أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد العليمى - من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة















المزيد.....



من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة


سعيد العليمى
الحوار المتمدن-العدد: 5711 - 2017 / 11 / 27 - 22:50
المحور: الادب والفن
    


رواية عشاق افينيون
بقلم الزا تريوليه
تقديم ابراهيم فتحى
ترجمة سعيد العليمى


مقدمة الرواية

الشعر والرواية والتاريخ

تبدأ الشاعرة "إلزا تريوليه" روايتها القصيرة " عشاق أفينيون" بتأكيد حضورها الشخصى وحبها للبطلة ، وهى تعلن عن هذا الحضور فى مواضع أخرى ذات دلالة من الرواية . وفى النهاية تنزل الستار على الأحداث بكلمات تسجل تاريخ الكتابة فى فبراير 1943 قائلة : أنها تترك لحركة التاريخ ان تسبق أغنيتها الى هدفها . فالكاتبة تريد من البداية أن تضع قصتها المتخيلة ( أو أغنية الحب كما تسميها ) فى قلب الواقع ، وهى لا تريد من القارئ ، الذى تخاطبة باعتبارها " إلزا تريوليه" مباشرة كما لو كان حاضرا أمامها ، أن ينسى المؤلفة وهو يتابع حياة البطلة ، أو ينسى نفسه مع البطلة والمؤلفة .

فالمؤلفة تقول فى مقدمة كتبتها بعد ما يزيد على عشرين عاما (1964) أنها تخيلت قصة عاشقى أفينيون ، أى قصة " جولييت" و"سلستان" بل وحلمت بها بين أمواج المشهد الواقعى لحياتها هى أثناء المقاومة" لقد وضعت قدمى " جولييت"الصغيرتين داخل آثار خطواتى ".

جولييت نويل :
ومن هى هذه البطلة ؟
تؤكد " إلزا" فى المقدمة التى جاءت بعد أعوام أن " جولييت" فتاة كالأخريات ، بل وتصفها بأنها عادية تافهة مبتذلة ، مثل الكثيرات فى الأوقات العادية التافهة المبتذلة . وتكاد أن تكون تكثيفا لخصائص آلاف من الفتيات وأحلامهن ... بائعات وكاتبات على الآلة الكاتبة ومدرسات للأطفال وعاملات فى مشاغل الخياطة والتطريز ممرضات و.......... وهى تبدو كأنها خرجت لتوها من بين الصفحات المصورة لمجلة نسائية . وما أكبر الدور الذى يلعبة " الحب" وأغانيه وقصصه الحزينة فى رؤس هؤلاء الفتيات ، وفى قلوبهن وطرائقهن فى المشى وفى أرتداء الثياب ... وخلعها ، ثم فى تأوهاتهن ودموعهن .

و"إلزا" تكسر الايهام الروائى عامدة ، وتستخدم أسماء الشخصيات مطابقة لدلاتها على نحو يذكرنا بالحكايات الشعبية فهى تسمى بطلتها جولييت نويل ، جولييت التى أصبح أسمها مرادفا للحياة والموت من أجل الحب . ونويل أى عيد ميلاد المسيح ، معجزة طهر وخلاص وأمل . فالرواية تدور كلها أيام أعياد الميلاد فى فرنسا عام 1943 عند منعطف حاد لحركة المقاومة ضد النازى ، وتلاحم صفوف المناضلين من شيوعيين وديجوليين وديمقراطيين ، وميلاد الانتفاضة .

ولم تعد الأيام عادية تافهة مبتذلة ، فقد عصفت الاحداث بالتفاهة والابتذال وكشفت فى الفتيات المنذورات للعبة الحب الصغيرة عن منابع حب آخر عميق رائع وبطولة لم يكن من المستطاع أن يتخيل أحد حتى مجرد امكانها . فكل الناس العاديين أحاط بهم وضع خانق فى أسر الاحتلال الاجنبى والمتعاونين معه ، وهو وضع للأشياء من المتعذر مواصلة تحمله كما تقول المؤلفة ، أصبح الخطر والمخاطرة خيوطا معتادة فى نسيج الحياة اليومية العادية .

وتتخذ جولييت لنفسها فى المقاومة اسما آخر تخفى به عن العدو شخصيتها ، فتختار "روزتوسان" أو وردة جميع القديسين ، تألق العذراى والشهداء بالمجد وسط الجلادين ، ففى المعنى الصوفى تصير ألوان الورد ألوانا للعذارى ودم الشهداء والشهيدات .

أما اسم الحبيب الموعود فى الرواية " سلستان " فينتسب الى عالم السماء فى دلالته اللفظية المباشرة ، وهو ضابط ديجولى يعمل فى تنسيق الكفاح مع الشيوعيين ويرى أبعد من اللحظة الراهنة ، وهو أكثر سموا من قادة تنظيمية وأكثر تحررا من ضيق أفقهم ... ويرى الشيوعيين حزب الشهداء الذى صدت صدور أبطاله رصاص العدو ، وليس من الممكن تصور مستقبل فرنسا دون التحالف معهم .

وتصف المؤلفة وجه" سلستان " بأنه يشبه وجه كبير الملائكة ... بعد السقوط .

والمؤلفة ليست من السذاجة بحيث تختزل الشخصيات الى رموز مجردة ، ولكنها تومئ الى عنقود صور نموذجية تحيا فى وجداننا بمقدار ما تحيا فى التراث الادبى والثقافى . وهى تستخدم تلك الصور النموذجية لكى تخرج شخصيات روايتها وأفعالهم والاحداث التى يواجهونها من نطاق بقعة محلية وفترة زمنية محددة ، الى آفاق لحظة تاريخية شاملة . وتلك اللحظة التاريخية هى تجل لعملية صراع بين تيارين ، بين مبدأين أساسين للحركة الاجتماعية ، ولصياغة روح الانسان ، وهى تجسيد لمواقعهما الفعلية فى معركة حياة أو موت تمتد جذورها الى الماضى وتستشرق آفاق غد يظل فى صيرورة دائمة . ولا تمثل الصور الشعرية النموذجية عند المؤلفة أشياء ثابتة جامدة .

