجتمع إيمانا حقيقيا بأنه يمثل جوهر الإرادة الكبرى في أن يعيش هذا المجتمع صيرورته كمجتمع منظم مزدهر وقابل للتعامل مع المستجدات ويتفاعل معها داخليا وخارجيا، من خلال قدرة ذات الدستور على تصحيح المسارات وتطوير وظيفته الضابطة لكل تفاصيل الحراك الأجتماعي والإنساني للشعب.
إن الحاجة الوطنية اليوم للتغيير تتعاظم مع كل الفشل المتراكم والناتج عن سوء الفهم وسوء البناء النصي، وتضارب الإرادات المكوناتي التي تتزاحم وتتقاتل فيما بينها على جني المكاسب الفردية، سيعرض العراق إلى نتائج كارثية مع مرور الزمن ويحول الدستور إلى سيف مسلط على المكاسب التي دفع العراقيون ثمنها غاليا ومكلفا، مع تزايد خطر الصراعات المحلية والإقليمية والدولية فيه ومن حوله، مما جعله دائرة من دوائر الفوضى والتدخلات وتنفيذ سياسات ومصالح تتعارض مع وجوده الأساسي كدولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة وأستقلال.
إن الطريق نحو التغيير والتجديد والتحديث لا يمر عبر إجراءات شكلية ترقيعيه، وإنما تنحصر حتما في ترجمة الأساسيات الكلية وإعادة نمذجة النصوص وسوقها إلى ترجمة تلك الكليات وترسيخها واقعا ضروريا، حتى يضحى الدستور وحدة بنائية معرفية متكاملة تسند أجزائها بأجزائها، وإعادة أظهار ما يعرف بالفلسفة التشريعية الموحدة له، دون أن نسمح بظهور التناقض والتضاد الذي يحمل فيروسات الفساد والتأويل اللا متناسب مع وحدة التشريع وسلامة المنهج التكويني له، هذا يتطلب أولا شجاعة وطنية ونكرات ذات من كل من يؤمن بالعراق وطن واحد لشعب واحد وبمستقبل واحد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,606,315,502
- أساسيات الدستور العراقي ثانيا _التعددية الديمقراطية
- أساسيات الدستور العراقي
- خارطة الطريق التي اعدها الحراك الشعبي في العراق
- لماذا الحاجة ملحة لتعديل الدستور العراقي؟
- في العراق ... أزمة حكم أم أزمة حكام؟.
- استراتيجية التك تك في مواجهة السلطة الفاسدة.
- قراءة في تطورات ما بعد الاول من تشرين الاول في العراق
- المسؤولية القانونية والدستورية لرئيس مجلس الوزراء في الدستور ...
- بيان من التجمع المدني الديمقراطي للتغيير والأصلاح...
- لماذا يتظاهر شباب الشيعة ضد المنظومة الشيعية الحاكمة في العر ...
- نعم نريد إسقاط النظام
- رسالة الى السيد الاغا
- الرسائل الأمريكية وغباء الساسة العراقيين وأميتهم السياسية
- من خطبة الجمعة التي ألقيتها في حضيرة المستحمرين النووم
- رواية (السوارية ح8 _2
- رواية (السوارية) ح8 _2
- رواية حكيم لباي ج15
- رواية حكيم لباي ج14
- رواية حكيم لباي ج13
- رواية حكيم لباي ج11


المزيد.....




- شاب يربح أكثر من 2.7 مليون دولار بمسابقة تلفزيون.. إليك سرّه ...
- بالصور.. غذاء من البابا لـ 1500 محتاج
- فورمولا الطرقات الوعرة أيسلندية المنشأ
- احتجاجات إيران: هل أسهمت الضغوط الدولية في تأزيم الداخل؟
- بعيون مضمدة.. تضامن فلسطيني مع صحفي فقأ الاحتلال عينه
- أثار مخاوف الأقلية المسلمة.. فوز مرشح المعارضة بانتخابات الر ...
- بعد استقالة الحكومة.. تشكيلة وزارية جديدة بالكويت مع بقاء مج ...
- الواقع الافتراضي في خدمة فلسطين.. ما لا تريد إسرائيل رؤيته
- مصدر يكشف عن اختطاف ثلاثة محامين في بغداد وميسان
- النائب السوري خالد العبود: صراع استخباراتي في شوارع لبنان وا ...


المزيد.....

- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب
- توقيعات في دفتر الثورة السودانية / د. أحمد عثمان عمر
- كَلاَمُ أَفْلاَطُونْ فِي اُلْجَمَاعِيِّةِ وَ التَغَلُّبِيِّة ... / لطفي خير الله
- الديموقراطية بين فكري سبينوزا و علال الفاسي / الفرفار العياشي
- المسار- العدد 33 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس علي العلي - أساسيات الدستور العراقي ثالثا _الصيغة الأتحادية