أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الآلوسي - قصة قصيرة : القَبْرُ القرمُزيُ















المزيد.....

قصة قصيرة : القَبْرُ القرمُزيُ


بديع الآلوسي

الحوار المتمدن-العدد: 6132 - 2019 / 2 / 1 - 14:18
المحور: الادب والفن
    


ـ هُنَا سَيَكُونُ قَبرُهُ،
هذا ما قَالتهُ (سلفي) وَهِي تُشيرُ إلى بُقعةِ الأرضِ المحصورةِ بَينَ قَبري جَدِهَا وَجَدَّتِهَا - المتوفيين قبلَ الحربِ الكَونِية الثَّانِيةِ- على الرَّغمِ مِنْ إنَّ الأعشابَ البريةَ تُحيطُ بِهما، إلا أنَّ شَاهِدةَ القبرينِ وَبَياضَ حَجَرِ الرخامِ يُوحيانِ بِانتِسابِهما إلى أسرةٍ عَريقةٍ مَيسوُرةِ الحالِ.
في تِلكَ الظَّهِيرةِ مِن نَيسانَ كانَتْ سِلفي بِصُحْبَةِ أُختِها الكبيرةِ بريجيت، التي ما لَبَثَتْ أنْ استَحسَنَتْ الفكرةَ قائِلَةً:
ـ أجلْ ، سَتَنعَمُ رُوحُهُ هنا، بالراحَةِ الأبَدِيَّةْ.
عُذوبَةُ الأجواءِ شَمَلتْ المَقبَرةَ الصَّغِيرةَ بِنوعٍ مِنَ السَّكِينَةِ، كذلكَ كَانَ وُجُودُ الكَنِيسَةِ المَهجُورةِ قَد أَضفَى غِبطةً رُوحِيَّةً عَلى المكانِ.
وَقَبلَ أنْ تَرجعَان إلى بَيتِهِما، قَرَّرتا جَعْلَ اختِيارِهُن أكثرَ واقِعِيَّةً، وأنْ تَكونَ نُزهَتُهُنَّ مُجدِيةَ لهَذا اليومِ، فصَرَفنَ ساعاتٍ ثلاثاً ما بَينَ نَقلِ الأحجَارِ و إزالة الأعشابِ وإعادةِ الحياةِ إلى المكانِ الذي سَيَكونُ قَبراً رَمزِيَّاً لِشَقِيقِهِما إسكندرْ.
تَذكَّرتا حِكاياتٍ ظَريفةً كان يُطلِقُها أخوهُما، وَكَيفَ كانَ يَرتَدِي مَلابِسَ فَضفاضةً ويَرقصُ منتشياً بِمباهِجِ الحياةِ، لكن للأسفِ كان المُوتُ لَهُ بالمِرصادِ، وَهذا مَا جَعَلَ أهلُهُ وأصدِقَاءُهُ يَغلون غَضَباً حِينَ فارَقَهُم مُبَكراً.
قَالتْ بريجيتُ فَجأةً وكأنَّها تَذَكَّرتْ أمرَاً مُهِمَّا:
ـ فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ سَنأتِي بِسَفِينَةِ السِّيرامِيك (الخَزَفِ) التي سَتَليقُ بِقَبرِهِ.
ـ لكنَّهَا سَفينَةٌ صَغِيرَةٌ لا تَتَجَاوَزُ قَدماً ونِصف
فأجابت بريجيتُ بِصَوتٍ خَفِيضٍ:
ـ هلْ تَتَوقَّعِينَ أو تَتَخوَّفِينَ مِنْ تَعرُّضِهَا لِلسَرقَةِ بِسُهولَةٍ .
ـ ربما... ولكن ما هَداكِ إلى هَذهِ الفِكرة ؟
قالت بريجيت وهي تنظر إلى الكنيسة:
ـ سببان... الأولُ لأن إسكندرَ يُحبُ البَحرَ...
