أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - ابراهيم سلاك - دراسة نقدية للسياسة التربوية من خلال الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 حول إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب.















المزيد.....


دراسة نقدية للسياسة التربوية من خلال الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 حول إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب.


ابراهيم سلاك
الحوار المتمدن-العدد: 5581 - 2017 / 7 / 15 - 23:39
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


مقدمة عامة:
إن المتأمل في سيرورة "إصلاح" التعليم بالمغرب منذ بداية الثمانينات، بعيدا عن الشعارات والأدبيات العامة، يستطيع تحديد ثوابت السياسة التعليمية فيما يلي:

• تقليص الميزانية الموجهة لقطاع التعليم مقارنة مع النمو الديمغرافي وتشجيع البحث عن موارد أخرى لتمويل القطاع.
• فتح الباب للرأسمال الخاص للاستثمار في قطاع التعليم تحت ذريعة الشراكة مع الدولة لتعميم التعليم وتحت مبرر أنه ليس من المعقول أن تتحمل الدولة تمويل تعليم الأغنياء.
• ملاءمة المدرسة مع متطلبات السوق.
كما أن كل " الإصلاحات" عرفت فشلا ذريعا في شقها المرتبط بجعل التعليم رافعة لالتحاق المغرب بنادي الدول المتقدمة، باعتراف كل المؤسسات الوطنية والدولية المهتمة بالموضوع.
ابتداء من سنة 2000 دخل المغرب منعطفا جديدا على مستوى خطاب ومنهجية الإصلاح بدءا بالميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي اعتبر آنذاك دستورا للإصلاح ومرورا بالبرنامج الاستعجالي وأخيرا الوصول إلى محطة الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 بعد التأكيد على الموت السريري للتعليم بالمغرب. هاته الرؤية اتخذت كشعار لها " من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء" ويضاف له أيضا شعار " من أجل مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص". فإلى أي حد ينسجم مضمون الرؤية مع هاته الشعارات؟ وهل الرؤية تحمل في طياتها عنصر الانسجام بين مختلف مكوناتها، وهو شرط كل رؤية استراتيجية؟ وهل الرؤية تشكل قطيعة مع المخططات السابقة للإصلاح أم استمرارية لها؟
تحديدات مفاهيمية1:
الإنصاف: يعني الإنصاف في المجال التربوي:
• الولوج المعمم للتربية، عبر توفير مقعد بيداغوجي للجميع بنفس مواصفات الجودة والنجاعة، دون تمييز قائم على الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي، أو النوع أو الإعاقة أو اللون أو اللغة أو المعتقد؛
• توافر كافة البنيات والفضاءات وشروط التأطير التربوي، اللازمة لحاجات التعميم، ولحق الجميع في التربية والتكوين، الكفيلة بإحراز النجاح على أساس الاستحقاق، والاحتفاظ لأطول مدى بالمتعلم داخل المدرسة، واستكمال مسارات التعليم والتعلم بحسب القدرات والمؤهلات؛
• تأمين جميع أنواع الدعم، المادي والتربوي والنفسي والاجتماعي، لفائدة المتعلمين والمتعلمات المحتاجين لذلك، ضمانا للاستفادة المتكافئة من خدمات التربية والتكوين؛
• ضمان الحق في التعلم مدى الحياة للجميع؛
• التتويج بإشهاد في مختلف مكونات المنظومة ومستويات التكوين والتأهيل.
