أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غازي صابر - جاسم والحب










المزيد.....

جاسم والحب


غازي صابر
الحوار المتمدن-العدد: 5657 - 2017 / 10 / 2 - 09:44
المحور: الادب والفن
    


كانت صرائفنا زمن الملكية في العراق تكاد تحيط بمدينة بغداد و كنت وقتها فتى وأنصت لكل ما يقال وعرفت أننا من سكان المحافظات الجنوبية ولجأنا الى العاصمة هرباً من ظلم الإقطاع وكانت العوائل التي تصل الى محلتنا تنصب بيوتها من الصرائف والطين بينما الذين أمضوا فترة أكبر لديهم بيوت من الطين اللبن وهو قريب الى طابوق البناء وفيها غرف ومساحة تتوسط هذه الغرف وكثيراً ما تتناول العوائل فيها فطورها الصباحي و قبل إرتفاع قرص الشمس في السماء وتتسامر فيها وقت إنحدار الشمس صوب الغروب وكثيراً ما كنت أقضي جل أوقاتي في بيت عمتي أم جاسم والتي تجاورنا وأنا رفيق دائم لأبنها حسن وهو بعمري ويعجبني تعامل أبنها الكبير جاسم معي وكان يمازحني ويلاطفني وعندما التقي به كثيراً ما يواجهني بمرح :
ــ هلو دعبول كيف الأحوال ؟
كان جاسم في عمر الشباب وهو عامل بناء يخرج في الصباح الباكر ويعود قبل الغروب وأحياناً يعود للبيت باكراً عندما لايجد عمل هو شاب رشيق أسمراللون ولم يكن طويلاً ولا قصيراً وفيه ميزة جمال كانت تعجبني فلون عينيه بلون الكحل وقد أضافت جمال له .
كنت أحب عمتي وهي ترحب بي دائماً وكثيراً ما كنت أتناول فطوري مع ولديها وخصوصاً أيام العطل الدراسية وكنت أعشق فطورها وهو عبارة عن سياح وشاي وأحياناً سياح وبيض في الدهن مع شاي وكانت تلاطفنا قائلة :
ــ هذا بيض دجاجاتي وإنتما لابيض من ورائكم . وتقصدني وحسن .
وبعدها أخرج مع حسن بعد الفطور ونحن نحاول العمل كعتالين صغار في سوق مدينة بغداد خلف السدة التي تفصلنا عن قصور العاصمة وكنت أسمع أن زوجها مات بمرض معدي .
و كثيراً ما أسمع شكوى عمتي من إبنها جاسم لا لأنه بلا شهادة دراسية ولا لأن عمله بسيط وغير مجدي ولكن بسبب حبه لفتاة عرف أهلها بحبه لها ورفضوا زواجه منها مع أن الفتاة تحبه وهو كثيراً ما يحتسي الخمر ويمر من أمام باب دارها ويحاول اللقاء بها و أهلها يطردونه وهو مخمور وأحيانا يضربونه وتستقبله عمتي باكية وهي تمسح الدم عن جسده وتحاول معه أن يصحو لحاله ولهذا كثيراً ما كانت تشتكي لأبي من أفعال جاسم هذه وكنت أراها وهي تتوسل أبي أن يرشده ويحاول معه لأنه لايسمع لها وجاسم معيلها الوحيد مع ولدها الأخرالصغير حسن وقد تخلت عن كل شئ في الحياة في سبيل تربيتهما والعيش معهما .
مرة كنت أدرس مع حسن ودخل علينا جاسم وهو مخمور وعندما رأني ناداني كعادته المرحة :
ــ هلو دعبول لك أنت ولد شاطر إدرس كثيراً وإنجح دائماً لأن الحياة بلا شهادة لاتساوي شيئاً ولاتبقى أعمى ولاتعرف معنى الحياة كحالتي .
وكان يتلوى ولايسيطر على وقوفه ولاعلى كلامه ثم أضاف :
ــ لاتكن مثلي فقد فاتني قطار الزمن ولامستقبل لي . تصور أخ دعبول يعيرونني بأني فاشل وبلا شهادة ولا وظيفة ولامستقبل لي ولم يوافقوا على زواجي من ملاكي لكني لن أتخلى عن حبها .
وضرب على صدره بقبضة يده وبكى .