الطابع الشعرى :
وقد نرى على سطح "عشاق أفينيون" أنها تتابع وهما استقر فى الظنون عن الطابع الشعرى للأعمال القصصية النثرية .. وهذا الوهم يتخيل أن الطابع الشعرى يدور على لحظات الاشراق والصفاء والانفعال العميق ويترك للرواية أو القصة "الواقعية " تناول غثاء اللحظات العادية اللصيقة بالارض وانفعالاتها الرمادية . والبطلة الساذجة "جولييت" تشارك فى هذا الوهم عن لحظات الاشراق والتحليق .

فالحب عند جولييت الصغيرة تفصله عن روتين الحياة أسوار وأسوار وهى تعيشة باعتباره وجدا مقدسا ، وذكرى فردوس ضائع وحنينا اليه ، يمارسه كهنته وكاهناته ، المطربون والمطربات ونجوم السينما وأبطال الروايات الغرامية ، فى هياكل نائية . فالحب بأكمله يحلق متعاليا على المجرى المعتاد لحياتها ، كما يقع " التاريخ "خارج نطاق هذا المجرى المعتاد ، ويصنع داخل أماكن عالية بعيدة : قلاع وأرض معارك وفرسان وثكنات ومبان مسورة محظور دخولها ، وفى لحظات متوهجة متألقة .

ولكن المؤلفة تستخدم المنطق الداخلى للرواية لكى تقول شيئا مغايرا.

فهى لا تلعب اللعبة السهلة السطحية ، لعبة اصطناع حيل شكلية للمزاوجة بين لحظات الانفعال العميق المشرقة المجيدة واللحظات العادية ، من خلال ترتيب أجزاء الرواية فى تتابعها ترتيبا ايقاعيا يضع فى اعتباره النغمة الانفعالية لكل جزء تآلفا وتضادا وفقا لمعادلة حسابية . بل أن الطابع الشعرى لعشاق أفينون ينبع من ارتياد التوتر بين الامكان والواقع فى " اللحظة التاريخية " – لا بمعنى التاريخ المكتوب على الجرائد اليومية – لاحداثها ولكتابتها وتلك اللحظة هى البعث الشعرى فى فرنسا . لقد قفز الشعر فيها الى مكان الصدارة بين الانواع الادبية ( وليس الشعر هنا هو ذلك الطلاء اللفظى الصارخ اللزج) : فالشعر كان أكثر الوسائط فاعلية للتعبير عن حب فرنسا ، فرنسا الهزيمة والمقاومة فى آن معا ، بعد أن أصبح حبا محرما فى الأشهر المخضبة بالدم . وباعت الدكاكين صنفا ساما مغشوشا منه يجعل حب العدو شرطا لحب الوطن . ويؤكد مؤرخو الأدب فى تلك الفترة – وفى فترات تناظرها فى بلاد مختلفة – أن الشعر كان تعبيرا عن وجدان البطولة عند الافراد العاديين فى حالات وجودهم اليومى الرتيب . فدبابات العدو ( مرئية أو متخيلة) وأساليب بطشه وجرائم المتعاونين معه أكاذيبهم تقيم سورا رهيبا ثقيلا على الصدور ، يحول بين الأفراد العاديين وبين سكنى وطنهم وان كانوا داخله ، لم يبتعدوا خطوة واحدة . ولكى يسترجع الناس بيوتهم ولكى يطردوا منها ما يجثم عليها من غربة ولكى يستأصلوا طابع المنفى فى حضن الزوجة والأم ، كان من المحتم أن يعملوا على تغيير معانى الاشياء النثرية المعتادة .

فالهزيمة ( ولواحقها) قد أغارت على سياق شامل كان يحدد للفرد طابع فرديته ، وكان يغرس تلك الفردية فى " الوقائع" المألوفة داخل المصانع والمكاتب والمنازل والأشياء ، وهى وقائع كان السياق الشامل – أى البنية الطبقية ومستوى توازن القوى المتصارعة داخلها – يحدد لها مداها وعلاقاتها ومعناها .

وبعد أن جعل هذا السياق الهزيمة ممكنة ، لم يعد النصر والسلام مرادفين للعودة اليه فى واقع الهزيمة والتعاون مع العدو ، حين أصبح أفراد طبقات الشعب يحسون بالغربة داخل جلودهم ، أمام محاولات حشو تلك الجلود بالعفن المستورد.

وأصبح الافراد العاديون يحسون فى تمزق وجودهم بأن عليهم ، لانقاذ فرديتهم وذواتهم ومشاعرهم الشخصية ، أن يشتركوا معا فى خلق سياق شامل جديد ، ولو فى الحلم المقتسم بتصور اطار كلى تتنفسى فيه الفردية . ولا يجعل من الهزيمة امكانا وواقعا .

وعلى هذا النحو التقت الفردية الجامحة بجماعية الواجب الوطنى . ووجدت المشاعر الفردية شروط تحققها فى أحضان الوجدان الجماعى ضد العدو وأنصاره . ففى ذلك الوقت كانت عيون الاطفال الموتى – كما يقول أرجوان – تحول بين الفرد وبين صورته فى المرآة ، وكانت الكلمات تأخذ شكل الدموع . وفى تلك الفترة أصبحت الرواية شعرا والروائيون شعراء .. لتحرير فرنسا من نفسها ... من ذاتها القديمة ، التى انتهت الى جنرالات الحكومة الحالية ، حكومة فيشى المتعاونة مع النازى . لقد كانت رواية " عشاق أفينيون " مخطوطا مهربا تدور حوادثها فى نفس الاماكن التى كان الشاعر " أراجون" و"الزا " المؤلفة يناضلان فيها باسمين مستعارين . وكان أراجون فى تلك الايام يحمل الزا فى قلبه كأنها عصفور جريح ، باكيا صارخا فى قصيدته "مامن حب سعيد ".

