أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميرغنى ابشر - القرآن بين إليهن.. مقال في الإدّكار العرفاني وقضايا التشريع المعاصرة















المزيد.....

القرآن بين إليهن.. مقال في الإدّكار العرفاني وقضايا التشريع المعاصرة


ميرغنى ابشر

الحوار المتمدن-العدد: 6353 - 2019 / 9 / 17 - 20:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



"ما يولد في الظلمات يفاجئه النور فيعريه"
"****"

"من اجلِ عار لقمة وسترة عن العيون
شعارنا ما زال من قرون مع الجدار سر"
"ميسر سبول"


في البدءِ دعونا نتفق على إنسانية الخطاب القرآني وكونيته، وعلى توفر عصرنا على إمكانية فهم أمثل لهكذا نص، نزل على قوم إذا جاع عادلهم عصرئذ ما وجد غضاضة في سد رمقه بإلهه. وعلى ربيبات قرشيات خصيبات سودن حجر البيت المقدس بدماء حيضهن تبركاُ. وانه كتاب يسر للفهموم مهما بلغت درجة غشاوتها وابتدائية معرفتها: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدًكر) يتوضح ذلك بتكرار هذه الاية في سورة القمر اربعة مرات مقرونة في كل مرة بقوم ما تيسرت فهومهم لتصدُق انبيائهم. كما انه كتاب قيمي غير منحازاً امتثالا لسننه المبزولة لصاحب المرجعية المعيارية، وللذي على غير ذلك : (فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا) . ولكنه ايضا غير محايد انتصاراً للحق وفق إفهومته :(هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق). وبوصفه كتاباً مقدساً فهو يحمل ايضاً وعياً مموهاً بزعم "نيتشه" و"فرويد". لذا فهو يتضمن حقائق تولدت منها احكامه وحِكمه - بكسر الحاء - فهو ينطوي على معنى بعيد تستبطنه حكمته تحت معناه القريب الذي تشي به احكامه. اذن فهو يبشر بافق غائي يتطلع الى الأمام، للحظة الدين الجمعي دين المؤمنين، اي دين الإنسان. وإن التشريع المحمدي لبنة أخيرة في مصفوفة الأنبياء القيمية. وبوصفه خطاباً للناس كافة فهو يتضمن شواهد تجهد في أن تُأنسن بشرية من هم خارج اطروحته الايمانية المؤسسة على الشهادتين . فهو في مستوى يخاطب ويحاجج من هم خارج إطار ربِية الكون، بالتبصر في الطبيعة والتاريخ الكيفي للنشأة والحياة: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ--- وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ--- أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (*) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ). وفي مستوى يخاطب أهل التوحيد من الديانات السماوية الاخرى بالإحتكام لصحائفهم وكتبهم وما أُنزل اليهم، ويدعوهم للامتثال لمنظومتهم القيمية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ). كما ويتضمن مستويات وآفاق متعددة من التشريع ، لجماعة الشهادتين أو المحمديين، وبالذات في المشكل اليومي العارض والذي قد يكون - مثلاً - عادة ثقافية تتعارض في أحيان كُثر مع يغظة الواعية التي ينشدها الفرض العبادي. وهنا نعرض لموضوعة (الخمر) ، وقد وضع القرآن فيها بياناً للناس ومصفوفة من التشريعات لجماعة المسلمين. والتي يبدأ النص المقدس تبيان مقدارها القيمي واثرها الإجتماعي من عند قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ--- قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ--- ) ثم يعرج في موضِعٍ اخرعلى تأثيرها العبادي ويضع تشريعاً لمن لا يقدر على التعافي من اتيانها، فعليه في هذه الحالة، الا ياتي الصلاة ( ومجمل العبادات والشعائر المفروضة) وهو غائب عن الوعي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ--- حَتَّىٰ--- تَعْلمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ--- تَغْتَسِلُوا ۚ--- وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ--- أَوْ عَلَىٰ--- سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ--- إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) .اما المستوي الذي يتقصده النص المقدس لكمال الواعية وتمامها فهو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ). وهكذا يتوضح الا تعارض بين هذه النصوص، وبالتالي ليس من ناسخ ومنسوخ في هذه الايات. أنما هي مستويات من الشرعة والتبيان تستوعب وهن وقوة الانسان في وصله مع المطلق. وعمدنا لتمام الآية التى يحكي الفقه المدرسي بنسخها، وهو قولاً لا يتسق عقلاً ولا يستقيم حكما، وذلك بإقتران حكم المنع بسلسلة من الأفعال التى تستوجب بطلان شعيرة الصلاة وهي افعال في معية الخمر مشمولة في آية واحدة، لا يستقيم حكماً نسخها. فقط ومن أجل تحديد حكماً قطعياً في الخمر!! . وقد نص القرآن على الاثر الإجتماعي السلبي للخمر والميسر في قوله تعالى : (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ). في الوقت الذي نص فيه وبوضح لا يقبل الدحض على حرمة النصب والازلام في قوله تعالى: (..وما اكل السبع الا ماذكيتم وما ذبح على النصب) ( وان تستقسموا بالازلام ).(وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه ).