الجودة:
يقصد بالجودة في التربية، تمكين المتعلم من تحقيق كامل إمكاناته عبر أفضل تملك للكفايات المعرفية والتواصلية والعملية والعاطفية والوجدانية والإبداعية. وهي تعتمد على:
• التكوين الأساس الرفيع، والتكوين المستمر الفعال والمستديم للفاعلين التربويين؛
• التقويم الدقيق للأداء البيداغوجي والتحفيز على أساس الاستحقاق؛
• مرونة مكونات وأطوار المدرسة وتناسقها وتكاملها؛
• ملاءمة المضامين مع انفتاح النموذج البيداغوجي للمدرسة، ونجاعة البرامج والتكوينات والوسائل البيداغوجية الناجعة وجاذبية الفضاءات والبنيات المدرسية والملائمة،
• انتظام التقييمات المؤسساتية للمناهج والبرامج والتكوينات، ومراجعتها؛
• تعزيز مكانة البحث العلمي والتقني، والبحث من أجل الابتكار؛
• تطوير نظام الحكامة، على مستوى التدبير، أو التمويل، أو المشاركة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الارتقاء:
يقصد بالارتقاء عمليات تطوير منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، من خلال تجاوز الاختلالات القائمة، وتأهيل البنيات والآليات المعتمدة، وإدراج المستجدات وفق منظور استشرافي. علما أن ذلك لا يتحقق إلا في تفاعل وتكامل مع باقي المكونات والقطاعات المجتمعية الأخرى (الاقتصاد، الإدارة، القضاء، الإعلام والثقافة، الحياة السياسية، إلخ).
يشمل الارتقاء بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الرفع من مستوى أداء بنياتها وقدراتها، بالنظر للغايات والانتظارات المجتمعية، سواء تعلق الأمر بالقدرات البشرية، أو المادية (البنيات المادية والتجهيزات والوسائل والموارد)، أو المؤسساتية (الحكامة وبنيات وأساليب القيادة والتدبير والتقييم، المرجعيات التنظيمية والتشريعية، الموارد المالية).
من ناحية ثانية، ينسحب الارتقاء على مستويين متكاملين: الأول يهم الفرد، على أساس قاعدة الإنصاف وتكافؤ الفرص، وجودة التكوين واستدامته بشكل ييسر اندماجه الاقتصادي والثقافي والقيمي، في تلاؤم مع حاجات البلاد ومهن المستقبل. والثاني يخص الارتقاء المجتمعي، من منطلق النهوض بالتنمية البشرية ودور المواطن المؤهل في تنمية الممارسات الديمقراطية، وتحقيق المواطنة المسؤولة، وتطوير البنيات الاقتصادية والإنتاجية وبنيات البحث والابتكار.
سننطلق في قراءتنا النقدية للرؤية الاستراتيجية من المفاهيم السابقة باعتبارها الغايات الموجهة للإصلاح، فإلى أي حد استطاعت الرؤية الاستراتيجية بلورة توجه نحو تحقيق تلك الغايات؟
تتكون الرؤية الاستراتيجية من أربعة فصول مقسمة إلى 23 رافعة:
الفصل الأول: من أجل مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص؛
الفصل الثاني: من أجل مدرسة الجودة للجميع؛
الفصل الثالث: من أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع؛
الفصل الرابع: من أجل ريادة ناجحة وتدبير جديد للتغيير.
الرافعة الأولى: تحقيق المساواة في ولوج التربية والتكوين
تستند هاته الرافعة إلى الدستور المغربي وإلى كل المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب بمعنى أنه كيفما كان الانتماء الطبقي أو الجنسي أو الديني أو العرقي ... فإن الطفل المغربي يتوفر على نفس الحظوظ في الولوج إلى نفس المدرسة ويستفيد من كل الإمكانيات للتعلم والاندماج في المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا... كلام جميل، لكن بالمقابل كيف يمكن تحقيق ذلك؟ ما علاقة إعلان النوايا هاته بالمشروع المجتمعي؟ هل فعلا الاختيارات الاقتصادية تهدف إلى محو الفوارق الطبقية والمجالية بين كل المغاربة والمناطق. الحقيقة أن السياسات الاقتصادية ترتكز على الاقتصاد الحر في جانب والريع في جانب أوسع، مما يعني أن الدولة بالموازاة مع الرؤية الاستراتيجية لها اختيار آخر لا يسير في اتجاه محو الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون تحقيق المساواة في ولوج التربية والتكوين. خصوصا أن كثيرا من الدراسات تثبت العلاقة بين الفشل الدراسي والانتماء السوسيو اقتصادي، نذكر على سبيل المثال دراسة علي بولحسن2:" les systèmes éducatifs en France et au Maroc étude comparative"
الرافعة الثانية: الزامية التعليم الأولي و تعميمه
هذا الهدف كان محددا منذ الميثاق ولم ينجز منه شيئا سوى فتح المجال للرسمال الخصوصي للاستثمار فيه وهو الآن يجني أرباحا طائلة منه دون جودة تذكر ودون ضوابط قانونية ودون منهاج محدد. والكل يعرف الفوضى التي يتخبط فيه ومعاناة الأطفال دون سن السادسة مع النقل المدرسي والفضاءات الغير الملائمة والمربيات الغير المؤهلات اللواتي لم يتلقين أي تكوين يذكر. الرؤية الاستراتيجية من جديد تلقي المسؤولية على الجماعات الترابية لتحقيق هدف التعميم وبالتالي فإن وزارة التربية الوطنية تعترف بعدم قدرتها على إنجاز هذا المشروع الضخم والضبابية تعتريه من جديد أمام عدم الوضوح الجهة المعنية به، كما أن عدم مجانيته تفرغ كل شيء من محتواه.
