أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكريا كردي - لعنة الماضي ..














المزيد.....

لعنة الماضي ..


زكريا كردي
الحوار المتمدن-العدد: 5523 - 2017 / 5 / 17 - 21:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"الإلتزام بإتباع التقاليد المتوارثة عبر الأجيال. لا يعني أن الأموات أحياء. بل يعني أن الأحياء أموات."
― ابن خلدون ―

أعتقد في ظل عدم وجود عقول فلسفية راقية، ونُخب ثقافية حقيقية، تحذر الأجيال الحالية من أخطاء الآباء ، وتنتقد بجرأة علمية جهالات الأجداد، أو تفنّد سطوة ترهاتهم المُقدسة والمضللة .. سيجعل الأجيال الناشئة عندنا تستمرئ الجرائم الماضية ، وتكرّر الأخطاء السابقة بأريحية محببة ، وتبرّرها بحماسة تشبه إندفاعات الحق ..
وقد تستلهم هذه الأجيال الشابة الغُرّة ، من تلك السّيَر العتيقة الغثّ الجذّاب الذي يدعو إلى العنف والكراهية ، وينعش فيها الغزوات أو الفتح والاحتلال رغبات السيطرة والمجد القائم على قهر الآخر و سفك دماء المُخالف وسحق الخصوم ، قبل أن تتطلع الى السَمين الفكري والمعرفي الغامض ..
وقد يتعاظم الدافع القوي لدى جيل الشباب للعودة إلى إحياء الماضي المكذوب ، ظانين في سيَرَ الخلفاء والحكام والرجال العظام خيراً وفير النفع ومثالاً جدير الشفع ، أو قدوةً يجب على القاصي والداني أن يحتذى بها ..
غير آبهين بالطبع ، بما حوت سير أولئك الأجداد المُقدسين من فظائع وانتهاكات بحق الإنسان أياً يكن ، لطالما ارتشفت عقولهم الغافية الجريمة على أنها عنف مقدس له نصٌ يبرره ، وغزوٌ مبارك اُرتُكبَ باسم الدفاع عن النفس أو لجعل الآخر يخضع للأفكار الجديدة التي يؤمن بها صاحب السيف المسلول بالحق المزعوم ..
في ظني ، إن عقل أيّة أُمّة سيذبل حين يستحله الفكر الديني كلياً ، و يتغوّل المُقدّس بالسيطرة عليه ويحشوه بمفهوماته المُنجزة التامة ، ثم يُقدم للأجيال الشابة منظومتة الفكرية عن الماضي على انها المنهل الأساسي للمعرفة ، والميدان الصحيح والمرجع الوحيد لأية حقيقة علمية ممكنة و مكتشفة أو حتى مُدركة ..
و يرى العقل الميت في لغو الأقدمين مروىً وحيداً لظمأ كل من أراد أن يحلّ مشاكل الحاضر ، فيعكف على تقديم ذاك اللغو والطلاسم على هيئة مقدسات ووصفات واكتشافات إعجازية ، ثم ينثرها على الأذان الخاوية بأساليب فكرية ديماغوجية ، ذات جاذبية آسرة لألباب السامعين ، وفي خضم الاجترار لذات الاقوال والعبارات ولكن في رنين مهيب تمتلأ العقول الخاوية بحماسة الإيمان وانفعاله ، وتسكر الأذهان من نشوة الوهم وتبدأ من تلقاء نفسها في تزيين الفعل وتهويمات إنجازه...
ففي عالم الأشياء مثلاً تحضر السيارة في خطاب العقل الميت على أنها المركوب كالبعير والمرأة كالمنكوح من المتاع.. وهكذا
وأما في عالم الأفكار فتأتي المبادئ العقلية مجسدة في عبارات إنشائية وعظية أكثر منها دلالية مجردة، حيث يختزل مثلاً مبدأ السببية العقلي الهام ، في البعرة التي تدل على البعير والأثر الذي يدل على المسير .. وهكذا
أعتقد أن التغلّب على ظلمة القرون الوسطى في رؤوسنا ، لن يتمّ سوى بإعادة الاعتبار للعقل ، وذلك عبر التعليم المُستقل تماماً عن أجوبة الدين المُغرية للذهن في وأد أي انتقاد أو مساءلة ، و إلا سيبقى - بإعتقادي - الأبناء يرون في الأقدمين الصواب المثال ، و يتوهمونهم عين الحق و رشاد الفعل الدائم في الماضي ، وبالتالي سيرفعونهم شيئا فشيئا إلى برزخ التقديس ..
وذلك لأسباب متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر :
أولاً : لأن الحنين للمعروف سابقاً وجاذبيته أقوى بكثير من أي بريق للجديد ودهشته ..
ثانياً : لأن تطبيق المعروف سابقاً والمعتاد عليه أسهل على المرء من الإتيان بجديد ومواجهة رهبته ..
ثالثاً : لأن النقد في المقدس يستجلب كراهية الجماعة و قد يورث القلق في انتظار الجديد و الاصح ، والذي قد يتأخر وهو ينتظر مجيء عقول جريئة و مميزة تأتي به .
رابعاً : قد يكون الناقد لفكرة ما لا يمتلك بعد مفاتيح الفكرة الصحيحة أو البديلة فيراه الآخرون هشاً وغير مقنع في نقده و انتقاده ..
قصارى القول : إن استحضار الماضي بكليته إلى الحاضر يعني إضافة عقبة جديدة في وجه التفكير العلمي لفهمه ..
والإصرار على البحث عن الحلول للمشاكل الراهنة في أقبية الماضي إنما هو قتل عمد للعقل الحي والمُبتكر ..
عندما تسود أفكار الماضي المغلوطة في ذهنية مجتمع ما تصبح الأحلام من أخطر الفعاليات للكائن الحي فيه ..
فالعقل الذي يعيش في الماضي قد يبدو للعيان حياً مسالماً لكنه في حقيقة الأمر ما هو إلا عقل معيق خطر ، يعادي بوجوده كل انجاز إنساني أو جديد علمي ويناكف أية دعوة حقيقية للتقدم ، وتكون هويته الموت وجوهره العنف لكونه يستسيغ قهر إغترابه عن الواقع ويعيش بلا أية آفاق للحلم بالمستقبل ..
وللحديث بقية ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,864,420,551
- ملاحظات على هامش كتاب - الدّين في حدود مُجرّد العقل - (3)
- ملاحظات على هامش كتاب - الدّين في حدود مُجرّد العقل- (2)
- ملاحظات على هامش كتاب - الدّين في حدود مُجرّد العقل (1)
- التَقَيّةُ الفلسفية عند كانط ..
- الإنسانية ودينُ المُسْتقبل
- المُشكلة أنّهم لا شيئ ..
- معارضة تحكي وعاقل يسمع
- هوامش هيغلية (1)
- إنطباعات هولندية (3)
- الداعشية فكر بالدرجة الأولى (2)
- الداعشية فكر في الدرجة الأولى
- ومن البيان لسحرا...
- أفكار بسيطة حول مفهوم الدولة (3)
- أفكار بسيطة حول مفهوم الدولة (2)
- أفكار بسيطة حول مفهوم الدولة (1)
- أحاديث المقهى الثقافي.. (2)
- تهويمات حول الحرية..(1)
- وقفة صدق مع الذات السورية..
- العلمانية بداية الحل ..
- من أجل سوريتي.. !!


