أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - ماهية الحقيقة والأوهام الأنطولوجية : دراسة فلسفية















المزيد.....



ماهية الحقيقة والأوهام الأنطولوجية : دراسة فلسفية


احسان طالب
الحوار المتمدن-العدد: 5543 - 2017 / 6 / 6 - 18:22
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تخليص الحقيقة من الأوهام الأنطولوجية وصولا إلى حقيقة منطقية ، الحقيقة بذاتها من التيهان إلى الكشف ورفع الحجب.
ماهية الحقيقة والأوهام الأنطولوجية : دراسة فلسفية
أسطع الأشياء وضوحا أصعبها تأملا، وأكثر الأمور بطلانا ادعاء الحقيقة بلا دليل .
تَحَقق وتَحْقيق :
الحقيقة موجودة بالقوة لكنها لا تكتسب صفة الوجود إلا بالفعل، الاكتشاف والكشف فعلان ضروريان لإبراز الشيء بصورته أو طبيعته مظهرا ما هيته الداخلية الأول ، يظهر الأشياء كاشفة ذاتها ، قصرت عنها الرؤية ، والثاني يرفع الحجب الملقاة على الصورة حتى باتت غائبة أو مخبأة بفعل فاعل ، نفي النفي ينعكس إيجابا على ظهور الموجود، وقصور الرؤية قصد في الوعي ، فلا تدرك الحواس ما قصد الوعي تغييبه أو إخفاؤه ، والوعي يحتاج للتعليق والرد ـ أبوخية ـ ليتمكن من التحرر من سلطة قصد آخر ، أوجده الموضوع في الذات ولم تقصد هي وعيه أو تعقله ، فلكي ترى كل شيء ينبغي لك أن تنسى كل شيء ، تدخل غرفة تبحث عن تفاحة ، الصورة القبلية للتفاحة لديك مغايرة للواقع ، فوعيك احتوى في أنية ما، صورة محددة ، بمواصفات مختلفة عن الواقع فغدا التوقع مغايرا لظهور الشيء، بين ثنايا الأشياء المبعثرة على فراغ الغرفة توجد تفاحة ، نظرت إليها مرارا وتكرار ومررت بقربها ، يهمس عقلك بصمت يسمعه عقلك الباطن : ذلك الشيء الكروي أصفر اللون لا يعنيني ، ما أبحث عنه أحمر بلون الكرز، فعل الرؤية هنا مضلل أو قاصر أو ناقص ، بفعل نقص الخبرات أم بفعل موضوعات أخذت حصتها من الوعي دون وعي منه وباتت وعيا مسيطرا يحجب ويغطي بل ويضلل العين فلا ترى سوى ذلك النمط المحدد من الأشياء دون سواها صادقة كانت أم مخادعة . الكشف وعي مطلق ، متحرر من سلطة موضوع أو موضوعات قد تكون الآخر أو الذات في تصورات قبلية للوعي ، إنه قصد نحو شيء ما بما هو موجود كما هو وكما يظهر ، دون أنماط مسبقة، دون وصاية موضوعة على الذات ، البحث عن ذات الشيء بذاته كما يتجلى وليس كما يُتصور، تلك كانت عملية التحقق من حقيقة مجردة محررة من اختيارات مسبقة وتصورات قديمة.
"الحقيقة هي واقع أنطولوجي معقول يوجد خلف المدارك الحسية (أفلاطون وأرسطو)، إلا أن هذا الواقع في اعتقاد أفلاطون مفارق للعالم الحسي، وهو في اعتقاد أرسطو محايث له (متصل به). أما ديكارت فيختلف عن الفيلسوفين، لأن الحقيقة، في نظره، غير موجودة في الواقع لأنها بناء عقلي يتم من خلال عملية الشك. هكذا يكون الفكر هو الذي يحتضن الحقيقة، ولا وجود لحقيقة خارج الفكر. إذا اعتبرنا الحقيقة بناء عقليا مجردا وتمثلات ذهنية متجاوزة للإدراك الحسي ؛ فإننا نجد الأطروحتين، الأفلاطونية والأرسطية، تعتبران الحقيقة بناء فكريا يتجلى في تمثل واقع موضوعي مفارق للواقع المادي الحسي (أفلاطون) أم محايث له (أرسطو) … إلا أن الأمر مختلف مع ديكارت، فدعوة هذا الفيلسوف إلى تجاوز المعرفة الحسية لا تعني بالضرورة تجاوز العالم المادي إلى واقع غيبي ميتافزيقي. وهنا تتوالى عدة تساؤلات : كيف يمكن التحقق من مطابقة الفكر للواقع، رغم غياب الاعتماد على التجربة الحسية؟ ما الذي يضمن صدق البداهات العقلية ؟ للإجابة على هذه الأسئلة لجأ ديكارت إلى فكرة الضمان الإلهي، مؤكدا أن ـ الخيرية المطلقة ـ الله واتصافه بالكمال يحولان دون وقوع العقل في الخطأ. ومن ثمة ما يبدو للعقل أنه يقيني، فهو كذلك.(1)
الحقيقة شيء موجود لا خلاف على وجوده ، الخلاف حول أين وكيف وما هو ، أين توجد وكيف هو حال وجودها وطريق الوصول إليها وما هي حقيقتها أو جوهرها ـ ماهيتها ـ ذلك الشيء الموجود حقا هو علاقة بين شيئين، الواقع ـ كواقعة محددة باعتبار الأشياء ، كقطعة نقدية ، مصباح ، سرير ، وقائع ـ وتصوره ، أي بين صورته كما هي وبين تصوره ، لا شك بأن التصور هو حدس قبلي ، أي صورة موصوفة في الوعي يستحضرها العقل بالتفكر وبالحس ، فمدى انطباق التصور على الصورة كما هي دون اكراهات مسبقة أو تأثيرات موضوعية خارج الذات، هو مدى الحقيقة ، وقد تكون الوقائع حوادث أو حادثات ، كخسوف القمر أو نزول المطر أو موت إنسان أو ولادة طفل ، توافق التصور الكلي للحادثة الطبيعية مع تصورها المشتمل لتفسيرها وما هيتها مع ، وجودها كما هو، مكشوفا من كل الحجب ـ متخليا ـ ومحررا من كل الاكراهات والاملاءات الخارجية ، هو حقيقتها . ذلك الوجود الحر والمنكشف ، هو ما ينبغي معرفته من هنا كان السبيل لتعقله ومن ثمة معرفته وتحويله لتصور مطابق مهمة الفلسفة برمتها ـ البحث عن الحقيقة وايجادها ومعرفتها أي تحولها لعلم ـ إشكالية الحقيقة هي أن أي معرفة ، كل معرفة هي تصور مسبق ، فإما أن تكون معطاة أو مكتسبة ، معطاة كفطرة ووحي و مُثل ، أو مكتسبة بخبرة تراكمية ، ذاتية وموضوعية ، وبالتالي كيف نحقق التخلي والتحرر ؟ وكيف نتحقق من صدق ووثوقية نتائج أحكامنا، البداهات حقائق أولية ، مقدمات للقياس أو تصورات عامة ـ أي لدى كل الناس ويقبلها العقل مباشرة وتلقائيا ـ بواسطتها أي بتوظيفها ؛ نبرهن على مدى تحقق المطابقة والتوافق بين الصورة ـ ظاهرة ـ وبين ماهية وجود الشيء ـ مع أن الصورة أو الظاهرة هي انعكاس وتمثل للماهية ، فإن المقصود هنا تطابق وتوافق التصور والحكم مع الصورة أو الظاهر كما هي بوجودها الحر .
عندما نتحدث عن الوجود فليس المقصود حتما فقط الحسي المادي، بل أيضا وبكل ثقة الروحي والمعنوي والنفسي ، عن وجود مفاهيمي ، فالحب والإيمان والصدق والتضحية والخير والفضيلة ، مفاهيم وجودية في كل الفلسفات حتى أكثرها ما دية، فالماركسية التي ينقل عنها القول : الوجود مادة ، أساسها وجود قيمي لإنهاء سلطة رأس المال على الإنسان ، والقيمة هنا هي رفع مكانة الإنسان قبالة المال وسلطته، وإعادة حق المبادرة للعامل وليس لرب العمل بصفته مالكا ، فيغدو عندها الحق مشاعا وعموميا ، إذن أشكال الوجود تشمل ما وراء المادة حتى لو أنكرنا وجود ما وراء المادة ، هذا الانكار مبني على فكرة وجود المادة ، صحيح بأن المادة "لا تفنى ولا تخلق من عدم " لكنها تخلق من وجود ، ذلك الوجود هو ما نبحث عنه بكليته وكما هو لا كما نريد ولا كما نتصور ، حاولت الماركسية تطبيق المنهج الجدلي بتفسيرات مادية بيد أن الزخم الروحي يستحيل فصله عن منهج الجدل الهيغلي ، كتاب ظاهريات الروح ، فلسفة مثالية بجدارة ، ومع ذلك نجد ماركس يقول : إن الإطار المثالي الذي غلف الجدل الهيغلي لم يمنع هذا الرجل مطلقا من أن يكون أول من عرض الصورة العامة للجدل بطريقة واعية وشاملة ، ونرى ماركس قبل إصدار كتابه رأس المال يعيد قراءة منطق هيجل ويقول في رسالة إلى انجلز .. لقد ألقيت في البحر بنظرية الربح التي ظهرت حتى الآن أما من حيث المنهج فقد عدت من جديد وألقيت نظرة سريعة على منطق هيجل الذي خدمني خدمة كبرى ، . ولخص انجلز حاجة الماركسية لهيجل باختصار شديد "من المستحيل أن نستعي عن هيجل " (2)
تلك كانت تجربة لتغليف الحقيقة ـ وأقصد حقيقة الوجود ـ فإنكار أي وجود غير مادي هو حجب لمنكشف بذاته ، حجبه بتصور مفتعل لا يتوافق ولا يتطابق مع الواقع كما هو ، الوجود منكشف ومنفتح ، قد لا يكون مكشوفا بالتصور لكنه منكشف بداته ، وقد لا يكون منفتحا حسب رؤية محددة ، زمنية أو مكانية ، بيد أنه منفتح بماهيته ، بدءا من تصور كلي للوجود بما هو علية منكشف ومنفتح ، تبدأ الحقائق بالتجلي ، أي ترفع حجبها عن نفسها لتظهر كظاهرة تجلّي جوهرها بتمظهرات متباينة ، فإذا كانت تلك التظاهرات واقعية ومطابقة لما هي عليه بجوهرها وماهيتها كانت حقيقية وإلا فهي باطلة أو فاسدة ، كل تجربة لتغليف الحقيقة هي " أفكار مجردة من كل حقيقة أنطولوجية " التجربة إما أن تفضي إلى حقيقة أو إلى وهم ، والفيصل هو البرهان الذي يحكم بإثبات أو نفي ، نحن نعرف بأن إثبات النتيجة يكون بانطباقها على الواقع ، لنأخذ مثلا حقيقة علمية كيميائية : حمض + معدن = ملح + هدرجين ، في كل مرة يتم هذا التفاعل تتم نفس النتيجة مع الأخذ بعين الاعتبار شروط التفاعل الواجبة ، الواقع أثبت أنها حقيقة علمية ، هذه تجربة لكشف المنكشف، بمعنى ؛ القاعدة الكيميائية المذكورة موجودة منذ الأزل ومنكشفة لا تُخفي ذاتها ولا تحتجب تحت أي ظرف ، الملاحظة العلمية كشف لذلك المنكشف بذاته ، تطابق الانكشاف وموافقته للواقع كل مرة بكل الأزمنة والأمكنة ، حوّل التجربة لحقيقة وجودية ، دون إكراه أو إملاءات خارجية. بتلك الطريقة نستطيع التحقق من اليقين أو الظن لكن ذلك المنهج ليس الأسلوب الكلي لتقصي وإثبات الحقيقة ، أو كشف التجلي الحقيقي للوجود كما يظهر بما أن الظهور هو انعكاس للماهية .