ونحن نقرأ هذه الرواية القصيرة ، كما نقرأ قصائد أراجون بعد انقضاء الطابع الخاص لفترة الكتابة ، ونرى فيها جميعا ما يستطيع تجاوز تلك الفترة ويحيا فى أيامنا .

الأغنية القصصية الغرامية :

تنتمى جولييت نويل ، كما تنتمى كل جولييت ، الى الاغنيات القصصية التى تدور حول وقدة الهوى ومغامرات الفروسية ( الشعر الرعوى فى المصطلح النقدى ). ومن المعروف أن هذا القالب أصبح مثقلا بالافتعال والتكلف ولا علاقة له بالبساطة الطبيعية التى يدعيها ، ولا بعالم البسطاء ووجدانهم . انه مهرب وهمى من تعقيد حياة الترف والمدينة عند السادة ، يضعون فيه مشاعرهم وقيمهم وصورتهم المتخيلة عن " الانسان الطبيعى " الذى تدور حياته كلها على الحب .

وفى هذا القالب الشعرى الموروث تجسد البطلة جولييت أو غيرها كنوز الطبيعة من شذى ولون ونغم . خصلاتها تتموج والعيون تتألق بالنجوم ونبراتها ان لم تردد الموسيقى الغدران فلابد أن تردد شدو طائرما . و" جولييت نويل" تتحرك فى مشهد عناصره النجوم والفجر والاشجار والغدران ولا بأس من قليل من أوجه القمر أو غناء قبرة على الأقل .

وبطلة روايتنا محاطة " بقوس قزح" وجدانى ، بكل ألون الطيف ، من " كلمات القلب" . فالصغيرة قد أبتلعت كل الخدع التعبيرية المصطلح عليها ، والتى تتراكم تراكما جاهزا اتفق عليه بائعو الاحلام العمومية فى السينما والأغانى . وكلمات الحب وتعبيراته الملونة تهئ بمجرد النطق بها جوا خاصا وانفعالا هشا عابرا رقيقا بلا شكل ، فى لعبة لفظية يعرف الباعة قواعدها وطرائق الغش فيها ، ولا علاقة لاجادتها بوجود المشاعر ولا بعمقها .

ولكن جولييت تعيش داخل هذه الاكذوبة الغنائية الشعرية ، بل أنها تتقمص هذه الأسطورة العاطفية حتى تكاد أن تفقد قوامها النفسى الواقعى ذائبة فيها . فانفعالاتها الخاصة الشخصية قد تشكلت وتلونت وتعرضت للتشوية داخل قالب عاطفى ملتهب يفرضه سياق اجتماعى بارد القلب أو بلا قلب .

لقد كانت جولييت قبل الهزيمة والمقاومة فتاة عادية تافهة مبتذلة ، تنتج العلاقات الرأسمالية أمثالها بالجملة ، تقوم الاساطير الرائجة المعتمدة بالترتيب الداخلى لخبراتها وأعمق استجاباتها ، وبتشكيل عناصر ادراكها وحسها وصبها فى قالب يخدم أهداف المسوخ المهيمنة واستمرار سيطرتها ... وتظل الامكانات الحقة لحياة القلب ضائعة غائبة .

والمؤلفة تقدم لنا منذ السطور الاولى للرواية " جولييت " فى واقع ابتذالها وامكاناتاها الغافية القابلة للتحقق . كأن جولييت ممثلة سينمائية تقوم بدور كاتبة على آلة . والمؤلفة لا تصف لنا منها ملامح مميزة ، بل تكتفى بلمسات تشير الى سحرها وجاذبيتها وهى لمسات تؤمى جميعها الى الرقة والعذوبة وتألق موجات الشعر ووردية الانامل ، طابع حسن وأناقة طبيعية فى رداء متواضع ملتصق بالجسم . الراعية الجميلة أو الريفية الحسناء فى ثيابها البسيطة تنفق عمرها انتظارا للفارس . ولكن الرواية تسلب الراعية السيننمائية سمات مقررة تتعلق بالنهدين والخصر والردفين ومقاييسها المعتمدة ولا تترك لها الا الاستغراق فى الاحلام .

وكما يحدث فى القصيدة الغنائية القصصية ... لابد أن يجئ فارس مزيف وفارس جدير بالتسمية . وفى الرواية يتقدم لجولييت فى السطور الأولى رئيسها الكبير وهو جنرال متقاعد من الفرسان متزوج يعرض عليها منصبا مرموقا هو منصب العشيقة المتفرغة . كما يتقدم رئيس آخر لها . ونكاد نتوهم ان جولييت لا تخضع لاغواء وانها تحتفظ ببكارتها كأنها حصن منيع .

ولكننا نعرف بعد سطور قليلة ان جولييت قبل ان تصل الى العشرين كانت قد تعرضت فى الحب للمهانة والاذلال وانكسار القلب .

