أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الأحمد - اسرار القراءة في رواية دمه















المزيد.....

اسرار القراءة في رواية دمه


محمد الأحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5825 - 2018 / 3 / 24 - 14:32
المحور: الادب والفن
    


اسرار القراءة

غالباً ما يتَعمَّدَ الروائيون الكبار خوضَ مغامرة الرواية التاريخية، كتحدّي كبيرِ منهم كي يبرزوا قوة تمثلهم السردي، وتعميق وجهات نظرهم، حيث يُراد من الكتابة التاريخية أن تحمل رسالتها الاهم بين رسائل عصرها وتكشف تفهّم الروائي البين لحركة التاريخ، وآلياته الايدلوجية، ببلاغة درسه.. ثمة غايات تكشفها، وتترك شفراتها داخل المتن الروائي حتى يبقى عملاً مهماً بين سرديات أهل الارض.
ومن المعلوم ان الرواية التاريخية حفر معلوماتي في متون واسفار ونصوص التراث لأجل اماطة اللثام عن وجهة نظر جديدة. حيث الكتابة التأريخية تشبه إعادة نظر فيما التبس من أمر، كما تقول معادلة الروائي المكسيكي "كارلوس فونتيس": - "ان الروائي يقول ما يحجبهُ التاريخ"، يحقق جدليتها عندما ينطلق من نقطة حاسمة عند التحول التاريخي، ويعيد كتابتها، أي تمثلها بروايته من جديد، وينظمها وفق رؤيته الدقيقة بقول الحقيقة.
تعود بنا رواية دمه للكاتب العراقي محمد الأحمد الصادرة عن دار فضاءات الاردنية 2018م الى سنة 119 هجرية، وهو عام بدء التدوين العربي، وقبلها لم يكن الحرف العربي قد عرف النقطة رسمياً، إلّا عندما أقرّ البيت الأموي وضعها لتميّز حروفنا العربية عن بعضها، وازالة ذلك التشابه؛ هنا يمكن القول: انها تناولت فترة تاريخية مهمة من العصر الاموي المتأخر.. عصر الخليفة "هشام بن عبد الملك". وتكشف احداثها انها تغلغلت الى ديوان الحكم، وراحت تصف بدقة التمثل السردي لوجه ذلك العهد، الذي تمظهر فيه الإستبداد واضحا وجلياً في متون تلك الغرف السرية وعلاقاتها المعقدة.
متانة سردها جعلتنا نقيّم بأنها جديرة لتكون بين أهم وابرز الروايات التاريخية العربية، النادرة مثل رواية "الزيني بركات" للروائي المصري "جمال الغيطاني" ورواية "سمرقند" للروائي اللبناني "أمين معلوف"، ورواية "موت صغير" للروائي السعودي "محمد حسن علوان" وبعضاً من روايات السوري "جرجي زيدان" التي نهجت الدرس التعليمي الشاخص.
وكلما كان الروائي متمكناً من أدواته الفنية يكون مقنعاً في وجهة نظره، فهو يستطيع نقل لنا تلك النظرة الجدية، إعادة النظر فيها كعلامة تستحق ان ترتقي روايته الى مصاف الروايات العالمية المنجزة بأقلام روائيين محترفين. فيبلغ مآربه بنجاح، ويثبت قوله وفق ما استحق ان يُرى.. كون المغامرة التأريخية شاقة وشائكة وتتطلب من كاتبها الاعتماد على مصادر عديدة، وغالبا ما تكون تلك المصادر متشابهة بمكان ومتناقضة بمكان، أي أنها تناقض بعضها البعض، حيث اصل المصدر للحدث التاريخي المدون قد اختلف عليه الكارهون والمحبون، وتكون مهمة الروائي عسيرة، جداً، لأنها مهمة الرواية الأهم، وسرّ ابداعها يكمن بانها تخوض في مجاهل تلك المراجع العديدة والمتنوعة لتقدم المعلومة التي تنفرد بها وتستحق الاهتمام، كونها رواية احداث مشوقة، اعتمدت الكثافة والاختزال، ولعلها لا تترك القارئ ان ينفك منها الا وهو يدخل الفصل تلو الاخر، (تحتاج الى قارئ حصيف فطن يربط بين تلك الفصول الصغيرة) كونها رواية معرفية تكشف عن ذاتها في كل مفصل من مفاصلها حسب تعبير "ميشيل فوكو".
الرواية سهلة القراءة وهي منجزة في ثمانية فصول، كل مفصل مقسم الى اجزاء صغيرة كل جزء له ارتباط بنظير له من الفصل التالي، يكمله بنظام فكري متماسك يعتمد الصور السردية، علاقات كلية تثبت وجود وظائف تعتمد بعضها على بعض.. اختار لها مؤلفها بدراية العارف ان تبْتَدِأ من بعد صلاة المغرب يلحقها مخطوط وصلاة العشاء، ويلحقها مخطوط، ومن ثم صلاة الفجر في التالي، ويلحقها مخطوط موت الوالي السابق على يد الوالي اللاحق.. كانه يعيد علينا انقلابا سياسياً قضي فيه الحاكم اللاحق على الحاكم السابق. حيث يمكننا القول بانها رواية يحقق فيها الناقد الاكاديمي المُسلّح بمنهجٍ قويمٍ أكثر من وقفه ليستظهر من خلال النص نموذجه، لأجل ان يستنهض به اكثر من سؤال، ومن بعد يقيم اسئلة اخرى، مثلما التناقض بين الحاكمين، ومن يدعهم.
امتازت رواية دمه ببلاغتها، بعد أن دونت لغة ذلك العصر، وتمثلت التاريخ جيداً، وكأنها مرجع بين المراجع المهمة عن ذلك العصر. ولم تكن خالية من معلومة تخصها، وتنفرد بها. فلا يتهاون معها القارئ الحصيف، ولا يعدها رواية عابرة، تلك المعلومة المسردة في متنها هي علامة تميزها بين الرواية، وايضا ليس من السهل ان تقنعنا رواية مالم تحقق جملة شروط، فالرواية ليست فن السرد العشوائي، وانما فن السرد المضمر، فكشفت عن مركزية السياسة، والايدلوجية الحاكمة. فتكون "دمه" بفصولها الدقيقة قد أخذتنا الى متون فصولها، بتشويق لنعرف ما الذي حدث في ليلة العيد، المشؤومة تلك. فالرواية "دمه" برغم قصرها امتيازها بغزارة معرفيتها التاريخية فدخلت مخدع الوالي، كسردية دقيقة كاشفة عن طريق التفكير، والدوافع الحقيقية لأسرار تلك الليلة.
وقد اخترقت مصادر عديدة؛ إذ تغيبت تلك الاسباب الحقيقية لذلك القتل المريع بين اغلب تلك المصادر الشهيرة، فلم يتبين السبب الحقيقي والدافع المباشر لتقديم "الجعد بن درهم" كأضحية يوم العيد بسيف والي العراق "خالد بن عبد الله البجلي القسري"، اذ كشفت الرواية عن الحدث من خلال البحث في مراجع عديدة وشهيرة، السبب الحقيقي لحادثة الذبح على يد الوالي، بعد أن كان واقعا تحت ضغوط مباشرة من الخليفة "هشام بن عبد الملك"، وتكون تلك الحادثة قد اعطته حياة جديدة، واستمرارية في مواصلة تسنمه منصب والي العراق كأنه ذا نزعة اسطورية، وايضا ربما اعطته بقية السنوات التي عاشها فيما بعد، مضحياً بحياة والدته، وجاعلاً للموضوع سببا أخرا وهو التأويل لكلام الله مثلما ابرزته الكتب العاجلة، متحججا بان تقوّل مفسراً كلام الله وفق ما يريد، وحكم عليه بالموت لذلك السبب، بينما نجد ان الرواية كشفت ان موت "الجعد" قد مدّ بالحياة الى "الوالي"، ولو لم يقتله في تلك الليلة، ولدفع عوضا عنه رقبته.
فهي قضية سياسية مليئة بالأسرار كشفت عنها الرواية بامتياز على انها قضية تكفير، وقتل من أجل ذلك التمرد في التفكير.. حيث تلك المسالة كانت حاضرة في اغلب المراجع العربية المعروفة واشهرها البيت الشعري المنسب الى "يزيد بن معاوية "الذي كان يقول فيه "لعبت هاشم في الملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل" كما نقلها ابن الاثير في كتاب (البداية والنهاية) ج8 ص192، وايضا لدى صاحب كتاب (اعلام النساء ج1 ص504).
رواية ذات بعد معرفي شملت التأويل بعد أن تعددت فيها الأصوات، وتبادلت فيها الأدوار، ولم تكن حكايته لأجل التسلية كأنما مواويل ليل طويل؛ فقارئ الرواية يجد نفسه انه أمام حكاية يُحكيها حكّاء جوّال بين ضواحي "نيسابور" فوق ظهر حماره، شقيق الذبيح، وهو يروي عن نيسابوري ذبحه الطغيان السياسي بعد ان اعتبره من الخوارج.
‏19‏-آذار‏-18




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,752,237,071
- عن -أمير الحلاج- ايضاً
- قامة عبد الستار نصر
- كلب -فرانز كافكا- الذي يكره النباح ولكنه داع الى الثورة
- كأسك ليس بملآن
- يصارعوك كي لا ينتصر عليهم شكهم.
- حتى حماري ينصح كل صاحب لي
- كن كحمار الحكيم حكيما
- حماري الحكيم الناصح
- حدثنا بائع الفشافيش الباحث عن فصوص لاليء التحشيش
- غيمة الحزن بالف عام
- الشوقُ يفتح الحسّ، وهو مطلعُ الشعر..
- الحب
- عن كتاب قرار محكمةُ الأنفال
- الشاعر
- حكاية الآسرة
- نصفُ الخبرُ؛ متاهة القراءة، النص، واحضار بقيته الغائبة من مت ...
- عن سأسأة طه حامد الشبيب
- ليلة أخرى
- ما رواه ميثم - ليلة صيربيا
- لا جديد في غياب الأوكسجين


المزيد.....




- بسبب كورونا.. مسؤول ألماني ينتقد الثقافة الغذائية في آسيا 
- الشاعر ناصر رباح: الشعراء يستحضرون القضية الفلسطينية من خلال ...
- أول فنانة سورية تعلن إصابتها بفيروس كورونا
- كورونا يحول دون حضور الفنانين جنازة جورج سيدهم
- هناء نصور.. أول فنانة سورية تعلن إصابتها بكورونا
- أول فنانة سورية تعلن إصابتها بفيروس كورونا المستجد
- من رعي الأغنام إلى العالمية.. لقاء خاص مع فنان -الأفيش- شمس ...
- السيسي يرسل برقية عزاء لأسرة الفنان الراحل جورج سيدهم
- حين سببت زيوت مسمومة موت وشلل آلاف المغاربة.. رواية حديثة تع ...
- نتفليكس بارتي.. فرصة لمشاهدة الأفلام عن بعد مع الأصدقاء والع ...


المزيد.....

- البحث المسرحي بين دراماتورجيا الكتابة والنقد المقارن / أبو الحسن سلام
- رواية الملكة ودمعة الجب كاملة / بلال مقبل الهيتي
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- الأسلوبية في السينما الغربية / جواد بشارة
- مقالات في الرواية والقصة / محمود شاهين
- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل
- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الأحمد - اسرار القراءة في رواية دمه