الرافعة الثالثة: تخويل تمييز إيجابي لفائدة الأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص.
الحقيقة أن مختلف مناطق المغرب تعرف خصاصا كبيرا على جميع المستويات والأحياء الفقيرة والمهمشة في المدن أكثر من الأحياء الراقية، وبالتالي فإن المغرب بأكمله في حاجة إلى تمييز إيجابي وضمان مساهمة الجميع فقراء وأغنياء في تمويل كل المشاريع ومحاربة التهرب الضريبي. وهذا هو الأهم الذي لم تستطيع الدولة حتى الآن تطبيقه أي فرض الضريبة على الثروة أو الضريبة على المساهمة في التعليم.
الرافعة الرابعة: تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين للأشخاص في وضعية إعاقة، أو في وضعيات خاصة.
إن الأشخاص في وضعية إعاقة هم المواطنون الذين يدفعون ثمن تردي الخدمات التعليمية بشكل مضاعف عدة مرات، باعتبارهم أكثر الناس حاجة إلى بنيات استقبال خاصة وأطر تعليمية ذات تكوين خاص مما يقتضي إمكانيات مالية ضخمة وسياسات حقيقية، الأمر الذي يتجاوز إعلان نوايا أو اعتراف بالحق، خصوصا أن المغرب لم يراكم الشيء الكثير بهذا الخصوص. وبالتالي يمكن الشك في جدية الدولة في تعاطيها الفعلي مع هاته الفئة ما لم تتحول اللغة إلى أفعال حقيقية.
الرافعة الخامسة: تمكين المتعلمين من استدامة التعلم وبناء المشروع الشخصي والاندماج.
لتحقيق هذا الهدف تقترح الرؤية الاستراتيجية المسارات التالية: التكوين المهني، التعليم العالي، التعليم العتيق، التربية غير النظامية ومحاربة الأمية. بمعنى أن المتعلم المغربي أمام عدة خيارات تضمن له مواصلة تعليمه، فمن الناحية الشكلية قد تبدو هاته الخيارات مغرية وتتيح الكثير من الفرص، لكن من حيث المضمون، فالتكوين المهني في غياب أساس وقاعدة اقتصادية ثابتة وصلبة من الصعب تأسيس بنية تكوينية ثابتة وقادرة على تغذية الاقتصاد بالأطر اللازمة. فالكثير من المهن تظهر لتنقرض أو تصبح متجاوزة أو تعرف تخمة من حيث الخريجين وعلى سبيل الذكر نذكر تخصصات تصميم المواقع الإلكترونية ضمن شهادة التقني العالي وكل التخصصات في المعلوميات، الأمر كذلك بالنسبة للنجارة الخشبية التي عوضتها نجارة الألومنيوم، ميكانيك السيارات الذي جاءت محله المحركات الإلكترونية ... إنها تحديات تواجه كثير من التخصصات في التكوين المهني الذي يراهن أكثر على المقاولة الذاتية، مع العلم بأن الكثير من الشباب لا يتوفرون على الإمكانيات الذاتية لتمويل مشاريعهم الذاتية.
