أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال التاغوتي - عنترة والثور: في ماهية القوة














المزيد.....

عنترة والثور: في ماهية القوة


كمال التاغوتي

الحوار المتمدن-العدد: 6318 - 2019 / 8 / 12 - 04:08
المحور: الادب والفن
    


يعجّ الأدب، شرقا وغربا، قديما وحديثا، بنصوص تمجد القوة: فهي إما درع تحمي المرء وتذود عن حياضه وإما سبيل نحو السؤدد. وفي الحالين تطلب القوة، بل إن المرء لَيسكتُ عن الغاية من اكتسابها واعتبارها معلومة بداهة. بيد أن القوة مستويات وأنواع، ولا يمكن قصرها على ما هو مادي محض؛ لذلك يختلف الناس في تحديدها تحديدا دقيقا، فعندما يقال عن بعضهم إنه قوي، لم يعد يتبادر إلى الذهن بعده الجسدي، وإنما ينبسط أمام العين جدول يضم مجموعة من الخيارات كل منها يسِم بُعدا من ابعاد ذلكم الشخص. كما للقوة درجات، ومحال الحديث عن قوة مطلقة إذ هي نسبية في الجملة. والأدب العربي القديم، شأنه في ذلك شأن آداب الشعوب الأخرى، خلد الأقوياء، لكنه خص "الخيرين" منهم بالتمجيد والحمد لما بذلوه في سبيل أقوامهم أو القيم المزروعة في الوجدان؛ فإن تكن القوة "هبة" أو كسبا فإن المعيار في تحديد نجاعتها يظل طريقة تصريفها والأهداف المحققة من استخدامها. لذلك أقام الأدب نُصُبا تذكر بالأقوياء الصالحين وحمّلهم أحلام الناس وطموحاتهم. إنها صورة لهؤلاء الأفذاذ تستقر في أعماق النفس لتنسج شبكة من السمات تتحول شيئا فشيئا إلى مثال ننتظر نظيره لينهض بالأعباء الثقيلة. ذاك هو البطل. وفي خضم هذا الدفق الدلالي يتلاشى المرجع الواقعي – إن وجد – ويزج بالصورة في حزمة أبطال قُــدَّ أغلبهم من الكلام. وبتلاشي المرجع الواقعي تفقد الصورة كثافتها لتشفّ وتصير قوة محضة. هكذا يترجح الناس بين واقع تغيب فيه القوة المطلقة، فهي نسبية إضافية، وبين عالم الخطاب حيث تصهر صورة القوي لتذوب منها النقائص، وكل ما يمتّ بسبب إلى الضعف. وفي هذا المضمار تحضرني طرفة رويت عن الشاعر عنترة بن شداد، إذ تقوّل بعضهم أنه هرب يوما من أمام ثور هائج، فلامه بعضهم على جبنه وقالوا: تهرب منه وأنت عنترة؟ أين شجاعتك وإقدامك وجسارتك؟ فقال لهم: وما يدريه أني عنترة. لست معنيا بصدق هذا الخبر، وإن كان الموقف ينطبق عليه قول المتنبي: الرّأي قبل شجاعة الشجعان // هو أوّل وهي المحلّ الثاني. وقد اختار عنترة الهروب حلا حتى وإن كان اختياره يطعن في شجاعته أمام الملأ. غير أن الملفت للنظر تبريره هذا الخيار، فهو لم يُعلِ من شأن التعقل والتروي كما فعل خَلَفُه، وإنما قدم تعليلا موضوعيا يتمثل في جهل الثور مَن يواجه. وعنترة يدرك عاقبة هذا الجهل، ويدرك أيضا أن قوته وجبروته في ساحات الوغى لا يتأتيان منه فقط ولا يتحددان من العناصر الحسية المرئية تماما أمام خصومه وأعدائه، بل ثمة محدد آخر له فعله وأثره العميق فيما يحققه من انتصارات. فتنبيه مخاطَبه إلى جهل الثور الهائج هوية من يهاجمه يكشف عن معرفة عنترة بسطوة الصيت الذائع بين الناس وسمعته المطبقة للآفاق؛ إذ أن معاركه لا جدوى منها إن لم تساهم في ترسيخ صورته في الأذهان ساعة تنقلب تلك المعارك والحروب أخبارا وأشعارا تتداولها الألسن. إن إقدام عنترة يحدد مداه مدى تجذر صورته في نفوس نظرائه، صورة فارس لا يغلب. ويناء على ما تقدم يمكن القول إن طيف عنترة بن شداد أقوى من عنترة نفسه، وعنترة شبحا متخيَّلا أفتك منه جسدا ملموسا، لأن شبحه تصقله اللغة وتطهره من الشوائب حتى يضحي أيقونة نقية ليس لها من مرجع سوى ذاتها فهي القوة الخالصة. ورد عنترة المذكور لا يصدر عنه لأنه شاعر يعلم أثر الكلمة، إنما هو فهم مشترك، ولعل إشراك الشعراء والخطباء في الحروب والغزوات دليل على ذلك، فهم بشعرهم وخطيهم إنما يمهدون السبيل لحاملي السلاح عبر التهويل والتفخيم والتعظيم من شأن أقوامهم فخرا ومدحا. بعيارة أخرى إن اللسان يستهدف الأيقونات الثاوية في الأذهان وما يدور في فلك كل منها من سمات ترجع كلها إلى القوة فيفعّلونها ويبثون فيها من الطاقة ما يجعلها تصيب العدو بالرعب قبل ملامسة السلاح وقبل إثارة النقع. ذلك ما يدفع المرء إلى اعتبار القوة علامة – قد تكون لغوية أو بصرية – والقوي شبحا يتشكل خلال الزمن انطلاقا من عينات حقيقية، وما يزال للشبح سطوة تزداد يوما بعد يوم بسبب الإعلام وأدوات إنتاجه المتضخمة. وسلطان العصر يراهن على عملية "التشبيح" هذه لا ليروّع أعداءه وخصومه فحسب وإنما ليوسع من دائرة الإيهام بالأمن في أذهان الخاضعين لسلطته. إن القوة هي صاحبة السلطة والأخت الرضيعة، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة، وجوهرهما هو ذاك الشبح الماضي في تضخمه ليملأ فراغا يتركه أصحاب المصلحة الحقيقية في بلدانهم؛ فلا يغنمون إلا الخوف أو الطمع.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,471,422,132
- السندباد البحري: البحث عن الجذور
- خصرها
- ذاكرة البحر
- انتهاك الحدود في أقصوصة الكراسي المقلوبة (رضوان الكوني)
- شجرةٌ
- رَقِيم
- على صدْرِها
- اغتيالُ شَمعَةٍ
- تنقيح
- الحبّ في غياهب القمع
- جماليات الفظيع: قراءة في قصيدة أبي تمام
- hell-space
- ذكريات
- عِلاجٌ وَحِيدٌ
- الضمير
- المُعلِّمُ
- عمرية: أفق نهدٍ
- متى تعودين
- تَضَارِيسُ الليْلِ
- على شاطِئِ الأَمْسِ


المزيد.....




- الموت يغيب الشاعر والكاتب حبيب الصايغ 
- بالفيديو... المقاتلات الروسية ترسم لوحات فنية معقدة في السما ...
- دورة استثنائية ورسائل متعددة..افتتاح مبهر لمهرجان المسرح الم ...
- مصادر حزبية.. العثماني لم يفاتح أحدا في موضوع التعديل الحكوم ...
- شاهد كيف سرقت مترجمة لغة الإشارة الأضواء من مغني الراب
- جلالة الملك يتسلم كتابا حول الجهود الملكية لتحديث القوات الم ...
- 42 حفلا فنيا في مهرجان القلعة الـ 28 بالقاهرة
- محمد يعقوب يفوز ببردة شاعر عكاظ لهذا العام
- الإمارات تنعي كاتبها وشاعرها
- منشور ماكرون باللغة الروسية يثير غضب السياسيين


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال التاغوتي - عنترة والثور: في ماهية القوة