أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - فوزية وأمّ الشال/ قصة














المزيد.....

فوزية وأمّ الشال/ قصة


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 5718 - 2017 / 12 / 5 - 14:38
المحور: الادب والفن
    


وقفت أتفرج مثل الآخرين، غير أنني لم أضحك كما فعلوا، ولم أتفوه بأية كلمة يُستدل منها أنني راضٍ عما يدور أمامي. إنها مهزلة مبكية ومع ذلك فإن الآخرين يضحكون، ولا أدري لماذا يضحكون!
فوزية هي السبب، فهي لا تحسب للعادات المرعية حساباً، كما تفعل بعض النسوة الحاذقات اللواتي يتظاهرن أمام خلق الله بأنهن الأكثر عفة، دون أن يكون ذلك بالضرورة صحيحاً، أما فوزية، فالتظاهر بما ليس فيها أمر لا يعنيها بتاتاً، ولذلك، فهي غالباً ما تجرّ على نفسها متاعب، يمكنها أن تستغني عنها لو استعانت بشيء من الحذق واللباقة.
حينما دخلت ظهيرة ذلك اليوم حافلة الركاب، بدا واضحاً من العلكة التي تلوكها باستهتار، ومن الأصباغ الفاقعة على خديها، ومن اهتزازات ثدييها تحت بلوزة شفافة برتقالية اللون، أن يومنا هذا لن يمر دون مفاجأة ما، فقد اشرأبت أعناق الركاب كلهم تقريباً نحو فوزية، وكادت عيونهم أن تأكلها وهي تكشف بوضوح عما في نفوسهم من مشاعر متضاربة تجمع بين التقزز والشهوة والرغبة في القمع والإيذاء، فكأنهم بذلك يفضحون عالماً خفياً من الاستيهامات المكبوتة التي تشكل إدانة جلية لهذا الزمان وأهله معاً.
تأكدتُ من ذلك، حينما تعطلت الحافلة بعد انطلاقة لم تدم طويلاً على أية حال، أمرنا السائق أن نهبط منها إلى حين الإتصال بالشركة لإحضار حافلة أخرى تقلنا إلى أماكن سكنانا. هبطنا من الحافلة، وقفت على حافة الرصيف أستظلّ من شمس آب بصحيفة يومية جعلتها فوق رأسي، أبصرت فوزية تتعجل النزول من الحافلة، والآخرون يحدجونها بنظرات عارية، بعد أن أيقنوا أنها واحدة من نساء الشوارع، ويبدو أنها استرابت وتحرجت من ذلك، ما جعلها تدفع بذراعيها العاريتين، امرأةَ تتلكأ أمامها وهي تتلفع بشال أسود في عز الصيف. انزلقت قدم المرأة، وقبل أن تعتذر فوزية (إذ نمّت ملامحها عن نيتها في الاعتذار) انشرط الكيس الورقي الذي كان في يد المرأة ذات الشال، وتساقطت منه حبات بندورة ذابلة فوق الرصيف، هوت قدم فوزية (بدافع العجلة وليس الاستهتار كما أعتقد) فوق حبة بندورة فانهرست، فاستشاطت أم الشال غضباً، ودفعت فوزية بعيداً بحركة من ذراعها، ثم انهمكت تلملم حبات البندورة المتساقطة، غير أن فوزية وجدت المسألة (كما يبدو) قابلة للدعابة، خصوصاً وأن قاطع التذاكر تفوه ببضع كلمات ساخرة حول الموقف، فضربت بقدمها حبة بندورة (ذكرتني بمباراة هزيلة بكرة القدم) راحت تتدحرج بعيداً فوق الرصيف وهي تنثر من بطنها سائلاً لزجاً، وهنا لم تعد أم الشال تحتمل مزيداً من المناكفات مهما كان القصد منها، فأطبقت يدها بعنف على خصر فوزية (سقط شالها على الرصيف، وأصبحت مثل اللبؤة مع أن ملامحها قبل لحظات كانت تنم عن طيبة مفرطة) وهجمت عليها، ثم عضتها في إبطها وهي تزمجر غاضبة.
تملصت فوزية منها، ووجهها محتقن من أثر العضّة. تحلق الآخرون حول المرأتين وراحوا يرقبون الاقتتال، وهم ينثرون تعليقات ساخرة بين الحين والآخر.
وحينما سمعت فوزية من يحرضها على استخدام مهارتها في الكراتيه (أسهم قاطع التذاكر في التحريض إسهاماً ملحوظاً، لأنه يعرف مواهب فوزية منذ سنوات، فهو من المتسكعين المعروفين في ليل المدينة) ابتعدت قليلاً الى الوراء، نفضت قدمها في اتجاه أم الشال على أمل أن تلحق بها ضربة قاضية، غير أن أم الشال تراجعت خطوة (حدث التراجع دون تخطيط مسبق، ولم يكن تعبيراً عن دربة في خوض المعارك، ولا علاقة له بمشاهدة برامج المصارعة في التلفاز، لأن أم الشال لا تملك تلفازاً في الأصل) فتعلقت ساق فوزية في الفضاء أكثر مما ينبغي، فسقطت على الرصيف بعد أن اختل توازنها، وعلا ضحك الآخرين، (بعضهم سالت الدموع من عينيه من فرط الضحك) نهضت فوزية وهي تتلمس قفاها في ألم، تلفتت حولها في حرج، اعترت وجهها تقلصات حادة مثيرة للشفقة، ثم ما لبثت أن أجهشت بالبكاء.
شرعت أم الشال تلتقط حبات البندورة المتناثرة على الرصيف، وهي تتمتم بكلام غامض يثير الرهبة والأسى في النفوس، خيم صمت مفاجىء على الآخرين. (يبدو أنهم أدركوا أخيراً أن الموقف ما عاد يحتمل السخرية والضحك)
قلت يجب أن أفعل شيئاً، إذ لا ينبغي أن أستمر في وقفتي هذه مثل شيطان أخرس، كشفت رأسي لشمس آب، تهيأت للقول، غير أن أنظار الجميع انشدت إلى حافلة فارغة، جاءت على عجل، فانسربوا داخلها وهم يتزاحمون بالمناكب والأيدي.
ساعدتُ أم الشال في التقاط آخر حبتين من البندورة فوق الرصيف، نظرت إليّ بامتنان، وأطلقت لسانها يلهج لي بالدعاء، فاستراحت نفسي لهذا المكسب الصغير، ثم ولجت إلى الحافلة أبحث عن فوزية لعلي أعقد صلحاً بينها وبين أم الشال، فلم أعثر لها على أثر هناك. كانت قد غادرتنا إلى شوارع المدينة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,602,594,557
- غلالة وردية/ قصة
- عن القدس والسينما/ مقالة
- أحد عشر قطًّا/ قصة
- بيت الأخت/ قصة
- عائد من الحرب/ قصة
- له قلب طفل/ قصة
- الوالدة العزيزة/ قصة
- خاصرة العروس/ قصة
- تحت ضوء الثريّات/ قصة
- ثدي الأم/ قصة
- مطر متأخر/ قصة
- قماش ملون/ قصة
- قحط/ قصة
- قطٌّ شريد/ قصة
- ضياء شاحب/ قصة
- لا مكان للقطة/ قصة
- مارتا التي تشبه العصفورة/ قصة
- خوف متبادل/ قصة
- في الغابة ومعنا الطفل/ قصة
- عادات أسرية/ قصة


المزيد.....




- بوريطة يستقبل السفير الجديد للجزائر
- بالصور: لقطات مدهشة في مسابقة كوميديا الحياة البرية 2019
- -بهيمة- بلافريج تثير النواب وتخلق ضجة في البرلمان
- منتدى بطرسبورغ الثقافي الدولي الثامن يبدأ فعالياته اليوم
- الابن الاكبر لديفيد بيكهام يواعد الممثلة نيكولا بيلتز
- رئيس السنغال يتسلم بطنجة الجائزة الكبرى ميدايز 2019
- الطيب البكوش: قمة ستجمع رؤساء دول المغرب العربي قريبا
- فنان تركي يمزج بين الأيقونات الفنية التاريخية والعالم الحديث ...
- افتتاح منتدى بطرسبورغ الثقافي الدولي الثامن ملتقى الفن والثق ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الخميس


المزيد.....

- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني
- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - فوزية وأمّ الشال/ قصة