وهل تبخل علينا البدائل المعاصرة لقصص الحب الشعرية القديمة أى الفيلم والاغنية والرواية العاطفية بصرخات اللوعة والوجد ؟ ان هذه الاشكال المعاصرة التى تعيش جولييت داخلها أكثر مما تعيش داخل واقعها تبدو لها كأنها رفض للنزعة السوقية الغليظة فى مجتمع يعبد النقود والنجاح التجارى ، وهل كان باأمكان جولييت ان تدرك أن الهرب العاجز الى عالم العواطف الرقيقة الحالمة يعقد صلحا مع شرور العاالم ؟ وهل من الممكن أن يبنى أمثالها أعشاش الحب السعيد على الشجرة الملعونة ، شجرة السباق الاجتماعى القائم ؟

وتننزع " عشاق أفينيون " غشاء الألفة عن أسطورة الحب المعاصرة التى تعيش البطلة لها . وتدمنها فتلتئم علاقات الواقع فى ذهنها ، ففى " أركاديا " المعاصرة – أرض أحلام البساطة الطبيعية – يكون الفرسان ورجال العشق العذرى ملاكا وتجارا وسماسرة ومتسلقين يقطع بعضهم رقاب بعض كل لحظة داخل السوق فى حلبة المنافسة ، وهم ممتلئون حتى الحافة بالجشع الحر النقى ، فى حربهم الفروسية الدائمة حول الغنائم والأسلاب من عرق ملايين العاملين والعاملات ، ولا يفوت فرسان السوق أن يرتدوا حريرا مثاليا ناعما من قواعد الشرف بين اللصوص عند توزيع المسروقات . وهنا يصبح الحب صفقة ،و" الخيانة " نوعا من توكيد الذات يتفق فى اخلاص وأمانة مع المنطق الكامن وراء عقد أى صفقة : حاول أن يكون نصيبك من الربح أعلى دائما من الشريك العزيز وحبيبتك الغالية .

ترنيمة عيد الميلاد:

وبعد أن تعرضت جولييت فى حبها للمهانة والاذلال وانكسار القلب نجدها تعيش مع خالتها العانس . فهى مثلها مرشحة لان تكون عانسا . وتتبنى طفلا لقطيا بدلا من ثمرة حبها المجهضة . لقد كان حبها لفارسها الخائن ضائعا لقيطا ملقى به على الرصيف . وكذلك كانت بلادها .. منزوعة السلاح ، لم ينجح أحد فى اخفاء دموعها ، على الرغم من الأمجاد الزائفة التى يتشدق بها حكامها الخونة . باريس أيضا كانت عريانة جائعة مرتعدة بردا على ركبتى جندى المانى .

وبعد أن تسمع جولييت بمصرع شقيقها بأيدى الغزاة تقودها زميلة فى العمل الى حركة المقاومة .

وهل يبدو من الغريب على جولييت التى تشبه سحابة وحيدة هشة – بعاطفيتها الملونة التى تشكل مهربها من ضياع تألف جمعى تستقر فيه حياتها المبددة – ان تنزلق الى العاصمة العاتية ؟

لقد كانت المسألة على العكس من ذلك . انها التحقت بالمقاومة ببساطة ابن يعود الى بيته بعد أن تأخر قليلا فى المساء ، هى التى فقدت مع أبناء وبنات شعبها البيت والوطن .

وتصور الرواية بكل احداثها ان "الامر" بالانضمام الى جيش المقاومة بالنسبة الى جولييت ( وبنات وأبناء فرنسا) كان أمرا لم يصدره رئيس أو زعيم أو قائد . لقد كان صادرا من تاريخها الشخصى ومن تاريخ بلادها ، كان أمرا يمليه قلبها الذى جرحه السكين جرحا عميقا . ونرى جولييت ، السحابة الهشة الوحيدة تنزلق ببساطة الى العاصمة العاتية بموسيقاها الجديدة ، وانفعالاتها الجماعية المقتسمة ، وافقها الذى لا يحنو على فرد واحد بل يحنو على الجميع .

ولكن الرواية لا تقدم لنا اسطورة غنائية عن حب الجماعة بدلا من اسطورة الحب الفردى .

فالرواية لم تفرض على " الجماهير" ولا على " جولييت" طابعا عاطفيا مثاليا يزيفهما معا . وليست " الجماهير " فيها الها خرافيا كلى القدرة على حين بغتة . ولا نجد جولييت مرتدية دروع جان دارك على مقاسها الصغير . فالناس ظلوا يضطربون فى مناشطهم المعتادة .

ولكن الرواية تصور – داخل العادية والابتذال والمجرى المألوف – لحياة الناس وانفعالاتهم ميلاد نقطة تحول حاسمة . فلم تعد المقاومة والحركة الثورية عند شعب فرنسا تنظيمات نضال وقتال فحسب ، لم تعد جيوشا فى معسكرتها وقلاعها يقودها الجنرالات .

ففى هذا الميلاد الجديد اصبحت "المقاومة" طريقة لتنظيم الحياة العادية والفكر والشعور خروجا على "قانون" الطغاة . وارساء لقوانين جديدة تسير عليها الحياة اليومية فى السلوك والفكر والشعور .

وفى ترنيمة عيد الميلاد تنزع كلمة " الحب " الشهيرة التى تعيش جولييت فى أسرها ، أقنعة ابتذالها الزائفة متحسسة فى تعثر وعجلة طريقها الى التحقق الفعلى ، باحثة فى حيرة عن معناها فى حياة الافراد وعلاقاتهم ، بل وفى طريقتهم فى التضحية بهذه الحياة .

مغامرة الخارجين على القانون :

وننتقل مع جولييت الى مفارقة مريرة ، انها بعد ان انتقلت الى حياة الفعل الجمعى ، واكتسبت مشاعرها وعيا اكثر نضجا وان لم يكن اقل الما ، نلتقى بها مرة ثانية : أمرأة وحيدة فى مخبأ للمقاومة ، ريفى ضائع داخل الجبل ، تشن عليها الجرذان غارة صاخبة وسط ثلوج عيد الميلاد . فالرواية لا تقوم على تطابق مباشر بين رمز عيد الميلاد والواقع ، ولكننا فى هذا المخبأ أمام صورة استعارية تكثف حلقات حياة جولييت السابقة وسط المخاض الجديد .