المزيد.....




- ترامب: لن ندفع أي شيء لتركيا مقابل الإفراج عن برانسون
- وزير الخارجية التركي: الأمريكيون لا يفهمون من هو الصديق الحق ...
- الخارجية الأمريكية: التعاون بين واشنطن وموسكو متواصل رغم توت ...
- أقدم قطعة جبن في العالم
- إنذارات بقنابل.. خمس طائرات تهبط اضطراريا
- التعاون الأميركي التركي بتصنيع أف 35 مستمر رغم الأزمة
- وفاة -باربي- العراق في ظروف غامضة (صور)
- بولتون يبحث مع نظيره الروسي دور إيران في سورية
- رسائل وطرود للفلسطينيين احتجزتها إسرائيل تصل أريحا بعد 8 سنو ...
- هجوم برشلونه والبحث عن خلايا أخرى


المزيد.....

- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني
- حديقة القتل.. ماذا فعل جنود الله في العراق؟ / يوسف محسن
- ميشيل فوكو مخترع أثريات المعرفة ومؤرخ مؤسسات الجنون والجنس ... / يوسف محسن
- مميزات كل من المدينة الفاضلة والمدينة الضالة لدى الفارابي / موسى برلال
- رياضة كرة القدم.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- المعرفة عند أرسطو / عامر عبد زيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكريا كردي - لعنة الماضي ..