أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الخامس 3















المزيد.....

إلِكْترا: الفصل الخامس 3


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5876 - 2018 / 5 / 18 - 04:42
المحور: الادب والفن
    


وصلت قبيل الظهر بقليل إلى باب أغمات، مخترقة سيارتها دروبَ المدينة القديمة، المبللة بآثار مطر الصباح. وفيما الشمسُ تجفف الأرضَ بلهيب أشعتها، كانت آخرُ الذكريات تتبخّرُ أيضاً من رأس السيّدة السورية، الملموم الشعر بشالٍ قاتم اللون.. ذكريات، ما انفّكت صوَرُها تُضفي على سحنتها هيئة كدَرٍ وتوتر مذ انطلاقها من مقرّ إقامتها الفندقية. الصورة الأحدث ولا غرو، جعلت الابتسامة تشرق من جديد على قسمات وجهها: رجل متسوّل، من الصعب التكهّن بعُمره الحقيقيّ، كانَ قد أعترض سيارتها في أحد منعطفات طريق الملّاح، الضيّقة، هاتفاً متوسلاً وهوَ يلمس زجاجَ المقعد الأمامي بيده المسودّة المشعّرة، الشبيهة بقائمة ماعز: " صدقة لله، مدام..! ".
" الرانج روفر "، عبرَت صفَّ المقاهي المتلاصقة عند مدخل باب أغمات، الممتلئة أرصفتها بالرواد، عبرتها مثيرةً الغبارَ والفضول. هنالك في مقابل مقرّ المقاطعة، تريثت السيارة ثوانٍ لتسألَ " زين " أحدَ رجال الشرطة عن المكان المقصود. تقدّمَ الرجلُ من مواطنته الحسناء، غير عابئ بسيل المركبات، المنطلقة كطلقات نارية عشوائية: " أول دخلة إلى اليمين، ثم باتجاه مستقيم إلى نهاية الدرب "، قال لها مائلاً نحوها بوجهه الشاحب وعينيه الفحميتين، المتراقص فيهما أوارُ الرغبة المكبوتة. انسابت السيارة في ذلك الدرب المستقيم مثل راحة اليد، مكبوحة السرعة بقدر الإمكان. ولو أنّ الخانمَ دققت النظرَ في المرأة السمراء الطويلة القامة، التي عبرت موقفها للتوّ، لأمكنها أن تعرف فيها " خولة "؛ أم تلك الفتاة المسكينة، التي أُنقذت من أسر القصر القائم كالهولة في بادية الضاحية. هناك إذاً، في مدخل الدرب المستقيم، يقوم منزلها الأشبه بالرياض والذي ورثته عن أبيها.
ساعة على الأثر، ثم فوجئت " سوسن خانم " بمرأى المرأة الملولة وسط زحمة المشيعين، ثمة أمام المسجد الكبير، المحتضن صحنه بعضَ أضرحة أفراد الأسرة المالكة. أومأت إليها الأمّ عن بعد، معبّرةً بابتسامة حيية عن ردة فعلها حيالَ المصادفة السعيدة. ولم يكن بالوسع تبادل غير تلك الإيماءة، بالنظر للهياج المجتاح الخلق مع خروج جنازة الأميرة من المسجد. أندفعَ هؤلاء العوام، المتزاحمون في الساحة الصغيرة والدروب المفتوحة عليها، بغيَة المساعدة بحمل الجثمان، الملفوف بالراية السوداء العلوية، المزركشة بالشهادتين. إلا أنّ رجال الشرطة دفعوهم بعيداً في فظاظة، ليفُسَح المجال لعبور الموكب الحزين على وقع التكبير والتهليل. ما أن سار الموكبُ خطواتٍ قليلة باتجاه الدرب المؤدي إلى الحديقة الخارجية للمسجد، أين يثوي أقارب الراحلة في أضرحة رخامية مُعتبرَة، إلا وتوقف من جديد. فعلى حين غرّة، اندفعت فتاة صغيرة السنّ من خلال الصفوف، لتعترض الجنازة صارخة في هياج بكلماتٍ لم تفهمها السيّدة السورية. عينا هذه الأخيرة، في المقابل، اتسعتا دهشةً حينَ تابعت الحركة التالية للفتاة: همدت مباشرةً قدام الجثمان المحمول، متخذةً وضعية السجود بحيث أن رأسها ألتصق بالأرض.
" أرجوكم، إنها ابنتي..! "، راحت إحداهن تصرخُ بجنون من بين صفوف المشيعين ثم ما لبثت أن رمت نفسها على الفتاة. عند ذلك، تمكنت الخانم مرة أخرى من تمييز سحنة " خولة ". بلى، لقد كانت تلك ابنتها الوحيدة والتي لاحَ أنّ نوبة صَرع دهمتها فيما كانت ساجدة على الأرض. أخلى رجالُ الشرطة طريقاً للسيّدة الأجنبية، متهيّبين من مظهرها المُبهر بما تألق فيه من مجوهراتٍ يخطف نورها الأبصار والأفئدة. فما هيَ إلا دقيقة، وكانت تتقدّم إلى ناحية " الرانج روفر " بخطى عجولة، متبوعةً بالمرافقة والأم اللاهثة، المحتملة بين يديها ابنتها التعسة. قطعوا المسافة الهينة إلى السيارة، بينما الفتاة ما تفتأ تشدّ بقبضتها على زهرة بيضاء؛ منتزعة من موكب التشييع، أو ربما كانت قد قدمت بها خصيصاً للمناسبة الحزينة.