المكان كله كأنه مغارة من مغارات قطاع الطرق ، غرفة ضيقة خانقة بلا منفذ ، وتنفذ الاعاصير مع ذلك من الواح أرضيتها المتفسخة وماذا يحيط بذلك الواقع النضالى ؟ لا شئ من أمجاد أرض معركة سينمائية ، بل تحيط بالمنظر كله زجاجات مكسورة وأوان مثقوبة وأحذية قديمة . لقد جاءت لتلتقى بالفلاحين باحثة عن اماكن لايواء المناضلين الهاربين من العدو ، ولتلقى مساعدات قوات الحلفاء من الجو . وهى لذلك تخوض المستنقعات والوحل وتستخدم اسماً مستعارا .

ومع هذا الانتقال نجد انفسنا داخل شكل روائى آخر تقدمة المؤلفة ليقوم بالتعقيب على الشكل السابق شكل الاغنية العاطفية القصصية ( الرومانس ) وليشاركه فى متابعة السرد . انه اول شكل للرواية الحديثة : مغامرات الخارجين على القانون . ولكن عشاق أفينيون تخضع عناصر هذا الشكل للتعديل الملائم . وهى عناصر اضمحلال اجتماعى ، تحفل اماكنة ومسافاته وارتحالاته بما هو مهترئ وبال ومتآكل من رفات العالم ، وبما يهدد من مخاطر وحبائل . وتقع جولييت فى سلسة من المواقف الحرجة والمآزق وتخرج منها ، تمشيا مع منطق هذا الشكل الروائى ( البيكاريسك) الذى يكاد أن يكون نقيضا هازئا بقصة الحب الشعرية . وتنقل الينا عشاق أفينيون جولييت جائعة ترتعد بردا وقلبها يهفو فى عنف الى الاشياء العادية وملمسها ومذاقها ، الى مجرد مياة حمام ساخن او قدح قهوة ممزوجة باللبن مع الزبد والفطائر . وتجيد جولييت الكذب للخروج من المآزق ، ولا نسمعها وهى تنام فى المغارة مع افرازات الجرذان وحولها المقاعد العرجاء متغنية باناشيد الثورة ولكن نسمعها تصرخ : أبلغت بهم الصفاقة أن يرسلونى الى مثل هذا المكان ؟
وبطبيعة الحال فان جولييت التى تتغلغل الاحلام فى حياتها وهى تحياها ، وتبتاعها مع تذكرة السينما وتأخذها معها الى فراشها تعرف الافلام العاطفية ، الشكل الجماهيرى المعاصر للأغنية القصصية الرومانسى كما تعرف أفلام المغامرات وشجعان السينما وهى الشكل الجماهيرى المعاصر لرواية قطاع الطرق القدامى . وهى تقلد أثناء هروبها من الجستابو قفزات الممثل السينمائى دوجلاس فيربانكس . وليس تزاوج هذين الشكلين الروائيين وتناقضهما فى عشاق أفينيون حيلة شكلية خارجية . فجولييت الحالمة التى كانت تخاف أن تبقى وحدها عند حلول الليل وهى فى قلب باريس ، فى منزل متخم بالسكان ويدركها الاغماء حين ترى فأرا صغيراً أصبحت تأوى الى مغارة جرذان داكنة محاطة بالأشواك وسط الفراغ الجليدى الممتد . بل انها لو مشت على الماء مكررة معجزة المسيح لوجدت ذلك " عادياً " ، بعد أن أصبح هول الاعدامات المتوالية وبشاعات السوق السوداء ، ومغامرات الهروب الخيالية من قبضة العدو أمورا عادية .

ولكن أكان ذلك حلم جولييت ؟ لقد كان ذلك يبدو كأنه حلم شخص آخر غيرها انزلقت اليه يقظتها . انها تواصل حلمها بالحب راقدة على كومة قش بين رقص الجرذان وظلال سقف يوشك أن ينهار على رأسها ... وفارسها مازال يشبه جارى كوبر أو شارل بواييه . فلا بد أن يكون جميلا كما ترسمه الاغانى .

بل انها وهى تسير الى أهدافها فى الطرق الوعرة الموحلة وترى الجو هادئا عذبا توقن بأن الله انزل العذوبة فى هذه الايام ( الحافلة بالرعب ) لكى تلد العذراء أثناء ربيع متوهج فى قلب الصقيع . وترى القمر عروسا متألقة وترى الهالة المحيطة بالقمر خاتم زفاف ، فما أجمل أن يقتسم تلك العذوبة اثنان . وتستمر المزاوجة المتناقضة بين أغنية الحب الريفية ومغامرة الخارجين على القانون لتصل بنا الرواية الى تركيب جديد .

فالقبرة التى تعودنا الاصغاء اليها فى قصائد البساطة الطبيعية العاطفية لا يستطيع الفلاحون الذين تعقد معهم جولييت الصلات الآن أن يستمعوا اليها ، فشواغل الابقاء على الجسم والبحث عن الطعام والوقود تجعل الحياة الريفية رعبا بليدا . وتشبه القرية بجدارنها المتداعية مقبرة صغيرة . والعدو بملابس جنوده الرمادية يشبه القمل فى شعر الطرقات . ورجال الشرطة ككل المتعاونين مع العدو مكتنزو الارداف والأفخاذ بالشحم وسط الجوع .

وأثناء الرحلة تبيت جولييت فى فندق مريب لتجار السوق السوداء وللممارسات الغرامية المحرمة ، وتقوم بدورها الصغير فى الميلاد الجديد . وفى أوتوبيس مزدحم تصبح ركبتها نقطة ارتكاز لسلال فلاحة عجوز تحمل ديكة رومية ، البند الاساسى فى وليمة عيد الميلاد وتحتفل الديكة بالعيد على طريقتها ، فترمى بإفرازتها فى كرم شديد على جورب جولييت وحذائها .

البحث عن آفق جديد:
أن عشاق أفينيون تحاول الوصول الى النواة الحية الواقعية فى اسطورة الحب الغنائية ، وتقدم داخلها تمثيلية تلعبها البطلة مع زميل فى المقاومة هوسلستان فى تجربة لوضع الاسطورة التى تقف فوق رأسها على قدميها . وما قامت به الزا مماثل لما قال أراجون أنه يقوم به من "قلب" لقصيدة الحب العذرية وقصيدة العشق الالهى ، وانزال ما فيها من جذوة الوجد والفناء المحموم فى المحبوب والاستشهاد فى سبيلة . الى أرض الواقع والمعركة .