ويظهر بُطلان دعوى النسخ في الآيات المخصصة لساقطي السلوك يقول تعالى:(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ--- فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ--- يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا). فالفاحشة بحسب السياقات القرانية تعني عموم الممارسة الجنسية، ووردت في القران بجذرها واشتقاقاتها (24) مرة. فالزنى نوع من انواع الفاحشة يتعلق بالمحصن والمحصنة وشرطه أن يكون بين ذكرا وانثى، يقول تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ--- وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ--- وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، والسحاق نوع من انواع الفاحشة تمارسه النساء فيما بينهن، واشار اليه القران في قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ) ، واللواط نوع من انواع الفاحشة وهومباضعة الذكر الذكر وقد ابانه القرآن في قوله تعالى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ--- فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ--- إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) وايضاً في قوله تعالى:(ولوطا اذ قال لقومه اتاتون الفاحشة وانتم تبصرون) . ويستبين أكثر المعني الذي نروم في قوله تعالى :(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ--- وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ--- بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ--- كَذَٰ---لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ--- إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) . ولا يجوز في حق نبي معصوم الهم بالفاحشة فقد وصفه الله تعالى: (إإِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) و بالمقابلة نجد أن هم سيدنا يوسف عليه السلام يكون السوء ويعني الايذاء وهم امرأة العزيز تقابله الفاحشة: لذلك قال تعالى في حق يوسف لنصرف عنه الفاحشة ولم يقل الزنى، لانه غير محصن. فيوسف عليه السلام كان ينوي ايذائها أن تمادت في طلبها له، هذا هو همه. اما همها هي فقد كان الفاحشة. فهذه الايات التي تتناول الفاحشة بانواعها المغايرة، لاتتحدث ابداً عن حالة واحدة من حالات الفاحشة كما اتضح لنا . فهي تبين احكام مختلفة لحالات مختلفة من الفاحشة تبدأ هذه الأحكام من عند الحبس والإستتابة للسحاقية والايذاء والإستتابة للوطيين، والجلد مائة جلدة بشهادة العامة للمحصنة والمحصن. ونجد المعضد القطعي فيما ذهبنا اليه في قوله تعالى :(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ--- وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ--- بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ--- فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ--- فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ--- ذَٰ---لِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ--- وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ--- وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). اذ لا يستقيم عقلا ولا خكما أن يكون عقاب الامة المحصنة نصف عقاب الحرة المحصنة ويكون في الوقت ذاته عقاب الحرة المحصنة الرجم ؟؟.فما هو نصف الرجم اذا لم يكن المقصود في قوله تعالى النصف من عقوبة الجلد؟.ففي هذه المصفوفة من الايات التي تبين احكام الفاحشة بحالاتها المتعددة يتوضح العمق الإنساني للنص المقدس في اعظم صوره اذ لا غريزة يتراضى فيها الطرفين تصادر حق الحياة ابداً. وهكذا يمكننا القول الا تعارض بين آيات سورة النساء وآيات سورة النور، إنما هي مصفوفة من التشريعات تتعلق بساقطي السلوك . وبهكذا توضيح تسقط اهم اعمدة النسخ الفقهية وهي وجود تعارض بين الناسخ والمنسوخ. وقد تبين حكماً وعقلاً ألا تعارض بين مصفوفة احكام الخمر و الفاحشة في القرآن .