لما كانت تهمّ بالسير، متقدمةً جماعتها باتجاه " الرانج روفر "، لاحظت الخانم أنّ بعض السيّدات رمقنها بنظرات متهكّمة. كنّ كما لو أنهن ينظرن إلى مراسم تشييع موازية، هزلية، يقوم بها عدد من المهرجين. أولئك النسوة، كنّ من صويحباتها سابقاً؛ تعرفت على أغلبهن عن طريق الأميرة الراحلة بالذات. وكن قد بقين ينظرن بفخر إلى صداقة السيّدة السورية، لحين أن تورطت " شيرين "، شقيقة سكرتيرها السابق، في جريمة قتل المقيم الفرنسيّ. عندئذٍ قلبن للسيّدة ظهرَ المجن، وكان ذلك بتشجيع من " للّا عفيفة " كما سبقَ واعترفت هذه الأخيرة. إلا أنهن عدنَ للاتصال بالسيّدة السورية، بعدما عرفن حظوتها مجدداً بصداقة المرأة الراحلة في خلال أواخر أيامها. قبل قليل، كن يندبنها مُسهبات في ذكر محاسنها وسط الدموع وشهقات النحيب. من ناحيتها، وبالرغم من صدق حزنها، بقيت الخانم رابطةَ الجأش، عزيزة الدمع، لدرجة أن رموش عينيها بقيت متألقة بالكحل.
رجعت " الرانج روفر " بالمرأتين إلى المدينة، وكان المساءُ قد حلّ سريعاً مع انحسار طفيفٍ لدرجات الحرارة. كون " سوسن خانم " ما تني متأثرة من موضوع البنت المريضة، علاوة على موت الأميرة، فإنها اقترحت على المرافقة أن يمضيا بعضَ الوقت في أحد مقاهي غيليز. ولكنها غيّرت رأيها، ما أن بدأت السيارة باختراق ساحة جامع الفنا في غمرة أضوائها وضوضائها. رُكِنت السيارة عند أحد مداخل الساحة، ثمّ اتجهت المرأتان نحوَ مقهى السطح الكبير لتناول القهوة والمرطبات. هنالك على ترّاس المقهى الأعلى، المتلاعب به الهواء المنعش، والمشرف على المشهد الملحميّ بكائناته وموجوداته ـ هنالك تخففَ بعضُ ما شعرت به " سوسن خانم " من ضيق في النفس، مردّه ذينك السببين المعلومين. كان على الطاولة منفضة سجائر، شاءت الخانم أن تضع فيها زهرةَ قرنفل، بيضاء بضّة. انتبهت " زين " إلى يد معلّمتها، المرتجفة نوعاً. فما كان منها، فجأة، سوى مسك تلك اليد وتقبيلها. فعلت ذلك بلمحةٍ، حتى أنّ أحداً ممن يحيط بهما لم ينتبه للحركة. ابتسمت لها الخانم في كثير من الود، محاولةً كبحَ دمعةٍ تترقرق في عينها: " أتعلمين..؟ "، ابتدأت تخاطب الفتاة في رقة " إنّ الموت هوَ ما يجعلنا متسامحين مع بعضنا البعض. خذي مثلاً، الأميرة: إنها كانت سيئة الحظ مع كلّ غناها وجاهها. ذلك كان بسبب ابنتها.. "
" ابنتها؟ "، قاطعتها المرافقة مستغربة. ترددت معلّمتها قليلاً، قبل أن توضح بالقول: " بلى، إنها تعيش على غالب الظن مع أبيها الفرنسيّ في باريس. أظنها الآنَ في مثل سنّك أو أصغر قليلاً. إنها حكاية شائكة التفاصيل، وربما أعود ثانيةً لها في مناسبات أخرى ". قالت ذلك، ثم مدت يدها إلى الزهرة تلقائياً فتناولتها وراحت تشمها. استعادت إذاك منظرَ البنت المسكينة، آنَ كانت تقدّم لها القرنفلة محمرّة الوجه خجلاً.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,913,548,728
- إلِكْترا: الفصل الخامس 2
- إلِكْترا: الفصل الخامس 1
- إلِكْترا: الفصل الرابع 5
- إلِكْترا: الفصل الرابع 4
- سيرَة أُخرى 68
- إلِكْترا: الفصل الرابع 3
- إلِكْترا: الفصل الرابع 2
- إلِكْترا: الفصل الرابع 1
- إلِكْترا: الفصل الثالث 5
- إلِكْترا: الفصل الثالث 4
- إلِكْترا: الفصل الثالث 3
- سماءٌ منشقّة
- إلِكْترا: الفصل الثالث 2
- إلِكْترا: الفصل الثالث 1
- هيتشكوك المصريّ؛ مقاربة لأحد أفلامه
- إلِكْترا: الفصل الثاني 5
- إلِكْترا: الفصل الثاني 4
- إلِكْترا: الفصل الثاني 3
- إلِكْترا: الفصل الثاني 2
- إلِكْترا: الفصل الثاني 1


المزيد.....




- أحمد الشرعي يكتب: رمزية الالتزام
- التسريبات الأولى من كتاب الممثلة الإباحية المعتزلة كلوفورد ع ...
- رحيل الفنان المصري القدير جميل راتب عن عمر يناهز 92 عاما
- تونس ضيف شرف مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية
- وفاة جميل راتب كشفت انتماءه الديني
- الموت يغيب الفنان المصري جميل راتب عن عمر 92 عاما
- رحيل الفنان المصري القدير جميل راتب عن عمر يناهز 92 عاما
- رحيل الفنان المصري جميل راتب
- رحيل الفنان المصري جميل راتب بعد صراع طويل مع المرض
- اللحظات الأخيرة ووصية الفنان الراحل جميل راتب


المزيد.....

- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الخامس 3