فما ينطبق على الملاحظة العلمية قد لا ينطبق على النفسية أو الفكرية ، فليس بالضرورة كل مرة يراودني فيها حلم سيء أو كابوس أن أكون قد أثقلت على نفسي بتناول كميات زائدة ومعقدة وكثيرة التنوع قبل النوم مباشرة ، وليس في كل مرة ينتابني حلم مزعج أكون خلالها في حالة خوف من مواجهة صعبة أو مهزومة أتوقعها بعد الاستيقاظ في المستقبل المباشر أو القريب ، كذلك ليس في كل مرة يكون مرد تلك الأوهام المتجلية بصور ومشاهد مرعبة أثناء النوم مردها لعقد الطفولة أو أحداثها المؤلمة أو نتيجة لعلاقة مرضية مع الآباء ، وهكذا هي سلسلة من الافتراضات التي لا تنتهي ، فالنتيجة القائمة على الملاحظة النفسية هي حقيقة افتراضية ظنية ، يقينيتها آنية وأنيتها محايثة لحالة بذاتها تعميمها مرتبط كل مرة بمحددات وشروط غير ثابته ، فالتحقق هنا متعسر إذن الحقيقة احتمالية ، الوجود المرتبط بالحالة النفسية هو وجود فعلي لكن انكشافه غير متحقق ، فالوجود المنكشف لعلم النفس مازال غير مكشوف تماما ، لذلك كانت الظاهرات النفسية غير متطابقة مع ماهية وجودها وبالتالي كانت تمظهراتها غير مفسرة كليا بل جزئيا فقط ، وعليه لم تستقر الظنيات النفسية لتصبح حقائق يقينية ، مع الأهمية البالغة لها وضرورة وجودها. تلك التجربة كانت حالة حجب غير مفتعلة أي غير مقصودة ، فعندما ننفي الوجود الغير المادي لاحظنا الافتعال في خلق وجود وهمي لحجب وجود منكشف ، في الحالة النفسية نحن أمام محاولة كشف لمنكشف غير مكتملة فبعض ملامح الصورة تظهر ـ تبدو ـ غير مكتملة بل ومحجوبة ، مشفرة ، في حين أننا عندما تستغرقنا الأيديولوجيا أو نستبق الكشف لنقرر المنكشف كما نعتقد أنه هو هو نقع في الوهم ، هذا ما يمكننا تسميته ب" الأوهام الأنطولوجية الخاصة بالواقعية الإدراكية ، أي حسبان الإنسان أن ما يراه واقع فعلا لمجرد أنه أدركه " (فريناند آلكييه) علينا تجنب تلك الأوهام الوجودية كذلك الأوهام العلمية ، فما هو ظني لا يصح نزوله مكانة اليقين ، ما يعني تطبيقه ككلي على كل الجزئيات التي ليس منه كلها ، لأننا بذلك نحل النظرية الافتراضية محل البداهة أو الحقيقة ، فتكون النتائج فاسدة أو خاطئة وأحيانا كارثية.
التفكر كتجربة ذاتية منهج نظري للمعرفة والعلم أيضا ، وكل تفكير وفكرة يتوافق وينطبق مع العقل ومقتضياته يفضي إلى كشف واقع ، لا كما نريده بل كما هو دون تصورات مسبقة أقامها الوعي على مقدمات افتراضية أو نوايا مقررة للنتائج ، وإذا أيدنا رؤية ديكارت بأن ( الوجود هو المصدر لكل حقائق هذا العالم ) تكون الكشوفات المجلية للمنكشف كما هو موجود هي الحقائق، وإذا ما بُني التفكير على ظنون وافتراضات احتمالية أتت النتائج من صنف المقدمات ، احتمالية ، إشكالية عملية التفكير قائمة في بُناها ؛ فمدى انزياح الاحتمال هو مدى الانزياح المفترض أو اليقيني ، بمعنى إذا كانت مقدمات التفكير كتصورات ومنهج مبنية على بداهات وحقائق جاءت الاحتمالات أقرب ما تكون نحو الصواب و الصلاح ، والعكس صحيح ، وإذا كان التفكير علامة وجودية فإن نتيجته حقيقية كلما كانت وجودية ، أي كشف المنكشف كما هو ، أي تطابق الصورة أو الظاهرة مع الماهية والقصد ، هنا الصورة التصورية لا الصورة الوجودية، فالتجربة أو عملية (التفكيرية) تفضي إما إلى حقائق أو افتراضات وظنون أو إلى بطلان ، لكن علينا إدراك أن عصب الوصول للحقيقة بما هي بداهة ووجود متجلي لا يتم إلا عبر عملية تفكير متطابقة مع تعقل لا يمكن إبطاله ، من هنا جاءت حقيقة أنا أفكر إذن أنا موجود ، فوجودي بالقوة لم يظهر إلا بالفعل ، فالمنكشف الذي هو وجودي لم ينكشف أو يعرف ألا بتفكير، من هنا كان صلب الوجود هو عقل بطبيعته وبوجوده مفكر .
" ما الذي نعنيه عادة "بالحقيقة" هذه الكلمة النبيلة ، لكن المنهكة من كثرة الاستعمال لدرجة أنها أصبحت فارغة من المعنى ، ماذا يعني كون الشيء حقيقيا ، نقول مثلا: إنها فرحة حقيقية أن يساهم الإنسان في إنجاز هذه المهمة ، ونريد أن نقول من خلال ذلك أنها فرحة خالصة وواقعية ، فالحقيقي إذن هو الواقعي وبهذا المعنى نتحدث عن الذهب الحقيقي بتمييزنا له عن الذهب المزيف ، فالذهب المزيف ليس واقعيا وفعليا ما يظهر أنه هو ، ليس سوى مظهر ولذلك هو غير واقعي ... فالحقيقي سواء كان شيئا أو حكما ، هوما يتوافق ويتطابق ، الحقيقي والحقيقة يعنيان هنا التوافق ، وذلك بطريقة مزدوجة ، أولا كتطابق بين الشيء وما نتصوره عنه ، ثم كتطابق بين ما يدل عليه الملفوظ وبين الشيء ، هذه الخاصية المزدوجة للتوافق تُظهر التعريف التقليدي لماهية الحقيقة : الحقيقة هي تطابق الشيء مع العقل فقد يعني ذلك تطابق الشيء مع المعرفة " (3)
عندما ننعت التعريف بالتقليدي لا نقصد الحكم بالنقض بل نريد لفت النظر إلى وجود تعاريف أخرى أو الإشارة لطلب أكثر من المتاح والبعد عن العمومية بهدف التحديد ، الموافقة والتطابق مع الواقع والعقل هي صلب التعريف، ولكن هذا ليس كل شيء " الحقيقة هي تطابق الشيء مع العقل " تطابق الشيء مع ما نتصوره أي مع ما نفكر به ، وتوافق الدلالة للفظة المنطوق مع الشيء ، بحسب تصورنا للعقل تعاد صياغة التعريف ، فإذا كنا نعتقد " أن الأشياء بماهية وجودها ، لا توجد إلا من حيث أنها كموجودات مخلوقة تلائم الفكرة المتصورة سلفا من طرف العقل الإلهي ، فالأشياء إذن منتظمة وفق هذه الفكرة ومتطابقة معها ، وبهذا المعنى فهي حقيقة ، والعقل الإنساني بدوره موجود مخلوق .. يكون من اللازم على هذا العقل الإنساني أن يكون متطابقا مع فكرته ، إن الحقيقة ـ هكذا ـ تعني أساسا في كل الحالات التوافق ، توافق الموجودات فيما بينها والذي يتأسس بدوره على توافق المخلوقات وتلاؤمها مع خالقها وهو ( التناسق ) المحدد من قبل نظام الخلق " وبفصل فكرة الخلق ، يصبح ذلك النظام يعني : " أن حقيقة الشيء تعني دائما اتفاق الشيء المعطى مع مفهومه الأساسي كما يتصوره الفكر ، .. هكذا تكتسب ماهية الحقيقة ( الحقيقة هي توافق العقل والشيء ) بالنسبة لكل إنسان وبصفة مباشرة صلاحية بديهية " (4)
هل يسمح ذلك التصور بتعدد الحقائق كما قرر جوستاف لوبون 1841 / 1931 عندما قسمها لخمسة أقسام تقسيما دراسيا كملاحظة للواقع : بيولوجية ، عاطفية، دينية ، جمعية ، عقلية ، واعتبر الحقيقة الوحيدة الفعلية التي تتطابق الوصف هي الحقيقة العلمية ، واعتبر اليقين حالة النفس التي تعتقد حيازتها للحقيقة ، فاليقين معتقد والحقيقة معرفة ، ثم يسوق تعريف الحقيقة بكونها " مطابقة الفكر للواقع" فالرضا والقبول وحتى شبه الإجماع المجتمعي على حكم أو رأي أو تصور أو نظرية ، لا يعني تأكيد اليقين مالم تدعمه الحقيقة العلمية بما أنها الحقيقة العقلية ، وتاريخية فهم أو مفهوم بعينه لا تكفي لاعتباره عقليا أو علميا ، وبالرغم من قدرة أشباه الحقائق وحتى الأوهام على تحريك المجتمعات وإثارة الحروب وحتى بناء الدول فما ذلك بدليل على الحقائق، حتى الأخلاق والتعاليم الدينية لا تكتسب تلك الصفة إلا باقترانها بدليل علمي ، وما قرن وليم جيمس للحقيقة بالمنفعة إلا خطأ برأي لوبون ، فالمنفعة قد تتأتى من مصالح ضارة أو من تصرفات منحرفة ، وعلى هذا الأساس تتم معالجة الظاهر بميزان العلم والتجربة العلمية بما يعني أنه منهج تجريبي ومادي بحت لمفهوم الحقيقة ، ولا علاقة للوجود بمفهومها فهي موضوع بحت. (5) ما من خلاف على أن الحقيقة العلمية التجريبية من أرسخ الحقائق ، لكن الكلام ليس عن جنس أو صنف الحقيقة بل هو عن الماهية ، والبيان هنا من أجل معرفة كلية تفصح عن ارتباط أو علاقة المفهوم والمعنى بكلية العلوم والمعرفة ، بالوصول لحقيقة مطابقة بالوصف والتعريف لكل الحقائق ، بما يجعلنا أقدر على فهم عالمنا وذاتنا ودورنا ويرتقي بحكمنا وأقيستنا بما يساعدنا على بلوغ الحقائق دون انحياز مسبق لتقرير اليقين وإفراغ الوجود من شموليته وأصالته ، فبالأخذ بمنطق المنهج التجريبي يمكننا القول بأن حصر الحقيقة أو استثناؤها خارج العلوم الطبيعية كان سببا لأزمة العلوم والإنسان ولم يتمكن العلم منفردا من تجنيب البشرية كوارث وحروب طاحنة كان الإنسان أداتها ووقودها ، ولم يتمكن العلم من تقرير قواعد الخير والشر أو تحديد معاني الفضيلة بل ولا حتى الإجابة على كل أسئلة المعرفة وملء فراغنا الروحي وتجنب عذاباتنا وأمراضنا النفسية ، حتى نهمنا وتطلعنا لفهم مغزى حياتنا ووجودنا ووجود عالمنا لم تكن التجربة العلمية بكل ما حملته من مصالح ومنافع وما أنتجته من روعة وإبهار وإعجاز ، كافية للوصول إليه وربما كانت مضللة في بعض المرات ، من هنا جاءت أهمية بحثنا عن ماهية الحقيقة وصورتها وتعريفها وشروط تحققها ـ أي وجودها ـ والتحقق من انطباقها.