وهنا تحضر بشدة قضية النسخ في القرأن ،لنجد أن هنالك ( 565) آية هي عدد ما قيل انه منسوخ ، وأسفي انها آيات الكتاب التى تسمو حتي على اي مسودة بشرية ناظمة لحقوق الإنسان. ففيها عدالة توريث النساء، واعطاء غير الوارثين ،وامتصاص فائض الاموال، ورعاية اليتيم، وحق الفقراء ورعاية المرأة وعدالة جزاء ساقطي السلوك التى عرضنا لها آنفا. وغيرها من الحقوق المدنية . والتي يغدو النص القرآني بنسخها وثيقة عقابية تفوت الكثير من حكمته وإنسانيته.
اكثر من اشتهر في هذا المنحى من التأليف (النسخ في القرآن) بن حزم وبن هلال النحوي وابي النصر. ولمعالجة هذه الموضوعة نسترشد بما ذهب اليه كل من محي الدين بن عربي والإمام محمد عبده والباحث المدقق عبد المتعال الجبرى : يستدل القائلين بوجود النسخ بادلة ثلاثة وهي :جواز النسخ عقلاً،والدليل الثاني نص القرآن على وقوع النسخ في آيتين هما :(ماننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها...الخ)،وقوله تعالى :(واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر...الخ). اما الدليل الثالث فهو تأليف العلماء كتب كثيرة في الناسخ والمنسوخ.
ونقض الدليل الأول القائل بجواز النسخ عقلاً فهو باطل لان الجواز العقلي لا يقتضي الوجود الفعلي، فليس كل ما يمكن تصوره عقلاً موجود في الحقيقة. اما قوله تعالى: (ماننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها...الخ‎) فمن الواضح جداً ان النسخ هنا المراد به نسخ الشرائع السابقة بشريعة لاحقة افضل، وذلك مفهوم من خلال سياق الآيات :(مايود الذين كفروا من اهل الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ماننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها.) وهو رداً على اليهود الذين قالوا ان النبي يأتي بشريعة تخالف شريعتهم. وهو بذلك يخالف امر الله. كما ورد لفظ آية بمعني معجزة او مظهراً مادياً ففي سورة يوسف نجد قوله تعالى: (وكإين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) .اذاً فليس المراد من الأية نسخ آية قرانية أيضاً بل معجزة . وكان هذا رداً على كفار قريش الذين طلبوا آية مثل الآيات الكونية التي صنعها الله لإثبات نبؤة الأنبياء السابقين. وقال بذلك كما اوضحنا كل. من بن عربي وتبعه مؤيداً الإمام محمد عبده،وانتهي لذلك أيضاً عبد المتعال الجبرى.اما قوله تعالى :( واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر). فليس موضوعها نسخ أيات القرآن ،فقد قال الكفار للنبي:ائت بقرآن غير هذا او بدله فنزل قوله تعالى :(واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ..).الآيات مرة أخرى ترد على طلبهم بقرآن لا يسب الهتهم ،أي انهم حتى لو جعلناه قرأن سهل القول في كرههم للحق لما رجعوا عن مفترياتهم.بل ان الأية دليل على استحالة وقوع النسخ لان المعنى نحن لا نبدل آية مكان آية حتى لا نعطي الكفار دليل على ان القرآن مفترى على الله وليس من عنده ( فقالوا انما انت مفتر). وهذا يخرج الآية من ان تكون حجة عضد للقائلين بالنسخ .كما وان القرآن يؤكد على عدم نسخ الآيات بعضها لبعض ، قال تعالى:(افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا اختلافا كثيرا). .وبهذا البيان يغدو التاليف في هذا المنحى(الناسخ والمنسوخ) ضرباً من المماحكات التفسيرية المدرسية المنتصرة للظاهرية السلفية التي تأصل لبشاعتها ولا إنسانيتها من عند هكذا ظاهرية. قُبالة الإدّكار العرفاني الذي يدعو اليه هذا المقدس محاولاً تحقيق تصالحاً ايجابي مع الذات والأخر والمتعالي.
ذاك ما كان منه في باب النسخ، اما في باب الطمس فنقول:ازمة الأسلام المدرسي مع الحقوق المدنية، وتناطحه مع طبيعة الاشياء، تكمن في التراث الذكوري البدوي .المتأسس على جاهلية وضع اليد، وتسليع جسد المرأة بعقود النكاح والطلاق. التي هي في الأصل مرحلة بادية في تطور التشريع الذي يهدف الى حرية المرأة في التمتع بجسدها مع من تشاء (بالمعروف). فالميراث الفقهي قديمه وحديثه يسكت عن: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) حين يشرّع احكام الزواج التي اقامها على بيت الطاعة ولم يفلح ان يشرعن لها على قيم المساكنة واضحة النص :( ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم ازواجا لتسكونوا اليها). روى بن عباس ان جارية جاءت النبي وقالت له ان ابي زوجني من بن اخ له وانا له كارهة فقال النبي اجيزي ما صنع ابوك فقالت لا رغبة لي فيما صنع ابي فقال النبي اذهبي وانكحي من شئت. وعن وكيع عن بشير بن سليمان عن عكرمة عن ابن عباس قال :( إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة ؛ لأن الله يقول ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) .هكذا كان يفهمها الطليعي بن عباس آية (تماثل حقوق) في كل شيء بدءاً من حق الاختيار وانتهى بحق الافتراق .