وَأخَذَتْ نَفَساً عَمِيقاً ثمَّ أردَفتْ مبتسمةً:
ـ أما السبب الثاني فإنَّ الوصُولَ إلى عَالمِ الأمواتِ يَحتاجُ قارباً...
كان التَّعَبُ يَبدو على مَلامِحِ الأختينِ، لكنَّهُمَا سَعِيدتانِ ومُدرِكَتانِ أن ما يَقُومانِ بِهِ مُهمٌ لرُوحِ أخِيهما الهائِمَةِ.
وبِمُثابَرَةٍ شَرَعَتْ برِيجِيتُ برمي الأنقاضَ خلفُ الكَنِيسَةِ ، وَهِي تؤكِّدُ أنَّ الموتَ خَطَفَ إسكندر، لكن لا يُمكِننا أنْ نَنسى طُفُولَتَنَا مَعاً، كيفَ كانَ شُجاعاً ولا يَبكي حِينَ نُغلقِ البابَ وَنَترُكَهُ فِي الظلام.
هذهِ الذكرى كانتْ ضَروريَّةً لِكي تَقولَ سِلْفي عِبارةً تَولدتْ مِن ذِهنِها بِعَفَويَّةٍ:
ـ لا بُدَّ مِنْ قَبرٍ، لكيلا يموت إسكندر.
إنَّ ظُروفَ مَوتِهِ مَعرُوفةٌ لِلأصدقاءِ وَالأعداءِ، وَلا يَسألُ عَنْ سَبَبِ وَفاتِهِ إلا الغُرباءُ، لكنَّ جَوابَ مسيو مِيشيلْ كانَ حَازِماً حِينَ أكَّدَ بِدونِ تَردُّدٍ:
- إن ابني ماتَ تدريجياً، وَمُحِبيهِ قَد أصابَهُمُ الذُّهُولُ والإحبَاطُ بَعدَ حَرقِ جُثَّتِهِ.
ما إن توقفَ قَلبُ إسكندرَ أو صار جُثةً بِلا ذاكرةٍ حتى دَخَلَ الأبُ مَتاهةَ الكآبة، فَفَرضَ على نَفسِهِ ثَلاثَ أيامٍ مِنْ الحدادِ تَمثلتْ في الصيامِ عَن الأكلِ والامتِنَاعِ عَن الكَلامِ ، بَعدها شَرَبَ قَليلاً مِنَ الكُحولِ وتَساءلَ:
ـ مَن لا يَملِكُ قَبراً كَيفْ لَنا أنْ نَتَجاذَبَ أطرافَ الحَديِثِ مَعَهُ ؟
هذا الهَاجِسُ كَانَ يُزْعِجُ الأخْتَينِ أيضا، فَبَعدَ ذَلكَ اليومِ المُفجِعِ لِحَرقِ الجُّثَّةِ، اجتَمَعَ المُقرَّبونَ مِنْ العائِلةِ ، وتَمَّ ذَرُّ الَرمادِ فِي حَقلِ الكُرومِ، وَتَحَوَّلَ كُلُّ شَيءٍ فِي لَحظَةٍ الى لا شيء.
في إثرِ ذلك أحَسَّتا الأختانِ بِفراغٍ هَائِلٍ، دَفَعَهُما إلى أنْ يَقُولا لِوالِدِهِما المُحبَطِ، لا تَحزَنْ سَنَجِدُ مَكاناٍ يَليقُ بِهِ.