التفريق ضروري وواجب بين الوهم أو الزيف أو الضلال المصبوغ أو المحتجب بلباس الحقيقة ، فصحيح أن شيوع وقدم وانتشار وجماهيرية قضية ما أو نظرية أو تصور ما على أنه حقيقة لا يحقق ذلك ، بل يظل كما هو زيف ووهم ، أما اعتبار الحقيقة موصوفة ، كعاطفية أو جمعية أو غير ذلك فهذا جزء من التيهان ، كالمستجير من الرمضاء بالنار . تلك الصورة المطلوبة لتجلية معنى ومفهوم وماهية الحقيقة كما أبرزها هايدغر وغيره فما هي إلا لنتمكن من منع انزلاقنا ثانية نحو الحصر والاستثناء بحدود وضوابط لا لزوم لها وحرمان أنفسنا من الانفتاح على عالم منفتح علينا لا يكتم أسراره إلا بمقدار بعدنا عن منهج الحقيقة كما هي موجودة ، منكشف موجود يعمل ويفعل ما ينبغي لوجوده وبوجوده ينتظر أو لا ينتظر من يكشفه ، فلا يعنيه أمر معرفته فهو غير محجوب بالقوة ، وإذا ما كان محجوبا فبالفعل أو بالقصور عن الفعل . أن المنهج العلمي التجريبي حقيقة متحققة ، لكن الخطأ هو قصر الحقيقة عليه وحجبها عن غيره من المعارف والعلوم ، فصفة النقص تستوجب الإكمال لا النقض ، والاتمام لا الإهمال ، فقصور التجربة على تلبية احتياجات الإنسان يعني بداهة وجود غيرها يلبي الحاجة ، وهذا واحد من أسباب انتظام الكون ، وقصورنا أو عجزنا عن الكشف ليس بدليل على العدم إنه اختفاء غير مقصود ، وجود أمر ما ليس بالضرورة ظهوره لنا أو تصورنا له ، صحيح أن تجلي الموجود بصوره وظاهراته تمُثل لوجوده الماهوي لكن اختفاؤه عن تصوراتنا وفكرنا ومن ثمة معرفتنا ليس دليلا على الإطلاق على عدميته أو عدم وجوده ، فعندما كان الإنسان يجهل وجود اللقاح من الأمراض السارية ، كانت اللقاحات بل وفكرتها موجودة لكنها مجهولة ، فاللقاح حقيقة أزلية ما عرفها الإنسان إلا متأخرا . ولكن كيف يحدث الاختفاء ؟ الاحتجاب أو التناسي القصدي أو التغييب المنهجي ، شكل من أشكال الاختفاء، فأحيانا نشعر بعدم ملاءمة الحقيقة لواقع نتأمله وقد تكون الفرضيات أو الظنون مخرجا لمعضلة شخصية أو عامة فنلجأ لخلق حقائق خيالية علّها تفسر لنا ظاهرة ما لم نجد لها تأويلا أو حلا ، وكثيرا ما نبني جملة أوهام على حقيقة بسيطة فتصبح تلك الأوهام وكأنها الأصل والأساس وتنال مكانة راسخة في عقولنا لدرجة أنها تصبح بديهية مظنونة ، هذا يحدث عن قصد أي بوعي متجه نحو تغييب أو حجب الحقيقة بالوهم ، ويحدث أيضا بوعي مسبق داخلي كوّن تصورا محددا عن شيء هو في ذاته مخالف لذلك التصور، وهذا ينطبق على جملة من القناعات بل وحتى اليقينيات المزعومة المتناقضة بين مجتمع وآخر ، فتقديس البقر باعتبارها نموذجا للعطاء الوفير والتفاني في خدمة الإنسان والطاعة المطلقة ؛ ربما كان صورة متجددة لما يعرفه تاريخ الأديان عن عبادة قوم موسى للعجل أو أمر بني إسرائيل بذبح بقرة ، لكن نظرة مفارقة لذلك التقديس تقترن بطبيعة التعامل مع ذلك الجنس من الحيوان في كل المجتمعات التي لا تقدس البقر ، وتعتبره حيوانا صالحا للأكل والاستفادة القصوى ، فالاحترام هو أكثر ما يمكن وضعه في مواجهة التقديس والفارق كبير جدا. نحن هنا أمام إخفاء قصدي أو تصوري لكننا نتساءل هل الاختفاء في طبيعة الأشياء أم في فكر الإنسان وطبيعة علاقته بالأشياء والكون من حوله أي هل هو موجود بالقوة يخرج أو يظهر بالفعل فيكون جزءا من كلية ماهية الشيء ؟ نبحث عن سر الاختفاء كاحتمال وجودي وكصيرورة سلوكية .
" فالتيه الذي يتخبط فيه الإنسان ليس له شكل المجرى الممتد على طول طريقه ، والذي قد يحدث له أن يسقط فيه ، بل على العكس من ذلك ، فإن التيه جزء التكوين الحميمي للدازاين * الذي يجد الإنسان التاريخي نفسه متروكا له ... إن اختفاء الموجود في كليته والذي هو ذاته محتجب يتأكد في انكشاف الموجود الجزئي الذي يشكل ـ بوصفه نسيانا للاختفاء ـ التيه في جوهره، إن التيه هو ضد الماهية الأساسية للماهية الأصلية للحقيقة ، إن التيه ينفتح على شكل مجال منفتح لكل خطوة مشادة للحقيقة الأساسية ، التيه هو مسرح الخطأ وأساسه فهو ليس خطأ عابرا لكنه امبراطورية هذا التاريخ التي تتشابك وتختلط فيها كل أشكال التيه وذلك شأن الخطأ " (6)
الكشف الجزئي لما هو كلي يمثل صورة أو حالة للاختفاء ؛ مؤداها نقيض الماهية الجوهرية للحقيقة ، ما يعني الوقوع أو ارتكاب الخطأ بقصد أو عن غير قصد ، وهذا بدوره ندعوه التيه الذي يشكل نسقا محايثا لسيرورة الإنسان ، أي لتاريخيته ، ما يعني أن الخطأ ليس حالة استثنائية بل هو جزء من التكوين اللصيق ـ القريب جدا كحبل الوريد ـ للكائن الموجود هناك ـ أي في مكان ما وفي كل مكان وكذلك بالنسبة للزمان أي كل زمان مقترن بوجود الكائن ، ذلك التيه متربص لكل لحظة وجزء من كل عملية بناء للحقيقة ، والسقوط في الخطأ ليس عابرا أو حادثا طارئ ، بل هو جزء تكويني من صيرورة الكائن ، فهو منفتح على كل تصورات الحقيقة المنفتحة بذاتها للحقيقة والخطأ ، فيبدو التيهان وكأنه قدر الإنسان والخطأ جبلة فيه ، هكذا نفهم مقولة هايدغر ، بما فيها من قرب شديد للمفهوم الديني لتكوين الوجود و الإنسان . وذلك جزء فقط من معنى التيهان والخطأ .
" إن كل سلوك يمتلك طريقته الخاصة في التيه المقابلة لانفتاحه ولعلاقته بالموجود في كليته ، والخطأ يمتد من التقدير والأخطاء الناجمة عن الجهل أو عدم التبصر ، ومن الحسابات الخاطئة إلى الزلات والتجاوزات المتعلقة بقراراتنا الأساسية ، إن ما تسميه العادة والمذاهب الفلسفية بالخطأ أي عدم تطابق الحكم ، وفساد المعرفة ليس إلا طريقة سطحية جدا في التيه ، فالتيه الذي ينبغي أن نفترض أن الأسس تتحرك فيه لتزيغ ، يشكل جزءا أساسيا من انفتاح الدازاين ، إن التيه يسيطر على الإنسان من حيث أنه يدفعه إلى أن يضل ، ولكن بالضلال يسهم التيه أيضا في إيجاد تلك الإمكانية التي يستطيع الإنسان استخراجها من وجوده المنفتح والمتمثلة في عدم السقوط في قبضة الضلال فهو لن يختنق فيها إذا كان قادرا على معاناة التيه كما هو وعلى التعرف على سر الدازاين *." (7)
نلاحظ بوضوح اختلاط علم اللاهوت بالفلسفة والبحث عن الحقيقة عند قراءتنا لهايدغر وغيره من فلاسفة الغرب ، وذلك أمر طبيعي جدا فما انتهت إليه أعمالهم نتيجة منطقية لتقصي الحقيقة دون اقصاء أو حصر واستثناء ، فلا يمكن لمدع أن يستأثر بالفهم أو الاستيعاب الكامل دون الاستعانة والاستفادة من سيرورة البحث وتاريخيته ، فالانفتاح والتعليق والكشف ورفع الحجب مصطلحات لا قبل لمعرفة الحقيقة دونها ، لكن علم الماهيات وجواهر الأشياء، وقبول نتائج أو صيرورة الفكر الإنساني قضية معرفية أساسية للموضوعية والوعي متخليا عن الإكراهات والإملاءات الخارجية والتاريخية. يتحدث هايدغر عن الخطأ بداية بمعانيه؛ الواضحة والصريحة والشائعة ، ويرجع الوقوع فيه لجملة أسباب بادية ومعروفة ، كالحسابات الخاطئة وسوء التدبير وغياب التدبر والاستبصار والزلات وإلى آخره ، لكن هناك صنف من طبيعة السلوك ، كحالات فردية ويمكن فهما أيا كحالات مجتمعية ، لكن التدقيق يؤكد بوجود التيه بماهية السلوك إذا جاز التعبير ، فالانفتاح يؤهل لمسارات صحيحة وأخرى خاطئة ، وما ذلك إلا شيء مبثوث في التكوين السلوكي للإنسان ، يعني لا غضاضة من القول بأن الإنسان مخطئ في طبعه ما يوحي بضرورة وجود دليل أو هادي هو في مجمل الظروف عقل . الرغبة في الزوعان أو القابلية لتيهان جزء من كلية ما دعاه هايدغر انفتاح الدازاين ، وهو ما يقصد به الكائن الموجود هناك ، الوجود بذاته بالمكان والزمان كما هو ، وعلينا دائما البحث عنه ومعرفته كما هو كائن بالضرورة وبظهوره كما هو بنفسه ، ليس كما نتصوره مسبقا أو كما نريد لظهوره ووجوده ، ولا يمنع أن نصل إليه كما هو لكن دون ذلك أسرار وحجب ينبغي كشفها ومعرفتها ، ذلك الدازاين الذي أصبح قريبا للفهم منفتح على الكشف وجاهز لمعرفة المكشوف ، وهو في نفس الوقت صيغة من معني "قصد" التيه و مؤهل للضلال ، تلك القابلية للضلال هي ذاتها تمنح الإنسان قدرة على معاينة التيه كما هو ومنع السقوط في " قبضة الضلال " لكن ينبغي عليه التعرف على سر تكوين الكائن . بعبارات أبسط يمكن القول بأن الإنسان المجبول على الخطأ والخطيئة ـ حتى بمعناها المدني والحقوقي ـ هو ذاته ومن خلال طبيعته سيتمكن من تجاوز مأزق تكوينه المجبول على فكرة الاختيار التي تسمح له برؤية وتبصر الحقيقة واللا حقيقة ، معد لبلوغ المنكشفات الطبيعية الوجودية مادية وروحية ومثالية، وبطريقة مغايرة نجد جوستاف لوبون يشرح لنا وجهة نظر مفارقة بيد أنها تتمثل تلك الروح الملقاة هنا مع ما فيها من أحادية للرؤيا " ما احتياج الإنسان الراسخ إلى الدين إلا كمناحي طبيعتنا الأساسية والروح الدينية هي ركن مختلف الأديان و تجد من أوصافها المشتركة لهذا السبب مخافة الأمر الخفي والأمل الخفي وعبادة الأمر الخفي ، أجل لم تؤدي الروح الدينية إلى غير أجوبة خادعة عن مسائل الكون والحياة بيد أن هذه الروح سلكت بالإنسان طريقا جديدا فقادته إلى المعارف التي نعيش اليوم بها بعد جهود دامت عدة قرون " (8) اعتبار كل الأجوبة الدينية خادعة أمر فيه تعسف ودوغمائية ، بجانب ذلك نرى تفاهما أو ما يمكن دعوته بتوافق بالخلاصات بين لوبون وهايدغر ، من حيث فكرة طبيعة الكائن البشري المجبول على التيه وكون التيه وسيلة للاهتداء. فما اعتبره الأول سببا في إعطاء أجوبة مخادعة ، كان سببا أيضا في الاهتداء للحقيقة ، وهو ذات المنطق عند الأخير بصياغات مختلفة .ولن يكون عسيرا علينا تقصي جذور فكرة " التيه " الهايدغرية في الديانات السماوية ، قال تعالى : ( قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) ) الآيات من سورة المائدة
لا نقول بتطابق تفاصيل فكرة التيه الدينية مع منطق هايدغر ، إلا أنه من الواضح وجود ايحاءات صريحة للأصل ، لذلك نجد عبارات الهداية والضلال جلية رغم عدم اتساقها الكامل مع لغة الفلسفة ، وبكل الظروف يظل التوجه المطروح منطقيا باستقراء صيرورة الفكر الإنساني ، بل والفلسفة ذاتها التي تكرر مشهد التيه عند كل مذهب جديد أو قديم ، فحالة التفتيش والبحث والتبصر والاستبصار أشبه ما تكون بتيه متعقل ، ما يلبث أن يخرج من ظرف " الضياع المقصود " أو المفروض ، ليبلغ الحقيقة المزعومة ، والتي يلزمها تحقيق ـ وجود ـ وتحقق ـ برهنة وإثبات ـ فإذا ما نالت صفة البداهة العقلية والواقعية كانت حقيقة مكتملة الأركان . تلك كانت صفة البحث الحر أو المتحرر من الإكراهات والإملاءات ، لديه القابلية الكاملة للتيه ـ أي تيهان ـ و للاهتداء بذات الوقت ، وبذاته نفسها ، ذلك الكائن الموجود ـ الدازاين كما يدعوه هايدغر ـ لديه الملكات اللازمة للمعرفة والعلوم بشرط مجاراة ـ مسايرة ـ طبيعته وطبيعة الحقيقة كما هي ، منها نجده إذ يعلق لا يرفض أو يقبل ، يخفي ، ويفتعل النسيان ، فيقع في الضلال خلال مسيرته لكنه يملك بكل تأكيد فرصة وملكة الاهتداء . وهي ليست ملكات فطرية فحسب بل هي حدسية أيضا بمؤديات حسية وعقلية يحدد علاقتها الجدلية ، قواعد المنطق التي عرفها بذات الطريقة أيضا فتملكها كحدوس وحقائق وأقيسة ساعدته لبلوغ حقائق جديدة ، فالحقائق تولد الحقائق بتقرير هوسرل .
" رغم أن الإنسان يرجع باستمرار إلى الموجود فإنه يقتصر عادة على هذا الموجود أو ذاك من حيث كونه منكشفا ، فالإنسان يرتبط بالواقع الجاري والقابل للسيطرة ، حتى عندما يتعلق الأمر بما هو أساسي ، وعندما يأخذ على عاتقه مهمة توسيع وتحويل وإعادة تملك وتأكيد السمة الانكشافية للموجود في الميادين المختلفة من نشاطه ، فإن التوجهات المعبأة لهذه الغاية تظل محصورة في المجال الضيق في مشاريعه وحاجياته اليومية الجارية . إن الانخراط في الحياة اليومية يعني في ذاته رفض الاعتراف باختفاء ما هو منحجب" (9)
الحياة المعيشة ارتباط بأشكال من الوجود ، ليست أشكال منتقاة أو منتخبة بل هي أكثر ارتباطا بالضرورات والتطلعات ، ويكون عادة أقرب إلى التعامل مع الموجودات الأكثر انكشافا والأقل معاناة في البحث والتفتيش عنها ، من هنا كان ارتباط الإنسان بالحقائق العلمية أشد وثوقا بها من غيرها من الحقائق ـ والتصنيف هنا ليس بالماهية بل بالوصف والكيفية ـ كذلك نجده يلجأ للحقائق المشتركة والتصورات الجمعية لأنها تلائم انخراطه في المجموعة وتجيب مباشرة على تساؤلاته وتمنحه طمأنينة نفسية مباشرة ـ حتى ولو كانت مخادعة فلا يهم فهو بحاجة للطعام والشراب والمسكنات المادية والمعنوية ، لذا تراه لا يلجأ لمعاناة التفتيش عن وجود أكثر عمقا إلا بقدر توظيفه " في مشاريعه وحاجاته اليومية الجارية ، وهو بذلك أي انخراطه بخضم يومياته وحاجاته وتطلعاته ، يرفض الاعتراف بوجود أشياء اختفت بفعل انحجابها بالنسيان أو بتعمد إخفاءها لدرجة غيابها عن الحضور ، لكن ذلك الغياب لا يعني إطلاقا انتفاء الوجود بل قد يكون الغائب اشد حضورا وفعلا من دون مشاهدة ، من هنا كانت الحقائق الفلسفية غائبة وبالتالي محجوبة بفعل تراجع أولويتها في الحياة المعيشة، ذلك الرفض والاكتفاء بمباشرة اليوميات يخفي اعترافا بضرورات مختلفة عن تلك التي يلهث خلفها الفرد مرغما أم بدوافع أنانية تجعله غير معني بمسائل مهملة تتراكم من حيث لا يدري فتشكل كماً سيؤدي حتما لحضور مغيب بالفعل دون استحضار ، إن إعراض الناس في كل المجتمعات عن مشاهدة ما يعتري الإنسان من بؤس في أصقاع من الأرض ،لا يرى فيها سوى مصدر للمواد الخام أو للمنتجات الزراعية أو مستورد لمنتجات التقنية والثقافة الخاصة ، حجب مفتعل لوجود قائم منسي بقصد ، وذلك الحجب لا يلغي وجودا منكشفا تقع مسؤوليته ، ومسؤولية ما يحدث وما قد يحدث من فوضى عارمة ودمار لا يعود مباشرة على أناس يصارعون من أجل البقاء وإثبات الهوية وطلب الحق فقط بل على أولئك اللاهثين خلف مزيد من الرفاهية والمتعة والترف والبزخ على حساب بؤس وهلاك ودمار سائد ويسود ، وكأن الإنسان مادة أو أداة من أدوات الانتاج والاستهلاك . العمى هو عكس الاستبصار وليس ضد الابصار ، وتضرر البصيرة يسمح بحجب حقيقة تواري قيمة الفرد خلف بل تحت وطأة ضغط التقنية وحضورها المكثف على حساب انسانيته ووجوده ، ربما كان ذلك الاستبصار بوحي من تفتيشنا عن ماهية الحقيقة سببا لإدراكنا لمعرفة ما نرغم على تركه وما نرغم على حمله ، ولندرك أهمية وعينا لذاتنا كجزء من كلية الوجود ، فالتحرر من سلطة السائد سلعة كانت أم فكرة أو ظنا ، سيؤهلنا لرفع الحجب وكشف الأستار فنكون مبصرين أمام منكشفات الوجود كما هي ، فما رأينا كيف كانت طبيعة تكوين الكائن وحتى الوجود منفتحة على الحقائق ، حتى في حالة تيهاننا فإن ماهية تكويننا ستسمح بل وستأخذ بيدنا لبلوغ العلم وامتلاك المعرفة.-
" إن الحس المشترك يستنجد ببداهة المنكشف ويصف كل تساؤل فلسفي بأنه اعتداء عليه وعلى تقبليته المنفرة ، لكن ما يتصوره الحس المشترك ، الذي هو مبرر في ميدانه الخاص ، عن الفلسفة لا يتوصل إلى ماهية هذه الأخيرة التي لا تتحدد إلا بالنسبة للحقيقة الأصلية للكائن كما هو في كليته ، إن الماهية الكاملة للحقيقة المتضمنة لللاماهية والسائدة أصلا في شكل اختفاء ، والفلسفة من حيث أنها تضع السؤال المتعلق بهذه الحقيقة منقسمة على ذاتها، وفكرها هو ذلك اللطف المرن الذي لا يستعصي على احتجاب الموجود في كليته لكنها أيضا القرار المنفتح الصارم الذي يدفع الاختفاء ( دون أن يحطمه محافظا على طبيعته ) إلى مستوى الوضوح في التعقل والفهم وبذلك يرغمه على أن يظهر على حقيقته "(10)
الحس المشترك هو المعرفة المباشرة المشتركة والسائدة ، و بداهة المنكشف هي الحقائق المعروفة والمتجلية لذلك الحس المنكشف ، يواجه كل الأسئلة التي تطرحها الفلسفة ، كما طرحنا سؤال الانشغال بموجود جزئي عن موجودات أخرى أو موجود كلي ، بالعداء بوصف التفتيش ما وراء الحس المشترك اعتداء عليه وعلى مجمل استعدادات قبوله المحدودة ، وقد تكون تصوراته مبررة في محيطه الخاص به والمكون له ، بيد أن تصوره عن الفلسفة يقصر عن فهم ماهيتها ، تلك الماهية تتحدد بالقياس إلى عنصرين أصالة الحقيقة والكائن في كليته ، وللأول ماهيته الكاملة المشمولة بضياع الماهية وتلاشيها أي اللاماهية ، ذلك التيهان والتلاشي لماهية الحقيقة منتشر وشائع بهيئة اختفاء ، والواقع أن الفلسفة بمرونتها وتعدد مناهجها وكثرة مذاهبها ومدارسها لا تقف قبالة سؤال الحقيقة وتفسيرها ومعرفة ما هيتها ووسائط تحقيقها والتحقق منها موقفا واحد بل مواقف متعددة تفسر انقسامها بمواجهة الحقيقة ، والفكر الفلسفي الشفاف لا يحجب الأسرار ومرونته تتسع دائما لمزيد من الرؤى والاجتهادات والحقائق ، قد يستعصي عليه احتجاب الموجود في كليته ـ أي الموجود بما هو موجود كليا ، كما هو ، وكأنها تشارك الحس المشترك في قضية الاختفاء مشاركة من حيث الإمكان وليس من جهة القرار ، لكن الفرق بينها وبين الحس المشترك واضح جلي ، فهي اتخذت قرارها الصارم برفع الاختفاء ودفعه سعيا لكشفه وليس لتحطيمه ، فكشفها يترك وجود الاختفاء على طبيعته ، ترك تخلي ، دون تهشيم وتكسير ، رفع يصل إلى مستوى بارز في الوضوح ، فيعالجه باستخدام قوانين العقل وأدواته وأسلوبه في بناء الفهم أي ـ باستخدام مهارات المنطق والتحليل والحدس العقلي والاستنتاج ، فيتوصل بل ويجبر المختفي أو المحجوب على الظهور عاريا إلا من حقيقته .