الرافعة السادسة: تخويل مؤسسات التربية والتكوين التأطير والتجهيز والدعم اللازم.
من أهم ما جاء في هاته الرافعة توفير الأطر التربوية والإدارية الكافية وذات الكفاءة التربوية والمهنية الملائمة والمتجددة. كلام جيد وجميل لكنه متناقض مع عدد المناصب المالية التي تخصص سنويا للتوظيف في مهن التربية والتكوين. كما أن توجه الدولة نحو التوظيف بالتعاقد وبشكل مباشر دون تكوين أساس يناقض الكفاءة ويجعل من التعليم مهنة من لا مهنة له.
مما جاء في هاته الرافعة أيضا تمكين كل فصول المؤسسات التعليمية من استعمال الوسائل السمعية البصرية، وتقنيات الإعلام و التواصل، هذا المشروع انطلق من سنة 2006 وخصصت له أموال ضخمة لكن واقع الحال يؤكد أننا لازلنا بعيدين كل البعد عن الأهداف التي تتحدث عنها هاته المشاريع التي لم يستفد منها سوى المقاولات والشركات التي تعاقدت معها الدولة لتوفير العتاد المعلوماتي الذي تحول كثير منه إلى أجهزة متجاوزة لا تواكب العصر في عدد كبير من المؤسسات التعليمية أما الموارد الرقمية التي تم اقتناؤها فنادرا ما يتم استعمالاها و استغلالها خصوصا أن الاستعمال البيداغوجي لتكنولوجيا الإعلام و الاتصال غير مفعل بشكل كاف بالمدرسة المغربية.
الرافعة تتحدث أيضا عن تمكين مؤسسات التربية والتكوين من البنيات التحتية والتجهيزات والأدوات الديداكتيكية اللازمة، وفضاءات التعلم والتثقيف والتنشيط والدعم والتربية الفنية بكل أنواعها، ولاسيما الموسيقى والتشكيل والمسرح والسينما... يمكن لهاته التطلعات أن تتحقق لو تمت تعبئة الموارد اللازمة لها بزيادة في الميزانية المخصصة للتعليم بواحد في المائة سنويا!
الرافعة السابعة: إرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية:
هاته الرافعة تتحدث عن الدعم وملاءمة التكوين وبالتالي نعتبر العنوان لا يعبر عن المضمون فالجدوى والجاذبية مصطلحان ثم إقحامهما قسرا فلا يمكن الحديث في أي نظام تعليمي وفي أي مجتمع عن مدرسة دون جاذبية ودون جدوى فالمدرسة اصبح وجودها مقترن بوجود الإنسان و لا أحد يجادل في جدواها و جاذبيتها!
الرافعة الثامنة: التعليم الخاص شريك للتعليم العمومي في التعميم وتحقيق الإنصاف
وأخيرا نصل إلى أهم ما جاء في الرؤية الاستراتيجية! بل نعتبر هاته الفقرة أساس ومحور هاته الوثيقة. هاته الأهمية ليست بمعنى أن هاته الرافعة سترفع فعلا النظام التعليمي إلى مصاف الأنظمة التعليمية المتقدمة بل لأن هاته الرافعة تنسف كل الكلام الجميل الحقوقي الوارد في الرؤية الاستراتيجية وتجعل ورقة التوت تسقط عن عورته! كيف؟ هذا ما سنقف عنده مليا وبكثير من التأمل:
التعليم الخصوصي معناه، بيع الخدمة التعليمية وتحويلها إلى سلعة كباقي السلع وخضوعها لمنطق السوق والمنافسة لأن المؤسسة الخصوصية هي مقاولة بالدرجة الأولى ولا يمكن أن ننفي عنها ما ينطبق على باقي المقاولات مهما غلفت بالتعابير الأخلاقية المنمقة والطنانة من أمثال الشريك والمواطنة وغيرها.