وفى عيادة " طبيب ولادة " له دور بارز فى حركة المقاومة – هو الدكتور أرنولد – الأشقر الأصهب فى لون الشروق وميلاد الصباح الجديد – تكون نقطة الوصول فى رحلة جولييت أو نقطة البدء .

كان المفروض أن تنتهى مهمتها هنا لتعود الى خالتها ، وجوزيف طفلها بالتبنى لتحتفل بأعياد الميلاد . ولكن الطبيب يدعوها لأمر طارئ عاجل أن تذهب لأفينيون لانقاذ عمال على وشك الاعتقال ... ولتلتقى بسلستان .

وهنا تنشا علاقة تناهض المنطق السابق لحب جولييت المجهض . فهى علاقة ترفض منطق القفص الوثير والحظيرة مكيفة الهواء وتناصب قانون سوق النخاسة العداء ... بل تحلم بسلم موسيقى جديد لنبضات القلب لكى تتجاوب مع الموسيقى الجديدة للعاصفة النضالية ، موسيقى خارجة على القانون الجائر العتيق تعلن عليه العصيان وتقترح قوانينها الجديدة لنفسها .

وتتلقى جولييت فى أيام عيد الميلاد عمادة بالنار . فحينما كانت فى مغارة اللصوص فى المزراعة المهجورة هيمنت صورة النار فى الصقيع على المشهد . والرواية تصف الكدح المبتذل المقزز لايقادها فى تفصيلات طبيعية النزعة ، ثم تصف النار وهى تندلع متفجرة متوثبة الالسنة كأنها كائن حى شديد المكر ، فهى تبدو منكمشة ضئيلة على وشك أن تخبو ، واذا بها تنبعث عالية غامرة الضياء فى مرح صاخب ونهم لا متناه كأنها صبوات الحب ، كأنها فاعلية الشعب ، وحينما تلتقى جوليت بسلستان تحيط بهما فراشات النار المتراقصة المحترقة فوق المدفأة العالية .

وتضع الرواية جولييت وسلستان فى قلب أسطورة الحب الغنائية فهى تضعهما أولا فى " أفينيون " . وتتحدث المؤلفة بصوتها هى عن أفينيون . المدينة المقدسة التى كانت مقرا بابويا ، وظلت تابعة للبابوية حتى نهاية القرن الثامن عشر ، وهى فى نفس الوقت مدينة شيطانية مدنسة بآثام المتع الجسدية ، مدينة منذورة للسيدة العذراء ولفينوس وللابالسة ، منذورة للحب الصوفى الشاحب النقى المتحرر من الجسد فى الأديرة ، ومنذورة فى نفس الوقت لآثام الشفاة والعناق المحرم . وأفينيون موطن لأسطورة الحب وقصائد الحب وقصصه .

والمؤلفة تعلق بصوتها لتضيف بعدا جديدا عن الحاضر : فهى تقول والآن لقد نزع منا كل شئ حتى احلامنا بالحب . فلا يسكن العالم الان الا أحباء قد انفصلوا . وبدلا من كتابة محفورة على جدران شوارع أفينيون – كانت تمجد ميلاد أى قصة حب واقعية كأنه ميلاد رجل عظيم – تجد الآن رايات الغزاة على الجدران .؟

وفى حرارة غرفة سلستان ، يبدو الدفء كأنه ينبعث من جسم هذا الفارس ، فهو ضخم كأنه قد قفز لتوه من أغنية حب شائعة . ولكنة يتساءل مبددا ما تثيرة الاغنية العاطفية من توقعات عند اللقاء والوصال .." أين يجد الحب مأوى وسط المجاعة والرصاص والسجن ...؟ لقد فر بعيداً ".

وهو يقدم ما يتوهم أنه بديل للحب بين الرجل والمرأة ، فلم يبق ألا الحب الذى يحمله المناضلون لقضيتهم ورفاقهم .

" أن أرجلهم تخوض فى وحل الخيانة ... والخونة مندسون فى صفوفهم " .

وتقترح جولييت أن يقوما بتمثيلية حب ، أن يلعبا لعبة أن كلا منهما يعشق الآخر . ولكن سلستان يتحدث عن الكراهية ، فقد فرغ لتوه من قتل متعاون مع العدو وقد أتعسه ذلك . كان لابد أن يبذل جهدا ضخما لكى يؤمن بأن الخائن يستحق القتل .. وأن يمتلئ بالكراهية من أجل الحب .

ولا تقدم لنا الرواية ليلة زفاف وأغنية عرس مثلما نجد فى دراما الحب الغنائية . فنحن أمام لاعبين لا عاشقين ، وهما يطرحان فحسب سؤالا عن مكان الحب . أن سلستان مثل جولييت تتستغرقه قصة حب مات .

فالبطلان – بكلمات أراجون – وحيدان مع مسرحية لم يمثلاها ، مع نص لم ينطقا به . ولم يبق ألا أن يؤديا دوريهما حقا ... فى مسرحية لم تخلق لعيون الاخرين .

ولكن الليل الذى ذبح فى السجون ، وتحت أقدام فرق الاعدام وفى علاقات السوق البيضاء والسوداء التى تفصل بين الشفة والشفة أو تسمم القبلات ، مازال كثيفا بينهما .