كان الأبُ قَد تَجَاوزَ الخامسةَ والسَّبعين، وسيمُ الوجهِ بِملامِحَ يَبدو عَليها التَّوتُرُ، أرادَ أن يَنتَحِبَ مِثلَ زَوجَتِهِ، عَلَّهُ بِذلك يُخَفِّفُ الهمَ الثَّقِيلَ عَن قَلبِهِ، لكنَّهُ لَم يَفعَلْ وكأنَّ الدموعَ جَفَّتْ فِي عَينَيهِ، وَظلَّ مَشغُولَ الذِهنِ بأنَّ ذَلكَ المَكانَ الافتِراضي في العراءِ لا يُمكِنُ أن يَكونَ قَبراً مُقنِعاً… وَمَا أن يَدلَهمَّ الليلُ حتى يَنزويَ لِوحدِهِ، ويُشعِلَ غليونَهُ ويُواجِهَ حُزنَهُ بِلوعَةٍ، مَستَشرفاً الأيامَ القَادِمَةَ وَكيفَ أنَّهُ أذا مَا خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ فإنَّهُ سَيَهيمُ عَلى وَجهِهِ حَيثُ لا قبرَ لابنِهِ يُمكِنُ أنْ يَتَوجَّهُ إليهِ، رُبما لِذلكَ قَال فِي خَلَدِهِ :
ـ مَقبرةُ العائِلَةِ سَتَبقى تَنتَظِرُكَ يا إسكندر.
بَعدَها بِيَومَينِ، حِينَ جاءتْهُ بريجيتَ بِفنجانِ القهوةِ التي اعتادَ شُربَهَا في الساعة الخامسة عصراً، لَمْ يَتَرَدَّدْ أنْ يَقُولَ لَها تِلكَ العِبَارَةَ التي كَانَتْ تَدلُ عَلى مُكابَدَتِهِ لأمرٍ غَريبٍ:
ـ إنَّ إسكندرَ بِحَرقِهِ لِجَسَدِهِ، دَمَّرَ رُوحَهُ وَدَمَّرَنَا مَعَهُ.
واصَلَتا الأُختَانِ التَّردُّدَ عَلى المَكانِ المُحاذي لِلكَنِيسَةِ المَهجورَةِ ، وَشَيئاً فَشيئاً تَحوَّلَ القَبرُ ومَا يُحِيطُ بِهِ الى ما يُشبِهِ الحَدِيقَةَ بِمواصفاتٍ جَمِيلَةٍ، كما أنَّهُما حَسَمتا أمرَهُما وقَررتا جَلبَ شَاهِدَةِ القَبرِ التي صُنِعَتْ من السيراميك (الخَزَفِ) ، كابَدَتا صُعوبةً كَبِيرةً حَتى تَمكنَتا مِنْ إيصالِهَا وَوَضعِهَا بَينَ القبرينِ.
هَكَذا صَارتْ لِلقَبرِ عَلامَةُ دالةُ ، تُشير إلى أنَّ إسكندرَ وُلدَ عَام 1959 وَمَاتَ عام 2017 ...أمَّا الجُّزءُ السُفليُ مِن شَاهِدَةِ القَبرِ فَقَدْ احتَوتْ على ابياتٍ مِنَ الشِّعر كانَ يُردِّدُها إسكندرُ.
ما اصبح واضِحاً بَعدَ الفراغِ الهائِلِ، أنَّ حَبِيبَهُما إسكندر قَد اختَرَقَ الجِّدارَ غَيرَ المرئي تارِكاً الدُّنيا بِكُلِ تَفَاصِيلِها اللَّذِيذَةِ، انتَهتْ حَياتُهُ وَتَركَ خَلفَهُ وَلَدَينِ وَبِنتاً لمَّا زالوا فِي سِنِّ الشَّبَابِ. تَتَذكَّرُ الأُختَانِ جَيِّداً أنَّ حَيَاةَ إسكندرَ كانَتْ سِلسِلةً مِنَ المُعانَاةِ والكَدْحِ، لكن حِينَ انقضَّ عَليهِ المَرَضُ العُضالُ انتبهَ الى نَفسِهِ بَعدَ فَواتِ الأوانِ، وما إنْ عَرَفَ بأنَّ أيامَهُ صَارتْ مَعدُودةً حتى انتَهَزَ الفُرصَةَ الأخِيرةَ وأبلَغَ الجَّميعَ بِقرارِهِ الصَّادِمِ:
ـ لا أُريدُ أنْ أُتْرَكَ وَحِيداً، احرِقوا جُثَّتِي بَدَلَ أنْ تَتَعفَّنَ فِي العَتمَةِ.