حينما يفتح التعليم أمام القطاع الخاص فمعناه أن التعليم جُزّئ إلى تعليم للفقراء و تعليم للأغنياء هذا في أحسن الأحوال إذا كانت المدرسة العمومية في أحسن حال، أما حينما تكون في أسوء حال فإن طبقات أخرى من المجتمع رغم قلة إمكانياتها تضطر إلى طلب خدمات التعليم الخصوصي ولو كان ذلك حسب حاجاتها الحيوية، بمعنى أن التعليم الخاص يتحول إلى أداة لتفقير الطبقات الوسطى و الصغيرة مما ينعكس على الدورة الاقتصادية نفسها فجزء كبير من الأموال المفترض ذهابها إلى كثير من الحرفيين و التجار الصغار و الفلاحين تضخ إلى جيوب المستثمرين في التعليم الخصوصي و بالتالي يصبح هذا الأخير أداة لعرقلة التنمية. من ناحية ثانية التعليم الخصوصي ينسف كليا مبدأ الإنصاف أحد المبادئ الأساسية التي تأسست عليها الرؤية الاستراتيجية، كما أنه ينفي بشكل قطعي المساواة وتكافؤ الفرص في الرقي الاجتماعي وولوج الوظائف، فخريج الجامعات الدولية التي أصبحت تتناسل في المغرب لا يمكن مقارنته بخريج الجامعة العمومية التي ينخرها الفساد والرداءة والانحطاط العلمي. كما أن أصحاب الإمكانيات في ولوج مختلف المعاهد العليا المتخصصة الخاصة لا يمكن مقارنتهم بأبناء الفئات المتواضعة من المغاربة.
ينتفي الإنصاف بتواجد مؤسستين إحداهما خاصة بكل الإمكانات البيداغوجية وأخرى عمومية تفتقر حتى إلى المراحيض. ولا بأس هنا بالعودة إلى مفهوم الإنصاف كما جاء في نفس الوثيقة التي نحن بصددها وقد ذكرناه سابقا:" الولوج المعمم للتربية، عبر توفير مقعد بيداغوجي للجميع بنفس مواصفات الجودة والنجاعة، دون تمييز قائم على الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي، أو النوع أو الإعاقة أو اللون أو اللغة أو المعتقد"
الرافعة تذهب أكثر من ذلك فتقول:" استفادة التعليم الخاص من تحفيزات من الدولة أو الجماعات الترابية للنهوض بتعميم التعليم الإلزامي، لا سيما بالمجال القروي.
باقي الفقرات التي قد تبدو بريئة مقرونة بكلمة " التزام مؤسسات التعليم الخاصة بـ..." هي عبارة لا معنى لها أمام مقاولة يسري عليها ما يسري على باقي المقاولات الإنتاجية وما أدراك ما المقاولة في اقتصاد المنافسة الحرة ...
نخلص بعد تحليل هاته الرافعة إلى سقوط شعار " الإنصاف" وبالتالي سقوط أحد الركائز الأساسية التي بنيت عليها الرؤية الاستراتيجية.
الرافعة التاسعة: تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير: أسبقية أولى للرفع من الجودة.
تأتي هاته الرافعة في الفصل الثاني المعنون ب: "من أجل مدرسة الجودة للجميع".
دون الدخول في تفاصيل أكثر فإن شروع الوزارة في التوظيف بالتعاقد دون تكوين أساس ودون ولوج مراكز التكوين وبالتزامن مع انطلاق مشاريع الرؤية الاستراتيجية يجعلنا نجزم أن السياسة التعليمية المكتوبة على الأوراق لا علاقة لها بتلك التي تفعل على أرض الواقع. فإسناد قسم دراسي لمجاز وبشكل مباشر يتنافى ويتناقض مع كل ما ورد في هاته الرافعة خصوصا هاته العبارة" في هذا الإطار، تعتبر المهننة مدخلا أساسيا للنهوض بأداء الفاعلين التربويين" فالمهننة لا يمكن تصورها دون تكوين أساس متين يؤهل فعلا لمزاولة المهنة.
