أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - فكاك محمد - الملك المفترس المختلس العرقي الفاشي اللا وطني اللاديمقراطي اللاشعبي؟















المزيد.....



الملك المفترس المختلس العرقي الفاشي اللا وطني اللاديمقراطي اللاشعبي؟


فكاك محمد

الحوار المتمدن-العدد: 5997 - 2018 / 9 / 17 - 15:14
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    



وقبل بداية الكتابة في اليوم ، وهي بعنوان" لماذا أنا علماني ولماذا أرفض عقيدة الألوهة الإخوانجية الاسلامنجية الجاهلية الجهلاء؟
لما جهلت من الطبيعة أمرها.. وأقمت نفسك في مقام معلل
أثبت ربا تبتغي حلا به.. للمشكلات فكان أكبر مشكل.
الشاعر جميل صدقي الزهاوي.
أي لماذا وأنا أقترب من سن الكهولة واشتعال الرأس شيبا ووهن العظم، ونفاذ طاقة التمرد في الإنسان لا زلت مصرا ومتحديا بل وسأبقى طوال ما أنا في الحياة مناضلا مكافحا مقاوما و مفكرا و شاعر تكدير الأمن السياسي الملكي الجلاوي الليوطي النيوكولونيالي النيوكومبرادوري اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي؟ تكدير أمن الملك المفترس المختلس الإرهابي السارق المغتصب العرقي العنصري الصعلوك الفاشيستي المخصي المثلي الجبان ابن الجبانة والكلب ابن الكلبانة الخائن العميل المرتزق محمد السادس: عفوا – أخطأت ثانية- شمعون السادس المندس البوليسي الاسرائيلي الموسادي الصهيوني الامبريالي، صاحب كل الرذالات والبذاءات والسخافات والدعارات والعهارات؟
فلتطمئن يا صاحب الخيانة الوطنية العظمى، إنه رغم كل أشكال القمع والقهر والتعذيب التيتمارسها أجهزتك العسكرية والبوليسية والدينيةوالحزبيةالتحريفية الانتهازية لن ترى منا أي صوى أو علائم على الخوف والتردد والتخفي مثلما ترى هؤلاء المافيا وأنتكيات آخر زمن " المنعوتين بالباطل والبهتان الاتحاديين الاشتراكيين والأماميين يركعون لك ويتذللون أمامك لأن الخيانة تجللهم وأكاليل أشواكها تتوجهم، حيث أصبحت دكاكينهم الحزبية لا تختلف عنأعشاش الديوك والكلاب، حيث أصبحت مقاعدهم البرلمانية عبارة عن أطلال نحسية نجاسية وأكوام حطامية وحيث فخاخ البؤس واليأس والقنوط والإحباط تنتشرفي نفوسهم كالسرطان في الأرض الخرابز
أعترف أنك يا شمعون السادس قد نجحن غاية النجاح بأنك كنت وأبوك الحسن السفاح السنارة التي اصطدمتا بها رؤوسا يانعة غفيرة وكثيرة من أدعياء الديمقراطيةوالاشتراكية.
أبدا سنبقى نتطلع لأجمل الأحلام الثورية عبر الأناشيد والغناء والموسيقى والهتافات والوقفات والمسيرات والإضرابات والاحتجاجات، تعبيرا واضحا أننا لن نعرف السهد ولن نتقلب على الجمر ولن تنهار أحلامنا بعالم جمهوري ثوري جديد وسعيد.
لقد تعلمت من والدتي الزهراء ميلها في سلوكها وتصرفاتها لحرية الفكر والتفكير والاعتقاد ولم تكن أبدا متعصبة أصولية ترتبط بتعاليم دينية متطرفة أو تحرص على ممارسة الطقوس الدينية والشعائر الصورانية الشكلانية , أما أبي فقد كان منشغلا بالفلاحة ومنغرسا في ميادينها ولا كان يهمه أن يفرض سيطرته على بناته وأبناءه العشر من الوجهة الأصولية الدينية الإرهابية، ولم يقض عمره في إقامة صلوات وتوسلات وتراويح، لكنه كان من أشرف شرفاء القبيلة، وحتى عندما فرض عليه الحج ، لم يثقل كاهله بهذه الخزعبلات الطفيلية والتعاليم التخريفية الثقيلة، بل عاشه كمسلم بسيط لم يكلفه جهدا كبيرا كهؤلاء المنافقين المزدوجين الانتهازيين الكذبة الفسقة الذين لا يتورعون عن ارتكاب أكثرالجرائم فجورا ، فكانت سيرة كل من أمي وأبي من أسباب كراهيتي لديانة الجهالةالجهلاء وتمهيدا لثورة نفسية عميقة ونقمة حمراء على دين العنجهيين المتعجرفين وتعاليمهم وأوامرهم الاستبدادية الديكتاتورية التلقينية السكولائية النصانية الجمودية الارهابية الظلامية الإظلامية، تلك الإملاءات التي تجعل كل ذي عقل منطقي نقدي نقضي يسخر ويضحك ويستهين من هذه الديانة الكاذبةالخاطئة التي لاتحتوي على الحقيقة التاريخية وليس ما فيها صحيحا متفقا مع الواقع المادي التاريخي، بل كل مجهودات ومهمات ورسالات القسيسين والرهبان والأحباروالحاخامات لا تتعدى ترديد وتكرار وشحن الرؤوس بالمعجزات والخوارق اللاعقلانية اللامنطقية اللاواقعية مثل الجنة والنار والحساب الإلهي والشياطين والملائكة والجواري والغلمان والقيامة.
فأية ديانة إسلامية هذه تفرض وتجبر الأكفال على شعائر الطاعة والولاء والامتثال والخضوع والتوسل والركوع والسجود قبل أن يعرف كيف يقوم وينهض ويمشي في كرامة وشموخ وعزة وكبرياء، مستقيما مرتفع القامة مرفوع الهامة و تحرم عليه اللعب والاختلاط مع الأطفال وكيف يعشق ويحب الحياة حبا جما ما استطاع إلى ذلك سبيلا، بل وتمنعه من القراءة والكتابة ومطالعة الكتب والفلسفية والأدبية والعلمية والروائية العربيةوالفرنسيةوالإنجليزيةوالألمانية والروسية..؟
كيف لا أتمرد على هذه الديانة العمياء البكماء الصماء التي لا تعترف للإنسان بحق حرية التفكير والتعبيروالعقيدة تجبرني على أن أقضي زهرة عمري ووردة شبابي قابعا في المساجد والمعابد متنسكا و داعيا لله ، ومنقطعا عن كل أسباب المطالعة والقراءة في قاعات الكتب والسينما والمسرح والمؤلفات، و تحرمني من قراءة الكتب الرياضيةوالفيزيائية والكيميائية والعلوم الطبيعية النظرية والسوسيولوجية والجيويوليتكية والسيكولوجيةوالتاريخية والهنشيةوالموسيقية والحساب والجبر والدوالي والتربيعات وعلوم الميكانيك و حسابات الاحتمال و الكتب الفلسفية لسقراط وأفلاطون وأرسطو وابن سيناء والفارابي والرازي وابن طفيل وابن رشد وأبي تمام والمعري والمتنبي وأبي نواس وديكارت وهوبس وكانط وهيجل وروسو وفرويد وهيوم وسبينوزا مونسكيووبوانكاريه وبركلي ولوك وهايدجر وهولدرين وفيورباخ وماركس وانجلس وبلزاك وهيسرل وداوين في كتابه العلمي: أصل الأنواع وأصل الإنسان بالنشوء والتطور، وغاليلي واينشتين وهربرت سبنسر وتوماس هسلي وسان سيمون وهيجو و كل ما يدفع الطفل قبل نضوجه كل قوانين التطور التاريخي والتقدم الاجتماعي.؟
فلمن إذن يا ترى أولى الأوليات: هل لهذه الأديان والعقائد و الخزعبلات والأساطير والأكاذيب والأضاليل والسحر والخرافة، أم لهذه العلوم والآداب والفنون التي تجعلك تتخلى عن كل هذه المعتقدات الدينية الاخوانجية الاسلامنجية الارهابية الأصوليةالمتطرفة، وتلحد بها وتنصرف وتؤمن بالفكر العلمي التاريخي النقدي العلماني الفلسفي المادي الجدلي العقلاني المنطقي وحده، هذا المنهج الفلسفي العلمي وحده يوصلك إلى طريق السعادة والطمأنينة والسكينة والراحة النفسية، لأنك إذاك ستطمئن وتؤمن إيمانا أكثرعمقا بأن سبب الوجود والكون هوالذي يتضمنه الكون في ذاته وأن تؤمن فقط بالحق وللحق وأن ثمة لا شيءوراء هذا العالم المبني على المادة والحركة والدياليكتيك.
طبعا إلى جانب كوني مادي دياليكتيكي تاريخي علمي، فهذا لا يمنعني من الإطلاع على آراء كبار فلاسفة أوروباخصوصا ما قاله الفيلسوف الألماني عمانوبل كانط :" إنه لا دليل عقلي أو علمي على وجودالله" وأنه" ليس هنالك من دليل عقلي أو علمي على عدم وجود الله"
وهذا القول الصادرعن أعظم فلاسفة العصور الحديثة وواضع الفلسفة الانتقادية النقديةالعقلانية وهو نفس القول الصادر عن الشاعر اللاتيني لوقريتوس منذ ألفي سنة.
إن الدين الأسطوري يعود في الحقيقة والأصل إلى كوننا نريد أن نخفي ونتستر على جهلنا بالسببية العلمية لأشياء الطبيعة، بمعنى أن السببيةالعلمية بست لها أيةغلالة قدسية، بل لا تخرج في صميمها عن أنها وصف لمجرى سلوك الحوادث وصلاتها بعضها ببعض، ومنه و بالتالي يمكن أن نؤكد أن هذا الدين الإخوانجي الاسلامنجي لا يتمن أية قيمة علمية ، معرفية أو عقلية سوى قهر ومنع وحرمان الإنسان من حرية انفتاح عقله الإنساني لا الرباني الغيبي الميتافيزيقي. أي دين يمنع انتشار العلوم الطبيعية والفلسفية والأدبية وكل ما تواضعت عليه الأمم المتحضرة المتمدنةالديمقراطية من إطلاق حرية القراءةوالكتابة والفكر والتعبيروالكلام والاعتقاد والتسامح.

