أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء 3














المزيد.....

الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء 3


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 5411 - 2017 / 1 / 24 - 09:27
المحور: الادب والفن
    


في واقع الحال، أنّ هذه السيرة ( أو الرواية الإنطباعية ) لا تستغرق فترة السنة ونصف السنة، التي قضيتها في مراكش. كأني بالسيرة صدىً لصوت المخطوطة الأخرى، الخاصّة بشقيقتي " شيرين " والمنسحبة على مساحة الأشهر نفسها تقريباً. فلم أكن مجانباً الصواب، عندما فكّرت مرةً بأنّ روايتي هيَ نوعٌ من " توأم " لرواية شقيقتي. الشذرات المتناولة تواريخاً ضافية، قديمة أو لاحقة، المتناثرة هنا وهناك على صفحات كلتا الروايتين؛ هذه الشذرات، يجوز تشبيهها بخلفية اللوحة الفنية.
على أنّ توأم الزمن، أيْ المكان، هوَ من كان عليه تحديدَ المساحة تلك وبغض الطرف عن خطّة الكاتب. فالمعروف، أنّ المكان ينقسم إلى وحدات صغرى مثل الزمن سواءً بسواء. فلم يكن بلا مغزى، أن تنقسم تلك المساحة الزمنية على مكانين؛ ثلاثة أشهر في فيللا الأسرة المُحسنة، ومن ثمّ ستة أشهر في شقّة غيليز. ولكنه كان إتفاقاً، ولا شك، أن يتوزع القسم الثاني من إقامتي المراكشية على فترتين زمنيتين، شبيهتين للقسم الأول: الفترة الأولى منهما، ومدتها ستة أشهر، تعهّدها منزلُ قرينتي " الشريفة " في ضاحية الحميدية. أما الفترة الأخرى، وكانت ثلاثة أشهر، فقد قضيتها في مقر إقامة " سوسن خانم " عقب عودة علاقتي معها وهَجْري لقرينتي.
حياتي المشتركة مع " الشريفة "، إتسمت بالخواء الروحيّ علاوة على النكد والكيد والضغينة، المتسببة بها مشاكلنا المادية ووضعنا غير القانونيّ. إبنتي، وكانت أمها آنذاك حاملاً بها، شكّلت فجوة النور الوحيدة في ذلك النفق المظلم والموحش. من أجلها، عمدتُ إلى إقتصاد كلّ درهم مما تبقّى معي من فترة الخدمة عند الخانم. مرات قليلة، وجدتني فيها أستقلّ وسائط نقل شعبية في الطريق إلى المدينة في محاولة لبيع لوحاتي. إلا أنّ السوقَ كان مكدّساً بلوحات الفنانين المحليين، بالنظر إلى ندرة السياح بعد انتهاء حرب الخليج وعودة الأوضاع الطبيعية إلى دول المشرق.
في إحدى هاجرات أواخر الصيف، كنتُ مُردفاً خلفَ سائق دراجة نارية متوجّهَيْن إلى المدينة. قبل تناهينا إلى مفرق طريق فاس، طرأ عطلٌ على الدراجة. السائق، وكان شاباً يكبرني قليلاً بالعُمر، فضّل أن يؤوبَ إلى الضاحية كي يتدبّر أمرَ دراجته. فيما تابعتُ سيري على الأقدام بإتجاه المفرق، مؤملاً بمصادفة حافلة أو سيارة أجرة كبيرة. كنتُ إذاك خاليَ البال من أيّ أمرٍ غير متوقّع، رامياً بصري بانتباه إلى ناحية الطريق. وإذا سيارة فخمة، ناصعة البياض كحلّة العروس، تظهر آتية من ناحية المدينة. فيما كانت العروس الفولاذية تمرق حَذائي مسرعةً، أفقتُ للفور على هذه الفكرة: " أيمكن أن تكون تلك سيارة الأميرة؟ ". لما توقفت العربة فجأةً على مبعدة من موقفي، لم تعترِني أيّ دهشة. إذ لطالما كنتُ فيما مضى أتوقعُ لقاءَ سيّدة القصر، الكائن على طرف ضاحيتنا. ولكنّ بوق السيارة، المنطلق بقوّة، جعلني أفيق على حقيقة أخرى، مخزية: " إنها تدعوني للسير إليها، على خلاف المرة السابقة، الأخيرة.. ".
" بإمكاننا توصيلك للمنزل، لو أردتَ؟ "، خاطبتني مرافقة الأميرة وعلى شفتيها الغليظتين بسمة رقيقة. وكانت سيّدتها، " للّا عفيفة "، قد ردّت تواً على تحيتي بإيماءة تعبّر عن اللامبالاة والسأم. داخلي، الطافح بالضغينة، لم يتأثر كثيراً بتلك الحركة غير المهذّبة. أجبتُ المرافقة، راسماً بسمة متكلّفة: " كنتُ في طريقي إلى المدينة، فتعطّلت الدراجة النارية... ". عند ذلك بادرت الأميرة إلى مقاطعتي، متسائلة: " كأني بالدراجة قد جعلت ملابسك تتسخ أيضاً..؟ ". قالتها بخبث، مستمتعة على ما يبدو بإهانتي بسبب مَظهري. بيْدَ أنني كنتُ مطمئناً لنظافة ملابسي، وعلى الرغم من قِدَمها وإعتيادي الخروج بها غير مكويّة. رحتُ بدَوري أتطلع بنظرات وقحة إلى ملابس الأميرة، الأنيقة والقصيرة، كما لو أنني أستعيد ذكرى سعيدة. وها هيَ تستطرد، وقد ظهر الإنزعاج على وجهها المطلي بمساحيق التجميل: " كذلك لم أعرفك للوهلة الأولى، وأنتَ بلحية حليقة. إنّ المرء ليضطر أحياناً إلى التنكّر، كيلا يعرفه الأخرون. أليسَ هذا صحيحاً؟ "
" بلى. ولهذا الداعي أبتكرَ الإنسانُ الشعرَ المستعار وأدوات الزينة، بغية التنكّر والهروب من سنّ اليأس! "
" حقاً؟ ولكنك ما زلتَ فتياً، فلا تدَع اليأسَ يستبدّ بك.. "
" أشكرك للنصيحة، يا سيّدتي "
" وأنا مدينةٌ لك بالشكر، يا سيّد فرهاد، خصوصاً لتعرّفي من خلالك وشقيقتك على أخلاق الطبقة الأرستقراطية.. "، قالت ذلك مُطلقة ضحكة مقتضبة. ثمّ التفتت نحوَ مرافقتها، مشيرة إليها بالإنطلاق. كانت السيارة تزمجر بعدُ، حينَ مدّت الأميرة يدها عبرَ النافذة بقبضة من الأوراق المالية الملوّنة: " آه، كدّتُ أن أنسى أتعابك عن لوحة البورتريه، التي أردتَ رسمها لي! ". تناولتُ النقودَ بحركة تلقائية، فيما كان الغبارُ المتصاعد من عجلات المركبة المنطلقة يغمرُ هيئتي المحتارة والواجمة: صدمني ما في كلمات الأميرة من همزٍ سافر، موجّه لشقيقتي على خلفيّة وجودها في السجن الإحتياطيّ بتهمة قتل قرينها الفرنسيّ.
أردتُ فتحَ يدي مجدداً، كي أطلق الأوراق المالية في مهبّ النسيم المنفلت في الخلاء، عندما أستدركتُ مفكّراً: " إنّ شخصاً آخر، ربما أكثر حاجة مني، يستحق هذا المبلغ ". لم يمضِ سوى برهة قصيرة، إلا وكنتُ أسقط قبضة المال في يد رجلٍ عجوز مكتسٍ بأطمارٍ خَلِقة. رفع نحوي عينيه بنظرة أقرب إلى الجزع، وهوَ متكوّمٌ تحتَ شجرة زيتون هَرمة، قبل أن يسبلهما للتمعّن ثانيةً بحجم المبلغ. لاحقتني كلمات الرجل، المفعمة بالأدعية الطيّبة، وأنا مستمرٌ بالمضيّ قُدماً علّني أعثر على وسيلة نقل رخيصة.





















كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,972,843
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء
- سيرَة أُخرى 46
- سيرَة أُخرى 45
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 الشين 3
- سيرَة أُخرى 44
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 الشين 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 الشين
- الجزء الثاني من الرواية: الراء 3
- سيرَة أُخرى 43
- الجزء الثاني من الرواية: الراء 2
- الجزء الثاني من الرواية: الراء
- الجزء الثاني من الرواية: القاف 3
- الجزء الثاني من الرواية: القاف 1
- الجزء الثاني من الرواية: القاف
- سيرَة أُخرى 42
- الجزء الثاني من الرواية: الصاد 3
- الجزء الثاني من الرواية: الصاد 2
- الجزء الثاني من الرواية: الصاد
- الجزء الثاني من الرواية: الفاء 3


المزيد.....




- مهرجان الجونة السينمائي يستقبل مينا مسعود في دورته الثالثة
- قصة قصيرة من الأدب الياباني.. الأم المسنّة ماتسو باشو *
- الفنان محمود عجمي.. تجدّد جسد الأنثى في النحت
- تقـريــر...كاظم مرشد السلوم : نحتاج صالات عرض سينمائي أكثر ...
- أفنجرز يهزم أفاتار ويحقق أعلى إيرادات بتاريخ السينما
- معرض للمشغولات اليدوية للفنانات الإيرانيات في دار الازياء
- كاريكاتير العدد 4475
- نبأ وفاة الفنانة والإعلامية البحرينية صابرين بورشيد يجتاح مو ...
- فنانة سورية مشهورة تعلن دعمها للمثليين وتتعرض لهجوم شرس
- وفاة الفنانة البحرينية الشابة صابرين بورشيد


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفردوسُ الخلفيّ: الجزء 2 التاء 3