في غياب التكوين الأساس وتجميد برامج التكوين الأساس، لا يمكن تحقيق الجودة، هاته الأخيرة التي شكلت عنوان هذا الفصل من الرؤية الاستراتيجية.
الرافعة العاشرة: هيكلة أكثر انسجاما ومرونة لمكونات المدرسة وأطوارها.
في هاته الرافعة يتم إعادة ما جاء في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، خصوصا الدمج التدريجي للتعليم الأولي في سلك التعليم الابتدائي ليشكلا معا سلكا تعليميا منسجما. وهو ما لم يتحقق منه شيئا لحدود الساعة. ونشكّك في إمكانية تحققه باستثناء ما هو مرتبط بالتعليم الخصوصي لأن أسباب فشل الدولة في تحقيقه لاتزال قائمة ولم تحددها الرؤية الاستراتيجية وهي أساسا مرتبطة بالتمويل. مع العلم أن المواطنين المغاربة يتطلعون إلى تعليم أولي عمومي مجاني انسجاما مع مبدإ الإلزامية الذي تتبناه الدولة نفسها، وليس إلقاء الكرة في مرمى الخواص أو الجمعيات، كما أن حديث الدولة عن دور الجماعات الترابية يجعل من هذا المشروع معلقا ومرتبطا بإمكانيات وإرادة وديمقراطية كل جماعة ترابية، وبالتالي فإن الإنصاف يصبح مهدّدا من جهة ثانية فإمكانيات الجماعات الترابية تختلف من منطقة إلى أخرى. كما أن النموذج الديمقراطي المغربي متردد إلى اقصى الحدود في القطع مع أساليب الهيمنة والاستبداد والاغتناء بالسياسة. فخارج الديمقراطية الحقيقية لا يمكن الحديث عن دور للجماعات الترابية.
الرافعة الثالثة عشر: التمكن من اللغات المدرسة وتنويع لغات التدريس
حاولت الرؤية الاستراتيجية من خلال هاته الرافعة تحديد وضع كل لغة على حدة داخل المدرسة. فاللغة العربية هي اللغة الأساس والأولى للتمدرس، أما اللغة الأمازيغية فهي للتواصل، أما اللغات الأجنبية فهي للانفتاح. وبذلك فإن الرؤية الاستراتيجية لم تعالج الإشكالية اللغوية في المدرسة المغربية باعتبارها من أبرز الإشكاليات والعوائق. فلغة العلوم لم تحسم بعد باعتبار أن التدريس يكون باللغة العربية وبعد ذلك يتغير إلى لغة فرنسية في المستويات الجامعية.
بفشل الرؤية الاستراتيجية في حسم الإشكالية اللغوية يتضح أن مقاربتها ليست علمية في تناولها للإشكالية بل سياسية بالدرجة الأولى. مما يعني أن جزءا كبيرا من الإصلاح سيبقى مؤجلا إلى أجل غير مسمى!
الرافعة الرابعة عشرة: النهوض بالبحث العلمي والتقني والابتكار
تحدثت الرافعة عن الرفع التدريجي من نسبة الناتج الداخلي الخام المخصصة لتمويل البحث العلمي، لكي ترقى إلى نسبة 1% في المدى القريب، 1,5% في 2025و 2% سنة 2030. وهي نسبة تبقى ضعيفة إذا علمنا أن اليابان حاليا تخصص 3,4% من الناتج الداخلي الخام لذلك.
الفصل الثالث من الرؤية الاستراتيجية خصص له عنوان: من أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع.
هذا الخيار خصصت له رافعات:
- ملاءمة التعلمات والتكوينات مع حاجات البلاد، ومهن المستقبل، والتمكين من الاندماج؛
- تقوية الاندماج السوسيوثقافي؛
- ترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة؛
- تأمين التعلم مدى الحياة والمساواة؛
- الانخراط الفاعل في اقتصاد ومجتمع المعرفة؛ تعزيز تموقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة؛
أما الفصل الرابع و الأخير فاتخذ له العنوان التالي: من أجل ريادة ناجعة و تدبير جديد للتغيير
هذا الهدف برمجت له رافعتان هما:
- تعبئة مجتمعية مستدامة؛
- ريادة وقدرات تدبيرية ناجعة في مختلف مستويات المدرسة.