3

:: مقتطفـات من شعر جميـل صدقي الزهّاوي في الفلسفة والمـرأة والمجتمع ::


التاريخ : 26/01/2014 الكاتب : د. مفيد مسُّوح عدد القراءات : 11628





جميـل صدقي الزهّاوي فيلسوف العراق الكبير في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وشاعرهـا في بداية القرن العشرين وحتى وفاته عام 1936.. تميز منهجه الفلسفي بالاستناد إلى علم الطبيعة والظواهر وخاصة نسبية انشتاين ومنهجه الاجتماعي بالتحرر واحترام المرأة وتقدير دورها في بناء الوطن وشعره بالواقعية ورقّة المشاعر ونبل الآراء وجرأة القول والتحريض على التحرر من قيود الدين والتقاليد والمفاهيم المتخلفة وعلى تبنّي الفكر الاشتراكي..

كان الزهّاوي محبوبـاً كشاعر ومعلم وفيلسوف وإنسان في الأوساط الشعبية والأدبية والسياسية النهضوية في بلاد الشام ومصر والبلدان العربية الأخرى فضلاً عن مكانته الكبيرة لدى الشعب الكردي، فهو ابنٌ لأبوين كرديَّين من بغـداد. وقد كتب فيه طه حسين:

"لم يكن الزهّاوي شاعر العربية فحسب ولا شاعر العراق بل شاعر مصر وغيرها من الأقطار.. لقد كان شاعر العقل.. وكان معرّي هذا العصر.. ولكنه المعرّي الذي اتصل بأوروبا وتسلّح بالعلم.."


الفكر المادي واتساع الأفق والإيمان بقوى الطبيعة والتسلح بالعلم عند الزهّاوي سببها استيعابه لمفهوم اللانهاية في الكون، لقد قـال:
لا تقبـل الأجـرام عـدا
كلا ولا الأبعـاد حـدّا
إن المجـرة لـم تـكن إلا عـوالم فُقْـنَ عـدا
والسُّحْب فيهـا أنجـمٌ
هـنَّ الشموسُ بَعـُدن جـدا
والأرض بنت الشمـس تلـزم أمَّهـا جريـاً وتحـدى
وتـدور في أطرافهـا مشـدودةٌ بالجذب شـدا
ويـدور محورهـا تـوجِّهُ نحـو نـور الشمـس خـدا

ويؤكـد:
تحوي السماء نجومـاً ذات أنظمة
من الشمـوس كثاراً ليس تنحصـر
نخـالُها ثـابتـاتٍ وهي مسـرعـة
كأنهـا الخيـل في البيـداء تحتضـر

أما نتيجة هذا المستوى الرفيع من فهم المادة والكون فقد انعكس تماماً على مواقفه من المجتمع والعادات والحياة العامة. كان الزهّاوي نصيراً عنيداً للمرأة وكتب في حريتها ومساواتها بالرجل الكثير من النثر والشعر. إحدى مقالاته في الدفاع عن المرأة نشرت في عام 1910 سببت له المتاعب وانتهت بتسريحه من وظيفته في إحدى مدارس بغداد وشنِّ حملاتٍ كبيرةً من قبل الكتاب المتشددين الذين وصفوه بالمارق.. قصـائده في تحـرر المرأة كـانت أشد وقعـاً على الرجعيين والمتخلفين..
في مقالته المذكورة أعـلاه عبّر الزهّاوي عن اعترافه الكامل بدور المرأة الهام والكبير في الحياة الأسرية والمجتمع وبناء الوطن وأشار إلى مساوىء المفاهيم السائدة التي تحطُّ من قدرها وتظهرها كمتاع يمتلكه الرجل ويفعل به ما يشاء ويحقُّ له التخلي عنه أو استبداله متى رغب في ذلك، تلك المفاهيم التي لا تعترف للمرأة بمقوماتها كإنسان وبالتالي بحقوقها البشرية.. واستشهد بأمثلة من نمط الحياة الأوروبية التي تتمتع المرأة في ظلها بحريتها مما يجعلها عنصراً فعالاً مساهماً في بناء المجتمع والحضارة ويوفر لها الكرامة الإنسانية واحترام كامل حقوقهـا.. في حين يرى بـان الدين الإسلامي أجـاز قسوة الرجل على المرأة وسمح له باعتبارها سقط متاع فلا رادع عنده من أن يكيل لها اللعنات والشتائم واللكمات ويعيدها إلى بيت أهلها مطلقة محرومة من الحياة الهادئة المستقرة.. وتساءل الزهّاوي عن العدالة المزعومة في حق الرجل بتعـداد الزيجـات وفق معيار كمـّي وبإعلان الطلاق متـى شـاء وحرمان المرأة من هذا الحق..
وأشار الشاعر والفيلسوف الكبير إلى الظلم المتعدد النواحي الذي تتعرّض له المرأة إضافة إلى الزواج والطلاق.. فحقُّ الميراث وقيمة الشهادة وشروط المظهر خارج المنزل وإسهـامها في الشأن العـام تثبت امتهاناً كبيراً للمرأة تبدو معه عبـدة لا وزن لها ولا حقوق.. أما في السماء فليس الأمر بأحسن.. فللمرأة المؤمنة في رحاب الجنة زوجُها في أحسن الحـالات بينما لـه من حور العين سبـعون إلى سبعيـن ألف، ما يكرّس اعتبار المرأة ملكاً ومتعة لا أكثر يكافأ الرجل بها، متـى حق له ذلك، وبالمعيار الكمـي أيضـاً..
عن حجاب المرأة وتستُّرِها أمام الرجال تحدث الزهّاوي مبيناً أن في الأمر امتهاناً فظيعاً لها وتكريساً لثقافة الخوف والضعف والخيانة وانعدام الثقة بين بني البشر ومحدداً سلبيات الحجاب على كافة الأصعدة وإيجابيات السفور التربوية والإجتماعية وانعكاسه على قدرة المرأة على التفاعل مع الرجل في تطوير المجتمع وبناء الحضارة..
كان الحجـاب يسومها خسـفاً ويرهقهـا عـذابـا
إن الأُلى قد أذنبـوا
هـم صيـّروه لها عقـابـا
وسيطلب التـاريخ من نـاس لهـا ظلمـوا الحسـابـا

ويضيـف في قصيـدة أخرى:
مـزقـي ياابْنـةَ العـراق الحجابا
واسْفـري فالحيـاة تبغـي انقـلابـا
مـزّقيـه واحرقـيه بلا ريـث
فقـد كـان حـارسـاً كـذابـا

لقـد أثار الزهّاوي واقع وصور اضطهاد الرجل للمرأة في المجتمع العراقي وسلوكية العنف والإرهاب التي تمارس بحقها والاستهتار بإنسانيتها وتعامله غير اللائق مع العذوبة والرقة الأنثوية:
ما أتعـس الحسناء يمـلك أمرهـا الـزوجُ العنيـف

وهو إذ يرى في الشرق استهانة بقدر المرأة وتهميشاً لها خارج حياة العمل والعطاء والإبداع ومشاركة الرجل في تطوير المجتمع وبناء الوطن فإنه يقارن الحال بما هي عليه في الغرب حيث للمرأة احترامُهـا ومكانتهـا وفرصها المتكافئة مع فرص الرجل وبالتالي تتمتّع المجتمعات الأوروبية بإسهام الجنسين بالعمل والبنـاء وإضفاء مظاهر الطبيعيـة والتحضّر والرفاهية على الحياة الإجتماعية:

في الغرب حيث كلا الجنسين يشتغل
لا يفـْضل المرأةَ المقدامةَ الرجـلُ
كلا القرينيـن معتـزٌّ بصـاحبه
عليه إن نـال منـه العجزُ يتـكل
وكـل جنس لـه نقصٌ بمفـرده
أما الحيـاة فبـالجنسيـن تكتمـل
أما العـراق ففيـه الأمـرُ مختلـفٌ
فقـد ألـمَّ بنصف الأمـة الشلـلُ

ويقارن بحسرة تطور الغرب وسعي أبنائه إلى التقدم في حين يغطُّ شرقُنا بالسبـات العميق:
الشرق ما زال يحبو وهو مغتمضٌ
والغرب يركض وثبـاً وهو يقظـانُ
والغـرب أبنـاؤه بالعلـم قد سعـدوا
والشرق أهلـوه في جهـلٍ كما كانوا

ويرى أن السبب الرئيس في نقص حياتنا واكتمـال الحياة في الغرب هو موقع المرأة في المجتمـع:
وكـل جنس لـه نقص بمفـرده
أما الحيـاة فبـالجنسيـن تكتمـل

ذلك الموقع الذي يجعل الناس مشغولين بالعمل والإبـداع والإنتـاج الوفيـر بينما نحن مشغولون بالترهات وبتبادل الاتهام في قضايا الديـن:
الغـرب يشغلـه مـال ومتربـة
والشـرق يشغلـه كفـرٌ وإيمـان

ولذلك نحن ضعفـاء وقريبـون من الهوان:
الغـرب عـزٌ بنـوه أينمـا نزلـوا
والشـرق إلا قليـلاً أهلـُه هـانـوا

ولكنه لم يفقد الأمل بنهضة العرب إن هم استيـقظوا:
سترقى بلاد الشرق بعـد انحطـاطها
لو ان بنيـها استيـقظوا وتعلمـوا
يـزول تمـاماً ما بها من تـأخر
لو ان حكـومات البـلاد تـُنظّـم

وفي معرض آخـر يعيد تأخُّر العرب إلـى التعصـّب والتمسّـك بمفاهيم الماضي المتخلفة وبمواقف الرجال الأنانيـة من المرأة بالتحديـد، تركت آثارها السيئـة على كل شيء:
هو التعصب قـد واللـه أخـّركـم
عن الشعوب التي تسعى فتقـتـرب


وفي الزواج غير المتكافىء من حيث السن ولا القائم على أساس من المودة والحب والإحترام والإعتراف للمرأة بإنسانيتهـا يصور الحياة الجحيمية وما تمتلىء به من مآس:
كـم قـد تـزوّج ذو الستين يـافعـة
والشيبُ في رأسه كـالنـار يشتعـل
يقـضي لبانتَـه منهـا إلى أجـل
وقـد يكـون قصيـراً ذلك الأجـل
ولا يبـالي بحـبل الـودّ بعـدَ ئذٍ
أكان متصـلاً أم ليـس يتّصـل
تزوجتْ وهي لا تـدري لشَقْوتهـا
أزوجـُهـا أحـد الغيـلان أم رجـل
يسبّهـا لا لذنب ثـم يركلـها
بالرجـل منـه مهيـناً وهي تحتمـل
وبعـد ذلك يعـدو كالنعـام إلـى
أصحابـه وهو ممّـا جـاءه جـزل
ولـم تكـن أربـعٌ يُشْبِـعْنَ نهمتَـه
والذئب يُشْبِعُـه من جوعـه حمـل

وهو يجـد في مستندات المجتمـع المتخلف سبـباً صريحـاً لاستمرار مظاهر قهر النساء واضطهادهن وحرمانهن من الحرية والمساواة:
وددْتُ من كـل قلبـي غيرَ مُخْتَشِـعٍ
لـو عـاد يـومـاً علـى أعقـابـه الأزل
فأسـأل اللـه تقديـراً يغيـّر مـا
قضـاه قبـلاً فـلا ظلـمٌ ولا دخـل

وأحد أكثر مظاهر قهر المرأة يتجلى في سهـولة الطلاق عند الرجـل، والعصمة في يـده، يلوح به حينمـا يشـاء وتحت أية حجـة أو حالة دون رادع أو تحسب لمـا يتركه هذا العمل الأنـاني من إهانة للمرأة وتحطيم للأسرة وبؤس وحرمـان:
وقـد يطلقـها فـي حـانة ثمـلاً
وليـس تـدري لمـاذا طلـق الثمـل


الظلم الواقـع على المرأة كمـا يراه الزهّاوي يبدأ في البيت وهي طفلة عنـد أهلهـا الذين أرضعوها الخوف والدونية مع حليب الطفولة وهيؤوهـا للزواج المبكر القسري في حالة تشبه بيع النعـاج بعيـداً عن أية قيمة إنسانية وفي بيئـة متخلفة ظالمة تتكرس فيهـا كل أشكـال العبودية والقهر:
لقـد روّعـوها ثم نـامت عيـونـهـمُ
وليـس سـواءً نـائمٌ ومـروَّعُ
وقـد زوّجـوهـا وهي غيرُ مريـدة
بشيـخ كبيـر جـاء بالمـال يطمـعُ
وفـي الـدار أزواجٌ لـه غيـرُ هـذه
ثـلاثٌ فـود الشيـخ لو هـنَّ أربـعُ
تضـاجعـه في البيت وهـو كـأنـه
أبـوهـا فـقـل في أمرهـا كيف تصنع
هنـاك ستشـقى أو تمـوت كئيبـة
على أن مـوت المـرء في الهـمّ أنفعُ
هناك سيبدو اليأس والبؤس والأسى
لهـا وتـلقـاها المصـائب أجمـع

وفـي قصيـدة أخرى ينتهي الأمر بمأسـاة حقيقيـة:
جلـوهـا عروسـاً بعد سبـعٍ فزمّـروا
وفي مرح الأفـراح خبّـوا وأوضعـوا
جلوهـا عروسـاً ما بهـا من غميـزة
سوى صفرةٍ فـوق الأسيليـن تلمـع
وزُفّت إلى الشيخ الذي لشقـائها
أتـى طـالباً كيمـا بهـا يتمتـع
فقـالت له لا تـدنُ يـاشيـخُ راغبـاً
فأنت أبـي بل أنت فـي السـنّ أرفع
فإن كـان منك الشيب ليـس بـرادع
لجهـلك يـا هـذا فإنـيَ أردع
ولكـنّ مـا بالشيـخ من شهـوة غلت
أبى أن يعـافَ الشيـخ ما هـو مُـزمِع
فقطّـب منـه الوجـه ينفـخ غـاضبـاً
ومـد يديـه جـاذبـاً وهـي تـدفـع
يقـول لهـا (أسماء) أنت حليلتـي
ولا بـد مـن أنّ الحليـلةَ تخضـع
أحلـك لـي ربُّ السمـاوات إنـه
حكيـمٌ وإن الحق مـا هـو يشـرع
فلمـا رأت أنْ لا منـاصَ يصـونهـا
من الشيخ لمّا أوشك الشيخ يصـرع
أحالـت علـى كأسٍ هنـاك مُعـدَّةٍ
من السـمِّ واهتشّـت لهـا تتجـرّع

ومـاتت (أسمـاء) وبكـتهـا أمهـا وبكى أبـوها نـادماً.. وهيهـات أن ينفع الندم بعدمـا حلّت الفاجعة وتحـولت الفتـاة إلى جثة هـامدة لم يبق لهـا سوى ما يغطي جسدهـا من أزهار الربيـع:
فلمـا بـدا صبـحٌ وشاعت فجيعـةٌ
وصـاح بها الناس والناس أسرعـوا
أتت أمُّهـا تجثو إلى الجنب رأسَهـا
وتلطمُ حَـرّ الوجـه والوجـه أسفـع
وعـض أبـوهـا للنـدامة كفـه
ومـا أنْ لـه هذي النـدامةُ تنفـع

وهو إذ ذاك لا ينسى أن يخبرنـا بأن أسمـاء فتـاة ذات قلب ومشـاعر وقـد كان في قلبهـا خفقـاتُ حبٍّ لشـاب هـام بهـا ولكنـه حرم من أبسط حق له في الحيـاة وهو أن يحظى بحبيبتـه فيعيشان حيـاة سعيدة متكـافئة:
أكـبّ (نعيـمٌ) بـاكيـاً فـوق قبرهـا
وقـال فأبكـى كل من كـان يسمـع
وعـادوا بـه ذا رجفـة يسنـدونـه
بهم ليس فيـه للسلامـة مـوضـع
فعـاش سقيـمَ الجسـم خمسةَ أشهرٍ
ومـات.. كـذاك الحب بالناس يصنع
فـواروه في قبر يجـاور قبرهـا
على ربـوة.. إنـا إلى اللـه نرجـع

هكذا صور الزهّاوي المجتمـع العراقي المتخلف تكبّله قيـود المفاهيـم الرجعية والموقف اللاإنساني من المرأة ومن التحرر الإجتمـاعي.. وهو إذ يضع الإصبـع على الجراح في مرحلة مبـكرة نسبيـاً فإنه يرى أن الخلاص من هذا الواقع السيّىء ممكن والنهوض بالوطن والمجتمع ممكن بشرط التخلص من أسباب ومسوّغات الظلم والتمييز المفروض على المرأة الإذعان لهمـا والخضوع للرجل على أساس هذه المسوّغات..
إنـه، لقناعة راسخة عنده مبنية على أسس ومعايير إنسانية أثبتت الحضارة صحتهـا وجدواهـا، فخـورٌ بدفـاعه عن المرأة وبربطـه تحرر الوطن وتقدمه بتحرّر المرأة.. وقـد عُرف الزهّاوي بين شعراء وفلاسفة وسياسيي العراق ومصر وبـلاد الشام بموقفه المتميز والصريـح تجـاه مسائل المرأة والدفاع عن حقوقهـا وقد قيل عنه الكثير.. فهذا الدكتور عبد الرحمن الشهبندر يقـول في تأبينه:
"إذا أردنـا أن نكبّر الزهّاوي ونخلّد ذكـراه فعلينـا أن ننشىء باسمه في مسقط رأسه مدرسة للإنـاث يعلمن فيهـا من فنـون الأدب والعلم..."
دفاع الزهّاوي عن المرأة جلب له المتاعب وقد هجـاه لذلك كثيرون فيما لم ترقْ لأصدقـائه حملات الحاقدين.. فوليُّ الدين يكنْ قال راداً هجوم المتشددين على الزهّاوي لشعره في تحرر المرأة:
ألا قد بغتْ هذي العمـائمُ بغيَهـا
فـدارتْ علـى القـوم الكـرامِ دوائـرُهْ
بـأيِّ كتـابٍ أم بـأيةِ سنـةٍ
يُجـازى على قـول الصّـواب معـاشِرُهْ
بـأيِّ كتـابٍ أم بـأيةِ سنـةٍ
يريـدون طـيَّ الحـق إن قـام نـاشرُهْ
سـلامٌ على الدنيا سلامٌ على الورى
سـلامٌ علـى العهـد الذي قـلَّ شـاكرُهْ

ولكنه نـال بالمقـابل الكثير من المديح من قبل شعراء شاطروه الآراء التقدمية مثل معـروف الرصـافي:
ومـا الآدابُ فـي بغـدادَ لـولا
يـراعَ جميـلـهـا إلا دعـاوي
إذا مـا قـال فـي بغـداد شعـراً
رواه لـه بأقصـى الأرض راوي
أعيـذُك يـا جميـلَ الشـعر مـن أن
يسـوءَك نقـدُ أربـاب المساوي
وليسوا محوجيـك إلـى معيـن
وهـم مـا بيـن مهزول وضـاوي
فنفـخٌ منـك يجعلهـم هبـاءً
ويسقطهـم إلى سفـل المهـاوي
وما احتاج القـوي إلى معيـن
إذا كان الضعيـف هـو المقاوي

وبـدوي الجبـل، يحييه في دمشق ضيفـاً عزيـزاً ويحيي العراق فيه ويؤكـد تأييده للزهـّاوي في فكـره الكفاحي:
يـاشـاعرَ التـّاج المضيء علـى جبيـن أغـرَّ فـاتحْ
وفتـى القريحـة أُعطيتْ عرشَ الإمـارة في القـرائح
طيـبُ العـراق وإنـه للمسـك مـن برديـكَ فـائح
أهـوى العـراق وإن تكن طـاحت بسؤدده الطـوائح
حـدِّثْ فقـد طـاب الحـديث ونـام عن نجـواه كـاشح
واذكـرْ لنـا عبر الحيـاة فأنـتَ مـأمـون النصـائح
هـذي الحيـاة لمـن مضى كالليث مرهـوب الجوانـح
والعيـش معنـاه الكفـاح وهـالكٌ مـن لا يكـافح

لقد أحب شعراء الشرق جميل صدقي الزهّاوي ولم يفوّتوا فرصة لإظهـار إعجـابهم به فكراً وشعراً وفلسفة وشخصية أيضـاً وهـو لذلك متفائـل رغـم مـا أحاط به من متاعب طالمـا الأمـل بـاقٍ في النفـوس:
تبقـى الحيـاة على الأرزاء طيبـة
مـادامت النفـس بالآمـال تتصـل

ومن لم تأته فرصة مديح الزهّاوي ومكانته الكبيرة في حياته أبنـه ورثـاه كمـا يستحق.. من بشارة الخـوري إلى علي الجـارم والجواهري وغيرهم..
محمد مهدي الجواهري قـال قصيدة رائعة في رثـاء الزهّاوي مطلعهـا:
علـى رغـم انف الدهر ذكـراك خـالد
تـرنُّ بسمع الدهـر منك القصـائد

ومؤكـداً المكـانة الفكرية والعلمية الكبيرة للزهـاوي والتي كان يتمنى أن يستفيد الوطن والمجتمع منها أكثر، قفَلَ قصيدته قائلاً:
أضـاعوك حيـاً وابتغـوك جنـازة
وهذا الذي تأبـاه صيـد أمـاجد

ربـط الزهّاوي رؤيتـه للطبيعة والحيـاة والمجتمـع بصدق أحـاسيسه وبالتصـاقه الشـاعري بالطبيعة النقية السـاحرة والقويـة والكريمـة.. وهو لذلك يحب الغزل ويعشق الفن والغنـاء على الأخص.. أحب أم كلثـوم وعبد الوهـاب وغيرهمـا.. وقـال في أم كلثوم لدى زيارتهـا بغـداد سنة 1932:
الفـنٌّ روضٌ أنيـقٌ غيرُ مسـؤومِ
وأنـتِ بلبـلُـه يـا أمُّ كلثـومِ
لَأنت أقـدرُ من غنـى بقـافيـة
لحنـاً يرجِّعـُه من بعـد ترنيـم
إني أخـاف افتنانـاً فيـه مفتضحـي
فـإنما أنـا شيـخٌ غـيـر معصـوم
سلـي بـيَ القومَ قبل اللـوم باحـثـة
وبعـد ذلك يـا لوّامتـي لـومـي
لا تفزع الكاعب الحسناء مـن كَلَمي
فإن نصـل سهـامي غيرُ مسموم

ويضيف ابن الخمسة والستين عـامـاً دون حـرج:
يـا أمّ كلثـوم غنـّي فالهوى نغـمٌ
تَلـذُّه الشيبُ والشبـّان كلـُّهمُ
مـن أجـل صـوت رخيـم منك يسمعه
يـا أم كلثـوم جـاء الجمع يـزدحـم
قد هـزّه صـوتك المـوّار يطربـه
فهاج كالبحـر ذي الأمـواج يرتطـم

أشعار الزهّاوي في العلم والفلسفة والمجتمع وقصائده في فضح الاحتلال العثمـاني والمرتبطين به سياسة وثقافة لم تمنعه من قـول الغزل والتفنّن في وصف الطبيعة والتعايش الرومانسي مع القيم الجمـالية..
وأعـاد الشحـرور ألحـان وجـدِ
طـائراً مـن نهـْدٍ هنـاك لنهـدِ
بيـن نبتٍ يضـور عرفـاً وورد
مـن خزامـى ويـاسَمين ورنـْد
وشقيـقٍ ونرجـس وعـرار
قرب جـورية يفـوح شـذاهـا
ذات لـون مـن السمـاء أتاهـا
فـي شعاع من الشمس طبق هـواها
قبّلـت فـاه وهـو قبـّل فـاهـا
لتـلاق مـن بعد شحـط المـزار
إن حسـن الربيـع للعين فـاتـن
كـم بـه من زهـر كثـر المحـاسن
غـير أن الزمـان يـاقـوم خـائن
فـلأزهـاره جمـال ولكـن
هي، آهٍ، قصيـرة الأعمـار

لقـد كانت للزهـاوي صداقات وعلاقات مودة انطـلاقـاً من أرضية التفاهم الفكري مع العديد من أبرز الشخصيات الأدبية والفكرية والنضـالية في مختلف بلدان العـالم.. لقد قـال في طاغور، شاعر الهند الكبير وشاعر الحب والسلام وكان له صديقاً.. وقـال في جبران خليل جبران وأحمد شوقـي وفي أم كلثـوم وعبد الوهـاب وغيرهـم.. كمـا كتب لعظمـاء راحلين، كمـا هي الحـال في المتنبي وتولستوي وفي المعري أيضاً حيث قال مؤكداً التأثر الكبير به:
إنـي تتلمـذت فـي بيتـي عليك وإن
أبـلت عظـامك أدهـار وأزمـان
*

تتوج أعمـال الشاعر والفيلسوف الحكيم جميل صدقي الزهّاوي ملحمتـه الشعرية الخالدة (ثـورة جهنميـة – نزعـات الشيطـان – منكر ونكيـر)..
ثورة أهـل الجحيـم ملهـاة حوارية شعرية خيـالية فلسفية واجتمـاعية ألّفهـا وهو في بداية عقده السابع عـام (1929) يقـاوم بعنفوانه ملامح الشيخوخة التي داهمته والمرض وتباشير العجز بالمزيد من المرح وروح الفكـاهة والمجون، يعرض فيهـا رؤاه وفلسفتـه ونظرته للحيـاة وأدبهـا والنـاس ومعتقداتهم من خـلال سجـل زيـارته للجحيـم والنعيـم على طريقة أبي العـلاء المعـري في (رسـالة الغفـران) ودانتـي في (الكوميديـا الإلهيـة)..
لقـد أراد الزهّاوي، كمـا يقـول الأستـاذ أمين الريحـاني، أن "يشعل أنوار العقـل والعـدل والحب الإنسـاني على شواطىء الشكّ والتهكـم".. و(ثـورة جهنميـة)، وإن كانت تشبه إلى حـد مـا رسـالة المعري أو كوميديا دانتي الإلهيـة أو الزوابـع والتـوابع لابن شهيـد الأندلسـي فإن لهـا خصوصيتها وشخصيتهـا المستقلة في التصوير والحوار والمرتكزات ارتباطـاً مع خصوصية المعايير وحدودهـا، فالمعنيون بالمكان وبالخطوات والجولات مسلمون يحاورهم ويحـاكمهم مـلائكة مسلمـون..
وملحمة الزهّاوي هذه هي "أنفَسُ أعماله وأحقُّهـا بطـول البقـاء" كمـا يقول أمين الريحـاني.. وتستحق أن تخصّص لهـا الدراسـات، فليس من السهل أو العـدل استعراض كافة جوانبهـا في عمـل غير مستقـل..
واختصاراً.. تبـدأ رحـلة الزهّاوي لحظة إيداعه في القبـر:
بعـد أن متُّ واحتـواني الحفيـر
جـاءنـي منكـرٌ وجـاء نكيـر
ملكـان اسطـاعـا الظهـور ولا أدري لمـاذا وكيـف كـان الظهـور
كنت فـي رقـدةٍ بقبـريْ إلى أن
أيقظـاني منهـا وعـاد الشعـور
فبـدا القبـر ضيّقـاً ذا وخـوم
مـا به للهـواء خـرمٌ صغيـر
إنّ تحـت الأرض إلا قليـلاً
منـزلُ المـرء ذي الطموح الأخير
أتيـا للسـؤال فظّيـن حيـث
الميتُ بعـد استيقـاظه مذعـور
عـن أمـور كثيـرة قـد أتـاهـا
يـوم كـان في الأرض حيّـاً يسيـر
خـار عـزمي ولـم أكـن أتظنـّى
أن عـزميَ يـومـاً لشيء يخـور
....
قـال: من أنت؟ وهـو ينظـر شـزراً
قلـت: شيـخٌ في لحـده مقبـور
قـال: مـاذا أتيـت إذ كنـت حيـاً؟
قلـت: كـلُّ الذي أتيـتُ حقيـر
ليس في أعمـالي التـي كنـت آتيهـا على وجـه الأرض أمرٌ خطيـر
كنت عبـداً مسيَّـراً غيرَ حـُـرٍّ
لا خيـارَ لـه ولا تخـييـر
مـا حبـوني شيئـاً من الحـول والقـدرة حتـى أديـرَ مـا لا يدور
كان خيـرَ منـّي الحجارةُ تثوى
حيـث لا آمـرٌ ولا مـأمـور

ويستمر الاستجواب الذي يتناوب فيه الملكـان بطرح الكثير من الأسئلة في جميـع مواضيع وفرائض الديـن وشروطه بـدءاً بالشهـادة والصلاة والصوم والزكـاة والحج وانتقـالاً إلى العقيدة والإيمـان بكل مـا جـاءت به رسـالة السمـاء.. وإذ أثقـل الملكـان على الميت بالأسئلـة العديـدة المتتاليـة قـال:
قلـت مهـلاً يـا أيهـا الملكُ الملحَّـفُ مهـلاً فـإن هـذا كثيـر
كـان إيمانـي فـي شبـابي جمّـاً
مـا بـه نـذرةٌ ولا تقصيـر
غيـر أن الشكـوك هبـّت تـلاحقنـي فلـم يستقـرَّ منـّي الشعـور
ثـم عـاد الإيمـان إلى أن
سـلّه الشيطـان الرجيـم الغـرور
ثـم آمنتُ ثـم ألحـدتُ حتـى
قيـل هـذا مـذبـذبٌ ممـرور
ثم دافعت عنه بعد يقين
مثلما يدافع الكميُّ الجسور
وتعمقتُ في العقائد حتى
قيل هذا علاّمةٌ نحرير
ثـم أنـي في الوقت هـذا لخـوفي
لست أدري ماذا اعتقادي الأخيـر.

ويتـابع الملكـان مهمتهمـا دون اكتـراث لخوف الميت وارتجـافه وترقبـه:
قـال: مـاذا رأيتَ في الجـنِّ قبـلاً
ومِنَ الجـنّ صـالحٌ شرّيـر
ثـم في جبـريلَ الذي هو بين اللـه
ذي العـرش والرسـول سفيـر
ثـم في الخنـّاس الذي ليـس من سـواه في الحياة تخلـو الصـدور
....
قلـت:ّ للـه مـا فـي السمـاوات والأرض ومـا بينهـنَّ خلـقٌ كثيـر
غيـر أني أرتـابُ فـي كـل مـا قد
عجـز العقـل عنـه والتفكيـر
لم يكـن في الكتـاب مـن خطأ.. كـلّا
ولكـنْ أخطـأ التفسيـر

ويحين وقت السؤال عن المـرأة والحجـاب:
قـال: هـل في السفـور نفعٌ يُرَجّـى؟
قلت: خيـرٌ من الحجاب السّفـورُ
إنمـا في الحجـاب شـلٌ لشعب
وخفـاءٌ.. وفي السفـور ظهـور
كيـف يسمـو إلى الحضـارة شعبٌ
منه نصفٌ عن نصفه مستـور؟!
ليـس يأتي شعبٌ جـلائـلَ مـالـم
تـتـقـدّم إنـأثـه والذكـور
إن فـي رونـق النهـار لنـاسـاً
لم يـُـزلْ عن عيونهـا الديجـور

لعـل مـا جاء في هذه الأبيات القليلة من أكثر مـا قاله الزهّاوي قوة وصراحة وإصـراراً على إرجـاع ضعف المجتمـع وتخلُّفـه إلى مسألة الموقف من المرأة لكونها جاءت في مواجهـة صريحـة مع ممثلين لثقـافةٍ أحدُ أهمِّ عنـاوينهـا عزلُ المـرأة عن المجتمـع والحطُّ من قيمتهـا ودورهـا في الحيـاة.. فالميت في قبـره وأمـام التحقيق لـم يستطع المراوغة وإخفـاء قناعته بأن الموقف من المرأة يمثل الحـدَّ الفـاصل بين من يريد لوطنه التحضر ولمجتمعه التطـور وبين أولئك الذيـن ما زال الديجـور يغطي عيـونهم ويعمي أبصـارهم..
وجوابـاً على سؤاله حول الإيمـان بالله يجيب الميت رابطـاً الله بالكـون الفسيـح وبالطبيعة.. ولكنـه يؤكـد في نفس الوقت شكـَّه وحيرتـه:
قـال: مـاذا هو اللـه؟
فهـل أنـت مجيبـي كمـا يجيـب الخبيـر؟
قلـت: إن الإلـه فوق منـال العقـل منـا وهـو العزيز الكبيـر
إنـه فـي الجبال والبـر والبـحر
مـن الأرض والسمـاوات نـور
وهـو إن قـال "كـنْ" لشـيء سيكـون الشـيءُ من فـوره فـلا تـأخيـر
إن هـذا مـا قـد تلقّنتـه والقلـبُ مـن شكـّه يكـاد يخـور
مـا لكـل الأكـوان إلا إلـه
واحـد لا يـزول وهـو الأثيـر
ليـس بين الأثيـر والله فـرقٌ
في سـوى اللفـظ إن هـداك شعـور

ويشكو الميت من كثـرة الأسئلة التي تحرجه وتزعجـه:
لا تكـونـا علـيّ فظّيـن فـي قبـري فإنـيَ شيـخٌ بعطـفٍ جـديـر
وإذا لـم أرد لأُبْسـِط رأيـي
فـي جـوابـي فإننـي معـذور
إن قـول الحـق الصـراح على الأحـرار حتـى فـي قبرهـم محظـور
فـدعـاني في حفـرتـي مستريحـاً
أنـا من ضـوضـاء الحيـاة نفـور
اتركـانـي ولا تزيـدا عنـائي
بسـؤال فإنـني مـوتـور
لـم تصـن مـن جـرأة المستبـدّيـن علـى الهالكين حتـى القبـور؟؟

ويحتـد الحـوار بين الميت والملكيـن فيعبـر عن غيظـه واحتجـاجه:
إنمـا سألتـمـاني عـن أمـور
هي ليست تغنـي وليسـت تضيـر
ولمـاذا لـم تسألا عـن ضميـري
والفتـى مـن يعـفُّ منـه الضميـر
ولمـاذا لـم تسـألا عـن جهـادي
فـي سبيـل الحقـوق وهـو شهيـر
ولمـاذا لـم تسـألا عـن زيـادي
عـن بـلادي أيـام عـّزَ النصيـر
ولمـاذا لـم تسـألا عـن وفـائي
ووفـائـي لمـن صحِبْـتُ كثيـر
ولمـاذا لـم تسـألا عـن مسـاعـيَّ لإبطـال الشـرّ وهـو خطيـر
عـن دفـاعي عـن النسـاء عليهـن مـن الشقـوة الرجـالُ تجـور
وسـلاني عما نظمـت مـن الشعـر فبـالشعـور يـرتقي الجمهـور
وسلاني عـن جعليَ الصـدقَ كالصخر أساسـاً تبنى عليه الأمور
أسكـوتٌ عن كـل مـا هـو حـقٌ
وسـؤالٌ عـن كـل ما هـو زور؟!

وهنـا ينهـي الملكـان التحقيـق ويصـلان إلى الاستنتـاج الخطيـر:
قال ما أنت أيها الرجْس إلا
مـلحدٌ قـد ضـل السبيـل كفـور
مـا جـزاء الذيـن كـُفـروا إلا
عـذابٌ مبـرحٌ وإلا سعيـر
قـُضي الأمـر فاستعـدَّ لضـرب
منـه تـدمى بعـد البطـون الظهـور

وتبدأ رحـلة العقـاب والعذاب:
أمضـياني بالمقـامع ضربـاً
كدت منه في أرض قبـري أغـور
ثـم صـبّا فـوق رأسـيَ قطـراناً لسـوء حظي يفـور
فشـوى رأسـي ثـم وجهـيَ حتى
بـان مثـلَ المجـدور فيـه بثـور
وأطـالا فـي عـذابـي إلـى أن
غـاب وعيـي وزال عني الشعـور

وإمعـانـاً في إذلال الميت وقهـره يذهب الملكـان به إلى الجنـة كي يشـاهد نعيمهـا فتزداد حسرته وندمـه في جهنـم:
ثـم طارا بي في الفضاء إلى الجنة
حتـى يغـرى بلـومي الضميـر
وأسـرّا فـي أذن رضـوانَ شيئـاً
فـأباح الجـواز وهـو عسيـر
لمسـتْ، إذ دخلتهـا، الوجـهُ منـي
نفحـةً فـاح عطرهـا والعبيـر
أخذتنـي منهـا المشـاهدُ حتـى
خـلـْتُ أنـيَ سكـرانُ أو مسحـور
جنـة عرضها السماوات والأرض
بهـا مـن شتـى النعيـم الكثيـر
فطعـامٌ للآكليـن لذيـذٌ
وشـرابٌ للشـاربيـن طهـور
سمـكٌ مقلـيٌّ وطيـرٌ شـويٌّ
ولـذيـذٌ مـن الشـّواء الطيـور
وبهـا بعـد ذلكـم ثمـراتٌ
وكـؤوسٌ مليئـة وخمـور
وبهـا دوحـة يقـال لهـا الطوبـى
لهـا ظـلٌّ حيث سـرتَ يسيـر
تتـدلّـى غصـونهـا فـوق أرض
عرضـها من كـل النواحي شهور
وجـرت تحتهـا مـن العسـل المشتـار أنهـارٌ مـا عليهـا خفيـر
ومـن الخمـرة العتيـقة أخـرى
طعمهـا الزنجبيـل والكـافـور
ومـن الألبـان اللذيـذة مـا يشربـه خلـقٌ وهـو بعـد غـزيـر
كـل مـا يرغبـون لهـم حـلال
كـل مـا يشتهـونـه ميسـور
وعلـى أرضهـا ذرابـيَ قـد بثـّت حسـانـاً كأنهـن زهـور
وعليهـا أسـرّةٌ وفـراش
مثلمـا يهـوى المؤمنـون وثيـر
وعـلى تلْكُـُم الأسـرّة حـُورٌ
فـي حلـيٍّ لهـا ونعـمَ الحـور
ليـس يخشيـن فـي المجانة عـاراً
وإن اهتـزّ تحتهـن السريـر
كـل مـن صلّـى قـائمـاً وتـزكـّى
فمـن الحـور حظـُّه مـوفـور
ولقـد يُعطـى المـرء سبعيـن حـوراءَ عليهـن سندسٌ وحريـر
يتهـاديـن كـالجـُمـان حسـانـاً
فـوق صـرح كأنـه البلّور
إئْتِ مـا شئـت ولا تخـشَ بـأسـاً
لا حـرامٌ فيهـا ولا محظـور
ليس فيهـا مـوتٌ ولا مـوبقـاتٌ
ليس فيهـا شمسٌ ولا زمهريـر
لا شتـاءٌ ولا خـريفٌ وصيـفٌ
أتـُرى أن الأرض ليسـت تـدور؟
جنـةٌ فـوق جنـة فـوق أخـرى
درجـاتٌ فـي كلهـن حبـور

ولكن الجنـة ليست للميت الضيف وقـد جيء به إليهـا كـي يرى الفرق بينهـا وجهنـم حيث لا شيء ممـا رأى.. حتى ولا شربة مـاء تروي ظمـأه:
ولقـد رمـت شربـةً من نميـر
فتيمّمتُه ففـرّ النميـر
وكـأن المـاء الـذي شئـت أن
أشربـَه بـابتعـاده مـأمـور
وتذكـرت أننـي رجـل جـيء
بـه كـي يُـراعى منه الشعـور
أيُّ حـق فـي أن أنـال شـرابـي
بعـد أن صـح أنني مثبـور؟
قلـت: عـودا مـن حيـث جئتمـاني
إنما هـذه لِهمـّي تـُثيـر


وبانتهـاء زيـارة الجنـة يتوجه الركب إلـى جهنـم يتعرف فيهـا الميت المحكـوم على سعير نـارهـا وألم العذاب في جحيـمها:
أخـرَجـانيَ منهـا وشـدّا وثـاقـي
بنسـوع كمـا يُشـدُّ البعيـر
ثـم قـامـا فـدلّيـاني ثـلاثـاً
في صميـم الجحيـم وهـي تفـور
وأخيـراً فـي جـوفهـا قـذفـا بـي
مثلمـا يُقـذف المتـاع الحقيـر
لسـت أسطيـع وصـفَ مـا أنـا قـد قـاسيـت منها فإنـه لعسيـر
إنهـا فـي أعمـاقهـا طبقـاتٌ
بعضُهـا تحـت بعضهـا محفـور
وأشـدُّ العـذاب مـا كـان فـي الهـاوية السفلى حيـث يطغـى العسيـر
الطعـام الزقـّوم فـي كـل يـوم
والشـراب اليحمـوم واليحمـور
ثـم فيـها عقـاربٌ وأفـاعٍ
ثـم فيـها ضـراغـمٌ ونمـور
لست أنسى نيـرانهـا مـائجـات
تتلظـى كأنهـن بحـور

فـي جهنـم يلتقـي الزهّاوي شخصيـات افتخـر التـاريخُ بهـم والعلـمُ والأدب.. شعراء وفـلاسفة وعلمـاء.. فها هم الفرزدق والأخطل وجريـر وإلى جـانبهم المعري والمتنبـي وشكسبيـر ودانتـي وغيرهم من أصحـاب العقـول ومـن المبدعيـن:
ولقـد أبصرت الفرزدق نضـواً
يتلـوى ووجهـه معصـور
وإلى جنبـه يقـاسي اللظـى
الأخطـلُ مستعبـراً ويشكو جريـر
ولقـد كـان آخـرون حـواليـهم جثـومـاً وكلـهم مـوتـور
منهـم العـالم الكبيـر وربُّ الفـن والفيلسـوف والنحـريـر
لـم أشـاهد بعـد التـلفت فيهـا
جـاهلاً ليـس عنـده تفكيـر
إنمـا مثـوى الجـاهلين جنـانٌ
شاهقـاتُ القصـور فيها الحور
ثـم حيـاني أحمـدُ المتنبـي
والمعري الشيخ وهـو ضريـر
وكـلا الشـاعرين بحـرٌ خضـمٌّ
وكـلا الشـاعرين فحـلٌ كبيـر
ولقـد كـان يخنـق الغيـظ بشاراً وفـي وجهـه الدميـم بثـور
ويليـهمْ أبـو نـواس كئيـبـاً
وهـو ذلـك الممـراحة السكيـر
....
وسمعـت الخيـام فـي وسط الجمع يغنـي فيطـرب الجمهـور
حبـذا خمـرةٌ تـُعيـن على النيـران حتـى إذا ذكـت لا تضيـر
اسقنـي خمـرة لعلـّي بهـا أرجـع شيئـاً مما سبتني السعيـر
واصليـني بـاللـه أيتهـا الخمـرة إنـي امـرؤ إليـك فقيـر
أنتِ لـو كنـتِ فـي الجحيـم بجنبـي لـم ترعني نارٌ ولا زمهـرير

ويتـابع الزهّاوي رحلتـه في جهنـم وقـد خفّفت لقـاءاتـُه بالعظمـاء مـن بني البشر مـن فلاسفة وشعراء وعلمـاء، خفّفت قسوةَ الجحيـم ولظى نيـرانه. ثـم يروي لنـا كيف تجمهر النـاس حول سقراط وأفـلاطون وأرسطو وكـوبيرنيكوس ودارويـن وهيغـل وسبنسر ونيوتن وروسو وفولتيـر وزارادشت.. وابن سينـا وابـن رشد والراونـدي وغيرهـم.. وفي خطبة أمـام الجميع شرح سقراط مـاهية النـار ومنشأهـا مـُرجعاً تغذيتهـا وسعيرهـا إلى البترول الذي سينضب من بـاطن الأرض فينطفىء سعيرهـا:
ولقـد تنضب العيـون فـلا نـارٌ
ولا سـاعرٌ ولا مسعـور

ولـم يفت الزهّاوي تصوير احتجـاج أولئك الذين كـانوا أصلاً ضحـايا في الحياة فلمـاذا هم أيضـاً من نزلاء جهنـم، وقد كانوا بالجنة أجدر.. فجـاء هذا على لسـان مصطفـى الحـلاج الذي قـال:
لمْ شئت العـذابَ لـي ولمـاذا لـم تـُجـرني وأنت منـه المجيـر
كان في الدنيا القتـلُ منهم نصيبي ونصيبـي اليـومَ العـذابُ العسيـر

الشعـراء والفلاسفة والعلمـاء بعد أن طـاب لقاؤهـم وتباحثوا في شؤون النهـاية السيئة الذي آلت إليها أوضـاعهم تبادلوا الآراء والمقترحات لإيجـاد حل يريحهم من عذاب النار فخرج منهم حكيـمٌ اخترع آلات عديدة وعتـاداً حربياً وآلـة تطفىء السعير:
مكثـوا حتى جـاء منهم حكيـم
بـاختـراع لـم تنتظـره الدهـور
آلـة تطفـىء السعير إذا شـاء فلا تحرقُ الجسـومَ السعيـر
وأتـى آخـر بخـارقة يهلـك
فـي مـرة بهـا الجمهـور
واهتـدى غيـره إلى مـا بـه الإنسـان يخفـى فـلا يـراه البصيـر

اختراعات العلمـاء حفـّذت إلى درجـة كبيرة الشبابَ المظلومين والمقهورين والمعذبين وقـد امتلأت نفوسهم غيظـاً وحقداً وثـارت ثائرتهـم:
ولقـد قـام فـي الأخيـر فتـى يخـطب فيهـم والصـوت منـه جهـور
وأحـاطت به المـلايـن يصغـون إليـه وكلهـم مـوتـور
قـال يـاقـومنـا جهنـّمُ غصت
بـالألـى يـُظلمـون منـكم فثـوروا
قـال يـاقومنـا أرى الأمـر من سـوء إلـى الأسـوأ الأمضِّ يسيـر
قـال يـا قـوم إننـا قـد ظـُلمنـا
شـرَّ ظلـم فمـا لنـا لا نثـور
فهـل الحـق أن يخلـَّد فـي النار على الكفر سـاعةً مجبـور
قـال يـا قـوم لا تخـافوا فمـا فـوق شرور تكـابدون شـرور
اجسـروا أيهـا الرفـاقُ فمـا نال بعيـدَ الآمـال إلا الجسـور
أنتـم اليـوم فـي جهنـّمَ أسـرى
وليكـن منـكم لكـم تحـرير
أيهـا النـاس دافعـوا عـن حقـوق
غصبـوهـا والكاثر المنصـور
ألأهـل الجحيـم بؤسٌ وتعـسٌ
ولمن حـلَّ فـي الجنـان سـرور؟!
ألنـا أسفـل الجحيـم مقـامٌ
ولهـم فـي أعلـى الجنـان قصـور؟!
إن أهل القضـاء مـا أنصفوكـم
فكـأن القلـوب منهـم صخـور
قـد خـدمـْنـا العلـومَ شتـّى بدنـيـانـا فهـل من حسـن الجـزاء السعيـر
فعـلا مـن أهـل الجحيـم ضجيـجٌ
رجـف الوادي منـه والسـاعور
ولقـد هـاجـوا في الجحيـم وماجـوا
كخضـمٍّ مـرّت عليـه الدهـور
أطفـأوا جمـرةَ الجحيـم فكـانت
فتنـةٌ مـا جرى بهـا التقديـر
ثورةٌ في الجحيـم أرجفت العـرش وكـادت منهـا السمـاء تمـور

وهنـا تهتز مشـاعر الثـوري الأعمى وقـد حرّضتـه أصوات الجمـاهير وهتـافاتها فتصدرَ الحشودَ محمـولاً على الأكتـاف يهتـف ويـردد الجمـاهير خلفـَه بحمـاس وجـرأة:
المعري: غصبـوا حقـكم فيـا قوم ثـوروا
إن غصب الحقـوق ظلـم كبيـر
الثائرون: غصبـوا حقـنا ولـم ينصفـونـا
إنمـــــا نحـن للحقـــــــوق نثــــــــــــــور
المعري: لكـم الأكـواخ المشيـدة بـالنـار وللبلـْه فـي الجنان القصـور
الثائرون: غصبـوا حقـنا ولـم ينصفـونـا
إنمـــــا نحـن للحقـــــــوق نثــــــــــــــور
المعري: إن خضعتـم فمـا لكم من نصيب فـي طـوال الدهـور إلا السعيـر
الثائرون: غصبـوا حقـنا ولـم ينصفـونـا
إنمـــــا نحـن للحقـــــــوق نثــــــــــــــور

وإذ عـمّ الغضب أطـراف جهنـم تحركت قوات الأمـن (الزبـانية) بدعـم من الملائكـة فاندلعت حربٌ ضروس بين الجمـاهير الغاضبة وزبانيـة النـار:
ولقـد أسرعـت زبانيـةُ النـار إليهـم وكلهـم مذعـور
يـالها فـي الجحيم حرباً ضروسـاً
مـا لهـا في كـل الحروب نظيـر
ولقـد عـاضد الذكـورَ إنـاثٌ
ولقـد عـاضـد الإنـاثَ ذكـور
ثـم جـاءتهـم الشيـاطيـن أنصـاراً
ومـا جيـش المـاردين حقيـر
ولقـد جـاء مـن ملائكـة العـرش لإرجـاع الأمـن جـمٌ غفيـر
وتـلاقى فـوق الجحيـم الفريقـان وهـذا نـار وهـذا نـور

وتستمر الحـرب ومعاركهـا التي تفتك بالمتحـاربين وتضاعفت حميّة الجمـاهير المنتصرة واندحرت المـلائكـة المجنـدلة:
وقـد اهتـز عـرش ربـّك مـن بعـد سكـونٍ والدائـراتُ تـدور
ولقـد كـادت السمـاء تهـوي
ولقـد كـادت النجـوم تغـور
كـانت الحـرب فـي البـداء سجـالً
مـا لصبـح النصر المبيـن سفـور
ثـم للنـاظريـن بـان جليـاً
أن جيـش المـلائك المدحـور
هزمـوهم إلـى معـاقلهـم فـي الليـل حتـى بـدا الصبـح المنيـر
ولأهـل الجحيـم تـمّ بإنجـاد
الشيـاطين في القتـال الظهـور
فاستراحوا من العذاب الذي كـانوا
يقـاسونـه وجـاء السـرور

ولـم يكتف أهل الجحيـم بدحر عدوهـم وإعلان النصر عليـه بـل هـم قرّروا استخـدام الشيـاطين والذهـاب إلى الجنـة لاحتـلالهـا وطرد البلـه والمجـانين من ربـوعهـا.. فهـم بميزاتهـا أحق:
ثـم طـاروا على ظهـور الشيـاطين
خفـافاً كمـا تطيـر النسـور
يطلبـون الجنـانَ حتى إذا مـا
بلغـوهـا جـرى نضـالٌ قصيـر
ثـم فـازوا بهـا وقـاموا بمـا
يوجبـه النصـر والنهـي والتدبـيـر
طـردوا مَـن بها من البُله واحتلوا
القصـور العليـا ونعـمَ القصـور
غيـر مـن كـانوا مصلحيـن فهـذا
القسـم منهـم بالاحتـرام جديـر
فـرّ رضـوانُ للنجـاة ومـن أتباع رضـوانَ مسـرعاً جمهـور
وأقـاموا لفتحهـم حفلـةً أعقبـها
منهـمُ الهُتـاف الكثيـر
إنـه أكبـر انقـلاب بـه جـادت
علـى كـرّهـا الطويـل الدهـور

هكـذا تنتهي ثورة أهـل الجحيم التي قلبت المفـاهيم وقوانين الجنة وجهنـم رأسـاً على عقب.. وهكـذا تنتهـي ملحمـة الزهّاوي التي أراد لهـا أن تكون ملهـاةَ فلسفة الدنيـا والآخـرة بالمفهوم السائد في بلاده طـامحـاً لتضمينهـا مفاهيمه الثورية والإنسـانية وقنـاعاته العلميـة كـافةً.. ولقد وصـل إلى مـا أراد فكـانت الملحمةَ الشعرية الفلسفية الوحيدة باللغة العربية واستناداً إلى أدب العرب ومعتقداتهم بعد رسـالة المعري..
ثـورة أهـل الجحيـم ملحمـةُ الأدب الثوري العربي في الربع الأول من القرن العشرين، حيث كانت ثورة البلاشفة وكـان ألَقـُهـا وتأثيرهـا على البلدان الرازحة تحت نير الاحتـلال العثمـاني.. وقد اتّصفت بيئة الكفاح من أجل الاستقلال بارتباطهـا الجوهري بالنضـال من أجل الحرية والتقدم الاجتمـاعي ومحاربة التخلّف والرجعية وسيطرة الإقطـاعية ورأس المـال على المجتمع والتحكُّم بمظاهره وتكريس الأمية والتخلف والخوف من حرية الفكر ضمـانـاً لنفوذهم واستمرارية مصـالحهم..
لقد عبّرت ملحمة الزهّاوي عن رفض ومعـارضة أكثر النـاس نزاهة وخـُلـُقـاً وعطـاءً ووطنيـة، من أدبـاء وعلمـاء وفنـانين وسياسيين ومثقفيـن ومنتجيـن عبر مـراحل التـاريخ، لثقـافـات الخوف والغيب والرجعية والتعصّب والتقاليد الأسطورية وطقوسهـا ومـا تجلبه هذه الثقـافات من عبودية وأميـة واضطهاد وحرمـان وجـوع وتفشٍّ للأمراض الاجتماعية والفسـاد.. ومـا ينجم عنهـا من حيف وجـور:
إنمـا في الدّارَيـن عسفٌ وحيـفٌ
غيـر أن السماء ليسـت تمـور
فلنـاسٍ تعـاسـةٌ وشقـاءٌ
ولنـاسٍ سعـادةٌ وحبـورُ

اكتمـال الملحمة بانتصـار أهل الجحيـم، وكلهم من أهل الفلسفة والعلم والمعرفة والفن الإنساني الخـلاق، إنمـا يؤكـد ان من يبنـي الأوطـان وينعش أرضهـا ويحيي مجدهـا هم أولئك النـاس العقلاء والمخلصون، رجـالاً ونسـاءً ممن يوصفـون ظلمـاً بالكفّار والمـارقين وهم الأكثر إيمـاناً بالعدالة والسلام والتطور وسعادة البشرية وهـم الأكثر عطـاءً واستعداداً للعمـل من أجل ذلك..
ولا يتردد الزهّاوي، فنـانُنا المرِح واللطيف، وهو يودّعنـا بعد انتصـاره ورفـاقه في معركة الفلسفة والمرأة والمجتمع، في مـداعبتنـا وإثارة الرغبة في الضحك بعد هذه الحرب المخيفة وهذه الآراء الجريئة إلى حدّ الخطـورة وإخبارنـا حقيقة الأمـر، فهو كـابـوسٌ أصـابه بعـد وجبة دسمـة ليس إلا:
وتنبّهـتُ من منـاميَ صُبْـحـاً
فـإذا الشمـس في السمـاء تـُنيـر
وإذا الأمـر ليس فـي الحـق إلا
حُلُـمٌ قـد أثـارَه الجِـرْجيـرُ.

تشي غيفارا ابن الزهراء ابن الزهراء محمد محمد فكاك.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,450,529
- الجمهورية الشعبية
- الجمهورية الديمقراطية الاشتراكية المستقلة
- في الذكرى 200 لعيد ميلاد كار مارس الأعظم
- في قراءة المقالةالعلمية- الاستحالةالفلسفية للربيع العربي- لل ...
- هنا على صدوركم باقون
- كيف تجرد بعض الأحزاب الديمقراطية الاشتراكيةالقضيةالوطنيةوالو ...
- لا تصالح ولا تفاوض ولاتفاهم مع عصفبات الخيانة والغدر والتبعي ...
- تسقط نظام آل صهيون والاسرائيلي شمعون السادس عدو العرب وفلسطي ...
- ضرورة الاستجابة لقرار الإضراب الوطني الانذاري الذي دعت إليه ...
- فلنعلن الثورةإذا أردنا حياة سعيدة
- لا الكرة نفعن ولا أونطة رجعوا العمال والفلاحون والتلامذة يا ...
- فلنسقط النظام عبر إعلان الاضراب الوطني السياسي الجماهيري الش ...
- أطلقوا سراح المعتقل الكبير بمعية رفاقه اصرنا الزفزافي
- الثورة الجمهورية هي مفتاح تطور شخصية المغرب وعبقريته العلمية ...
- في نقد الحركة الوطنية ووضعها سلاح المقاومةوجيش التحرير وتوقي ...
- الملك المفترس المختلس المستحوذ باسم الاسلام وإمارة المؤمنين
- الجمهورية الخطابية الريفيةالاشتراكية
- ليسقط كلب الاستعمار الملك المفترس
- من أجل تكوين لجنة الدعم الثقافي للثورةالريفية
- الفرق بين الأجورفي ألمانيا الديمقراطيةوفي المغرب الجلاوي الل ...


المزيد.....




- بريكست: بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا يرسل خطابا غير موقع ...
- على وقع الاحتجاجات المتواصلة.. جعجع يسحب وزراءه من حكومة الح ...
- وزير العمل اللبناني لـ-سبوتنيك-: قدمنا الاستقالة بسبب عدم ثق ...
- في واقعة نادرة... اللباس الفلسطيني وصل -ناسا-
- بعد تفجيرات دامية… بومبيو: أمريكا ملتزمة بالسلام في أفغانستا ...
- مسؤول: السلطات السعودية تدرس إلغاء شرط المحرم للراغبات في أد ...
- سفير تركيا في تونس ينفي أن تكون بلاده نقلت إرهابيين من سوريا ...
- تونس.. -حركة النهضة- تكشف عن مرشحها لرئاسة الحكومة
- لبنان.. إطلاق سراح جميع الموقوفين في احتجاجات وسط بيروت باست ...
- مظاهرات لبنان.. إرادة الحياة تتحدى السياسيين


المزيد.....

- إنسانيتي قتلت اسلامي / أمجد البرغوثي
- حزب اليسار الألماني: في الحرية الدينية والفصل بين الدين والد ... / رشيد غويلب
- طلائع الثورة العراقية / أ د محمد سلمان حسن
- تقديم كتاب -كتابات ومعارك من أجل تونس عادلة ومستقلة- / خميس بن محمد عرفاوي
- قائمة اليسار الثوري العالمي / الصوت الشيوعي
- رحيل عام مئوية كارل ماركس الثانية / يسار 2018 .. مخاطر ونجاح ... / رشيد غويلب
- قضايا فكرية - 2- / الحزب الشيوعي السوداني
- المنظمات غير الحكومية في خدمة الامبريالية / عالية محمد الروسان
- صعود وسقوط التنمية العربية..قراءة في أطروحات علي القادري / مجدى عبد الهادى
- أهمية مفهوم الكونية في فكر اليسار - فيفيك شِبير ترجمة حنان ق ... / حنان قصبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - فكاك محمد - الملك المفترس المختلس العرقي الفاشي اللا وطني اللاديمقراطي اللاشعبي؟