رد أبي على توسلات وبكاء عمتي بأنه كثيراً ما تحدث معه لكن أبنها مجنون بحب فتاته وفي النهاية وعدها أنه سيحاول معه هذه الليلة بالعقاب عندما يعود من سكرته ورد عليها غاضباً :
عسى أن يعود للبيت سالماً .
بعد الغروب خرج أبي عن طوره وهو يتمشى داخل حجرتنا وينتظر عودة جاسم الى البيت وحزم نفسه بحزام عريض لشد ظهره و أخرج عصى غليضة كان يخفيها و مرة عاقبني بها على ظهري عندما عدت الى البيت متأخراً ولم أخبره مسبقاً .
كان يتمتم مع نفسه ولم أسمع ما يقول لكني كنت مشدوداً لكل حركاته وكنت أعرف أنه قرر أن يعاقب جاسم أبن إخته إستجابة لتوسلات عمتي أم جاسم وحين سمع لغط في بيت عمتي تناول عصاه وخرج وتبعته وقلبي يخفق خوفاً على أبي وعلى جاسم وكيف سيعاقبه .
دخل بيت عمتي وأنا أتبعه وكان جاسم يترنح بين عمتي وأخيه حسن وبلا تحية بادره :
ــ الى متى تبقى يا جاسم تجلب المتاعب لأمك وتجلب لنا العار وأنت تسكر وتعتدي على أهل الفتاة الذين رفضوا إستقبالك وزواجك منها لأنك فاشل ؟
التفت جاسم الى أبي وسقطت دموع عينيه وردد :
ــ اشكرك يا خال ، لكني أحبها ولا أستطيع نسيانها .
ــ انت لاتفهم ؟ أهلها لايوافقون على زواجك منها .
ــ لكني أحبها يا خال وهي تحبني .
لم ينته جاسم من كلامه حتى إنهال أبي عليه بالعصى وهو واقف ولايقاوم أبي وبدأت عمتي وهي تبكي حمايته بعد أن أوغل أبي بضربه بعصاه وتحول أبي الى وحش وتغيرلون وجهه الى أصفر وهو يرتجف ولاشئ في تقاطيع وجهه غير الحزن والغضب وفي النهاية رمى العصا على الأرض وترك بيت عمتي بينما بقي جاسم يتلوى من الألم وهو يردد سكراناً:
ــ إضرب ، إضرب لكني لن أنساها ولن أمل عن حبها وعندما شاهدني وأنا أنظر اليه خاطبني :
ــ لك دعبول ، أبوك همجي ويابس مثل الخشبة ولايعرف معنى الحب ثم تهاوى على الأرض .. وهو ينظر في وجهي ... لكني أعذره وأسامحه فهوخالي ويبقى جاهلاً يبقى و بلا مشاعر وبلا أحاسيس وهذا الفرق بيننا .. ثم غفى ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الإجتثاث في الإسلام
- إيران وزمن الثورات
- البطالة وفساد العقول
- في القلب جمرة والقمع العربي
- بين الحاكم العشائري والسياسي
- مشنقة العقيده
- زنوبه
- حكم الزمن
- جدي وجده
- السياسي وملابس النساء
- بصاق الديكه
- ماذا يحصل لو إنفصل الأكراد :
- الشيطان الأكبر والماركسيه
- أوديب والعراق
- الجهاد الكفائي والنفير العام
- الأنكليز والحسين
- نجيب محفوظ وصدام حسين
- الحوشيه وداعش
- الله والفيل
- بصمة الإحتلال


المزيد.....




- داعية سعودي: السينما قادمة ولن يطول انتظارها!
- لا عودة للوراء.. معرض فني عن الهجرة لبريطانيا
- الفنان المصري أحمد حلمي يكشف حقيقة مرضه بالسرطان
- الدراما التركية تستهدف عائدات بملياري دولار
- القراءة ومفهومها في النقد الأدبي
- مثقفون وسياسيون جزائريون يفضحون سقطة الوزير مساهل
- نصائح للاستمتاع بتجربة سينما منزلية مثالية
- اصداران جديدان للأديب السعودي فيصل أكرم
- الجزائر: بلد في حالة غير طبيعية !
- فضيحة جنسية جديدة تهز هوليوود بطلها المخرج الأمريكي جيمس توب ...


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غازي صابر - جاسم والحب