يتضح أن أغلب ما جاء في الفصلين الأخيرين ومن خلال الرافعات المتعلقة بهما أن كل تلك الأفكار مرتبطة بالنموذج الديمقراطي والاقتصادي للمغرب أكثر من كونها مشاريع مرتبطة بقطاع التعليم فقط. ونأخذ على سبيل المثال الرافعة الثامنة عشرة" ترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة" وكذلك الرافعة الواحدة والعشرون:" تعزيز تموقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة" نفس الشيء في كل ما يتعلق بالحكامة. هاته الشعارات جميعها مرتبطة بالخيارات الاستراتيجية للدولة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، فالحكامة مثلا مرتبطة بفصل السلط وتقوية دور القضاء كسلطة مستقلة.
خلاصات:
من أهم ما جاء في الرؤية الاستراتيجية:
- جزء كبير من الرؤية الاستراتيجية إعادة لما جاء به الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
- المزيد من تشجيع القطاع الخاص والانتقال به من نسبة 14% إلى نسبة 20%.
- تخلي الدولة عن جزء كبير من دورها في تمويل التعليم عن طريق البحث عن ممولين جدد لن يسلم منه المواطنون.
- الرؤية لم تعلن عن مسؤولية الدولة المباشرة في توفير التعليم الأولي، بل تحدثت عن الشركاء من خواص وجمعيات وجماعات ترابية.
- التخلي عن مجانية التعليم أمام تشجيع القطاع الخاص، فكل مؤسسة خصوصية يتم فتحها هو إلغاء لمجانية التعليم.
- اقتصار إلزامية التعليم من سن5 إلى 15 سنة معناه أن التعليم الثانوي والجامعي ليس واجبا على الدولة.
- توسيع قاعدة التكوين المهني وهي مغامرة غير محسوبة العواقب أمام اقتصاد هش ليست له ملامح ثابتة بينما الأجدر هو السير المتوازي بين الاقتصاد والتعليم في تناغم وارتباط وثيق.
- الإشكالية اللغوية لم تحل بشكل جذري وهي إحدى الأمراض المزمنة الخطيرة للنظام التعليمي.
- رغم حديث الرؤية عن دور الموارد البشرية إلا أن واقع الحال يبين أن المصرح به له معنى آخر غير الذي يمكن فهمه من السطور والدليل هو العمل بالعقدة والتخلي عن التكوين الأساس.
- الاستشارات الواسعة التي تم القيام بها لم يظهر الجدوى منها في الوثيقة ولم تستثمر، بل كانت شكلية فقط.
الرؤية الاستراتيجية في مجملها طغت عليها اللغة العامة الحقوقية وتحكم فيها المنظور السياسي الذي يراعي التوازنات، والتوافقات السياسية. وبالتالي فإنها ليست وثيقة علمية، (الوثيقة العلمية هي التي تشخص واقع الحال بشكل ملموس وتطرح الحلول استنادا إلى المشاكل المطروحة مع إدخال عنصر الموارد المالية والبشرية لتحقيقها، في أفق تنمية الإنسان بمختلف جوانب شخصيته).
توصيات:
بصدور وثيقة الرؤية الاستراتيجية من المجلس الأعلى للتربية والتكوين فإنه لابد من إعادة النظر في أشكال اتخاذ القرار والانتقال به إلى اعتماد الدراسات العلمية من فريق متخصص ومحايد لا توجهه النزعات أو التوافقات السياسية، خصوصا في الأمور المرتبطة بالبحث العلمي والعلوم الدقيقة والتكنولوجيا والاقتصاد. التعليم يجب أن يتحول إلى قطاع استراتيجي يعلو على المصالح الضيقة والتوجهات الإيديولوجية.