وتواجه الرواية لعبة الحب وأسطورة الحب ، بواقع مغاير لعلاقة حب تحققت بالفعل ، بحثا عن بذرة حية فى كومة قش الأسطورة :

ان جولييت وسلستان يتجولان وهما يلعبان لعبة الحب فى القلاع الأثرية لأفينيون ، حيث أعتاد العشاق قديما أن يكتبوا على الجدران فى مزار الحب المقدس ، ونراهما يتتبعان فى مشقة كبيرة ما تبقى من سطور قصة حب مسجلة على الجدارن . وقد تخلل السطور مرور سنوات وسنوات " لقد أتت ... لقد عادا ثم أدركته الشيخوخة ولكن قلبه مازال وفياً ... ثم تعاسة أن قلبه العاشق وحده بقى مخلصا .. لقد أدركته الشيخوخة وهى جميلة .. ياالهى اجعل الحب الذى يكنه لها أبديا آه لو يستطيع أن يموت قريبا منها " وفى النهاية لا تحرمنا السطور المنقوشة من لقاء سعيد .

" لقد أدركته الشيخوخة .. وهى جميلة ... وقد عادا " وكان تاريخ العودة المنقوش 30 أغسطس 1937 .

وتحدثنا المؤلفة فى مقدمة عام 1964 أنها بعد نشر الرواية تلقت خطابا بلا توقيع يسألها هل ترغب فى التعرف على عاشقى البرج؟ وكان فى الخطاب عنوان للمراسلة . لكنها لم تكتب ردا فقد خشيت أن يكون الأمر خديعة أو مزاحا . ولكنها عادت كثيرا الى ذلك المكان وصعدت الى البرج .

وحين تحولت القلعة الى سجن للمتعاونين مع العدو أيام الاحتلال سدت فتحات البرج بألواح تحجب الضياء ، وغمر الظلام النقوش المكتوبة . ولكن الزا كانت تشعل ثقابا أو تستخدم " الولاعة" لتتأكد أن نقوش الحب باقية ، وكانت تقرأ فى اللهب مصادفة ماكتبة العاشقان فى 1934 أو 1937 .
وفى عام 1964 اصطحبت معها الفنان لوسيان كليرج ليلتقط صورا لهذه النقوش ، وصعدا معها الى القلعة. وأراد الحارس منعهما من الدخول فثمة خطر أنهيار البرج .


أما العاشقان القديمان فلم يعد فى استطاعتهما الصعود . وقد شاهدت الزا ومعها الفنان نقشا أسفل السلم الحلزونى الضيق لقد عادا ...1960.

لقد واصلت الحياة مسيرتها .

وتتحدث جولييت عن يقين لا يقدمه الا الحب . وحينما يفتقد الانسان هذا اليقين ، فما أقسى الضجر الذى ينقض على العالم .. الضجر الذى يسرى فى كل ايماءة وحركة ومنظر وصوت . أنه ضجر قاتل يجعل الانسان يموت فى ابتذال لامذاق له مغطى بالرماد والبقايا التالفة .

ألا يعنيك أن تصبح جميلا ؟

وتعمد الرواية الى تحرير التمثال الذى تحجر فى أساطير الحب القديمة والحديثة من قالبه الخانق . وهذا القالب هو قالب اكتمال شكلى ساكن لجمال طبيعه ميتة. ان الحب مرتبط بجمال ذى مواصفات مقررة ، وهو امتياز للشباب الجميل بهذه المواصفات ، ولا تمارسه الا شخصيات الخيال والحلم .

وتضع المؤلفة البطلين فى ديكور ملائم لاختبار هذه الأسطورة ولاعتصار ما فيها من رحيق . فهما يذهبان الى حانة صغيرة ، كل ما فيها صغير ضئيل ، ولكنه يقلد تقليدا متقنا الأشياء ذات الجحيم الطبيعى ، من مقاعد وستائر وأوانى وأقداح ، وكأن المكان يقوم بتمثيلية مصغرة لوقائع العالم الكبيرة .

وتقول لنا المؤلفة بصوتها : حاول أن تتصور أن شخصيات الحب الضخمة ، شخصيات الخيال والحلم .. مدام بوفارى وأنا كاريننا وفرتر وجارى كوبر وشارل بواييه قد أتوا جميعا فجأة ليجلسوا على المنضدة نفسها . أنها شخصيات قريبة منا جدا ولكن ما أشد ابتعادها ! فليس من الممكن الامساك بها . ولكن جولييت وسلستان يمسكان بها فجأة ، فى صورة لكل منهما تتكشف لعين الآخر ...

جولييت الطفلة المنذورة للحب متجسدة فى طابع حسن وفى مروج شعرها وفى لون أظافرها وشكل خاص للأذن .. جولييت تلك الطريقة فى اخراج المرآة من حقيبة صغيرة تعانى من الارهاق ، الطلاء الذهبى وقد سقط من غلاف أصبع الشفاه ، قفازات الصوف مرتقه بعناية عند الابهام . ويلاحظ سلستان بدهشة وفضول كما لو كان يعيد خلقها ، طريقتها فى ارتداء القبعة وفى تمرير أصبعها خلف أذنها وتعبيرات عينيها والهالة حولهما .

وسلستان كذلك يترك قالب التمثال أو اطار الصورة ليقفز الى عينيها بيديه الخشنتين والسبابة التى صبغها التدخين بالاصفرار والزر الناقص فى سترته والتجاعيد تحت عينيه المستطيلتين ، نظرته التائهة والشعر المتمرد والابتسام النادر .

ويتألق الناس العاديون بما كان وقفا على أبطال الأساطير ....وبكلمت " أراجون "

أهناك شئ أجمل من بسمة تضئ حتى أسارير الوجه الذى فرض عليه التشوية ، ألا يعنيك أن تصير جميلا ؟ ... فالدمامة هى فقدان التناغم ، وما من جرح لا يستطيع قليل من التجميل بأنامل الاستجابة اليقظى وتدفق الحيوية والقدرة على التلقى والاغداق أن تجعل منه شفتين .

الشعر والرواية والتاريخ :

والكاتبة هنا ليست عينا ترصد أو عدسة تسجل تسجيلا دقيقا . فهى لا تخفى أنها تضفى على المرئيات رمزية اجتماعية ونفسية لتخلق جوا منذرا وواعدا فى آن معا ... وارادة للتجاوز . وتلتحم أسطورة الحب ومحاولة اعادة خلقها بخلفية شديدة الواقعية . الا أن الاحداث لا تتحرك وفقا لمقتضيات الرمز والمجاز فيها ليسا الا منطق الواقع فى أعمق مستوياته .

ونلاحظ أن اللقطات الجزئية تتجاور وتتابع فى تصميم محدد متعين ينقل الحياة فى ملامح عامة تسهم كل تفصيلة فى خلقها . وهذا التصميم المتعين يجمع شتات التفصيلات فى بناء موحد أو صورة معممة تكثف كل الحلقات . أن النموذج الذى يجتمع لقطة بعد لقطة فى الزمان وفى اتصال السرد القصصى ، يقفز فى وجداننا كأنه لوحة شاملة متواقته العناصر ، تستطيع أن تقفز خارج لحظات بعينها لتعبر عن وضع عام .

ويعمل التقشف الشديد فى صيغ الأفعال الذى نلاحظة فى عبارات الرواية على أعطاء انطباع بالتواقت على الرغم من ان السرد يصف تتابعا ، كما يسهم فى ذلك ما يكاد أن يكون فى الأصل غيابا للروابط بين الجمل والفقرات ، وذلك قد ينقل أحساسا بسلاسة الانتقال بين الجمل والاحداث وكذلك البناء المتماثل اعرابيا للجمل .

وفى الرواية ايماءات متعددة الى تراث الدراما الغنائية الشعرية وخاصة روميو وجولييت .
فكما ياتى الفجر فى نهاية زفاف روميووجولييت ايذانا بالفراق تاتى الطرقة على باب سلستان وجولييت – ولكنها تأتى قبل الشروع فى الرقص ويقول هو ليست اللعبة الالعبة وتقول هى الحب عملة مزيفة .. والأوهام عنه وحدها هى كل الحقيقة .


وثمة ايماءة مماثلة الى موكب جنازة جولييت والتعبير عن الأسى والأمل فى الخلود والاشتياق المحترق الى عصر الحب الذهبى فى بساطته البدائية .

ولكن الزا تريوليه لا يستهويها أن تعيد تشييع جنازة جولييت للمرة الواحدة بعد الألف كما لايستهويها أن تستبدل بها أنشودة زفاف حافلة بوعود المتعة .

ان جولييت نويل تحلم بأنها ترقد فى تابوت من توابيت الموتى داخل سرداب حجرى ، وتحس بأنها لن تخرج من بين تلك الجدران أبدا فهى قد دفنت حية ... فالعدو يحكم الحصار حول المقاومة ويتكاثر الخونة ويتساقط الضحايا . ولكن عود المقاومة يشتد فى اختبار النار وتتأهب المعارك الفاصلة ... وجولييت تواصل طريقها الجديد . ولكن العدو يواصل وضع الحواجز بينها وبين سلستان واذ توشك أن تلتقى به يحول العدو دون ذلك وتضحك فى هسترية وتبكى لقد كان جميلا فردوسها المفقود .

ولكن الفردوس المفقود ألف مرة حاضر فى متناول أيدنا ألف مرة كما يقال أراجون . ويواصل قارئ الرواية تتبع الكفاح من أجل استعادته ، فى هذه الرواية الجميلة التى تغرس البذرة الحقيقية المنتزعة من الأكذوبة العاطفية فى أرض جديد ذات أفق جديد ، والتى تخلق من المزاوجة بين صيغ أدبية متغايرة سردا روائيا واقعيا عن شخصيات نموذجية فى مواقف نموذجية .











رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,045,290,196
- نقد مسألة التحالفات من منظور حزب العمال الشيوعى المصرى
- المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس
- الحراك الشعبى والمزاج الجماهيرى - حزب العمال الشيوعى المصرى
- فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973)
- عن بعض وثائق حزب العمال الشيوعى المصرى فى المكتبات العالمية
- كارل كاوتسكى ونظريته عن العرق اليهودى
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر
- علم النفس السياسي البورجوازى - نقد العقل القمعى وميتافيزيقا ...
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور
- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ...
- القانون واستبطان العنف - جاك دريدا
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو
- فى ضرورة تهيئة الشعب للثورة - تشرنيشفسكى - ترجمة فيتولد ليبو
- الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس - جورج لارين - مقتطف
- فى معنى المقاطعة الايجابية للانتخابات
- العجز والتشوش ف . ا . لينين ( ملاحظات )
- المفاهيم النظرية والسياسية وانعكاس امزجة الثورة المضادة فى ص ...
- التفسخ الايديولوجى والانقسام فى صفوف الاشتراكيين الديموقراطي ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - الكارثة الوطنية فى لحظت ...


المزيد.....




- تدشين خدمة سبوتيفاي للبث الموسيقي في الشرق الأوسط وشمال أفري ...
- روائي مغربي يبحث ثالوث -الله، الرياضيات والجنون-
- صورة تاريخية لفريد الأطرش برفقة عائلته
- ما لا تعرفه عن حياة صاحب -سبايدر مان-
- ثورة القراءة الإلكترونية.. كيف غيرت التقنية علاقتنا بالكتاب؟ ...
- استذكرها بقصائد في عمّان.. الشاعر البرغوثي يدفئ رضوى عاشور م ...
- قلق بين عشاق بوكيمون حول الشكل الجديد لشخصية -بيكاتشو-
- لماذا -اختبز- الروس قديما الأطفال في الموقد؟
- #ملحوظات_لغزيوي: مغرب يتألق ورسالة تلاميذية!
- إينيو موريكوني.. المسافر إلى كواكب الألحان في الكرملين


المزيد.....

- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد العليمى - من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة