أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حربي - نرجيلة















المزيد.....

نرجيلة


طارق حربي

الحوار المتمدن-العدد: 6119 - 2019 / 1 / 19 - 07:33
المحور: الادب والفن
    


الطريق إلى الناصرية
طارق حربي
ـ نرجيلة
وفي أجواء الفوضى والفقر والانهيار الاجتماعي لاحظنا منذ الأيام الأولى، انتشار ظاهرة تدخين النرجيلة في المقاهي ولم يكن الأمر كذلك في السابق، النرجيلة ويسميها المصريون الجوزة أداة تدخين يتم فيها تمرير دخان التبغ المشتعل بالفحم خلال الماء قبل استنشاقه، وهي كلمة محرفة عن نراجيل في الفارسية ومعناها ثمار جوز الهند، لكن المصادر التاريخية لم تقرر إن كان أصل النرجيلة فارسياً أم هندياً، الأرجح أن الهنود ابتكروها من ثمرة جوز الهند ولحائها، حيث جعلوا للجوزة ثقبين مدوا خلالهما أنبوبين، لدخول الدخان وخروجه وذلك لتدخين نبات القنب.

انتشرت النرجيلة في البلاد العربية خلال الاحتلال العثماني، ولاسيما في بلاد الشام حيث تدخنها النساء والرجال على حد سواء، ولوحظ انتشار ظاهرة تدخينها في العراق بعد التغيير على نطاق واسع، حيث وصلت إليه من بلاد الشام وتحولت خلال عقد من السنوات من تقليد إلى (موضة)، وفي الكثير من الأحيان إلى إدمان في المقاهي والمطاعم والحدائق العامة بتأثير المسلسلات التركية، وكانت في السابق محصورة في مقاهي مخصوصة ببغداد وكردستان، وشملت فئات الشباب والمراهقين كنتيجة طبيعية لتفشي البطالة، بما تنتجه من فراغ وتدهور التعليم وانحطاط المنظومة القيمية، فبعدما كان تدخين المرأة للسكائر يعتبر معيباً في التقاليد المحلية، تطور الأمر إلى مجالستها الرجل في المقهى وتدخين النرجيلة، لاسيما في العديد من مقاهي بغداد المسماة (كوفي شوب)، بما انطوت على ممارسة الدعارة في عدد منها، لفت نظري خلال إحدى زياراتي إلى بغداد وأنا في حافلة نقل الركاب، يافطة مثبتة في بداية شارع كرادة مريم مذيلة بتوقيع سكان المنطقة، تحمل شكوى وتحث القوات الأمنية على محاربة الرذيلة في عدد من (الكوفي شوب) المنتشرة في المنطقة المذكورة.

وكما يرى المراهق رجولته في تدخين السكائر يراها كذلك في تدخين النرجيلة، والفتاة في تحررها من القيود الاجتماعية، ويبدو أن المسلسلات التلفزيونية العربية والتركية خاصة، أثرت تأثيراً بالغاً في بنية المجتمع العراقي، بما انضم إليها من عوامل التدهور خلال عقود طويلة من الحروب والحصار والاحتلال، فرمت بشتى الأعمار من المواطنين إلى أحضان الضياع!، فلا أحب إلى قلوبهم من قرقرة النرجيلة ولا أطيب لأذواقهم من رائحة الدخان المتصاعد من احتراق الفحم المخلوط بالمعسل، المعامل صناعياً بمواد كثيرة مثل النشادر والسكر، مما يسبب أمراضاً سرطانية في الرئتين وسرطان الشفتين وغيرها، ويعتقد المدخنون خطأ أن مرور الدخان بقارورة الماء ينقيه من المواد السامة!

لا يمارس الرواد في مقاهي مراكش كأقرانهم في المقاهي العراقية لعبة (الدومينو)، هم يجلسون هادئين يدخنون ويطالعون في الجرائد، أخبار الفساد الشامل الذي لاحل له في تلك البلاد السياحية!، ودلالة على البطالة يتسلى الكثيرون منهم ومنذ ساعات الصباح الأولى بحل الكلمات المتقاطعة!، وفي مقاهي باريس وجنيف تصدح الموسيقى وتنعقد أجواء من الرومانسية في فضاءات تزيدها راحة نفسية وجمالية نفح العطور وشعاع الابتسام، وغالباً مايكون المقهى مكاناً مناسباً للمواعيد في أوسلو الباردة، ولا نعدم وجود مدفأة  خشبية ومفردات بلاد الثلوج من أثاث وأكسسوارات، يلهو رواد المقاهي الأسطنبولية بلعب الدومينو والورق والقمار، فيما جهاز (التلفزيون) مسجون داخل قفص حديدي يوصد بابه بقفل كبير بعد إغلاق المقهى ليلاً، وفي مقاهي جدة يجلس الرواد على الأرض ويسمونها الجلسة العربية بمواجهة البحر الأحمر، ويدخنون النرجيلة بمعسل الفواكه المختلفة المخلوطة بالحشيشة!، وتقطع الحكومة السعودية بين وقت وآخر رأس أجير عربي أو آسيوي متهمة إياه بترويج المخدرات، التي يقول السعوديون عنها إنها لا تصل إلى البلاد إلا عن طريق الأمراء أنفسهم!

وحينما كنت أعمل في إذاعة سرية ضد النظام الصدامي الوحشي سنة 1992 وكان مقرها في حي الروضة بجدة، كنا نشتري الويسكي المحرم في بلد المقدسات من أماكن مخصوصة في جدة، أحيانا من حول البيت الحرام في مكة التي لا تبعد عن جدة إلا ساعة وربعاً بالسيارة!

على أية حال يمكن تسجيل أطوار التخلف الاجتماعي التي طرأت على الشعب العراقي، باتخاذ المقهى نموذجاً، باعتباره مكاناً يشهد تجمعات العاطلين عن العمل، والباحثين عن واحة للاستراحة في انتظار المجهول، في الواقع لم يكن تدخين النرجيلة من العادات الشائعة في مقاهي الناصرية، على الأقل حتى هروبنا إلى مخيم رفحاء في نهاية شهر آذار سنة 1991، كان هناك مقهى واحد يقع في شارع الجمهورية وآخر في صوب الشامية، وإثنتان في باب الشطرة وخامس في السوق، لكن سرعان ما تضاعف العدد مع مجىء العمال المصريين إلى الناصرية للعمل في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي.

ومما أصاب المجتمع العراقي من أدواء وتغيرات نفسية وديموغرافية حادة خلال العقود الأخيرة، دخلت مفردات جديدة على مقاهي الناصرية إضافة إلى تدخين النرجيلة وهو الإستغراق في تصفح الإنترنت (wi fi)، الذي جعل العالم بين يدي الإنسان العراقي بكبسة زر بعد عزلة طويلة عنه استمرت عقوداً، أرائك رثة قديمة يقتعدها شباب عاطلون عن العمل ساخرون من أوضاع بلدهم، وتلفزيون لا ينقل سوى أخبار الفساد والمحاصصة والارهاب، وإنترنت يسرح بالخيال تعويضاً عن واقع مأزوم ومهزوم!، فيما دخان النرجيلة يملأ المكان ولا أحد يكترث للصحة العامة، وتختلط رائحة المعسل برائحة الشاي ليكوِّنا مذاقاً سيئاً للغاية!

إن تداول الشعر الشعبي وأخبار التواصل الاجتماعي والفساد والعمليات الارهابية الداعشية، في بغداد والأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى خاصة، يعكس أقصى حالات العزلة والضياع في المقهى، في وطن لم يشهد نوعاً من الاستقرار السياسي منذ عقود، لينعكس بدوره على الإنسان ولا سيما فئة الشباب، وكان يفترض بالحكومات المتعاقبة على حكم العراق الجديد، وضع الخطط الكفيلة لانتشال أجيال من العراقيين المستهلكين الذين لا شغل لهم، غير اجترار الماضي ولعب الدومينو وتدخين النرجيلة التي تنخر رئتي الإنسان أكثر من السكائر!    





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,981,580
- الطريق إلى الناصرية 4
- الطريق إلى الناصرية 3
- شارع النهر
- الطريق إلى الناصرية 2
- انهيار التعليم في العراق
- حي الأرامل
- بيان حول الاعتداء السافر ضد المتظاهرين في مدينة الناصرية.
- عقيل حبش .. بطل من الناصرية
- موعد في غوا (رحلة إلى العراق والهند) الفصل الأول : الناصرية ...
- موعد في غوا (رحلة إلى العراق والهند) الفصل الأول : الناصرية
- في الليل تسطع نجمتها!
- كم هو حزين هذا الصباح؟!
- مثل ام ولد غركان .. بالناصرية؟!
- يكون غدا أثرا
- 9 هلالية!
- مقطع من القصيدة النرويجية
- استمارة الصافي مرفوضة وسنقوم بتوكيل محامين دوليين!
- دعوة إلى محافظ ذي قار الجديد التنازل عن منصبه!
- قرب مكان الانفجار الثاني بالناصرية !
- هوامش حول حرية التعبير في العراق


المزيد.....




- مونيكا لوينسكي تنتج فيلما بعنوان -15 دقيقة من العار-
- مجموعة متنوعة من العروض الفنية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
- أمريكا: الملك محمد السادس يقوم بإصلاحات جريئة
- بوتين يصفع البوليساريو.. انطلاق أول قمة روسية إفريقية
- مرشحان لخلافة العماري على رأس جهة الشمال
- تحصن رجل في متحف جنوبي فرنسا والشرطة الفرنسية تتحدث عن تهديد ...
- رجل يتحصن في متحف بجنوب فرنسا والشرطة تتحدث عن كتابات تهديدي ...
- الحوار الاستراتيجي المغرب- الولايات المتحدة: واشنطن تشيد بري ...
- الولايات المتحدة تؤكد على مؤهلات المغرب كمنصة للشركات الأمري ...
- المالكي وبنشماش يمثلان جلالة الملك في حفل تنصيب الرئيس التون ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حربي - نرجيلة