في آخِرِ أيَّامِهِ، لَم يُغادِرْ بَيتَهُ، ظلَّ يَستَمتِعُ بِشُعَاعِ الشَّمسِ المُتسَللِ مِنْ النَّافِذَةِ الكَبيرةِ لصالةِ الضيوفِ. كانتْ الأختانِ تَتَناوَبانِ عَلى زِيارتِهِ، وكانتا تُلاحِظانِ أنَّهُ كُلمَا تَقدَّمَ بِهِ المَرضُ يُصبِحُ أكثَرَ رقَّةً، وأكثرَ نَحافَةً، بَشَرتُهُ أكثرَ بَياضاً، وَعينَاهُ أكثرَ جُحوظاً، لكنَّهُ وإلى آخِرِ يَومٍ مِن حَياتِهِ كانَ يُواظِبُ على الاعتِناءِ بِمظهَرِهِ، يَحلِقُ لِحيَتَهُ، يَتَعطرُ وحِينَ تَعودُ اِبنَتُهُ يَشعُرُ بالفَرَحِ ، لأنَّهُ يَعِرفُ أنَّهُ سَيقضي مَعَهَا وقتاً طيباً، رُبَّما لِذلِكَ أطْلَقَ عَليها تَسمِيَةَ المَلاكِ المُسامِرْ. كانَ إسكندرُ يَمضي بوعيٍ تامٍ إلى حتفِهِ، حتى زَوجَتَهُ ما كان بإمكانها التكهنَ بِما يَعصِفُ فِي ذِهنِهِ مِنْ مَشَاعِرَ مُضطَرِبَةٍ أو مُتَنَاقِضَةٍ، لكنَهُ فِي أحَدِ الأيامِ قَالَ لسِلْفي
- لا بُدَّ لِي أنْ أقولَ لَكِ وَبِصَراحَةٍ إنَّ قَلبيَ مَسكُونٌ بِالدَّهشَةِ والغَضَبِ.
بِما أنَّها لَمْ تَتَمكنْ مِنْ أنْ تُنقِذَهُ مِن هذا الكَرَبِ، أو تَمُدَ لَهُ يَدَ العونِ أو تَنتَشِلَهُ مِنْ تِلكَ الإحِساساتِ المُفجِعَةِ . كانتْ تَكتَفي بالإصغَاءِ لَهُ، وَبَينما هو يَستَرِقُ النَّظَرَ إلى اللوحَةِ المائِيَّةِ سَمَعَ أختَهُ تَقولُ لَهُ بِوضوحٍ:
- الأفضلُ أنْ تَلتَقِيَ بِالقسيسِ ( مسيو دانيال )
قالَ إسكندرُ بِمَرارَةٍ
ـ لم اتَوقَّعْ أبَداً أن تُجْبِرَني الحياةُ عَلى ذَلكَ.
أجابَتْ سلفي :
ـ ما يَهُمُنا الآنَ هو أنْ تَرتَاحَ، هَلْ تُحبُ اللقاءَ بِهِ ؟
قالَ اسكندرُ بَعدَ أنْ أَطلَقَ زَفرةً طَويلةً :
ـ افعَلي ما تَرينَهُ مُناسِباً.
عَدَمُ هُطولِ الأمْطارِ لِعدَّةِ أيامٍ، أتاحَ للأختين فُرصَةَ الذهابِ إلى الكَنيسَةِ المَهجُورَةِ، لرؤيةِ القبرِ الرَمزي الذي جَعَلهُما غَيرَ مُكتَرثَتينِ بالتَعَبِ النَّاتِجِ عن جَلبِ الماءِ مِنْ بَطنِ الوادي ، حَيثُ تَحوَّلَ هَذا المَكانُ المُوحِشُ مَعَ مُرورِ الوَقتِ إلى رَوضَةٍ لِلعَصافِيرِ المُلوَنَةِ، كانَتا تَجلِسانِ عَلى مَقُرُبَةٍ مِنْ القَبرِ وَتَتَحدَّثانِ بِهُمومٍ أَنثَويَّةٍ، مأخُوذتان بِفكرةِ أنَّ أخيهِما هو الآخرُ يُشارِكُهما مُتعَةَ الحدِيثِ. وَقَبلَ أْن تَنصَرِفا قالتْ سِلْفي هازَّةً رأسَها:
ـ آه يا إسكندرُ لَو كانَ بإمكانِكَ أنْ تأتي مَعَنا لِرؤيةِ أمِّنا التي تجهشُ لِلبكاءِ كُلَّما تَذَكَّرتْكَ، مَع ذَلكَ لا تَحزنْ، أعِدُكَ فِي المرةِ القادِمَةِ سَأُحاوِلُ أنْ أحققَ لَكَ هَذهِ الأمنية.
كادتْ بِريجيتُ تَبكي لِسَماعِها هذا الكلام ، وبصوتٍ أجشٍّ قَالتْ قَبلَ انصرافهما :
ـ لا تَقلقْ يا أخي فالجميعُ ما زالوا يَذكروكَ بخيرٍ.
بَعدَ نِقاشٍ بَينَ الأختَينِ، سَمحتا للقسيسِ أنْ يَلتَقِيَ بِأخيهما لِمدَّةِ ساعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، وبما أنَّ إسكندرَ يَشعُرُ بِالحَرَجِ مِنَ التَّعبِيرِ عَن مَخاوِفِهِ، لِذلكَ فَضَّلَ أنْ تكونَ سِلْفي طَرفاً ثالثاً لِتَنتشِلَهُ مِنَ الارتباكِ فِي اللَّحظَةِ المُناسِبَةِ، لكنَّ المُلفِتَ للاهتمام أن تِلكَ الحِواريةَ قَد أذهَلتْ القسيسَ الذي كان يَتَحدَّثُ بِصوتٍ نَاعِمٍ، مُستخدِماً الكثير مِنَ الكلماتٍ التي يَعتَقِدُ أنَّها تُساعِدُ فِي تَضميدِ جُروحِ الروحِ. كانَ يُكررُ بِلهجَةٍ مُميَّزَةٍ:
ـ هوِّنْ عَليكَ، لا تَقلقْ، تشجعْ...
بَعدها بِيومَينِ، وبالرغمِ مِنْ الألم الذي لَمْ يَعدْ يُفارِقهُ، كانَ إسكندرُ سعيداً بِزيارةِ والدَتِهِ، ولكي يَتمتعَ بِهذا اللقاءِ أخَذَ جُرعَةً إضافِيَّةً مِنَ المورفينْ لِتَخفيفِ التوترِ والألَمِ، كانتْ الأمُ فِي حالةٍ لا تُحسدُ عليها، لمْ تَعرفْ ماذا تَقولُ وَهيَ تَرى ابنَها بِهذا الحالِ الميؤوسِ مِنهُ.
بَعدَ سِتةِ اشهُرٍ مِن مَوتِ إسكندرَ كانتْ الأختانِ تَهرعانِ إلى القبرِ وتتناوبانِ على الغناءِ لِكي لا تُصابَ رُوحُ أخيهما بالسأمِ، وكانتا فَخورتين، لأنَّ الرَّبَ قَد أوكلَ لهما هذه المهمةَ، فِي الشتاءِ القاسي تَجمَعَانِ الحَطَبَ وَتوقِدانِ النارَ مردداتٍ : كن شجاعاً يا شقيقَنا، فالحياةُ فَظيعةٌ هِي الأخرى...
ما أن هَمَّ القسيسُ بالخروجُ مُودِّعاً اسكندرَ مُتمنياً لهُ السكينةَ، حتى رافَقتْ سِلفي الضَّيفَ إلى خارجِ الدارِ، ارادتْ أن تَشكُرَهُ لكنَّهُ قَالَ لَها : سَيُغادِرُنَا اسكندرُ بِقلبٍ نَقيٍّ وَروحٍ طَاهِرةٍ. ما أن عادتْ سِلفي حَتى رأتْ أخاها يَهجَعُ فِي سَريرِهِ، وَدَّعَتهُ وَأطفأتْ الضوءَ ، وانصَرَفتْ إلى مشاغلٍ حياتيةٍ لا تَقلُ أهميَّةً . صَحيحٌ أنَّ إسكندرَ قَدْ أفلَحَ فِي النَّومِ بَعضَ الوَقتِ لكنَّهُ استيقظَ مُتعكرَ المزاجِ بِسَبَبِ ذَلكَ الكابوسِ، الذي رَوى تَفاصِيلَهُ لِزَوجَتِهِ: المكانُ صحراءٌ متراميةٌ وموحشةٌ، كانَ يَنتابُنِي شُعورٌ مِنَ الخَوفِ لَمْ اعرفهُ أبَداً، تَزامَنَ ذَلكَ مَعَ رؤيَتي لِلأفاعِي البَيضاءِ التي صارتْ تُحاصِرُنِي، مُلتفَّةً حَولَ ساقايَ، كُنتُ أصرُخُ وَحيداً فِي هذا الفراغِ المَكانِيِّ الرَّهِيبِ ... حِينَ تَوقَّفَ عَنِ الحكي تَنفسَ الصَّعداءَ ، لكنَّهُ بَكى عِدةَ مراتٍ فِي الليلِ وهوُ يُردِدُ:
ـ إذنْ ماذا سَتفعلُ بي صَحاري الموتِ ؟
القبرُ الرَّمزيُ صارَ مَعَ الوقتِ رَوضَةً، تَزوره نِساءٌ جميلاتٌ، وأضحى مَحطَّةً لراحةِ الزوارِ، الذينَ بِقُربِهِ يَسردُونَ قصصاً غريبةً عنْ رحلاتٍ غَمرتْهُمُ بالسعادَةِ، لكنَّ الغريبَ فِي الأمرِ أنَّ سيِّدَةً سَمراءُ الوجهِ كانتْ في الآونةِ الأخيرةِ مواظبةً على زِيارَةِ القَبرِ، حتَّى إنَّ الأختانِ تَصَوَّرتا أنَّ لَها عِلاقَةَ حُبٍ قَديمةً مَعَ إسكندرَ ، كانتْ تَجلِسُ عِندَ السَّفينةِ الصَّغيرَةِ هادئَةً وَديعةً، مما سَمحَ لسِلفي ذَاتَ مَرَّةٍ أنْ تَسألَها :
ـ هَلْ تَعرفِينَ اِسكندرَ؟
أجابتْ دونَ تَردُّدٍ أو خَجلْ:
ـ إنَّهُ أجمَلُ مَخلوقٍ، لكنَّ قِصةَ هذا القبرِ تُكسِبُهُ قيمةَ مذهلةَ.
حينَ أخذنَ قليلاً مِنَ الراحَةِ بَعدَ إتمامِ مُهمَّةِ جَلبِ الماءِ مِنَ الوادي، قَالتْ سِلفي للمرأة السمراء:
ـ فِي حِوارٍ مَعَ أبي أكَّدَ لِي أنَّهُ مَادامَ لَيسَ مِنْ أثَرٍ لِلجَسَدِ فَكُلُ ما نَفعَلُهُ مُجردُ عَبثٍ لا طائلَ منهُ.
لكنَّ المرأةَ السمراءَ عَلَّقتْ بِكلماتٍ أعادتْ الثقةَ لِروحَيهِما:
ـ جميلٌ أنْ يَبقى إسكندرُ حاضِراً في ضَمائِرنا، والقبرُ لنا وَليسَ لِلمُتَوفي...
الريحُ تُنذِرُ بالعَاصِفَةِ، كذلِكَ السَّماءُ تُبشِّرُ بالمَطَرِ، كُل ذَلكَ كانَ مَصدرَ فَرَحٍ لِلنِّساءِ الثلاث لأنَّ الغيومَ سَتتكفَّلُ بسقي الحَدِيقَةِ والوردِ التي زرعوها.
قَبلَ أنْ يَفترقا قالتْ بريجيتُ للمرأةِ السمراءِ: اختارَ إسكندرُ كثيراً مِنَ التَّفاصِيلِ التي تَتَعلَّقُ ما بَعدَ مَوتِهِ، لكنَّهُ للأسَفِ لَمْ يُحبذْ فِكرةَ...
لكنَّ سِلفي رَدتْ مُبتَسِمَةً: سَيَفرحُ حَتماً بِما أنجزناهُ، ولو أنَّهُ كانَ يُردِدُ عَلى مَسامِعِنا أن لا تَبكوا عليّ، أنا الصَّقَرُ الذي يَطِيرُ على مَهلٍ فِي كَبدِ السَّمَاءِ، أنا الرِّيحُ فِي حُقولِ العِنَبْ...

مَع مُرورِ الزَّمَنِ تَحوَّلَ القَبرُ إلى حَقيقَةٍ يُمكِنُ للأختينِ أنْ يُحيطاها بِنَوعٍ مِنْ القُدسيةِ.
ـ فالأمرُ لَيسَ خِداعاً ذِهنياً... هذا مَا قَالتهُ سِلفي إلى فَلاحٍ مُتَطوِّعٍ صارَ يَعتَني بِالحَدِيَقةِ والذي قال بِثقَةٍ:
ـ غادَرَ اسكندرُ مُنذُ أكثرَ مِنْ سَنَةٍ، لكنَّ فِي استِطاعَتي أنْ أؤكِّدَ لَكِ أنَّهُ لَمْ يَمُتْ.
ما إنْ انتَهى الفَلاحُ مِنْ كَلامِهِ حَتى سَادَ صَمتٌ عَميقٌ، أتاحَ لَهُما فِهمَ واستِيعابَ حَقيقَةِ وجودِ البَشَرِ الهشِّ، وَساعَدَ سِلفي أنْ تَتَذكَّرَ مَا أخبَرها بِهِ اسكندرُ قَبلَ ثَلاثةِ أيامٍ مِنْ مِوتِهِ، وَكيفَ أنَّهُ تَحَرَّرَ مِنْ الكراهِيةِ وَصارَ يَنعَمُ بالرَاحَةِ والسَّلامِ.
أمَّا بريجيتُ فَقَدْ جَالَ فِي ذِهنِها ما قَالتَهُ لأبيها يومَ حَرقِ الجثَّةِ :
ـ نَعمْ كانتْ حَياةُ اسكندرَ صَحراءَ قَاحِلةً، لكني سَأفعَلُ المستَحيلَ لِيعودَ إلى الحَياةِ.
ـ كيف تعيدهِ أيَّتُها البِنتُ الطيبةُ؟ كم نحن مساكين.
أجَابَتْ بريجيتُ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَبِكَلماتٍ تَؤمِنُ بِهَا :
ـ إنَّ جَوهَرَ القضِيَّةِ أنْ لا نَتَخيَّلَ أنَّهُ غَادَرنا وإلى الأبدِ.
انقِطَاعُ المرأةِ السمراءِ، أثارَ دَهشَةَ الأخُتَينِ، ظَنَّتا بِأنَّها قَدْ سافَرتْ أو أصَابَها مَكروهٌ قد مَنَعَها مِن الحُضورِ.
وفي مَساء رَبيعي عَذِبٍ، بَعدَ انْصِرافِ الفَلاحِ وَالأختانِ فِي صَمتِهِما، استَغْرَبَتا لمَّا سَمِعَتا غَيرَ مُصِّدقَتينِ... بَادَرتْ سِلْفي مُتسائلةً:
ـ أشُك في ذلك !!! هَلْ سَمعتي؟
لكنَّ الأُختَ الكُبرى لَمْ تُجِبْ، بَعدَها انطَلَقَتا ببطء بِاتجَاهِ قَريَتِهُما، كَانَ الغَسقُ قَدْ لَوَّنَ الغيومَ بِلَونٍ قُرمزي، ملقياً بِظلالِهِ على المَقبَرَةِ و حُقولِ العِنَبِ التي صَارَتْ هِي الأُخرى تَنعَمُ بِهُدُوءٍ عَجِيبٍ، وَهُنَّ يَجتَزنَ الجِّسرَ الصَّغِيرَ، شَعَرَتا أنَّ قَلبَيهِما يَخفِقُ، كُلَّمَا فَكَّرَتا بِذلِكَ الأمرِ الغَرِيبِ ...
فجأةً قَالَتْ سِلْفي:
ـ يَبدُو أنَّنا فِي وَهَمٍ، لأنَّ إسكندرَ لَمْ يَبكِ طِيلَةَ حَياتِهِ.
حِينَ وَصَلَتا إلى البيتِ، فَضَّلَتا ألا تَقولا أيَّ شَيءٍ لأبِيهِما... لَكنَّهُما تَقاسَما مَعَ أمِّهِما هَذِهِ الإشراقَةَ الرُّوحِيَّةَ، وَبِهُدُوءٍ تَامٍ قَالُتْ بِريجيتُ:
ـ حَدَثَ أمرٌ لا يُصدَّقُ، فعندما كُنا صَامِتَتَينِ قُربَ القبر، سَمِعنَا نَحيباً.
هزَّتْ الأمُ رَأسَها وَلَمْ تُدْهَشْ أو يَختَلَّ تَوازُنُها، بَل عَلى العَكسِ وَجَدَتْ بِما سَمِعَتهُ بُشَارَةَ خَيرٍ، وارتَسَمَتْ ابتِسَامَةٌ جَميلَةٌ عَلى شَفَتَيها، وغَمَرَها فَرَحٌ دَاخِليٌ، وَلَّدَ لَدَيها غِبطَةً لَنْ تَنسَها طِيلة حَياتِها، كأنَّها وَجَدَتْ أخيراً الإشارَةَ التي تَنتَظِرُها، وتَتَماها مَعَها، كأنَّها عَثَرتْ عَلى طِفلِها المَفقودِ...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,491,077
- كريم كطافة وحصار العنكبوت
- قصة قصيرة جدا ً : الشبح
- نحن موتى أذن !
- ثلاث جرعات من الترياق
- إيماءات رأس السنة
- شجرة الأعياد
- إدمان … و 6 تحت الصفر
- نص : ال عْ ج و ز ي
- قصة قصيرة : أين ذهبت يا جعفر ؟
- الميتافيزيقي
- قصة قصيرة : (… كقصيدة رعويّة )
- ثلج يحلم بالدفء
- المساء الصوفي
- قصة قصيرة : لينافا أرملة الرب
- قصة قصيرة : حانة الملائكة
- قصة قصيرة : الصديقان
- قصة قصيرة : لعنة النزيف
- قصة قصيرة : القط همنغواي
- قصة قصيرة : الومضات الخرافية
- قصة قصيرة : قولوا له أن يتركني


المزيد.....




- أغنيتين جديدتين لعملاق الاغنية اليمنية عبدالباسط عبسي
- لقاء بالرباط لانتقاء مستشاري حكومة الشباب الموازية
- ترامب محق بخصوص روما القديمة.. فهل تعيد أميركا أخطاء الجمهور ...
- -جريمة على ضفاف النيل-.. أحدث الأفلام العالمية المصورة في مص ...
- منع فيلم أمريكي في الصين بسبب لقطات عن بروس لي
- تونس... 22 دولة تشارك في الدورة الثانية للملتقى الدولي لأفلا ...
- هذا جدول أعمال الاجتماع الثاني لحكومة العثماني المعدلة
- جبهة البوليساريو تصف السعداني بـ-العميل المغربي-!
- أمزازي لأحداث أنفو: 1? من الأقسام فقط يفوق عدد تلاميذها الـ4 ...
- الشبيبة الاستقلالية تنتخب كاتبا عاما جديدا


المزيد.....

- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الآلوسي - قصة قصيرة : القَبْرُ القرمُزيُ