أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - بوابة التمدن - فاطمة ناعوت - لستُ متسامحة دينيًّا














المزيد.....

لستُ متسامحة دينيًّا


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن-العدد: 5453 - 2017 / 3 / 7 - 15:21
المحور: بوابة التمدن
    


===========

“أنتِ متسامحة عشان كده بنحبك.” إحدى الكلمات الطيبة التي أسمعُها كثيرًا من قرائي. والمقصود بها هو "التسامُح الديني". وبرغم أن الكلمة تخرجُ من فمٍ مُحبٍّ وتأتي دائمًا في سياق المديح، إلا أنها من جمُلة الكلمات التي أرفضُها، وأراها خارج سياقها اللغويّ الصحيح.
بدايةً أودُّ أن أردَّ الكلمةَ إلى المعجم؛ حتى نقف على معناها اللغويّ الدقيق. في المعجم "الوسيط” نجد: تسامَحَ الشَّخصُ في الأمر: تساهَل فيه وتهاون. فنقول: "لا تتسامحُ الدَّولةُ مع الخونة والمتآمرين، لكنها قد تُسامح في شُرْب الخمر”. نكتشف هنا أن "التسامُح" يأتي مع الجرائم أو الأشياء السلبية. فليس واردًا أن نقول مثلا: "المعلّمةُ تتسامح مع ذكاء تلميذها"، لكن بوسعنا أن نقول: “المعلمةُ تسامحت مع الأخطاء النحوية لتلميذها، حين أعجبها موضوع التعبير”. وفي "لسان العرب"، نجد ما يلي: السماحُ والسماحةُ: الجودُ والكرم والعطاء عن سخاء. وفي الحديث يقول اللهُ عزَّ وجلّ: “أسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبادي"، أي كونوا كرماءَ مع عبدي مثلما هو سخيٌّ مع عبادي. وسمح لي فلانٌ، أي أعطاني وسمح لي بذلك. ويُقال: "سمحتِ الناقةُ" إذا انقادت. والمسامحة: المُساهلة في الطعان، وهو الطعن في العرض والشرف. والخلاصة أن "سَمَح"، تُقال عند التكرّم بالعطاء، و"أسمَحَ"، تُقال عند الاتّباع والانقياد والذُّل. وكلا المفردتين هما الجذر اللغوي لعبارات من قبيل: "متسامح دينيًّا" أو "التسامح بين الأديان"، الخ.
فهل ترون الكلمةَ مناسبة ودقيقةً لغويًّا، حال الكلام عن "احترام" الآخر العَقَدي، أو ما يُسمّونه "التسامح الديني"؟ هل حقُّ المرء في اختيار عقيدته، هو شيء سلبيّ قد "أسامح" فيه إن اختلف دينُه عن ديني؟! إن احترم شخصٌ مسيحيٌّ حقَّ شخص مسلم في اختيار دينه، أو العكس، هل يُعدُّ ذلك تَفضُّلا وكرمًا وسخاءً وعطاءً من قوي لضعيف ومن غنيّ لفقير؟ أم هو مذلّةٌ وخنوعٌ واتّباعٌ من ضعيف لقويّ ومن ذليل لجبّار؟ لا هذا ولا ذاك. كلا المعنيين خطأ.
فحين تحترم وتحبُّ المختلفَ عنك دينيًّا فلا تحاربه ولا تقتله ولا تعنف معه أو تزدري دينَه، فلا أنت ذليلٌ تابع، ولا أنت كريمٌ متفضّل. إنك فقط إنسانٌ سويٌّ ناضج نجوت من مرض الطائفية الذي اِبتُلي به الآخرون الذين أهرقوا الدماء في الحروب الدينية من الصهاينة والصليبيين والإسلاميين. وحين "تتعايش" مع المختلف عنك دينيًّا فأنت فقط إنسانٌ طبيعي عاقل. وقد وضعتُ كلمة: "تتعايش" بين مزدوجين؛ لأنني أرفضها أيضًا، وأستبدلُ بها كلمة أرقى هي: "العيش". فالتعايشُ لا يكون إلا مع "عدو" أو مع "مرض". فمريضُ السُّكر "يتعايش" مع مرضه حين ينجح في كبح تداعياته وأعراضه. والشخصُ "يتعايش" مع جار السوء أو العدو، حين ينجح في تجنّب شروره. لكنك "تعيشُ" مع أسرتك وأصدقائك وجيرانك الطيبين. "التعايش" فلسفيًّا ولغويًّا يشبه "التسامح"، كلاهما يحملُ معنى الجبر والاضطرار. أنت تتسامح مع عدوك، وتسامح من أساء إليك، وتسمح لإنسان بما ليس من حقّه. وكل ما سبق معان مغلوطة حال الكلام عن بشر ينتمون إلى عقائد مختلفة يعيشون معًا على أرض واحدة أو في كوكب واحد أو في كون واحد. فالمختلف عنك دينيًّا ليس عدوك، ولا هو أساء إليك، ولا أنت تمنحه ما ليس من حقّه حين تحترم اختلافه عنك.
الأخطرُ من كلِّ ما سبق، هو أنك حين تسمحُ بشيء، فأنت بالضرورة تملك حقَّ "ألا" تسمح به. فمثلا: "أسمحُ لك أن تستخدم قلمي في الكتابة"، جملةٌ صحيحة. ولكن: "أسمحُ لك أن تستخدم قلمَك في الكتابة!"، جملةٌ غير صحيحة. فمن حقي "ألا" أسمح لك باستخدام قلمي، ولكن هل من حقي ألا أسمح لك باستخدام قلمك؟! الأمر نفسه حال الكلام عن العقائد واحترام حق الغير في حرية الاعتناق. فليس من حقي أن أسمح أو أتسامح أو أُسامحَ إنسانًا لا يدين بديني؛ ببساطة لأنني لا أمتلك الحقَّ في "ألا" أسمح له بذلك، أو أتسامح معه بسبب ذلك.
وبناءً على ما سبق، فإنني حين أرفض التمييز ضد أقباط مصر وأطالب بحقوقهم المهدورة في بلادهم، فلستُ متسامحة، بل أنا إنسانٌ طبيعي ناضج. وحين زار الرئيس عبد الفتاح السيسي الكاتدرائية لتهنئة الأقباط في عيدهم، لم يكن متسامحًا دينيًّا، بل كان إنسانًا طبيعيًّا ورئيسًا ناضجًا يعرف واجباتِه وحقوقَ مواطنيه. وحين حارب المصريون كلَّ حروبهم معًا مسلمين ومسيحيين، لم يكونوا متسامحين دينيًّا، بل مصريون وطنيون ناضجون يقفون في وجه عدو واحد. وحين خرجنا في ثورات مصر منذ 1919 وحتى 2013 معًا مسلمين ومسيحيين، لم نكن متسامحين دينيًّا بل سلكنا سلوك الانسان الطبيعي الناضج الذي خرج لينصر وطنه. وحي سافرتُ بالأمس مع وفد قاهري لزيارة أبناء العريش الأقباط الذين يهددهم مسوخُ داعش، لم نكن متسامحين؛ إنما فعلنا ما يمليه علينا ما بداخلنا من "إنسان" ناضج عاقل أكرمه الله بنعمة العقل السليم والقلب السليم. لستُ متسامحة دينيًّا حين أحبُّ البشر دون النظر إلى عقائدهم، بل أنا إنسان حُرٌّ يشكرُ الله على نعمة الحياة، والعقل.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الأقباط ليسوا بحاجة إلى بيوتنا بل إلى بلادهم
- امنعوا بناتكم من التعلّم!
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (6/6)
- فيس بوك من دون زجاج
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (5)
- إنهم يصنعون المستقبل
- تكفير داعش مسألة أمن قومي
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (4)
- طارق شوقي … نراهن عليك في رحلة -النكوص-
- ابسطوا قلوبكم مرمى للسهام
- احنا فقرا قوي!
- كاميرا خفية لضبط المعلّم الطائفي
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (3)
- زغاريدُ وحزامٌ ناسف
- دميانة … الزهرة رقم 29
- اتركْ طرفَ الخيط يا مُتطرّف!
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (2)
- سيد حجاب ... مُت ما شاء لك الموت
- بالأمس تعلمت شيئًا: مبروك عليكم السما
- وإن أصابتك ركلةٌ في أسنانك


المزيد.....




- ماتيس: الرد على تدخلات إيران لن يكون عسكريا
- واشنطن -لن تقبل بشروط مسبقة- للحوار مع كوريا الشمالية
- بريطانيا: صفقات التايفون تشير لمصالحة خليجية
- حزب يميني مناهض للهجرة يشارك في حكومة النمسا
- حكم بتعويض عراقيين عن -انتهاكات- جنود بريطانيين بالبصرة
- بعد السيارات.. السماح للسعوديات بقيادة الدراجات النارية والش ...
- -أنصار الله- يستهدفون قيادة الجيش السعودي في جيزان بصاروخ با ...
- المجلس الأعلى للدولة الليبي: ندعم إجراء انتخابات عامة -وفقا ...
- ماتيس: صاروخ كوريا الشمالية الباليستي لا يشكل أي تهديد لأمري ...
- -أنصار الله- يستهدفون قيادة الجيش السعودي في جيزان بصاروخ با ...


المزيد.....

- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة , العدد 9 / ريبر هبون
- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة ,, العدد 8 / ريبر هبون
- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة العدد 7 / ريبر هبون
- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة الالكترونية , العدد 6 / ريبر هبون
- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة , العدد 5 / ريبر هبون
- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة العدد 4 / ريبر هبون
- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة , العدد 2 / ريبر هبون
- صحيفة الحب وجود والوجود معرفة الالكترونية , العدد 1 / ريبر هبون
- الكلمات الاساس في الانجليزية / ادريس طه حسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - بوابة التمدن - فاطمة ناعوت - لستُ متسامحة دينيًّا