وفي موضوعة اخرى في غاية الاهمية لعصرنا الذي نعيش، يطرح هذا الفقه المدرسي منظومته المعارضه لقوله تعالى :(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ--- وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ--- وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) ويحرم زواج المسلمة من الكتابي. في انتصار مغيظ لصالح قيم الامتلاك، والتمتع الجاهلة، ضد قيم انسانية النص المقدس. التى بشر بها الرسول الأعظم. والتي تؤكد على حلية زواج المسلمة بمن تشاء ممن ترضى دينه لا إسلامه فحسب!!. وكأنما الخطاب في هذه الآية حكراً على الرجال دون النساء، مع وضوح النص وصراحة تبيانه :(وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ--- وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ). فالآية جاءت لتفتح فضاء واسع من التواصل المجتمعي بين أهل الديانات السماوية، وتأسس لشراكة الاطعام والتصاهر . فاطلقت حلية الطعام وحلية الزواج بين الجانين، بعد أن وضع الاسلام جرانه وثبت اركانه. فليس من الحكمة أو العقل او السياق أن يحلل النص ما هو كائن وبديهي ونعني زواج المسلمة بالمسلم، أنماء جاء النص ليحلل زواج المسلم بالكتابية وزاوج الكتابي بالمسلمة. اسوة بحلية الطعام. وأفة الإسلام المدرسي خلطه غير الميّز بين المنظومة القيمية التي يريد أن يقيمها الله مجتمعيا بين الناس (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ، وفي هذا المقام تشمل عبارة (يا أيها الناس) يقيناً قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من امن بالله واليوم الاخروعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وبين ما خص به ذاته من معرفة احوال القلوب ومآلات يوم الدينونة (أ ن اكرمكم عند الله اتقاكم)، (إن الذين امنواوالذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة). وترك لنا مواعين التعارف التي ابتدعها الناس، من صيغ للزواج ، ووسائط للتواصل بمرجعية معيارية مرنة . يمكننا من خلال تبنيها تحقيق السلم العالمي، والعيش الانساني المشترك . ولا يتأتى ذلك الا بتحرير مفاهيم هذا المقدس المتمدنة من بادية العرب الموحشة وصلابة مخرجاتها الثقافية.
............................................
المصادر والمراجع:
(*) القرآن الكريم.
(1) محمد فؤاد عبد الباقي،المعجم المفهرس لآلفاظ القرآن الكريم.
(2) عبد المتعال محمد الجبرى،لانسخ في القرآن.
(3) عبد الرازق الجبران، مبغى المعبد.
(4) ميرغني أبشر، موت وثن.
(5) ميرغني أبشر،ردة الربيع.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,652,069
- ما لم يُكتب في الشريف حسين الهندي -اقيونة النضال العربي والإ ...
- آخر ما قال - فارس-!
- عن ماذا أكتب؟
- الاخطاء التاريخية في القرآن
- دونجوانية محمد الرسول
- حوارية الياسمين والابنوس
- الأخطاء النحوية والبلاغية في القرآن
- ربى ورسولي في خمر المعاني
- النَّصُّ الإدانة.. رفع الْقُرْآن وَجَنَّة - ميركل -
- بكاء أرميا
- الجنون في تاريخه المقدس -اطروحة في منشأ التمدن والعمران-
- عودة المسيح
- التأريخ المنسى للحريم أو انتقام -الاله الام-
- أنتيجونى حِيرة الإنسانيات ! توليفات فرويد وهيغل نموذج
- دعاء اخر الاولياء
- بريخت محتالاًَََََََِِ!!.. الجزر الدينى لديالكتيك -التغريب-*
- أبان يولد من جديد
- حواشي نقدية على مهرجان البقع الأرجوانية
- أبان يولد من جديد
- حواشي نقدية على مهرجان البقع الأرجوانية


المزيد.....




- مرصد الإفتاء: العدوان التركي على الأراضي السورية تسبب في هرو ...
- السلطان والشريعة.. هل انقطعت الصلة بينهما في العالم العربي؟ ...
- هل انتقل مسلحو القاعدة والدولة الإسلامية إلى بوركينا فاسو؟
- قراءة معمارية للأفكار الصوفية.. ما علاقة الإسلام بفكر التنوي ...
- يستهدف أكثر من 6000 مشاركة..”الشؤون الإسلامية” بالسعودية تنظ ...
- انتخابات تشريعية في بولندا حيث تمتزج الدولة بالكنيسة في بلد ...
- انتخابات تشريعية في بولندا حيث تمتزج الدولة بالكنيسة في بلد ...
- من هو حسن البنا -الساعاتي- مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟
- فوز إمام المسجد الناجي من -مذبحة كرايستشيرش- بمنصب رسمي بنيو ...
- بعد فصل معلمي الإخوان.. هل يمهد النظام المصري لتصفية موظفي ا ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميرغنى ابشر - القرآن بين إليهن.. مقال في الإدّكار العرفاني وقضايا التشريع المعاصرة