إن النظر إلى التعليم الخصوصي على أنه يخفف من تكاليف الدولة هو نظرة ضيقة فهو على العكس يزيد من تأزيم الواقع الاقتصادي للأسر المغربية ويحدّ من استهلاكها وبالتالي خنق الطلب الداخلي على الاستهلاك مما يعني خنق الدورة الاقتصادية. مع العلم أن الدول التي نجحت في اجتناب الأزمات الاقتصادية كانت تلك التي تعتمد على الاستهلاك والطلب الداخلي.
النظام التعليمي المغربي سيبقى متأزما مالم تحل الإشكالية اللغوية بتحديد لغة العلم الأساسية من المدرسة الابتدائية إلى المستويات الجامعية قبل الانفتاح على اللغات الأخرى. كما أن إعادة النظر في محورية اللغة الفرنسية يفرض نفسه لصالح اللغة الإنجليزية.
قدم في إطار علمي بمركز تكوين المفتشين و المفتشات بالرباط . المغرب
1- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي،" من اجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030" الملحق2: كلمات مفاتيح. المملكة المغربية.
2- Ali Boulahcen sociologie de l’éducation les systèmes éducatifs en France et au Maroc Eude comparative, Afrique orient 2010 deuxième É---dition, Casablanca, Maroc.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- اين التدابير الاولية؟
- المدرسة الديمقراطية و المدرسة الطبقية
- الدولة و الوطن
- السقوط الأخلاقي لحكومة ابن كيران
- بداية نهاية الاخوان ومن يدور في فلكهم
- القطيعة
- ما حقيقة ما سمي ربيعا عربيا؟
- السقيفة
- ملاحظات حول الاصلاح البيداغوجي بالمغرب
- أية نقابة لنساء و رجال التعليم ؟
- جدلية الكوني و الخصوصي حول حقوق الإنسان
- مشروع الدستور المغربي : التناقض يعكس التردد في الاختيار الدي ...
- رسالة الى حركة 20 فبراير
- المهدي بن بركة حي لايموت
- بومية : التحالفات الهجينة


المزيد.....




- رفض أوروبي لسياسات واشنطن بشأن إيران
- أول مزاد علني بالعملة الافتراضية "بيتكوين"
- فيديو لزعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني وهو بصحة جيدة ...
- مجلس الأمن الدولي يدعو للتهدئة في كركوك
- فيديو لزعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني وهو بصحة جيدة ...
- جلسة بالكونغرس الأميركي لبحث تداعيات حصار قطر
- المحافظون الفنزويليون المعارضون يرفضون أداء اليمين الدستورية ...
- إقليم كتالونيا سيعلن الاستقلال رسميا إذا علقت مدريد الحكم ال ...
- غوتيريش: نحو 70 فردا من قوات حفظ السلام الأممية قتلوا في 201 ...
- هايلي تدعو مجلس الأمن للاقتداء بموقف بلادها حيال إيران


المزيد.....

- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين
- لدليل الإرشادي لتطبيق الخطط الإستراتيجية والتشغيلية في الج ... / حسين سالم مرجين - مصباح سالم العماري-عادل محمد الشركسي- محمد منصور الزناتي
- ثقافة التلاص: ذ.محمد بوبكري ومنابع سرقاته. / سعيدي المولودي
- دليل تطبيق الجودة والاعتماد في كليات الجامعات الليبية / حسين سالم مرجين
- إصلاح منظومة التعليم الجامعي الحكومي في ليبيا - الواقع والمس ... / حسين سالم مرجين
- كيف نصلح التعليم؟ / عبد الرحمان النوضة
- شيء عن جامعة البحرين / موسى راكان موسى
- University of Bahrain / موسى راكان موسى
- مظاهر التدبير “السيكوسوسيولوجي” لمؤسسة تعليمية / : رشيد عوبدة
- أراء ومقترحات في المهارات الواجب توفرها في الخريج الجامعي وف ... / سفيان منذر صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - ابراهيم سلاك - دراسة نقدية للسياسة التربوية من خلال الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 حول إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب.