أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - راتب شعبو - فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 2















المزيد.....


فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 2


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6232 - 2019 / 5 / 17 - 14:29
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


أول حزب زراعي في تاريخ سوريا
اسمه الحزب العربي الاشتراكي، والروح المحركة له كانت شخصية أكرم الحوراني الذي "لم يكرس أحد معظم طاقاته لخدمة الفلاحين أو الدفاع عن قضيتهم بحماسة أو تمتع بثقتهم أكثر منه .. حتى أصبح محل عواطف قريبة جداً من تلك التي كانوا يكنونها للأولياء الصالحين".
كانت حماه مهد انطلاق الحزب الذي شمل سوريا، لأنها كانت منقسمة بحدة بين الإقطاع والفلاحين، بين الذوات والشعب. وسنلاحظ على تجربة هذا الحزب ما يلي:
1. كان الحوراني ابن أسرة مدينية دينية (صوفية) ولم يكن من بيئة فلاحية، وقد تعلم في مدرسة دار العلم والتربية مع أبناء الأسر الاقطاعية. وعلى الرغم من أن حركة الحوراني "وجدت أخيراً أكثر مؤيديها حماسة بين الفلاحين، فقد جاءت إلى الحياة على أيدي اشخاص غير زراعيين". هذا أقرب إلى فكرة لينين عن طريقة نقل الوعي إلى الطبقة العاملة، منها إلى فكرة الكاتب. ليست النشأة إذاً بهذا القدر من الأهمية التي يوليها الباحث في تقديم تفسيرات للميول السياسة للأشخاص، مثل تفسير الميل الوحدوي عند ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ومدحت البيطار بأنهم أبناء تجار حبوب بالجملة (بوايكية) في حي الميدان ويتطلعون إلى سوق أوسع توفرها الوحدة العربية، والتفسير نفسه يعتمده الكاتب لتفسير الحماس "البعثي" لجلال السيد (العضو الرابع في أول مكتب تنفيذي لحزب البعث) ابن دير الزور. واللافت أن الباحث يذكر في كتابه إن جميع أعضاء المكتب التنفيذي للبعث منذ تأسيسه حتى اندماجه مع الاشتراكيين العرب كانوا من جذور مدنية، كما أن المؤتمر الأول لحزب البعث (حزب العمال والفلاحين) في 1947 لم يضم سوى عامل واحد ومزارع واحد.
2. الحوراني ليس إسلامياً بل اشتراكياً وقد تجاوز بذلك خطوط الانقسام المذهبية وحشد جمهور الفلاحين في مختلف المناطق السورية. ولم يحل فكره الاشتراكي دون اختراقه الأوساط المسلمة السنية.
3. الصلة الوثيقة بين النضال الفلاحي للحوراني ونضاله القومي ولاسيما دخوله فلسطين في 1948 على رأس مجموعة من المتطوعين، غالبيتهم من حزب الشباب الذي كان يترأسه، لمهاجمة المستوطنات الصهيونية.
البعث القديم والانتقالي والجديد
ما قبل الوحدة مع مصر، كانت المُثُل العليا تحفز ما يسميه الباحث (البعث القديم) منذ 1945 حتى 1958. أطباء متفانون من أعضاء الحزب يذهبون سيراً على الأقدام لتقديم علاجات مجانية لفلاحي القرى النائية والمهملة، وناشطون في الحزب يرسلون على حسابهم الشخصي أبناء الفلاحين للدراسة. جرى حل الحزب خلال الوحدة السورية المصرية التي لم تعمر طويلاً، ثم جرى تشكيل ما يعتبره الكاتب (البعث الانتقالي) الذي استمد زخمه من اللجنة العسكرية السرية التي تشكلت في القاهرة في 1959 واستمرت حتى إحلال المكتب العسكري التابع للقيادة القطرية لحزب البعث في محلها في آب 1965. أما بعد 1965 فقد بدأ يتشكل (البعث الجديد) الذي تبلور بعد 1970 حيث بات غالبية أعضائه "يتنافسون على المناصب والعلاوات أكثر من الارتباط بفضيلة التفاني".
ويجهد الباحث في تقصي الأصوال الاجتماعية لأعضاء اللجنة العسكرية التي لم تكن نسبة العلويين غالبة فيها على عكس ما هو شائع. حتى في الجيش ككل "على مستوى الضباط لم يكن العلويون مهمين عددياً بمثل أهمية السنة قبل عام 1963". غير أن الكاتب ينجذب إلى لغة دارجة تنظر إلى الواقع السوري بدلالة الطوائف فيسأل: "ما هي اسباب النفوذ القوي للضباط العلويين؟"، ومن الطبيعي إذاً ،حين يبحث عن الجواب، أن يتعامل مع الطوائف ككتل متمايزة وهو اعتبار ضعيف. رغم أنه يقول "إن الضباط العلويين لم يتصرفوا دوماً انطلاقاً من وعي أنهم علويون"، فإنه ينظر إلى حركة الكتل العسكرية ومراكز القوى بدلالة طائفية هزيلة المعنى. يفسر بطاطو قوة نفوذ الضباط العلويين بعدم الفاعلية السياسية للكتلة العظمى من السوريين (يقصد المسلمين السنة)، وبأن المنبت القروي للضباط العلويين جعلهم أكثر تجانساً، مقابل اختلاف منابت الضباط السنة ودخولهم بالتالي في صراعات فيما بينهم. غير أن هذا التفسير يهرب من أن الصراعات كانت شديدة أيضاً بين الضباط العلويين أيضاً وصلت إلى حد إبعاد ثم اغتيال (محمد عمران)، والصراع الدائم بين حافظ الأسد وصلاح جديد إلى حد نشوء ازدواجية في السلطة منذ 1968 إلى أن حسمها الأسد بانقلاب تشرين الثاني 1970.
في محلات أخرى، وتحت ضغط معطيات البحث من جهة والنزعة الموضوعية للباحث من جهة أخرى، يخرج الكاتب من ترسيمة التعامل مع الطوائف ككتل سياسية، فيقول مثلاً: "تاريخ البعث في الستينات هو، بمعنى ما، تاريخ شقاقات حزبية. لم تكن النزاعات الحزبية الداخلية قط طائفية صرفاً أو مناطقية صرفاً بطبيعتها. هكذا كان من الممكن العثور على عناصر من المجموعات البعثية الرئيسية في الجيش – مجموعة اللاذقية العلوية، مجموعة جبل العرب الدرزية، ومجموعتا حوران ودير الزور السنيتان – في هذه اللحظة أو تلك في كل فئة سياسية تقريباً. وغالباً ما كانت العوامل أو التطلعات الشخصية إلى السلطة حاضرة. وكان للقرابات العقائدية دور ما، لكن لا يبدو أنه كان حاسماً". يبقى السؤال: ما هي الأسس التي تجعل الكاتب يقسم المجموعات على أساس طائفي ومناطقي في الوقت الذي يقول فيه إن هذه الكتل تتوزع في كل فئة سياسية، وإن القرابات العقائدية لم تكن ذات دور حاسم؟
هناك نزعة للمبالغة في دور المنشأ والروابط الطائفية ربما يجد تفسيره هنا في أنه حين لجأ الأسد الأب إلى ترسيخ سلطته وتأبيدها مستنداً إلى شتى أنواع العصبيات المتاحة ومنها العصبية الطائفية، مال كثير من المحللين إلى إسقاط الحاضر على الماضي، ليبدو الماضي محلاً للخطط والمؤامرات الطائفية، ولتقسر الصراعات على الانضواء تحت بنود طائفية. كان يؤمل من باحث بجدية بطاطو أن يبتعد عن هذا الاستسهال.
البعث ما بعد 1970
في أول مؤتمر قطري للبعث، بعد استيلائه على السلطة في تشرين الثاني 1970، اعتبر حافظ الأسد في تقارير ومقررات المؤتمر القطري الخامس الذي انعقد في أيار 1971 "قائد المسيرة" مع إضافة أن "التفاف الجماهير حول القائد لا ينقص القيادة دورها، فالرفيق حافظ الأسد حزبي ملتزم بقرارات القيادة ومتفاعل معها". غير أن هذه الإضافة تقادمت مع الوقت واختفت أي قيادة ما خلا قيادته التي ينبغي أن "يلتزم" بها الجميع. فسوف نقرأ في تقارير ومقررات المؤتمر القطري الثامن 1985، الذي عقد تحت شعار (قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد)، إن "الولاء له (للأسد) ولاء للحزب وللشعب وللقضية". جاء هذا بعد انتصارين حققهما الأسد، الأول في صراعه مع الإخوان المسلمين والثاني في (صراع الخلافة) مع أخيه رفعت الأسد.
أبرز ما يلفت الانتباه بعد 1970 هو النمو السريع لحزب البعث، من حوالي 65 ألف في 1971 إلى 374 ألف في 1981إلى ما يزيد على المليون في 1992، أي 14.5% من عدد السكان البالغين، وللمقارنة فإن الحزب الشيوعي السوفييتي لم يضم في ذروة قوته أكثر من 9% من السكان البالغين. يذكّر هذا التوسع السريع في العضوية بالتوسع الذي شهده الحزب الشيوعي السوفييتي عقب وفاة لينين جراء إقدام ستالين على قبول نوعية انتهازية من الأعضاء في الحزب تحت اسم "فوج لينين".
كان الغرض من توسيع عضوية حزب البعث هو استخدام الحزب لبسط النفوذ والسيطرة. حيث تحول الانتساب إلى الحزب شرطاً ضرورياً لكل سوري للحصول على وظيفة أو الارتقاء بالوظيفة أو الحصول على بعثة للدراسة أو تسهيل المعاملات في مؤسسات الدولة ..الخ.. "تمتع أعضاء النخبة الحزبية بعد 1970، على عكس نظرائهم في الخمسينات والستينات الذين كانوا غالباً مناضلين أو متحمسين، بصفات الموظفين".
صار البعث مجرد شاهد على مبدأ اشتغال النظام بعد 1970، الذي يمكن تلخيصه بعبارة: (بايعْ، ثم افعل ما شئت) حتى بلغ الأمر حداً جعل الأسد في 1977 يستشعر الخطر ويوصي بتشكيل لجنة للتحقيق في الكسب غير المشروع. بعد ذلك صار مبدأ النظام أكثر تعقيداً (بايعْ، ثم تعلم كيف تفعل ما شئت). مع ذلك كان النظام ينقضّ، بين فترة وأخرى، على بعض رجالاته كنوع من تبييض صورته أمام الناس، ولكن الأهم كنوع من لجم الآخرين حين يغدو اقتصاد البلد في وضع يهدد معه السلطة.
الأسد: فك ارتباط الفعل عن القول
من بين هتافات المتظاهرين في بداية الثورة السورية: "يا بثينة يا شعبان الشعب السوري مو جوعان". كان هذا رداً على تصريح لبثينة شعبان، مستشارة بشار الأسد، بزيادة الرواتب كاستجابة على مظاهرات أهل درعا. وكان في هذا الهتاف الواضح البسيط إدانة، وليس فقط رفض، للفكرة التي دأب الأسدان، الأب والابن، على تكرارها وهي إن الحاجات المادية أولى من الحريات، بما يوحي أنه لا يمكن الجمع بين الجانبين.
في الواقع ينظر الأسد إلى الناس العاديين (الشعب) على أنهم كائنات اقتصادية ولم يخلقوا للسياسة، أي إنهم مادة سلبية لفعل السلطة الديكتاتورية، أما في الخطاب فإنه يمجد الشعب ويعظمه باعتباره "مصدر كل السلطات". في الواقع يمارس القمع المعمم وفي الخطاب يقول إن نظامه أولى "حرية المواطن .. وتوفير الحرية في أوسع أشكالها" ما تستحقه من قيمة. في الواقع يفرض قيادة حزب البعث فعلياً ودستورياً للدولة والمجتمع، وفي الخطاب يتكلم عن "التعددية السياسية التي مارسناها في مختلف جوانب حياتنا". في الواقع يقدم على اغتيال الخصوم السياسيين، من محمد عمران إلى كمال جنبلاط إلى صلاح الدين البيطار، وفي الخطاب يقول في كلمة له أمام المؤتمر القومي الثاني عشر لحزب البعث: "تصوروا أن نقوم، نحن بسورية، باغتيال مواطن لأنه ضدنا سياسياً .. هذا أمر شاذ في هذا العصر، وفي كل عصر".
والحقيقة أن الالتفاف والازدواجية في الخطاب من السمات البعثية البارزة، مثلاً في مقابلة للأسد مع باتريك سيل يستشهد بها الباحث يقول الأسد "إن الأولوية الأولى للجنة العسكرية كانت الدفاع عن الوحدة التي بدت مهددة بين عامي 1960 و1961". مع أن ما مارسته اللجنة بعد توليها الحكم في سوريا كان فيه الكثير مما يشير إلى غير ذلك. فضلاً عما يقوله سامي الجندي في عام 1969 من أن أحد أهداف اللجنة العسكرية كان وقف التعاون مع كل من تعاون مع نظام الوحدة. وتشكل طريقة تعامل الأسد مع ما سمي "انتفاضة فتح" بقيادة أبو موسى في 1983، حيث مارس دور الوسيط في العلن ويمد جماعة أبي موسى بالدعم ويسهل استيلاءهم على مستودعات إمداد فتح الخاضعة لحراسة السوريين بالقرب من دمشق.
مركب سلطة الأسد
يحدد الباحث أربعة مستويات لبنية سلطة الأسد، المستوى الأول هو الأسد شخصياً الذي يتمتع بسلطة فردية لا ينازعه فيها أحد، يليه رؤساء شبكات الاستخبارات والأمن الذين يبقون في الظل، وهذه أجهزة تعمل باستقلال عن بعضها البعض، ولا حدود لصلاحياتها. يضاف إلى هذا المستوى قادة التشكيلات المسلحة المنتخبة لحماية النظام مثل الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والفرقة الثالثة المدرعة وسرايا الدفاع. غير أن الباحث يظن أن بقية القطع العسكرية كانت تتمتع بالحياد السياسي فيقول إن الأسد راح يكد "ليبعد عن السياسة بقية القوات العسكرية النظامية". أما الواقع فإن فكرة الجيش العقائدي حولت الجيش إلى أداة بيد النظام حين ماهت هذه الفكرة بين النظام وبين الوطن.
تأتي قيادة حزب البعث على المستوى الثالث، وعلى المستوى الرابع يأتي الوزراء وكبار موظفي الدولة والمحافظين والمجالس التنفيذية والمجالس المحلية وقادة المنظمات الجماهيرية التابعة للحزب.
غير أن أهم ما يميز سلطة الأسد هو أشكال السلطة البعيدة عن الرؤية، أي الأفراد والمجموعات خارج حلقة السلطة الرسمية الذين يمارسون التأثير في السياسات العامة بوسائل ملتوية أو سرية أو عبر صلات شخصية أو علاقات غير رسمية. كمثال على ذلك، يورد الباحث تجار سوق الحميدية الذين مارسوا لعبة مزدوجة في فترة الصراع بين الإخوان المسلمين ونظام الأسد. بعضهم ساعد الإخوان سراً، فيما "ضَمِنَ سواهم امتيازات الطبقة ككل من خلال مبادرات دعم النظام عبر غرفة تجارة دمشق". وكان للتجار سلطة غير مرئية يمارسونها دون أن يرتبطوا بحزب أو ينافسوا على مناصب. ومما يدل على قوة هذه الطبقة أن شخصاً بسلطة ورعونة رفعت الأسد يشتكي منها بما يؤشر على ضعفه أمامها. ينقل الباحث عن صالح عضيمة، صديق رفعت الأسد، قوله: "من المثير للاهتمام أن رفعت كان في أوج قوته يشك كثيراً في أن أصحاب الأعمال والتجار هم وراء الخلافات في قيادة الحزب ... وإنهم يكرهون حزب البعث .. وإنهم تعودوا أن يضعوا أيديهم على ما في البلاد، وإذا لم يكن لهم ذلك، فلا يرضون بأقل من أن يقسموا البلاد بينهم وبين السلطة: تنفرد السلطة بالحكم وآلة التنفيذ، وينفردون هم بالمال وبوسائل التصريف والتدبير".
واضح من الأرقام مدى ثقل طبقة التجار وتأثيرها، فقد سيطرت على 65.3% من تجارة الاستيراد في 1995، مقارنة مع قيم متذبذة من قبل أدناها 8.3% في 1984 وأعلاها 42.6% في 1989. فضلاً عن سيطرة القطاع الخاص على 93% من تجارة التجزئة.
القوة الخفية الثانية هي الاقتصاد غير النظامي "التهريب" الذي بات يسمى "الفرع الرابع من التجارة"، (الفروع الثلاثة الأخرى هي التجارة الداخلية والخارجية والترانزيت). ينقل الباحث من تقرير أعده د. نبيل سكر مع عدد من الخبراء الاقتصادين ما مفاده إنه ليست هناك تقديرات لحجم الاقتصاد غير المنظم لكن هناك قناعة بأنه يتجاوز 30% من الناتج المحلي الإجمالي وربما أكثر بكثير. أي هناك دولة خفية لها نفوذها واقتصادها أيضاً. معروف إن التهريب هو نشاط رجال الدولة الرسميين (المسؤولين) وغير الرسميين (الشبيحة). وأمام تعاظم هذه الظاهرة إلى حد الخوف من العجز عن ضبطها، شن باسل الأسد في مطلع التسعينات حملة واسعة على "المهربين"، وما كان لأحد أقل من ابن الأسد المرسوم لخلافته (لولا أن خطفه الموت في كانون الثاني 1994) أن يقوم بمهمة كهذه.
ومن الأرقام المخيفة التي نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية في 1988، أنه كانت تنساب كتلة مالية تقدر بين 1.4-2.6 مليون دولار يومياً عبر الحدود مع لبنان وينتهي قسم كبير منها في القسم الشرقي من بيروت حيث لم يكن للجيش السوري أي وجود.
يشعر الأسد بخطر الفساد على نظامه، ويدرك أن "التهريب مشكلة" ولكنه إن حارب الفساد بجدية، فإنه إنما يقطع الغصن الذي يستند إليه. ومما له مغذى مزحة السيدة البعثية في المؤتمر القطري لحزب البعث في 1985، تعقيباً على توصية بمنع السوق السوداء اللبنانية، حين قالت: كيف يمكن منعها في حين يعيش جميع الحاضرين عليها، مستجرة ضحكة من الأسد.
هل نظام الأسد طائفي؟
هذا أحد الأسئلة التي يطرحها الكاتب على نفسه ويبحث له عن إجابة على ضوء ما يتوفر له من معطيات. ويكتسب هذا السؤال أهميته اليوم من طغيان اللغة الحشدية والتعبوية على اللغة التحليلية في فهم تركيبة النظام السوري.
يستعرض الباحث أسماء الأشخاص الذين شغلوا المواقع الرئيسية في القوات المسلحة وأجهزة الأمن والمخابرات، بين 1970 و1997. ويستخلص النسب الطائفية منها، حيث تبين له إن 61.3% من بين الضباط الـ31 الذين انتقتهم يد الأسد بين هذه التاريخين ليحتلوا هذه المواقع الرئيسية هم من العلويين. كان سبعة منهم من أقارب الأسد بالدم أو بالزواج. ولكن "هل نستنتج من هذا أن نظام الأسد طائفي في صميمه؟" يسأل الكاتب. ويجيب إنه لا يوجد سوى القليل من الأدلة على أن الأسد أعطى في سياساته الاقتصادية تفضيلاً ملحوظاً للطائفة العلوية، أو أن أغلبية العلويين تتمتع بأسباب الراحة في الحياة أكثر من أغلبية الشعب السوري". يميز الباحث بحق بين البنية الصلبة للنظام التي تقوم على عصبية السلطة وبين النهج العام للسلطة فيما يخص المجتمع. يندرج اعتماد النظام على أشخاص موثوقين (سواء جاءت هذه الثقة من روابط عائلية أو عشائرية أو طائفية أو حزبية أو .. الخ) ضمن ممارسات النظام الديكتاتوري المهووس بأمن السلطة والذي يبقى هاجسه الدائم تعزيز تماسك وولاء مؤسسات العنف التابعة له. وقد زاد هذا الميل لدى الأسد في الاعتماد على المقربين خلال وبعد المواجهة مع الإخوان المسلمين الذين ساعدوا النظام بطرحهم الطائفي على حشد أبناء الأديان الأخرى والمذاهب الأخرى ورافضي المنطق الطائفي من المذهب السني نفسه، دون أن يلزم النظام نفسه تجاه هؤلاء بأي امتيازات، أي كان من شأن طائفية الإخوان تقديم دعم مجاني للنظام لمجرد وقوفه ضد الإخوان المسلمين. يضيف الكاتب: "من الجدير بالملاحظة أن مناوئي النظام في كل الطوائف يعترفون إن أغلبية العلويين لا تتمتع بمعاملة مميزة وأنهم مهمشون سياسياً مثل باقي الشعب"، ويستشهد بأقوال لحمود الشوفي وصلاح الدين البيطار وعدنان سعد الدين، تنصرف إلى المعنى ذاته.
الكاتب يميز بين آليات ضمان تماسك اللب الصلب للسلطة وبين نهج السلطة السياسي في المجتمع. لا شك أن النهجين متكاملين، فسياسة النظام في المجتمع تعزز أو تضعف السلطة، كما أن قوة تماسك النواة الصلبة للسلطة تنعكس ميلاً عاماً للاستسلام لها، والعكس بالعكس.
خاتمة
يتناول الكتاب أيضاً قضايا كثر الحديث عنها في مراجع عديدة، مثل الصراع مع الإخوان المسلمين، وما سمي (صراع الخلافة) مع أخيه رفعت الأسد خلال فترة مرضه في أواخر 1983 وأوائل 1984. كما يتناول تحليل موقف الأسد من الحرب العراقية الإيرانية وأخيراً يفرد فصلاً كاملاً للحديث عن علاقة الأسد بحركة فتح بين 1966 و1997. قليلة هي المعلومات الجديدة التي يأتي بها الباحث. ويتركز محور اهتمام الباحث فيها جميعاً على مواصفات شخصية الأسد وطريقته في التعامل مع خصومه.
يبقى أن أشير إلى نقطتين: الأولى هي غياب التوازن البحثي في مواضيع الكتاب، ففي حين يجهد الباحث نفسه في مواضيع معينة ويتجشم عناء السفر والزيارات الميدانية والبحث في الأرشيف ولقاء شخصيات معنية في فصول فإنه يتعامل بحدود دنيا من الجدية في تناول فصول أخرى، مثل فصل (الشيوعيون والفلاحون)، حيث يُظهر الباحث عدم دراية صريحة في بعض جوانب الشأن الذي يكتب فيه.
النقطة الثانية هي أن القارئ لا يفهم قيمة أو معنى التركيز والإلحاح الذي يبديه الباحث على "الوجهاء الريفيين الأقل شأناً" أو الفئة المتوسطة من وجهاء الريف، باعتبارهم الفئة التي ينحدر منها الضباط الذين سيطروا على سوريا بعد 1963. في العنوان الفرعي وعلى مدى الكتاب يذكر الكاتب بهذه الفئة، دون أن يكتشف القارئ أي قيمة سياسية أو غير سياسية لهذا الإلحاح.
بعد كل شيء يبقى (فلاحو سوريا) مرجعاً ضرورياً لمن يريد معرفة أوثق عن سوريا ولا سيما بعد 1970.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,712,021
- فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 1
- أسئلة عن الثورة السورية
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 4
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 3
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 2
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 1
- تمرد المرأة السورية على الأطر السياسية الذكورية
- جرائم شرف في الثورة
- نجاحات ومخاطر في السودان
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 8
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 7
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 6
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 5
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 4
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 3
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 2
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 1
- إياك أن تموت مع الرئيس المقبل
- بيتنا والاسفلت
- البديهيات والاستاذ


المزيد.....




- أردوغان يرد انتقاد -زملاء روحاني- لعملية تركيا بسوريا
- بالصور.. القوات الأمريكية بقاعدة الأمير سلطان في السعودية
- فاينانشال تايمز: غضب الشباب العربي وصل إلى درجة الغليان
- -لا حاجة لعملية جديدة-.. واشنطن تبلغ أنقرة باكتمال انسحاب ال ...
- ناسا تدعو الروس للقيام برحلات فضائية على متن المركبات الأمري ...
- تابوت -حالته ممتازة-.. قطعة مصرية ثمينة تعرض للبيع في مزاد
- تعثر تشكيل الحكومة في إسرائيل.. أسئلة وأجوبة
- اليمن.. وصول قوة سعودية إلى مطار عدن
- -استغلال قضية محمود البنا-.. مصريون يسخرون من فيديوهات الاعت ...
- إغلاق مدارس وجامعات في مصر بسبب الأمطار الغزيرة


المزيد.....

- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - راتب شعبو - فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 2