يقول هوسرل " تحولت الفلسفة إلى وقائع تاريخية ، ومذاهب فردية بما هي ( بحث عن الحقائق الكلية الثابتة التي تساعد على تقدم الحياة والروح الإنسانية ، وتدفعها في وحدة داخلية لكي تدرك العلم وكل حقائق الوجود ) ليست الحقيقة مفارقة للإنسان أو خارجة عنه ، هي في ذواتنا نحن ، لذلك لا يمكن أن نخرج من أنفسنا لكي نبحث عنها ( وإنما واجبنا هو الغوص في أعماق أنفسنا لاكتشاف هذه الحقيقة ... إن موقفا من العالم يفترض مقدما معرفة كلية بالممكنات الماهوية ، التي بدونها لا يتم إدراك العالم " (11)
كل أبحاث الفلسفة مدارها ماهية الوجود وحقيقته، معنية بأن على الإنسان وعي وجوده لوعي العالم من حوله ، من هنا جاءت أهمية الفهم الأنطولوجي كأساس للأبستمولوجيا ، الحقائق الكلية المتوجب كشفها والتعرف عليها ليست قطعا أثرية ثمينة وفاخرة يقتنيها الأثرياء ويهرع لمشاهداتها المهتمون والمستثمرون في الصالات والمتاحف ، هي تكشف وتستكشف وتتحقق من أجل تقدم الحياة والروح الإنسانية ، إنها جوهر الفلسفة منذ القرن الثالث ما قبل الميلاد، والفلسفة الرواقية تشيد بنى علومها بمبادئ أخلاقية تنهدم بدونها .
لعلنا بذلك المنطق ندرك القصد في قول هايدغر بأن ماهية الحقيقة هي الحرية " إنه لاستكمال منطوق ما أو لتبليغه إلى الغير أو لاستيعابه يتعين ألا تخضع لأي إكراه بل هي تقول إن الحرية هي عين ماهية الحقيقة " الماهية " تعني هنا أساس الامكانية الباطنية لما هو مقبول ومعروف مباشرة وبصورة عامة ومع ذلك فإن مفهوم الحرية لا يشكل ما تفكر به في الحقيقة أو في ما هيتها لذلك لا بد وأن تفاجئنا الأطروحة القائلة بأن ماهية الحقيقة ( توافق المنطوق ) هي الحرية " " فالحرية ليست فقط هي ما يريد الحس المشترك أن يمرره تحت هذا الاسم : تلك النزوة التي تنبثق فينا أحيانا وتدفع باختيارنا إلى هذا الطرف أو ذاك ، إن الحرية ليست مجرد غياب الإكراه المتعلق بإمكانياتنا في الفعل وعدم الفعل " الحرية انفساح المجال أمام انكشاف الموجود من حيث هو كذلك " (12)
تأخذ المعاني بعدا جديدا وتنفتح على آفاق مستحدثة فلا تظل جامدة كما هو سائد لها وكما هو شائع لدى الحس المشترك ، إنها ليست نزوة تدفع بنا للوقوع هنا أو هناك ، هي الإمكانية الباطنية لما هو مقبول ومعروف مباشرة أي الحقيقة ، إنها انكشاف للحجب فيظهر المنكشف بتحرره من الحجب والإخفاء ، ليست مجرد انتفاء الإكراه المتعلق بما يمكننا وما يحق لنا ، هي انفتاح كلي لأفق الوجود فيتيح رؤية وتبصر الوجود الكلي فنتمكن من معرفة ماهيته إن الأفق هو " أنني ما أزال أستطيع غير ما أفعله الآن " " هو الجوانب التي لا أراها ، وكل جانب من الجوانب التي لا أراها ( لم أرها بعد ) أفق يحتوي على امكانيات لا متناهية " (13)
هكذا يتجلى المفهوم وماهيته باقتران يماثل مفهوما آخر فتتشارك صفات الماهيات ، أليس عمل الفلسفة توليد الحقائق إلى حدود لا نهائية ، فلكل واقع متحقق ، متجلي ومنكشف حقيقة واقعية ـ متحققة ـ مفارقة للوعي ـ أي وعيي أنا ـ على ذلك النحو اللا متناهي ، الوجود قائم ـ أي واقع ـ وحَيّ أي متحرك ومتغير يستمر بكشف منكشفاته والتخلي عن حجبه ، والعقل يمارس التعقل ، فيدرك ويعي ويحلل ويستنتج محققا انطباق وتوافق الواقعة مع الحقيقة ، معلنا كشفه لمحتجب جديد واخراج مختبئ من مخبئه الحاصل بفعل التجاهل أو النسيان المقصود أو الحس المشترك الذي يهاب التعرف على مزيد من الكشوفات فتُثقل معاشه بعبء جديد . " فهل نكون قد أسأنا الدفاع عن رأينا إذا وضعنا من يعشق المعرفة حقا بأنه شخص ينزع بطبعه إلى الحقيقة وبأنه لا يقف عند تلك الكثرة من الأشياء التي يتوهم الناس أنها حقيقة ، بل يظل يسعى وراء الحقيقة بلا كلل ولا يفتر عشقه حتى يصل إلى ماهية كل شيء في ذاته" أفلاطون (14)
من أجل ذلك على الإنسان الخروج من الكهف ، كهفه الذي بناه بأوهامه الخاصة والأوهام المشتركة ، ويترك الضوء يزيح العتمة المتمكنة من عقله وروحه ، عله بذلك يستضيء بنور الأشياء كما هي في حقيقتها وليس فقط في تصوراته المحدودة . يختلف الناس كثيرا في موقفهم من العلم والفلسفة من حيث القدرة على كشف الأسرار وإتاحة الحلول للمعضلات الشخصية الفردية كما للمجتمعات ، واقتران العلوم الأساسية الطبيعية المباشر بالحياة اليومية المعاشة يعطيه أسبقية في الوعي لكشف سؤال الحقيقة وتقديم أطروحات لتنسيق العلاقة بين الإنسان والطبيعة وبينه وبين الآخرين ، لكن الناس على مدى التاريخ لجأوا للأسطورة بحثا عن أجوبة وعن تفسيرات وتبريرات لما فات العلم وما قصر عنه ، وكانت على الدوام ترافق الأديان ضمير وفكر الأفراد، ولحقيقتها مكانة عليا بل وصدارة على العلم في بعض المناسبات ، وحدها الفلسفة كانت أسيرة الكتب واهتمام المشتغلين بها ، رغم مكانتها النفسية ، فهي تحظى باحترام بالغ وتقدير لتتصدر الحكمة والمأثورات ، وعادة ما تكون ملاذا أو ملجأ عندما تضيع الحقائق وتتبعثر الأفكار ويدرك الفرد حقيقة التيهان الذي يحياه ولا يجد منه مناصا ، سعي الحس المشترك لعقلنة الخرافة وتأصيل الأسطورة سمح على الدوام للشعور بالحاجة إلى الفلسفة ، وإعادتها للبروز ثانية كل مرة تبدو وكأن قطار الزمن فاتها وغفل عنها بل وخبأها ، هل تصنع الأساطير الحقائق وتتنبأ بالمستقبل دون وصاية أو ادعاء لامتلاك الحقيقة كاملة ، أما ذلك التنازع المثير وتلك المصادر المتكاثرة ، وحالة التيه على مفترق طرق العلم والمعرفة يتجدد السؤال ليس عن الحقيقة بل عن إرادة الحقيقة .
إرادة الحقيقة :
لنطرح المشهد التالي : رجل يقود سيارته وداخلها زوجته وولد وبنتان أعمارهم بين السادسة والعشر سنوات ، مع اقتراب المغيب ينطلق الرجل فوق الطريق السريع ليخرج من المدينة وبعد بضع ساعات يقود مركبته بمحاذاة صحراء شاسعة ، ينعطف الرجل في منحنى جانبي ويستمر لمدة ما يزيد على الساعة ، يكتشف متأخرا دنو مؤشر خزان الوقود من الفارغ ، يتوقف ليفكر بالحل ، يبيت ليلته ليستيقظ مبكرا على مأساة فقدانه لأحد أطفاله ، نتساءل هنا ما هي الحقيقة التي ينشدها الرجل هنا؟ هل هي كمية المخاطر التي تختفي خلف ضياع صغيره أم قدرته على الحفاظ على بقية أفراد العائلة أو اكتشافه لسوء تقديره أم السبيل لخروجه من مأزقه الذي يهدد حياته وعائلته ؟ أي حقيقة تلك التي نريد ؟ وهل حقا نرغب بالمعرفة ومعرفة ماذا ، هل نهدف للكشف أو الحجب ، وما قيمة أن نعرف ما توارثنا على حجبه عندما يشكل عبئا ويهدد هويتنا ومكانتنا ورابطتنا الاجتماعية والمدنية ، وما قيمة المعرفة والعلم إذا كانت حياتنا مهددة ومصيرنا مجهول ؟ أولوياتنا وحاجاتنا تحدد إرادتنا ، شهواتنا وعواطفنا ومشاعرنا تحدد رغباتنا ونزواتنا ، لن يكون صعبا التوقف عن الشعور بالحاجة إلى المعرفة في حالة الخطر ، وسيكون بالتأكيد لعواطفنا ومشاعرنا وغرائزنا تأثير بالغ على تحديد موقفنا من الحقيقة وأقصد طلبها أو إخفاءها ـ أي إبقاؤها منسية ـ وفي حالات أخرى احلال الوهم عن قصد وتربص . ما هي الحقائق خلف سلوكنا وخياراتنا ؟ مثلا ما هي الحقيقة التي تدفعنا لطلب المزيد دائما من الاغتناء والطعام والشهوة ، هل هو الطمع أو الخوف من الحرمان، أو فقدان ظرف الاغتناء والاستغناء عن الحاجة والآخرين بالثروة والاحتفاظ بشعور التعالي ؟ لا علاقة لعلم النفس هنا على الأقل في ميدان البحث الجاري ، فما نهدف إليه كشف أهمية الموقف والإرادة والرغبة بالحقيقة ومنها، صحيح أننا حاولنا تحديد ما هيتها ثم تحديدها وبيّنا وسائل تحققها وأساليب التحقق من انطباقها بيد أننا لم نتمكن إلى الآن من بيانها كشيء ووجود ، هكذا نريدها ، قيمة جاهزة للاستعمال فورا وقت الحاجة والضرورة ، لابد هنا من التذكير بمعنى الشيء وهو الذات والموضوع من كل شيء وظاهراته أيا كانت ، يشمل فيما يشمل ؛ الفكرة وورقة الشجر والروح والعقل والظرف والفعل والفاعل ، الواقعة أو الحادثة وانعكاسها وتمثلها ـ كل شيء بمعنى قريب جدا من الوجود لكنه ليس هو . هكذا نتناول المسألة بعيدا عن التمجيد والتقديس بموضوعية شديدة الدقة ، قيمة قابلة للنقد ، وللتصنيف ، والقياس والبرهان والحكم أيا كان ، وبذلك تصبح الحقيقة موضوعا للبحث في ذاته فكل ماله ماهية له ذات ، لعلنا نعي بعد ما تقدم بأن القيمة قياسية ومتعددة الوظائف ، فهي كمية وكيفية ، فالحقيقة تبدو الآن كميزان ـ مقياس الحرارة ـ تساعدنا هي ذاتها على تحديد دوافع سلوكنا وتفسير مواقفنا ، افتقارنا للمعرفة والجهل يضعنا دائما في مأزق التيهان والتردد والعجز ، بهذا تبدو القيمة العليا للحقيقة العلمية فهي صريحة قريبة في متناول اليد وناجحة في أغلب الظروف لكنها ـ كما نعرف ـ لازمة وغير كافية وتفتقر للكلية والشمول .
كل إرادة يلزمها أو تحتاج لقدرة كافية على بلوغ قصدها ، فلا تستطيع الأولى امتلاك شيء أو معرفة بدون الثانية وبقدرها ، وهذه إحدى إشكاليات الحقيقة ، فإرادتنا لبلوغها تقف دونها حدود قدرتنا ، وهذا لا يستطيع كل من أرادها بلوغا ولا كل من يقدر عليها يريدها ربما كان ذلك أحد الأسباب الواقعية لاختفائها وحجبها وبقائها منكشفة دون كشف، " يعيد أرسطو احتجاب الوجود إلى ضعف قدرة الإنسان في إدراك ، و يرى هايدغر أن الاحتجاب يعود لماهية الوجود ، فالوجود في ماهيته انحجاب لا ينفك عن الظهور " " إن الانحجاب لا ينفك عن انتشار الوجود وظهوره " يبرر هايدغر هذا الاختفاء لكونه " ضرب من ضروب إظهار الوجود لماهيته ، أي انتشاره كحضور وقربى " لما يخفي الوجود ذاته فإنه لا يلغيها ، إن انكشافه يلغي اختفاءه .. " فالانحجاب والاختفاء نوع من دوام الوجود كوجود أو ضرب من انتشار الوجود ، أي ظهوره "( 15)
الحقيقة كالوجود حاضر وقريب ومنحجب هكذا بطبعه ، وانكشافه هو تجليه وقابليته المطلقة للكشف ، فهو متحقق دون إلغاء الانحجاب ، وكأنه محتجب خلف ستار شفاف ، وكأن انحجابه ظرف أو حالة فما يلبث أن يظهر حتى ينحجب ، بذاته أو بفعل فاعل ، أحد أسباب الانحجاب ـ حقيقة كانت أو وجودا ـ هو ضعف قدرة الانسان وغياب إرادة وجود الموجود المنكشف بذاته كموضوع مطابق للواقع والفكر متوافق مع العقل أي الحقيقة ـ التي تغطى أو تغيب بغياب إمكان الحرية " إن إمكان الحقيقة هو نفسه إمكان الحرية ، وهما في الآن نفسه إمكان واحد ، فالحرية عند هايدغر ليست حرية الإنسان في آخر الأمر لأنه مملوك لها وهي خاصية وجوده" ( 16) إي هي ماهيته وماهية الحقيقة ، فالانكشاف ظرفي ولكن ليس دائما ظرفيا ، وكما أن معرفة اللا حقيقة جزء من معرفتها ذاتها فاللا حرية كذلك جزء من الحرية ، غياب ماهية الشيء في التصور أو في الواقع تفيد غياب حضوره في الوعي والإدراك ، لكن حضور النقيض لا يُغيّب حضور نقيضه ، فالماهية تجمع المتناقضين ، فلولا الانحجاب ما برز معنى الكشف ، فاحتواء أو محايثة الشيء المحتجب لإمكانية الانكشاف هي ما تجعله قابلا له ، " إن التطابق لا يعني حدوث تماهي فعلي بين شيئين ، مختلفين في طبيعتها ، والتوافق غير ممكن دون وجود إمكانية لدى الطرفين المتوافقين " هايدغر .
الحرية إرادة الاختيار الرفض والقبول والتخلي ، المعرفة إرادة الحقيقة ، ذلك الاشتراك بصفات الماهية لا يعني التماهي، وامكانية التوافق المفتوحة للمختلفات تجعل المعرفة ممكنة أيضا ، فالتعارف يكون بين المتشابهات على اختلافها ـ أي الإمكانية أو القابلية، يشي ذلك القرن ـ الاقتران ـ الإرادي بمفهوم الحقيقة كقيمة وبالتالي كسلوك ، فالقيمة أساس سلوكنا الإنساني وتحركاتنا وبذلك نقترب من الإجابة عن بعض الأسئلة التي قدمنا لها ، فالحياة قيمة وهي حقيقة وليست عبثا ، والعقل الإنساني ليس تاريخا للوهم كما في فلسفة نيتشه
المطلق والنسبي والنهائي واللا نهائي :
ما فتئ العقل عن إيجاد الحقائق واللا حقائق أيضا لكن القيمة وإدراكنا لها يتيح للإنسان بناء معايير موضوعية ، فلا تعود المعرفة نهائية ، فارتباط توافق الشيء مع الفكر والفكر مع العقل ينتج الحقيقة ما يعني الانفتاح الدائم للمعرفة باعتبار العقل في كليته منفتح على منفتح آخر وهو الوجود ، ذلك التشابه يسمح بالمعرفة أي يجعلها ممكنة ، انطباق تعريفاتنا على الملاحظة العلمية ـ التجريبية ـ والعقلية ـ النظرية ـ يسمح لنا بفهم أو إنشاء مفهوم كلي للحقيقة قابل للتطابق مع كل التصنيفات المدرسية ـ التعليمية ـ والمنهجية ، لقد كانت خشية الحداثة دائما متوفرة من اعتبار المعرفة نهائية والحقيقة مطلقة ، والواقع يشي هنا بسوء فهم عن معاني اللا نهائية والمطلق ، فالحقيقة كلية ونهائية بما هي حكم أو قياس مبرهن ـ أي قاعدة قابلة للتطبيق زمانا ومكانا ، وهذا وصف ينطبق على الحقيقة العلمية التجريبية كمثال ، في حين أن الحقيقة لا نهائية من حيث انفتاحها وانكشافها على الوجود ـ الحي والمتحرك ـ وكما سبق ذكره في مسألة التقديس والحقيقة ، فالأول قيمة وجدانية يمكن وصفها اعتباريا ، أما الحقيقة فكما ينبغي لها أن تكون موصوفة وكلية بشمول انطباقها وتوافقها ، ومنفتحة استنادا لماهيتها وطبيعتها ، إنها إمكانية دائمة للتوافق مع الوجود والتطابق مع الواقع من هذه الرؤية يتجلى انفتاح الحقيقة فالواقع كما هو قائم في الحاضر والماضي ـ موجود ـ وكما هو قائما في إمكانية المستقبل موجود ، فالحقيقة قائمة كذلك أي موجودة لأنها ببساطة مقترنة بالوجود فالوجود واقع نهائي من حيث قيامه ـ وجوده ـ وهو امكانية ما يكون عليه وجوده لكنها بالتأكيد إمكانية متحققة ومحققة أي مثبتة ، فما كان منذ البداية موجودا سيبقى ـ فالمادة لا تفنى ـ والموت انتقال في الحقيقة ـ وتخلّق من وجود ، وكذلك هي الحقيقة موجودة في ما كان وما هو كائن وما سيكون.
اقتران الحقيقة بالنسبية هو اقتران علمي وليس اقترانا قيميا ، محدودية قدرة الإنسان العقلية واقتران وجوده في زمان ومكان محدد، وباعتباره هو من يبحث عن الحقيقة ويعيها فهي نسبية ، كذلك هو الواقع متبدل ومتغير بذا تكون حقائقه نسبية، صحيح أن الإنسان وهو الباحث والواعي والمدرك لكنه مستكشف لما هو موجود، فالبداهات ، العقلية والعلمية ليست من اختراع الإنسان بل هي موجودة ـ بمعنى الحقائق سابقة وجوديا وبما أن وجودها مقترن بالوجود فهي مطلقة، أما عن تغيير العلم لبعض مقولاته وحتى قناعاته فهذا ما يمكن وصفه بالحقيقة الاحتمالية ، فالمسألة هنا أدق من التفريق بين المطلق والنسبي، فالوجود مطلق ، حتى بالمفاهيم الدينية ، فالفناء انتقال وتغيير. يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) سورة الأنبياء الآية 104)قال تعالى
علينا ملاحظة العلة بالتصنيف بين نسبي ومطلق ، فالنسبي بالنسبة إلى ومطلق أيضا بالنسبة إلى ، وما يتطرق إليه الكلام هو قصد الحقيقة في جوهرها ، وتفريق بما يحكم به وعليه ، أما التعريف الكلي فليس لجزئية دون سواها أو لجنس دون غيره بل هو كلي ويفترض شموله لكل الأصناف والأنواع ، فما يعيه الإنسان من حقائق لا تأخذ ماهيتها منه وبالتالي لا تأخذ صفاته ، فالمَدرك ، والمعني ، يملك يحمل جوهره في وجوده وتجلياته ـ ظاهره ـ وليس في من وعاه وأدركه ، عندما كان العلم يعتقد بمركزية الأرض وثباتها ، كانت الفكرة زمانها مطلقة ونهائية ، وفي مطلع القرن السابع عشر اعترف غاليلو بأنه كوبرنيكي أي أنه يعتقد بدوران الأرض ومركزية الشمس كما سبق و روج قبله كوبرنيكوس ، وحوكم وأجبر على الاعتراف بما يناقض العلم أي ثبات الأرض ، لكن العالم ما لبث أن تبنى الفكرة وأثبتها تجريبيا ، المقصود أن ليس كل ما يشيع ويقبله الحس المشترك وحتى التصور المشترك حقيقة بل قد تكون زيفا وأوهاما ، ووصفها بالحقيقة إلحاق الوهم بالواقع لا يجعل منه واقعا بل يبقى على أصله ، والحقائق النظرية التي سادت في الحقبة الهلنستية كبديهيات اختلط فيها الأمر فكانت حقائق وأوهام واحتمالات ، حتى أكد العلم والعقل بعضها ونفى أخرى ، لب الموضوع هو في التطابق والتوافق فما تطابق وتوافق مع الواقع والفكر والعقل كان حقيقة . لكن نرجع لإشكالية الحقيقة ، فحتى القرن السابع عشر كانت أوربا تؤمن بثبات الأرض ومركزيتها ما كان يؤكد القضية كحقيقة لا مراء فيها ، لكن الواقع أنها ليست كذلك فهي غير مطابقة للواقع ويمكن القول بأن العقل احتار في موقفه منها أنذاك ، الإرادة ربما كانت متوفرة لكن القدرة كانت قاصرة فلم يتحقق الوصول ، فذلك المثال يوحي بنسبية الحقيقة فالناس المحدودين الامكانات التقنية والفكرية لم يتمكنوا يومها إدراك الواقع ، تلك الحادثة ومثلها كثير تدفعنا للتروي والتدقيق والانفتاح ورفع الاحتجاب والتغييب المفتعل للحقيقة ، لأنه بدون تلك الوسائل ستتكرر تلك الواقعة وسيقع البشر في براثن نقص الكفاءة ، وعدم توفر الإرادة الكاملة فتحول الوهم لحقيقة ، من هنا وأمثلة أخرى متعلقة بالوجدانيات والمعتقدات يميل كثيرون للنسبية ، وتجنب الحديث عن الحقائق المطلقة ، خشية من جمود العقل والانزلاق نحو التطرف ، ومن غير الدقيق التيقن بأن المثل الأفلاطونية كفكرة شاملة حقيقة مطلقة ، بالرغم من عدم قدرة العلم والفلسفة على النقض الكامل لتلك النظرية ، بيد أن ما نراه من ماهية الكون الموجود والمنكشف والمنفتح على الآفاق المفتوحة ، يسمح لنا بالقول بإمكانية تحقق نظرية مفارقة ومغايرة ، كما يكون توصيفنا للحقيقة باقتران وجودها بالوجود كما هي ماهيته المذكورة واشتراكها بصفات من صفات ماهيته في ماهيتها يتيح قدرا كافيا من العلم بإمكانية استمرار الحقائق إلى مالا نهاية.
الحقيقة المنطقية :
من أهم مزايا الفلسفة أنها تسعى دائما لفهم التناقض وتبحث في ما وراء التصورات المباشرة ، مع أنها تبني هيكل يقينيتها على بداهات ، التي هي حقائق مطلقة ، تلك اليقينية تدفع دائما للشك وإعادة تدوير الأفكار، لدفع الارتياب ، للوصول من جديد لحقائق جديدة ، فالعقل هو قيمة مجردة من حيث أنه أداة للتفكير وانتاج الفكر ، هو المختبر الذي لا مكان له ولا زمان مشرع الأبواب والنوافذ يحمل تلك الصفة الانفتاحية الشاملة لكنه بذات الوقت شديد الصرامة والصلابة لا يسهل التلاعب به و إجباره على تمثل ما لا ينطبق على معاييره ، ينتج بداهات وافتراضات يحللها ويركبها ليعيد انتاج مثيلاتها ، بتلك الصورة الجلية يحوّل العقل التناقض من تضاد إلى انسجام ، فتلك طبيعته المشابهة لطبيعة الكون ، المطلق يناقض النسبي ، والأخير مادة أولية للوصول للأول ، يعيد التناقض انتاج ذاته بإقحام نفسه في الموضوع، مخلياً المكان لذات ليست جديدة بل قريبة أكثر من ذاتها ، وليس الموضوع جديد بل ظهورآخر يحمل الأول بظهور مختلف ، الحيوية والنماء والمنهج والانضباط بقواعد والالتزام بقوانين هي صفات العقل ، كل تلك الشمائل هي تصورات للمنطق .
" إن عقل الفيلسوف يتأثر بالعوامل التاريخية والاجتماعية وبالصيرورة عموما ، لكنه مع ذلك يرفض أن تكون الكلمة الأخيرة للنسبية ، لأن وعي هذه المعطيات يتيح للفيلسوف التحكم بمجرى الزمن ومن ثم تخطيها" ولئن كان صدق القوانين المنطقية ـ في رأي هوسرل ـ لا يرجع إلى ضمان إلهي ، وإنما إلى أنها تعبر عن اتساق الفكر مع موضوعه ، وعجز الانسان عن التفكير إلا وفقا لمبادئ المنطق الإنساني كمبدأ عدم التناقض فإن قوانين المنطق هذه قوانين أبدية في الوقت نفسه ، بمعنى أنها معايير مثالية للأحكام بصرف النظر عن الزمان والمكان ، ولا يصح أن يستنبط من ارتباطها بالبشر قابلية هذه القوانين للتغيير " (16)
أمام حقيقة الزمان والمكان والتغيير الذي لا يتوقف ، وطبيعة العقل البشري القابل للخديعة بالحواس وبالحس المشترك وبالتصور المشترك وقابل للخديعة النفسية ، كيف يكون هو المستودع والأمين على الحقيقة ؟ نحاول دائما عند كل مشكلة أو إشكال العودة للقواعد الأساسية تلك التي جربناها ولم تخدعنا أبدا ، أي الحقائق البسيطة التي لا تقبل التجزئة فهي من شدة بساطتها كلية ،( الضياء متوفر إذن النهار طالع ) بمنتهى البساطة ، النهار طالع فالضياء متوفر ، وبغياب النهار يغيب الضوء ، ليست سذاجة بقدر ما هي بداهة ، أمسك كرة وألقها نحو الأعلى ستسقط حتما ، حقيقة مطلقة ، لماذا تسقط ؟ بسبب الجاذبية الأرضية ، سبب أو علة الجاذبية ، بمعنى آخر لماذا يحدث التجاذب ، هناك علاقة تجاذبية بين الكواكب ، مثلا بين الأرض والقمر ، وبين الشمس والأرض والقمر ، هذا التجاذب لا يشبه العلاقة المغناطسية ، إذن الجاذبية هي حقيقة موجودة ومطلقة ، كانت وكائنة وستكون على الدوام قائمة وصحيحة ، أما العلة الجوهرية للجاذبية فهي غير معلومة كل ما يمكن قوله ، إنها جزء من طبيعة الكواكب وتنتمي إلى ماهيتها ، العقل البشري ممثل بنيوتن اكتشف الجاذبية وهي حقيقة منكشفة بالقوة ، العالم نيوتن بعد دراسته لبعض الظواهر الطبيعية مثل حركة الكواكب ، وسقوط ثمرة التفاح باتجاه سطح الأرض ، توصل إلى وضع قانون التجاذب الكتلي بعد ملاحظات وتجارب أجراها في مختبره ، وهو حقيقة علمية مطلقة أي ثابتة ومبرهنة ، صحيحة على الدوام ، يعني ببساطة أنها بداهة ، قانون الجاذبية العام يبدو وكأنه حقيقة تجريبية ، لكن الأمور ليست كذلك ، قانون منطقي فهو منطقي ينظم العلاقات بين الكواكب ، فهو موجود في الكون بالقوة ومن ثمة وجد بالعقل بالفعل ، تطابق الفكر مع الواقع وتطابق الفكر مع العقل يعني حقيقة منطقية ، هذا التطابق حدث كما هو الحال مع قانون الجاذبية العام الذي هو قانون منطقي، منتجا حقيقة منطقية تعرفنا عليها بالملاحظة بالمقام الأول ، أي بالتفكر والتأمل ، الجاذبية موجودة ومكشوفة ، انكشفت وتحولت لبداهة بفعل الكشف ، التجربة العلمية وضعت قانون التجاذب ، الحقيقة المنطقية من حيث وجودها لا علاقة لها بالتجربة العلمية ، أما من حيث تحويلها لقانون فكان لا بد من الملاحظة والتأمل ـ أي الاستبصار ـ أي الرؤية خلف العيان ، ما وراء الطبيعة ، ما وراء الحواس. من حيث الوجود الحقيقة المستقلة عن التجربة العلمية ، لكن من حيث تمظهراتها ، نقصد هنا بالذات ظهورها بصورة قانون في العقل البشري جاءت بفعل التفكير والتجريب فكان الكشف ، إحدى صور الظاهرة بانت ـ انكشفت ـ بالملاحظة والتجريب ، وجودها الماهوي غير معني ، بوجودها التصوري ، انتقالها من الوجود بالقوة بواسطة الفعل حّولها لتصور ، تلك كانت العلاقات المنطقية التي أوجدت الحقيقة المنطقية . لفهم أوضح لتلك العلاقة نستعين بهوسرل وبولزانو :
اعتبر بولزانو * القواعد المنطقية قواعد توجه الاستدلال وحسب ، وليست مقدمات نستنتج منها النتائج ، فالمنطق علم صوري " أما هوسرل " إذا كان اطراد الصورة وانتظامها هو الذي يحمل وجود العلم ممكنا فإن استقلال الصورة عن حقل المعرفة هو الذي يجعل وجود نظرية العلم ممكنا" مقصود هوسرل ؛ أن المنطق لا يولي اهتمام لكل برهان على حدى ، وإنما بنماذج البرهان ، وبتقسيم البراهين إلى فئات وفقا لتصورها ، بمعنى أنه يدرك البراهين بالطريقة نفسها التي يتناول بها علم النبات إحدى فصائل الزهور بالدراسة أو تناول الهندسة لجميع المثلثات وكأنها مثلث واحد ، .. إن ما يميز الموجود العاقل حقا هو اندراج براهينه وحججه تحت قوانين وصور محددة ، بل إن كل اختراع أو كشف ، إنما هو مسند أصلا إلى اطراد الصورة وانتظامها في المعرفة الإنسانية " (17)
كل صفة نلحقها بالحقيقة فهي توضيحية ، هي بذاتها كما هي موجودة منكشفة كانت أم محتجبة ، موجودة في التصور أم في العيان أم في كليهما ، بسيطة لا تحتاج لغيرها لوجودها مستقلة ، اطراد صورها في الفكر البشري عبر الأزمان حولها لظاهرة ، أساسها بداهة وجودية ، علاقات الكون الجوانية تنتج بداهات وتقوم عليها أيضا ، القانون الغير مكتوب الذي ينظم به العقل المعطيات باتساق داخلي تام . تستمد الحقائق وجودها بالنسبة لي من وجودي ، بمعنى إن وجود العالم مزعوم ما لم أعيه في وعيي الذاتي ـ أستضيفه ـ بفعل الوعي الذاتي فيصبح موضوعا ، وعيي أنا ـ الذاتي ـ لذلك الموضوع سمح لوعيي بالظهور ، فاكتسب وعيي ذاته بوعيه للموضوع ، استضفت الموضوع في وعيي ـ ذاتي ـ وهو بدوره أي الموضوع سمح بواسطة تعلقه بتصوري ، أعطى ذاته معنا جديدا ، ذاتا واعية ، هي حالة تضايف بين الذات والوعي وبين الذات والموضوع صاحب الذات هو بنفسه ، فهو موضوع وذات ، وأنا باستضافته و بواسطتها تصبح الأشياء ذاتها موضوعا أنا الذي وضعته أي حولته لموضوع، فلا تظهر ذات الموضوع إلا كما وعيتها ، أي كما عنيتها ، تصورتها ،
تحقق وجود وعيي بواسطة وعيه لشي ما ، والشيء تحقق وجوده بوعيي له ، تطابق الصورة في وعيي مع الظاهرة في الواقع يعني أن الظاهرة باتت حقيقة في المعرفة، ووعيي للشيء هو إدراك وجوده كما هو وتذكره أيضا وتوظيفه كمقدمة ، توقعه كنتيجة ، اجلاله ، وهكذا أيا كان فعل الوعي الذي مارسته أو أمارسه ، يتحول وعيي أنا بأفعالي لشيء أو صورة أو ظاهرة، إلى حقيقة أو بداهة لما يكون مطابقا لقوانين المنطق تلك المطابقة تجعل من تصوري حقيقة منطقية .
طبعا ليس كل وعي حقيقة ، قد تكون كذلك بالنسبة لي أو بالنسبة للحس والتصور المشترك لكنها ليست كذلك إلا بالمطابقة ، فالرؤية الخاصة لها طابعها الخاص ولا يصبح شموليا إلا باطراد الصورة في الفكر الإنساني وعلى مر الزمن ، أي عندما يتحول لبداهة .
إن وجود الحقيقة ليس معتمدا على وجود من يعيها فهي موجودة ومنكشفة ومنحجبة في ذات الوقت ، بيد أن تحولها لظاهرة أو قانون أو بداهة لا يتم إلا عن طريق الاستكشاف ، فتصبح ظاهرة كما مر معنا ، هناك فوارق دقيقة ذات أهمية من المهم إدراكها للوصول للفكرة الشاملة ، تلك الفكرة المعيارية شديدة الأهمية ، فبواسطتها يصبح العلم ممكنا ، وما أخذ صفة العلم بات مرجعا معياريا وكان توظيفه وإدخاله في الحياة والسلوك مؤثرا وفاعلا . تعثر العلوم الإنسانية عن بلوغ منصة العلم الكامل هي من أبرز أسباب بؤس العالم وكوارثه وأزماته ، فلوكنا نستطيع تدريس الأخلاق كعلم موازي للعلوم الطبيعية كنا استطعنا أن نضع قوانين أخلاقية ، وأن نغرس الخير كتصور مشترك بالإنسان .
إن سعي الفلاسفة لجعل عالمنا أكثر عقلانية يعني مباشرة ودون مواربة هو جعله أكثر اتساقا مع طبيعة الكون وماهيته ، تلك الطبيعة تحكمها قوانين المنطق وتحركها علاقات منطقية تنتظم بفعلها ، ما يعنيني أنا ـ كإنسان وأي إنسان ـ الارتقاء بوجودي ليوازي وجود العلم من حولي على الأقل في أفعال إدراكي ، فإذا استطعت توظيف معارفي وعلومي لأكون أكثر عقلانية فهذا يعني أنني كذات وموضوع أصبحت أكثر عقلانية وبالتالي فأنا أكثر خيرية ، إنها معادلة بسيطة ، العقلانية تساوي الخيرية ،معادلة قابلة للعكس تماما ، فالخيرية تعادل العقلانية ، وليست تلك نظرة طوباوية بل ربما كانت النظرة الأكثر واقعية ، فالقيم السلبية جزء من المعقولية وحتى التعقل ، فعندما نقول بأن الحقيقة قيمة يتوجه وعينا تلقائيا للخيرية ، والمنطق ، لقد اعتبرنا أساس علاقات الطبيعة المنطق ، فإذا كان تحقيق الربح أو المكسب أو المنفعة على حساب تدمير الإنسان والعقل والطبيعة فذلك هو الوهم بذاته ، إنه وهم الظن بالحقيقة ، فتلك هي قيمة باطلة ، وهي اللا حقيقة .
لا يحق لنا تحديد أدوات المعرفة أو حصرها أو استثناؤها ، فلقد علمتنا التجربة بأن وحدة الحقيقة هي وحدة القصد ، وليس وحدة وسائلها ، فلا حجر على العقل في استقصاء وسائل معرفته ولا قيد عليه في مدى وأفق استبصاره ، صحيح أن الخطأ والوقوع في الخطأ جزء من ماهية الانسان لكن القابلية لديه متوفرة دائما للحق. لعلنا لا نختلف مع ايمنويل كانط بأن الحقيقة واجب أسمى وليس مجرد بحث عنها لذاتها ، البحث عنها لذاتها إنما هو من أجل الموضوعية والدقة العلمية ليس من أجل معرفة جوفاء لا تترك أثرا في عقولنا ومن ثمة سلوكنا ، وحرصنا على النافع والمفيد ليس معيار الحقيقة كما يفيد ويليم جيمس ، بل القياس مقلوب ، الحقيقة مفيدة ونافعة وكل حقيقي مفيد ونافع ، البداية من عندها ، أما إذا ابتدأ بالمنفعة أو الفائدة نكون قد أضعنا البوصلة ، فهما نتيجة وليس مقدمة ، الحرص على الخيرية والعقلانية يأتي بالمنفعة والفائدة.
ليست الفلسفة بحد ذاتها حقائق مطلقة بل بحث عنها واستحداث لطرائق المعرفة ونظرية العلم ، كما أصحابها هم أشخاص متأثرون ببيئاتهم الاجتماعية والفكرية وحتى الاقتصادية ، فما الاختلاف الذي طرأ على فكر أفلاطون بعد إعدام معلمه إلا دليل على مدى تأثر الفيلسوف بالواقع والوقائع وما اختلاف أرسطو عن مثالية الثاني وتعمقه في المنهج الصوري واعادة الاعتبار للإدراك الحسي إلا اشارة مفادها قدرة القدرة القائمة والممكنة للعقل البشري على منح الوجود فهما محايدا ومغايرا لما عرفه من قبلهم ، وليس ذلك بدليل على خطأ من سبق أو صواب من لحق بل إنها دورة الفكر اللا نهائية مهرولة نحو النقد والتصحيح والإضافة ، ويبقى على الدوام الوجود كحقيقة أزلية منبع الحقائق والعلوم ، وتظل المعرفة هاجس البحث ومادته وأدواته ، إن أشد الأخطاء التي نقع فيها كارثية هي الظن بمطلق ما وصلنا إليه من نتائج وما ظنناه من حقائق ، فبحثنا اللاهث نحو اليقين لا يعني أننا وصلنا كما لا يعني أننا لم نصل بعد ، والمؤكد الثابت أننا في حالة وجود فكري طالما افتكرنا ، والافتكار تذكر وتاريخ واستحضار ، كما هو كشف . لقد كان من أبرز صفات الوجود انكشافه واحتجابه معا في آن واحد ، وكان من أبرز صفات أو صفات ماهية العقل كونه قادر على الاكتشاف ورفع الحجب وإزالة الاحتجاب ، تلك الماهية ذاتها وسَمَته بالاستعداد للخطأ والتغيير ، فليس الوجود وحده منكشف ومحتجب وقابل للكشف والاحتجاب بل كذلك العقل ، فليس الأخير جزء من الأول ، كوحدة الجزء من الكل . المعرفة كم وكيف وصفة ، تكامل ونقد وإضافة ، والعلاقة بين العلوم والمناهج والمذاهب علاقة تضايف وتكامل وتقابل ، فلولا شك ديكارت ما جاءت عقلانية كانط ولولا بدء برنتانو ** برسم ملامح الظاهراتية ما بنى هوسرل المنهج ولولا الأخير ما كان لهايدغر أن يشغل أمسنا ويومنا وهو بذاته يقر بأن لا فلسفة بدون المعلم الأول ومعلمه، و لا وعي متكامل إلا بقراءة السقراطية وما قبلها . بحث عن الحقيقة والبداهة كبداية وتأسيس للعلم على العقل بما أنه خير والفلسفة في جوهرها معرفة وإشادة للأخلاق التي بدونها يتهاوى بناء الفلسفة .

الهوامش والمراجع :
1 ـ لحقيقية والواقع عند الفلاسفة :افلاطون * ارسطو * ديكارت * كانط * مارتن هيدجر * ابن رشد * ميشيل فوكو *التوسير * غاستون باشلار * فردريك نيتشه * وليم جيمس * و للوباشفسكي ، مدونة الحداثة وما بعد الحداثة: https://mالحقائق odernitysite.wordpress.com/ Lobatchevski وهنري برغسون
2 ـ المنهج الجدلي عند هيجل ـ د. إمام عبد الفتاح إمام ، دار التنوير وبيروت ، 2005 طبعة ثانية صفحة ، 291.
3 ـ مارتن هايدغر : التقنية ـ الحقيقة ـ الوجود . ترجمة محمد سبلا وعبد الهادي مفتاح ، المركز الثقافي العربي صفحة 12 ـ 13 نسخة pdf
4 ـ مصدر سابق صفحة 14
5 ـ جوستاف لوبون ، حياة الحقائق ، ترجمة عادل زعيتر ، دار العلم العربي ، الفصل الأول مختصر من :مبدأ وتطور الحقيقة ملفpdf
6 ـ هايدغر ، التقنية الحقيقة الوجود صفحة 35 ت 36
7 ـ مصدر سابق صفحة 36
8 ـ لوبون ، حياة الحقائق ، صفحة 23
9 ـ هايدغر التقنية الحقيقة الوجود صفحة 32 ـ 33
10 ـ مصدر سابق صفحة 38 ـ 39
11 ـ مارتن هايدغر ،الفن والحقيقة ، د. على حبيب الفريوي ، دار الفارابي ، بيروت 2008 صفحة 30 ومن الصفحة 40
12 ـ التقنية والحقيقة والوجود هايدغر : صفحة 21 وصفحة 24 ـ 25
13 ـ مدخل إلى الفلسفة الظاهراتية . د . أنطوان خوري ، دار التنوير بيروت 2008 صفحة 94 ـ 95
14 ـ الفن والحقيقة صفحة 69
15 مصدر سابق 105صفحة
* ـ برنارد بولزانو هو تشيكي وعالم منطق وفيلسوف وعالم إلهيات، لغته الأم هي الألمانية. 1781 ـ 1848 كان بينه وبين هوسرل الكثير من الأفكار المشتركة واعترف له هوسرل بالريادة واستقى منه أفكار استقلال المنطق و نظرية العلم وغيرها .
16 ـ منطق هوسرل ، يوسف سليم سلامة ، دار التنوير بيروت ، 2007 صفحة 280
17 ـ مصدر سابق صفحة 287
** ـ فرانز كليمنس برنتانو (16 يناير 1838 - 17 مارس 1917) فيلسوف وعالم نفس نمساوي . من أهم أساتذة هوسرل
غاليليو جليلي ،(15 فبراير 1564 - 8 يناير 1642 *** ـ عالِم فلكي وفيلسوف وفيزيائي إيطالي،





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,043,746,490
- الماهية عند أرسط: المقولات العشر ، القياس
- كتابة الأبحاث والرسائل الجامعية والدراسات نصائح وأفكار
- ممارسة الفلسفة -التفلسف- غيّر نمط حياتك
- تفكيك أصولية التكفير
- ترانيم ذات صوفية
- ما هي متطلبات المرأة بناء الحب الحقيقي
- استراتيجيات ومهارات فن الحوار والتفاوض الفعال الجزء الثالث
- تأملات فلسفية في الأنطولوجيا والحقيقة والإنسان
- الإحراق فتوى تخالف النص وتحرق المجتمع معالجة فقهية أصولية
- اكتشاف عالم عماد شيحا الأسطوري إبحار عبر أمواج رواية بقايا م ...
- العام المطلق والعام المخصص مسألة أصولية
- هل سيهزم داعش بالضرورة تاريخانية الإرهاب ونسبية الحقيقة
- المقاصد كلية أوجزئية:العلة والحكمة والسبب والشرط
- فقه المقاصد أسرار الشاطبي
- المقاصدية والمصلحة المرسلة وسد الذرائع رؤية جديدة للمفاهيم 1 ...
- الأفلاطونية المحدثة نظرية الفيض الأقانيم الثلاثة
- الفيلسوف أفلوطين الشيخ اليوناني وفلسفة الفيض 3 من 4
- ابن رشد العقل المنفعل 2 من 4
- فلسفة الدين العقل الفعال 1 من 4
- في الإشراق الصوفي فلسفة وحدة الوجود


المزيد.....




- السجن سنة لأبو تريكة والكفالة 20 ألف جنيه
- السجن سنة لأبو تريكة والكفالة 20 ألف جنيه
- د. زهدي الشامي يعرض لتطور شخصية رئيس مجلس الشعب
- فرنسا تحاكم أما تركت رضيعها في صندوق سيارة عامين (فيديو)
- إعلام: إطلاق أكثر من 400 قذيفة صاروخية من قطاع غزة تجاه الأر ...
- الجيش الإسرائيلي: إطلاق صافرات الإنذار مجددا في كافة البلدات ...
- استمرار التصعيد في قطاع غزة وعباس يدعو لوقف الهجوم الإسرائيل ...
- -حزب الله- يدين الضربات الإسرائيلية على غزة
- لحظة سقوط الصاروخ الذي أطلق من غزة على عسقلان
- اهتمام تركي بالمشاركة في إعمار العراق


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - ماهية الحقيقة والأوهام الأنطولوجية : دراسة فلسفية