أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جعفر هادي حسن - ظهور اليهودية بين الافارقة الأمريكان في الولايات المتحدة الأمريكية















المزيد.....



ظهور اليهودية بين الافارقة الأمريكان في الولايات المتحدة الأمريكية


جعفر هادي حسن

الحوار المتمدن-العدد: 5251 - 2016 / 8 / 11 - 02:28
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ظهور اليهودية بين الافارقة الأمريكيين في الولايات المتحدة الأمريكية
د. جعفر هادي حسن
يوجد اليوم بين الأفارقة – أمريكيين وغير أمريكيين- مئات الآلاف ممن يعتقدون بأنفسهم يهودا، ولو أردنا الحديث عن كل هؤلاء لاحتجنا إلى كتاب كامل .لذلك رأيت أن أقتصر في هذه الدراسة على الأفارقة الأمريكيين دون الأفارقة في أفريقيا.
ويعود وجود هؤلاء كمجموعة يهودية في هذا البلد إلى القرن التاسع عشر، بل ربما إلى ماقبله، حيث كانت هناك مجموعات من هؤلاء في نيويورك وفيلادلفيا وشيكاغو وواشنطن، تعيش حياة جماعية بزعامة أشخاص أسموهم أنبياء أو قديسين. وقد ظهرت أكثر من واحدة من هذه المجموعات في نهاية القرن التاسع عشر، كما سنذكر.
أما عن كيفية اعتناق هؤلاء اليهودية – وهم يسمونه رجوعاً إليها وليس اعتناقاً لها – فإن الكثيرين منهم يقولون، بأن ممارسة بعض الشعائر اليهودية، كانت دائماً جزءا من حياتهم، وأن أجدادهم هم الذين جلبوها معهم من غرب أقريقيا، حيث كانث بعض قبائل هذه المنطقة تمارس عادات وتقاليد وشعائر تمت بصلة إلى اليهودية، ولكنهم – أي الأفارقة الأمريكيون – لم يكونوا واعين إلى أن هذه الممارسات كانت يهودية، لأنهم كانوا يعتنقون المسيحية( ). وهم يذكرون من هذه الممارسات الإمتناع عن أكل لحم الخنزير، الذي هو محرم في اليهودية، والاستراحة في يوم السبت الذي هو فرض فيها. وكذلك تمليح اللحم قبل أكله، وهو ما يفعله اليهود من أجل إخراج الدم المحرم عليهم أكله من الحيوان, والإحتفال ببعض الأعياد اليهودية مثل عيد المظال.
ويقول بعض الباحثين من الأفارقة الأمريكيين الذين ينتمون لهؤلاء مثل رودولف وينزور أنه " قد يكون من المؤكد بأن الكثير من أنصاف اليهود السود، كانوا ضمن العبيد الذين جلبوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لا يعرف على وجه التحديد عدد الذين التزموا بالعادات اليهودية"( ). وهناك من الباحثين من يرى بأن اعتناق هؤلاء اليهودية، يعود إلى التشابه بين استعبادهم ومعاناتهم في الولايات المتحدة الأمريكية، واستعباد بني إسرائيل ومعاناتهم في مصر، طبقاً لما ذكرته قصص التوراة. وهم كانوا قبل تحررهم يشيرون إلى أسماء أشخاص، وأماكن ترتبط ببني إسرائيل، مثل موسى ومصر وغيرهما( ).
ولكن هناك احتمال آخر يفسر اعتناق بعض هؤلاء اليهودية أو ممارسة بعض شعائرها، وهو أنهم ربما كانوا قد تأثروا بمعتقدات مالكيهم من اليهود الذين كانوا تجار عبيد، أو أنهم كانوا أجبروا على اعتناق اليهودية من قبل هؤلاء.
وتؤكد دائرة المعارف اليهودية ذلك، فتذكر " أن بعض تجار العبيد من اليهود، كانوا قد أجبروا مملوكليهم السود في القرن السابع عشر على اعتناق اليهودية، وذلك طبقاً لتقاليد يهودية قديمة، وأن يهودية بعض اليهود السود تعود إلى هذا الأصل",( ). ومن المحتمل أن يكون تهود بعض هؤلاء هو رد فعل على معاملة الرجل الأبيض المسيحي لهم.
يضاف إلى كل هذا أن عوامل أخرى ، ساعدت على تجذر هذه الفكرة وبروزها ، فقد كان الإعتقاد في القرن التاسع عشر وقبله بأن الأفارقة السود، هم من أصل يهودي أو أن لهم علاقة ببني إسرائيل في المواصفات وفي الأصل.وكان علماء الجنس والمبشرون،وموظفو الإستعمار والرحالة ،يؤكدون في كتاباتهم ،على أن بعض القبائل الأفريقية مثل الهوسا والماساي واليوروبا والشونو والإغبو والزولو والتوتسي والأشانتي، بل وغيرها مارست وتمارس العادات والتقاليد اليهودية، أو قريبا منها.كما أن هذه القبائل كما رأى هؤلاء تكلمت لغة تحتوي على شيئ من اللغة العبرية،وكانت هذه الآراء معروفة في أوربا كما في الولايات المتحدة الأمريكية.بل إن بعض الأفارقة الأمريكان مثل جيمس وليم تشرلس بنينغتون(ت1870)-وهو أحد أشهر الداعين إلى إلغاء التمييز العنصري- قد ذكر في كتابه المهمA Text Book of the Origin and History of the Colored People وجود يهود على سواحل أفريقيا، كانوا قد هاجروا أصلا من يهودا. وكل هذا في رأي بعض الباحثين قد ساهم كثيرا في ظهور ماسمي فيما بعد ب"اليهودية السوداء". وكان من هذه العوامل ، الإعتراف بالفلاشا في القرن التاسع عشر كيهود، بعد أن أعلن عن أكتشافهم المستكشف الأسكتلندي جيمس بروس، الذي قام برحلة لإكتشاف منابع النيل في القرن الثامن عشر، حيث انتشر خبر العثور عليهم في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. وكان الإعتراف بهؤلاء يهودا قد شجع السود في الولايات المتحدة الأمريكية على تعميق قناعتهم بيهوديتهم .وذكر هوارد بروتس، في كتابه Black Jews of Harlem أن اكتشاف وجود الفلاشا للذين يدعون الأصل اليهودي(من الأفارقة الأمريكيين)، كان الحلقة المفقودة بالنسبة إلى شرعية إدعائهم، وإذا كان هناك شك في أصل يهوديتهم أو شك في بعضهم، فإن الطريقة العلمية التي أثبتت يهودية الفلاشا قد وضعت حدا لهذا الشك. ويضيف بعض الباحثين يرى بأن هجرة السود من أمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي ، الذين كانوا يحملون بعض الأفكار اليهودية متأثرين بمالكيهم المهاجرين الأسبان والبرتغاليين من اليهود في هذه المناطق، قد ساهم أيضا في نشر الديانة اليهودية بين الأفارقة الأمريكيين. .ثم ظهرت دعوة ماركوس غارفي3
- الذي يسمى عندهم موسى الأسود- إلى الأفريقانية بين الأعوام 1920و1953 ومناداته بالعودة إلى أفريقيا، ولكنه أيضا كان يؤكد أن الأفارقة هم عبرانيون.كما أنه أنشأ جمعية عالمية للسود.وكان يقول إن تاريخ الأفارقة يجب أن يكون مصدرا للإعتزاز ورفع المعنويات للسود، وأن أفريقيا في فترة من الفترات كانت تقود العالم، وأنها ستعود مرة أخرى. ورفض الإدعاءات الغربية حول الجنس الأسود.
وحاول هؤلاء في بداية ظهورهم أستعمال اسماء مرتبطة باليهودية وكانت الأسماء مختلفة، فبعضهم استعمل الإسم يهود (الذي تخلوا عنه فيما بعد كما سنرى)، وأخرون استعملوا الإسم عبرانيين والبعض الآخر اختار كنعانيين بل والأسين ( يهود قمران)، والفلاشا والأثيوبيين (وكثر استعمال الأثيوبيين عندهم،بخاصة في أسماء جمعياتهم) وغير ذلك. ومع هذا الإختلاف بالأسماء، إلا أن فكرة واحدة كانت تجمعهم وهو اعتقادهم أنهم أحفاد العبرانيين الذين ورد ذكرهم في التوراة . وانهم هم بنو إسرائيل الحقيقيون ،ولذلك يطلقون على أنفسهم اليوم اسم " العبرانيون الإسرائيليون "، أو مايشبهه، وليس اليهود، لأن هذا الاسم في نظرهم أكثر أصالة وأصح دلالة، وأقرب إلى الواقع التاريخي من غيره، كما سنذكر.
ولكن هؤلاء مثل بقية اليهود الآخرين، يختلفون فيما بينهم في ممارستهم الدينية، ولذلك أصبحوا فئات وطوائف، وهذه الدراسة تستعرض تاريخ هؤلاء ومعتقداتهم، وشيئاً من تقاليدهم باختصار شديد. وكان الغرض منها في البداية هو التركيز على مجموعة واحدة من هؤلاء، كانت قد هاجرت إلى إسرائيل واستقرت فيها، حيث مرت بمشاكل كثيرة مع الدولة كما سأذكر ، ولكني رأيت من المفيد أن أتوسع في البحث ليشمل مجموعات أخرى منهم، ممن هم في الولايات المتحدة الأمريكية- دون غيرها من الدول الأخرى، التي توجد فيها مجموعات من السود تدعي أنها تعود إلى بني إسرائيل كما ذكرت أعلاه- ، كي تكون هذه الدراسة مرجعاً أولياً لمن يريد دراسة هذا الموضوع، والبحث فيه والتعرف عليه. وربما تكون هذه الدراسة هي الأولى باللغة العربية إذ أنني لم أعثر على بحث أو دراسة عن هذه المجموعات باللغة العربية. وقد اهتم الباحثون والمختصون من الأمريكيين ،بل ومن غير الأمريكيين بهذه الفئة وكثرت الكتابات عنهم في السنوات الأخيرة،بلغات غير العربية، لأنهم أصبحوا طائفة كبيرة مميزة عن بقية الأفارقة الأمريكيين الآخرين من غير اليهود، بأفكارهم ولباسهم وسلوكهم وطريقة عبادتهم ، كما كثرت مراكزهم الدينية ومؤسساتهم الخاصة بهم. وقبل الحديث عن بعض التفصيلات للمجموعات التي سنتحدث عنها ،بودي أن أذكر بعض الأفكار التي تجمع مختلف هذه المجموعات.
عبرانيون-إسرائيليون وليسوا يهودا
فهؤلاء بصورة عامة يعتبرون أنفسهم عبرانيين إسرائيليين،وهم بصورة عامة كما ذكرت يرفضون إطلاق يهود على أنفسهم، على الرغم من أنهم عرفوا من قبل الآخرين باسم اليهود السود (Black Jews).وهم يذكرون أكثر من سبب لذلك، ويقولون بأن هذا الاسم(اليهود) يرتبط بواحد من أولاد يعقوب الاثني عشر الذين ذكرتهم التوراة، ولا يشمل المنتسبين إلى بقية أبناء يعقوب، كما أن الإسم يفهم منه اليهودي الأبيض عند إطلاقه،واستعماله من قبل السود، قد يفهم منه أن الشخص يريد أن يكون منهم، أو يريد أن يرفض الأصل الأفريقي،ولذلك فإن بعض الأفريقيين يعتبره إهانة له، ومن أجل تفادي الإرتباط باليهود البيض وتأكيد الإرتباط مع السود فإن هؤلاء يستعملون المصطلح "العبرانيون" أو "الإسرائيليون " أو كلاهما لأنهم – كما يقولون – ينتسبون إلى إبراهيم العبراني وإلى يعقوب الذي سمي "إسرائيل " في التوراة، كما أنهم لا يعترفون باليهودية "البيضاء" (التي يمارسها أغلب اليهود البيض)، لأنها ليس فيها كما يقولون من الإستقامة والصلاح شيئ وهي ضد إرادة الله وأوامره .
بنو اسرائيل الأوائل كانوا من السود
من الأفكار، التي تميز عموم اليهود السود عن غيرهم، هو اعتقادهم بأن إبراهيم النبي وبني إسرائيل القدماء، كانوا ذوي بشرة سوداء. وأن تاريخ كل من العبرانيين والأفارقة هو تاريخ واحد، وأن العبرانيين كانوا قد هاجروا إلى أفريقيا قبل الميلاد بقرون طويلة( ). كما يقولون أيضاً بأن ما يسمى بالشعوب السامية كانت شعوبا سوداء، ثم صار قسم منهم أقل سواداً، لأنهم اختلطوا بالشعوب الأخرى التي اجتاحت الشرق الأوسط من اليونانيين والرومان. والعرب في شمال أفريقيا خير مثال على ذلك، حيث أصبحوا أقل سواداً،لأنهم كانوا قد اختلطوا بالأوروبيين، إذ كان سكان أفريقيا الشمالية ذوي بشرة سوداء قبل هذا الاختلاط .
وهم يستدلون على لون البشرة السوداء لبني إسرائيل القدماء بأدلة من العهد القديم، ومنها ما ورد في قصة يوسف في سفر التكوين (8/42) « وعرف يوسف أخوته وأما هم فلم يعرفوه »، ويقولون بأن أخوة يوسف لم يعرفوه، لأن لون بشرته كان يشبه لون المصريين، ولو كان لونه مختلفاً لميزوه( ). والمصريون، طبقاً لما جاء في العهد القديم، هم من نسل حام بن نوح، إذ جاء في سفر التكوين (10/6): « وبنو حام كوش ومصرائيم وفوط وكنعان ... ».ومصرائيم تفسر هنا في النص على أن المقصود بها المصريون.( والبلد بالعبرية أيضا يسمى مصرايم). ويرى هؤلاء وغيرهم كثير بأن حاماً وأبناءه كانوا ذوي بشرة داكنة. ويستدلون أيضا بما ورد عن موسى في العهد القديم أيضاً، عندما جاءت بنت فرعون بموسى إلى قصر أبيها، وظل هناك لسنين طويلة، لم يميزه أحد عن غيره من المصريين الآخرين، ولو كان لونه مختلفاً لميزه أبوها وغيره. كما أن موسى قد وصف من قبل بنات كاهن مدين على أنه رجل مصري في سفر الخروج (19/2) « فقلن إن رجلاً مصرياً خلّصنا من أيدي الرعاة ». ويستدلون أيضاً بالآية التي أعطيت لموسى والتي جاء الحديث عنها في سفر الخروج (7-6/4) بالنص التالي: "وقال له الرب أيضاً أدخل يدك في عبّك، فأدخل يده في عبّه ثم أخرجها، فإذا يده برصاء كالثلج – فقال ردّ يدك إلى عبّك فردّ يده إلى عبّه، ثم أخرجها منه فعادت كسائر جسده "، ويقولون لو لم يكن لون يده مختلفاً عن لون جسده، لما كان ما حدث آية أو معجزة.
رأيهم باليهود البيض
ويرى هؤلاء أن اليهود البيض ليسوا من نسل يعقوب، بل من نسل الأدوميين الذين – كما يقولون – يرجعون إلى عيسو أخي يعقوب، الذي كان لونه أصهب كما جاء في سفر التكوين (25/24): « فخرج الأول أصهب اللون كله كفروة شعر فسموه عيسو ». وعيسو في رأي هؤلاء هو الأخ الأبيض ليعقوب الأسمر، الذي هو أبو الإسرائيليين( ). كما أن عيسو قد سمي أدوم في سفر التكوين (29/25): « فقال عيسو ليعقوب دعني التهم من هذا الأحمر، فإني قد أرهقت ولذلك قيل له أدوم » (وأدوم بالعبرية تعني أحمر). ولذلك فهو يعتبر أبا الأدوميين، الذين أصبح الكثير منهم يهوداً بعدما أجبرهم( أوبعضهم)، بعض الحكام الحشمونيين اليهود، في القرن الثاني قبل الميلاد على اعتناق اليهودية. ويرون أيضا أن نسل عيسو هم الذين أشير إليهم في سفر الرؤيا (9/2) بما نصه: « وأعلم افتراء الذين يقولون إنهم يهود وليسوا بيهود، بل هم مجمع شياطين"، وكذلك ما جاء في السفر نفسه (9/3): "ها إني أعطيك أناساً من مجمع الشيطان، يقولون إنهم يهود، وما هم إلا كذّابون" ويضيفون أن الأدوميين كانوا أعداءً للعبرانيين الإسرائيليين (يعتبر اليهود بصورة عامة الأدوميين أعداءً تاريخيين لهم)، ويضيفون بإن الكثير من يهود العصر الحاضر من اليهود البيض، يرجعون إلى الأدوميين وإلى قبائل الخزر، الذين تحولوا إلى اليهودية في حدود القرن الثامن الميلادي.وحتى بعض المسيحيين من الأفارقة الأمريكان يقولون هذا.فالقسيس كليغ(ت2000) يقول "إن اليهود البيض في الولايات المتحدة الأمريكية هم أحفاد الأوربيين والأسيويين البيض، الذين تحولوا إلى اليهودية قبل ألف عام".
ويقولون أيضا بأنهم الأحفاد الحقيقيون لبني إسرائيل وإن هذه الحقيقة بقيت مخفية وغير معروفة( ).وذكر أحد حاخامي الأمريكان الأفارقة في هارلم في عشرينات القرن الماضي " إن التراث العبري الأفريقي هو تراث السود وحدهم، وبضمنهم الفلاشا وملكة سبأ وقبائل أفريقيا الغربية" ويذكرون أيضاً إنه بعد أن تشتت العبرانيون الإسرائيليون واستعبدوا، تحولوا إلى أديان أخرى مثل المسيحية والإسلام وغيرهما، بينما ظل اليهود البيض يحتفظون بالشعائر اليهودية التي نعرفها اليوم، وأخذوا يُعرفون خلال القرون بأنهم أحفاد القبائل التوراتية الاثنتي عشرة .بينما تشير الأدلة إلى أن هؤلاء لا يرجعون إلى تلك القبائل،كما ذكر، وأنهم ليسوا الشعب المختار كما يدعون. وأنهم يعادون العبرانيين الإسرائيليين بسبب العداوة القديمة، التي كانت بين يعقوب وعيسو، والتي بدأت عندما أصبح يعقوب وريثاً لأبيه اسحق. الذي كان أخبر ابنه عيسو، بأنه سيعيش بالسيف، كما جاء في سفر التكوين (40/27): " بسيفك تعيش وأخاك تخدم، ويكون أنك إذا قويت تكسر نيرك عن عنقك". وقد استمر اليهود البيض في معاداتهم للعبرانيين الإسرائيليين إلى يوم الناس هذا كما يقولون( ).وهم يؤكدون على صفة الأفريقية عند حديثهم عن أنفسهم، للتفرقة بينهم وبين اليهود البيض.ويقول أحد مسؤوليهم "يوري بن يهورام" "إننا نستعمل الصفة الأفريقي عندما نشير لأنفسنا ،لأننا نريد أن نميز أنفسنا عن اليهود الأوربيين ،لأن هناك فرقا حقيقيا بين المجموعتين، في الأصل والتاريخ والثقافة ،والمعتقدات. وللأسف في هذه الأيام عندما يتحدث الإنسان عن اليهود أو بني إسرائيل أو العبرانيين ، فإن الناس يفهمون من هذا أنهم اليهود الأوربيون، وأنهم أصحاب الثقافة الأساسية ،ولكن بحثنا التاريخي أثبت ان هذا غير صحيح."
العبرانيون الإسرائيليون هم الشعب المختار
ومن الأفكار التي يتميزون بها، هو اعتقادهم بأنهم الشعب المختار الحقيقي، الذي اختاره الرب ليدعو إلى الرسالة الحقيقية لتخليص البشر، ويكون قدوة للشعوب الأخرى. واختارهم الرب لأنهم من نسل إبراهيم واسحق ويعقوب. وهم اختيروا من بين الشعوب الوثنية ليعلموا الناس الحق والإيمان برب واحد، كما أنهم اليوم يتحملون مسؤولية إرشاد الناس إلى الرسالة الإلهية، ليساعدوهم على إزالة الظلم والجهل ،ويساعدوهم كذلك على فهم الحقائق الأساسية في الكتاب المقدس .
ويقول بعضهم إنه بسبب ذلك فإن علاقتهم بالرب هي علاقة خاصة، وبسبب هذه العلاقة فإنهم استمروا في الوجود على الرغم من الكوارث التي أصابتهم ، وهذه الأفكار هي أفكار اليهود الآخرين، الذين يطلقون على أنفسهم " عام قادوش "، (شعب مقدس).
ويعتبر العبرانيون الإسرائيليون أن شتاتهم كان بسبب ذنوبهم، حيث أضاعوا دينهم الحقيقي لوجودهم بين الشعوب الأخرى، إذ أصبحوا في ما بعد عبيداً، وفرض عليهم تطبيق ديانة أسيادهم وأضاعوا تراثهم ودينهم الأصلي، وإن الشتات كان قد بدأ العام 70م بعد تدمير الهيكل (وهو ما يقوله اليهود الآخرون عن سبب شتاتهم)، والذين تمكنوا من النجاة رحلوا إلى أماكن كثيرة ووصلوا إلى أفريقيا وإلى غرب أفريقيا بالذات ، حيث احتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم. هذا ما يقوله هؤلاء عن أصلهم وأصل يهوديتهم ويهودية الآخرين. وعلى الرغم من أننا نتحفظ على بعض الآراء التي يرونها، إلا أننا لسنا هنا بصدد مناقشة هذه الآراء، وإنما الهدف هو فقط عرض آرائهم ،وتعريف القارئ بها واطلاعه عليها.
بابل رمز عبوديتهم
يرى هؤلاء أن أجدادهم قد أخذوا أسرى من قبل البابليين إلى بابل، وقد عذبهم هؤلاء واضطهدوهم، ولذلك فإن العبرانيين الإسرائيليين يشعرون بأنهم في سجن بابل في كل مكان هم ليسوا أحرارا فيه.وقد خلقت حالة بابل عندهم ذكريات سلبية عن النفي والتهجير والأذى والسكن في بلاد أجنبية، حتى دخلت في قصص الفوكلور عندهم.والولايت المتحدة الأمريكية التي يسمونها United Snake of America
تعتبر بالنسبة لهم رمزا لبابل أيضا. وانطلاقا من عبودية بابل،فإنهم جعلوا من أولوياتهم القيام بحرب روحية ضد الشر والتحرر منه. ويقول بن عامي (زعيم إحدى الفرق التي سنتحدث عنها) إنها(الحرب الروحية) وسيلة ضرورية للنضال ،ضد سيطرة العالم الشيطاني. ويقولون أيضا إن الغرض من هذه الحرب هو تغيير نظام العالم من كونه شيطاني إلى نظام عالم جديد. وهم يؤكدون على أن الذي يحارب في هذه الحرب عليه أن يتسلح بسلاح الرب، وتكون عنده المقدرة والفهم إذا أراد أن ينتصر.وكان بن عامي قد أعطى تفصيلات عن الحرب الروحية في بعض كتبه، قد تكون مملة للقارئ لو ذكرنا تفصيلاتها ،لذلك غضضنا النظر عنها..و"الرستا أيضا اعتبروا بابل سجنهم وهم في احتفالاتهم يصيحون "تسقط بابل".
أشهر مجموعاتهم
والآن سنتحدث باختصار عن أشهر مجموعاتهم التي مازالت نشطة إلى اليوم.
يعود ظهور هذه المجموعات إلى نهاية القرن التاسع عشر
وإن من أقدمها – حسب ماتوصلنا إليه هي المجموعة التي أنشأها "النبي" فرانك س تشري في تنسي في عام 1886وأسماها(The Church of Living God –Pillar and Ground for Truth for all Nations).) كنيسة الله الحي –عمود وأساس الحق لكل الشعوب ).وكان تشري يعمل بحارا وسافر كثيرا في البحر، وعمل أيضا في السكك الحديدية وكان يعرف القراءة والكتابة(وهي نادرة بين العبيد في ذلك الوقت) .ثم تحول إلى بنسلفانيا عام 1915، ثم عمل في مؤسسة القطارات، وجعل مركز مجموعته في الولاية المذكورة ، ، وقد ادعى تشري بأنه قد أُوحي له، وأن الرب اختاره نبياً عندما كان في أحد أسفاره وأنه يجب أن ينشئ كنيسة ويخبر الناس بأنه ليس كل السود هم يهود، ولكن اليهود الحقيقيون هم السود . وقال أيضاً بأنه ليس كل أسود يهودي في الزمن الغابر أو في العصر الحاضر( ).،وقال بأن مما أوحي له، أن كل يهود التوراة هم من السود، وهؤلاء هم فقط اليهود الحقيقيون، وكان تشري يعرف شيئاً من العبرية واليديش أيضا ، وكان يضع كتبا بهاتين اللغتين إلى جنبه عندما كان يعظ .وهو قد درس أيضا شيئا من التلمود، ودرس شيئا من التوراة . ويبدو أنه تعلم اليدش عبر اتصاله باليهود، وبخاصة المهاجرين من أوروبا الشرقية والوسطى، التي كانت اليديش لغتهم الأم أو اللغة الثانية لهم.كما أنه كان يُدرس اللغة العبرية في كل يوم اثنين من الأسبوع لأتباعه .
أمّا رأيه باليهود البيض، فهو كرأي العبرانيين الإسرائيليين الآخرين، إذ يرى بأنهم كاذبون بادعائهم بأنهم من نسل يعقوب، لأن اليهود السود وحدهم هم من نسل يعقوب، الذي سمي إسرائيل والذي كان أسود، وأن اليهود السود هم بنو إسرائيل الذين تحدثت عنهم التوراة، ولذلك يجب أن يشار إلى السود بأنهم إسرائيليون( ).بل إنه وصف الإله بأنه أسود، بل وأن أول إنسان خلق كان أسود .أما اليهودي الأبيض،فقد بدأ بشخص توراتي اسمه جيحزي، الذي كان خادما للنبي اليشع( عبد الله كما وصف بالتوراة)، والذي تغير لون جلده إلى الأبيض( أبرص) بسبب لعنة اليشع عليه (وعلى نسله) . وقد وردت قصة جيحزي في التوراة (في سفر الملوك الثاني( 5/20-27).وهذه الفكرة يقول بها أيضا غيره من اليهود السود.
كما قال بأن مّن يسمون باليهود البيض، نجحوا في خداع الناس بأنهم وحدهم اليهود، لأن نظراءهم السود لم يكونوا معروفين لفترة طويلة. كما رفض تشري أن يصبح الشخص يهودياً بتحوله إلى اليهودية، بل كان يرى بأن الشخص اليهودي، هو فقط ذلك الذي يولد يهودياً، ولذلك فإن البيض ليسوا يهوداً أصليين، على الرغم من أنهم يطبقون الشريعة وأحكام التوراة. فالسود وحدهم هم الذين يقبل منهم ادعاؤهم، بأنهم أحفاد إبراهيم ويعقوب، كما كان يقول بأن آدم وعيسى كانا أسودين.( )
وكانت هذه الجماعة قد التزمت ببعض أحكام الشريعة اليهودية،واعتبرت التلمود مصدرا مهما لممارستهم الدينية. ومن الفرائض التي يلتزمون بها ،فريضة السبت وفريضة الفصح الذي هو مناسبة سنوية مهمة عندهم وتشير لهم كما يعتقدون( لأان القصة تتضمن تحرير اليهود من العبودية المصرية) ،كما أن أكل لحم الخنزير محرم عندهم، وكذلك الحيوانات البحرية المحرمة في اليهودية، والتزمت بأشياء أخرى مثل وضع غطاء الرأس ( مثل اليهود الأرثودكس) وتلبس النساء قبعات من اللون الأزرق والأبيض في نهايتها خيوط متدلية،وهذا على مايبدو تقليد للطاليت اليهودي. والطلاق أيضا محرم عندهم ، وهو أيضا منع التدخين وحرم الذهاب إلى السينما، بل وحتى تصوير البشر عندهم محرم أو غير مرغوب فيه،كما أنهم يمارسون بعض التقاليد المسيحية، مثل الغناء الجماعي الإنجيلي .واستمرار التزامهم ببعض الممارسات المسيحية، لأنهم لم يرفضوا الإنجيل.وترى هذه الجماعة أو بعض أفرادها أن تشري اختفى موقتا وأنه سيرجع من خلال ابنه.
وكان من أوائل هذه المجموعات التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر أيضا، هي تلك التي أنشأها وليم سوندرز كرودي (1847م – 1908م) في ولاية كنساس الأمريكية في عام 1896.وأسماها كنيسة الله وقديسو المسيحThe Church of God and the Saints of Christ
وكان كرودي يخدم في جيش الإتحاد الأمريكي في الحرب الأهلية،وبعد تركه الجيش عمل طباخا في مؤسسة القطارات في مدينة "سانت فيه "،وفي هذه الفترة ،التي تميزت بانتشار قتل السود ،ادعى بأنه رأى رؤيا بأنه نبي أرسل إلى بني قومه ليهديهم، وأن أبناء جلدته هم من أحفاد بني إسرائيل،ويجب أن يهديهم إلى دينهم ، وأطلق على مجموعته الإسم الذي ذكرناه أعلاه. كما ادعى بانه تسلم وحياً متتابعاً، وأن من جملة ما أوحي به إليه، هو أن أجداد الأفارقة الأمريكيين كانوا من قبائل بني إسرائيل العشر الضائعة، وأكد على الأصل الأسود للعبرانيين القدماء( ). واعتبر اليهود السود هم الشعب المختار. وكان دورهم حقيقيا في التاريخ حيث قد خصهم به الإله. وقال أنه أوحي له-كما قال- أن يرجع أبناء جلدتته إلى دينهم القديم وهويتهم.وكان كرودي متشددا في أحكام التوراة وممارستها، فجماعته كانت تمارس الشعائر اليهودية المعروفة بين اليهود، مثل الالتزام بعيد الفصح على الطريقة اليهودية، واستعمال التقويم اليهودي، وكذلك استعمال الأشهر اليهودية والالتزام بأحكام السبت. وكانوا يختنون أبناءهم أيضاً،وكانوا يضعون الكباه (غطاء الرأس).ويؤكدون على أنهم يؤمنون بيهودية التوراة كعقيدة ولكن دون ثقافتها. وهم لايعتبرون أنفسهم يهودا بل إسرائيليين (أي من بني إسرائيل)، ولكنهم إضافة إلى ذلك يمارسون بعض الطقوس المسيحية مثل التعميد، الذي هو طقس رئيس مهم في المسيحية ،وغسل القدمين.ومع الإلتزام بهذه الممارسات المسيحية، فإنهم لايعتبرون السيد المسيح مخلصا للعالم،ولكنهم يعتبرونه نبيا مرسلا ويهوديا تاريخيا صالحا. وأن المخلص هو موسى ويؤكدون عليه خاصة في قضية الخروج .وهم يرفضون عقيدة التثليث. وعندما كثر أتباع هذه المجموعة أنشأوا لهم مقراً رئيساً في فيلادلفيا العام 1900م، وبعد سبعة عشر عاماً من ذلك التاريخ أنشأوا لهم مركزاً عالمياً في ولاية فرجينيا. وكان كرودي قد أرسل في عام 1903 مبشرين إلى جنوب أفريقيا يبشرون بأفكاره وكذلك إلى كوبا،وإلى جزر الهند الغربية. ويبدو أن هؤلاء المبشرين قد أثروا على السكان المحليين حيث اعتنق بعضهم أفكار كرودي.وبعد وفاته خلفه على رئاسة هذه المجموعة شخص اسمه "بلمر"، الذي كان كرودي قد اختاره بنفسه. بينما يرى آخرون أن المجموعة انقسمت إلى مجموعتين بسبب الإختلاف حول الزعامة،واصبح حفيد كرودي هو المشرف الروحي على كلا المجموعتين. وقد وصل عدد اتباع هذه المجموعة في ثلاثينيات القرن العشرين، إلى سبعة آلاف شخص، ثم ارتفع إلى أربعة وثلاثين ألفاً في الستينات( )، وعاش الكثير منهم في مستوطنات معزولة في بعض الولايات الأمريكية. وذكر بعض الباحثين، أنه كان لهذه المجموعة فروع في أفريقيا مثل زمبابوي وجنوب أفريقيا، وكذلك في جزر البحر الكاريبي. واعتبرت مؤلّفة معاصرة – تنتمي إلى العبرانيين الإسرائيليين الذين سنتحدث عنهم – كرودي نبياً، فهي تقول: « إن اعتقادي بأن النبوءات السابقة ونبوءة حزقيال في الاصحاح 37 وغيرها، قد بدأ تحقيقها في العصر الحديث(في العام 1896م )عندما ظهر نبي الله كرودي، لإعادة بناء بيت إسرائيل في مدينة لورنس في ولاية كنساس". وترى أيضاً بأن كرودي هو الذي بعث الروح في بني إسرائيل مرة أخرى( ).ويوجد اليوم عشرات الكنائس تتبع تعاليم كرودي،فهناك أكثر من خمسين منها في الولايات المتحدة الأمريكية (أكثرها في الساحل الشرقي)،وهناك سبع كنائس في أفريقيا الجنوبية وسوازيلاند، وكذلك في ملاوي وموزمبيق ،وكذلك في جزر الهند الغربية.وبعض الكنائس الأفريقية الكبيرة اليوم،ترجع في نشأتها إلى أفكاره. وبعض المجموعات الأخرى من هؤلاء أيضاً، تنظر إلى كرودي نظرة تعظيم وتبجيل.
المعبد الصهيوني الموريشي.(Moorish Zionist Temple) .
وفي حدود العام 1899م ظهرت مجموعة أخرى من الأفارقة الأمريكيين، الذين قالوا بأنهم من أصول إسرائيلية، وأسسوا لهم معبداً ومركزاً في نيويورك باسم معبد (Moorish Zionist Temple). وكان اسم حاخامهم ومرشدهم ريشلو، الذي كان يقول بأنه من مواليد أثيوبيا. وكان ينشط مع هذه المجموعة ويساندها شخص يهودي اسمه مردخاي هرمن، كان يعمل بائعاً متجولاً لبضائع دينية يهودية. وكان مما اقترحه على هذه المجموعة، هو أن يهاجروا إلى فلسطين وتكون لهم بلداً قومياً مع اليهود الآخرين( ).
وفي العشرينيات من القرن الماضي، انضم إلى هذه المجموعة أمريكي أفريقي من جزائر البربيدوس اسمه ارنولد يوسيا فورد، وكان قد نشأ مسيحيا , وكان أبوه قسيسا ولكن فورد رفض المسيحية، وادعى أن أصله أثيوبي وأنه من سلالة حاخامين، ،كما درس فورد العبرية واليدش على يد بعض اليهود البيض، وأعلن أنه هو الحامي للغة العبرية عند الأفارقة ،وأخذ يجمع الأدلة للتدليل على التشابه بين العبرية واللغات الأفريقية. وكان فورد موسيقيا موهوبا يعزف على عدد من الآلات ،وقد ألف عددا من الأناشيد في مدح أثيوبيا التي وصفها ب" أرض أجدادنا"،وكان قد رأس فرقة انشاد دينية، وكان أيضاً ناشطاً مع الزعيم الوطني الأسود ماركوس غارفي (صاحب الحركة القومية السوداء التي سميت بالغارفية فيما بعد) والذي أشرنا إليه أعلاه.وكان يعمل موسيقيا فيها،وألف لهذه الحركة النشيد الخاص بها بعنوان
"أثيوبيا،أنت أرض أجدادنا"" وقد جاء فيه ،يهوه أنت رب العصور،هب لأبنائنا الحكمة التي محنتها لعلمائك،عندما كان بنو إسرائيل في ضيق" وقد تبنى فورد أفكار هذه الحركة، وبعد أن عمل مع هرمن لفترة من الزمن، نشأ خلاف بينهما فأنضم فورد في عام 1923 إلى مجموعة منفصلة باسم Beth Banai Abraham (بيت أبناء إبراهيم). وكان فورد يقول بأن الأفارقة هم من أصل عبراني، ولكن تراثهم اختفى بسبب العبودية، كما اعتبر أن القراءة الصحيحة للتوراة تبيّن، أن الدين الحقيقي للسود كان نفسه دين العبرانيين، كما كانت هناك استمرارية للعلاقة بين التقاليد العبرانية وتقاليد الجنس الأسود، إذ أن الثقافة العبرانية استمرت في أفريقيا، وما زالت بقاياها موجودة إلى الآن. وذكر بعض الأمثلة على ذلك، مثل استعمال نجمة داود في غرب أفريقيا. وهو مثل السود الآخرين رفض اطلاق اسم يهود على أتباعه، بل اسماهم عبرانيين، وقال بأن كلمة يهود تشير إلى الأوروبيين البيض الذين كانوا تحولوا إلى اليهودية بواسطة السود، وقد أعطي كل فرد من أتباع المجموعة اسما عبرانيا،حيث يُعطى له بشكل رسمي في المعبد، كما هي عادة اليهود اليوم وقبل اليوم . وتعبيراً عن تميزهم،فقد أخذ يلبس الكباه اليهودية (غطاء الرأس) ويضع فوقها عمامة، وأخذت الجماعة تلبس لباسا خاصا، وتميزوا أيضا بلبس العمامة كما فعل فورد نفسهً. وتبنوا أغاني حركة غارفي، وهم يغنونها في مناسباتهم. وكانوا يدرسون أبناءهم اللغة العبرية والتوراة، إلى جانب اللغة العربية( ). في مدرسة أنشأها فورد. وكان فورد يقول إن هاتين اللغتين مهمتان لحركة الرجوع إلى أفريقيا.وكان فورد ينتقد المسيحية،لأنها اضطهدت السود واضطهدت اليهود على حد سواء كما قال،فهي اضطهدت هؤلاء بالعبودية وأولئك بمحاكم التفتيش السيئة الصيت،وهو كثيرا ما كان يقارن بين تجربة المجموعتين.
وكان فورد أيضا يشجع الهجرة –كما يشجعها غارفي- إلى أثيوبيا التي يطلقون عليها صهيون الأفارقة،وأخذ يعمل على ذلك بكل نشاط. وكان فورد، مثل غارفي، يقوم بأعمال تجارية مع أفريقيا، كما أرسل بعض أتباعه إلى هناك،إيمانا بفكرة العودة إلى أفريقيا حيث ذهب هو نفسه فيما بعد إلى أثيوبيا واصطحب مجموعة من الأفارقة الأمريكيين، من الذين يعتقدون بأصلهم الإسرائيلي/ العبراني للتهنئة بتتويج إمبراطور أثيوبيا هيلاسيلاسي. وقد عزف فورد أمام الإمبراطور أكثر من مرة. وبقي في أثيوبيا لبضع سنوات من أجل الحصول على أرض في أثيوبيا،لإنشاء مستوطنة خاصة بهم ، وتكون بداية دولتهم.وقد خصصت لهم الحكومة الأثيوبية منطقة واسعة، قرب بحيرة تانا، التي يسكنها الكثير من الفلاشا. ثم هاجر عشرات من أتباعه إلى السكن في المنطقة المذكورة، ولكن المشروع في النهاية فشل. ولا يعرف على وجه الدقة متى توفي فورد.فهناك من يرى بأنه توفي قبيل الحرب الإيطالية الأثيوبية(الثانية) (1935-1936).بينما يرى البعض أنه توفي أثناء الحرب،بينما يذكر آخرون، أن فورد رجع إلى الولايات المتحدة الأمريكية،لعدم قدرته على جلب عائلته إلى اثيوبيا وهنا تبنى الإسم "فرد".
بقيت مسألة مهمة تتعلق بفورد هذا، وهي فيما إذا كان فورد هو مؤسس أمة الإسلام أو شخص آخر .
هناك من يرى بأن فورد هو نفسه فرد (فرض) الذي أسس أمة الإسلام. ولكن الوقائع التاريخية لاتؤيد ذلك، فعلى الرغم من التشابه بين الاسمين بالإنكليزية فإن الاسم الأول لكل منهما يختلف عن الآخر. وطبقاً لما ذكر في أحد أعداد المجلة الأسبوعية لأمة الإسلام (The Final Call) (بدون رقم أو تاريخ)، فإن اليجا محمد عند لقائه بفرد (فرض)، سأله عن اسمه فأخبره بأن اسمه هو ولسن( أو وَلَس) فرد (فرض) محمد، بينما الإسم الأول لفورد هو ارنولد كما رأينا. يضاف إلى ذلك، بأن ولسن فرد محمد كان قد ذكر لاليجا محمد وغيره، بأن أصله من الجزيرة العربية، بينما ارنولد فورد هو من البربيدوس، كما أن الصورة التي تنشرها أمة الإسلام لفرد، تظهره كشخص بعيد في ملامحه عن ملامح أي شخص أفريقي، وكان ولسن فرد قد ادعى بأنه المهدي المنتظر، كما تذكر المجلة المذكورة.
ثم ظهرت مجموعة أطلقت على نفسها اسم بيت شالوم بني زقن الأثيوبية العبرية
Beit Shalom bnai Zaqin Ethiopian Hebrew Congregatio
وكانت هذه المجموعة قد ظهرت في شيكاغو باسم آخر غير الذي ذكرناه أعلاه، وكان منشؤها ومؤسسها الحاخام هوراس حسن في عام 1915 ،ثم أنضم إليه حاخامان من نيويرك عام 1918،واصبح لها اسم مختلف،وفي ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي ،كان يقودها ويرأسها الحاخام أبيهو بن راؤوبين والحاخام لاسورس،اللذين تخرجا على يد الحاخام ماثيو، الذي سنذكره .وفي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ،انضمت هذه المجموعة إلى مجموعة أخرى، وفي التسعينات استقرت على الإسم أعلاه.ويرأس هذا المجموعة اليوم الحاخام كابسرس فيني (الصغير) وهو أحد أقرباء زوجة الرئيس أوباما كما تذكر الصحيفة اللندنية جويش كرونكل( في عددها المؤرخ 17/7/2015)،.وطبقا لهذه الصحيفة فإنه قد انتخب رئيسا للمجلس العالمي للحاخامين السود الإسرائيليين(من بني إسرائيل).وتذكر الصحيفة أيضا أنه كان قد قابل نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، في إحدى زياراته لإسرائيل.
وهذه المجموعة التي تتبنى اليهودية تعتبر نشيطة من بين المجموعات الأخرى من اليهود السود.ورئيسها أيضا ينشط بين السود من غير اليهود،بخاصة "أمة الإسلام" برئاسة فرخان،الذي له علاقة جيدة به.وكذلك هو ينشط بين اليهود البيض، وربما هو يتميز بهذا من بين المجموعات الأخرى من السود.أما عن ممارستها الدينية فيقول رئيسها ،إنها أقرب إلى ممارسة الأرثودكس الجدد مع تاثير لفرقة اليهودية المحافظة، وشيئ من تاثير الأفكار األأمريكية الأفريقية .وتلتزم هذه الجماعة بواجبات السبت بشكل متشدد.وتحتفل بالأعياد اليهودية المذكورة في التوراة ،وكذلك التي لم تذكر فيها ،وهي مثل بعض المجموعات الأخرى خصصوا يوما للأب ويوما للأم ،ويوما للطفل.
ويرى "فني" أن اليهود البيض لايجوز لهم أن يحتكروا اليهودية ويقول أيضا إن الأفارقة السود قد رجعوا إلى اليهودية لا أنهم اعتنقوها كدين جديد، لأنهم يعتقدون أن أجدادهم هاجروا من فلسطين إلى غرب أفريقيا، وأخذوا عبيدا في أمريكا وهم تتبعوا هجرتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية كما فعل الآخرون من السود.
وظهرت مجموعة أخرى باسم المحافظون على الفرائضThe Commabdment Keepers
وكانت هذه الجماعة قد أنشأها الحاخام وينتويرث ارثر ماثيو في هارلم عام 1919، وكان هذا الحاخام يعمل مع فورد، وهو الذي منحه شهادة الحاخامية، وكان أيضا قد درس في كلية الفرقة الإصلاحية اليهودية لتخريج الحاخامين في نيويورك. وقد ذكر هو بأنه قد ولد في إحدى قرى لاغوس (نيجريا)، وأنه حفيد واعظ شهير جدا من الفلاشا. ولكن طبقاً لما تذكره دائرة المعارف اليهودية، فإن الحاخام ماثيو كان قد ولد في إحدى جزر البحر الكاريبي(يعتقد أنها جزيرة كتس)، وهذا أيضا مايقوله الكثير من الباحثين. وأسس معبده الذي ذكرناه في نيويورك في العام الذي ذكرناه .وقد وصف الحاخام ماثيو من قبل أحد الباحثين المعاصرين، بأنه أحد أعظم الحاخامين السود في القرن العشرين . وعندما استقر في نيويورك، قام ببعض الأعمال من أجل الحصول على رزقه. .ويرى بعض الباحثين أنه ربما زار فلسطين، قبل أن يحط رحاله في نيويورك، وربما اعتقد هؤلاء بهذا، لأن مقالة ذكرت عنه، أنه كان يتكلم اللغة العبرية ،بلكنة عربية .وإنها عبرية فلسطينية وأنها عبرية خالصة!!" وعند وصوله إلى نيويورك ،انضم إلى فرقة البنتاكوستلية المسيحية ثم أصبح فيما بعد واعظا فيها.وكانت هذه الكنيسة التي انتشرت بين الأمريكان السود، ترى بأن أنبياء الكتاب المقدس وكذلك اليسوع عيسى كانوا من أصل أسود. وأخذ يتعاون مع فورد في تعميق فكرة الأصل العبراني للأفارقة، وكان نشيطاً بين العبرانيين الإسرائيليين، وأخذ يدرس مجموعته لتخريجهم حاخامين، حيث تخرج الكثيرون على يديه. وأسسوا معابد خاصة بهم في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي جزائر البحر الكاريبي. وكان أتباع الحاخام ماثيو قليلين في البداية، ولكن العدد ازداد حتى أصبح أكثر من خمسة عشر ألف عضو، بل إن بعض المصادر ذكرت بأن العدد وصل إلى ثلاثين ألفاً في الولايات المتحدة الأمريكية. واعتبرت دائرة المعارف اليهودية مجموعة الحاخام ماثيو من أكبر المجموعات السوداء، التي تدين باليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية( ).
واعتمد الحاخام ماثيو المذهب اليهودي الأرثودكسي أساساً في ممارسته للشعائر والفرائض اليهودية، كما أخذ ببعض ممارسات فرقة اليهودية المحافظة، التي لا يعترف بها اليهود الأرثودكس. فهو كان يلبس غطاء الرأس (يرمولكا/ كباه) ويضع الطاليت (وهي قطعة من قماش كبيرة يضعها اليهود على أجسمامهم عند أدائهم للصلاة)، وكذلك كان يضع التفلين في الصلاة (والتفلين علبتان صغيرتان من جلد تحتويان على مقاطع من التوراة، وتربطان بسير يلف على الذراع الأيمن، ويضعها الرجال فقط عند أداء صلاة الصبح)وهو مايفعله أتباعه. كما اعتمد أيضاً كتاب الصلاة، الذي يستعمله اليهود الأرثودكس، وكان يفصل بين الرجال والنساء في الكنيس( )، ولكنه أيضاً كان قد أبدل بعض العادات اليهودية الأوروبية بتقاليد أفريقية وكاريبية، معللا ذلك أنه ما دام الكثير من العادات اليهودية والتقاليد هي ذات أصل أوروبي، فمن حقه أن يدخل تقاليد كاريبية وأفريقية أمريكية ليمارسها اليهود السود، وقد انتقده اليهود البيض بسبب ذلك.( )
وهومثل بقية العبرانيين الإسرائيليين، يرى بأن السود هم من نسل ابراهيم الذي كان كما كان إسحق ويعقوب، من الجنس الأسود، وأن السود هم اليهود الأصليون( ).وهو له رأي تميز به عن بقية اليهود الأفارقة حول أصلهم.وهو أن النزاع الذي نشب بين القبائل بعد موت سليمان أجبر قبيلتين على مغادرة البلد ،فهاجرتا إلى شرق أفريقيا،أما القبائل العشر الباقية فقد سيطر عليها الفلستينيين وتشتتوا،والذين احتفظوا بالهوية اليهودية هم فقط القبيلتان اللتان بقيتا في شرق أفريقيا، وهو يرى بأن اليهود البيض هم من نسل عيسو ،بينما اليهود السود هم من نسل يعقوب. ولذلك فإن اليهود الحقيقيين هم فقط الذين من أفريقيا كما يرى. ويقول بأن المتهود من الأفارقة الأمريكيين لا يتحول إلى اليهودية، بل يرجع إليها، وهذا ما يراه الآخرون منهم – كما ذكرنا – .وقد استشهد على ذلك بما ورد في سفر التثنية (64/28) الذي جاء فيه: « ويشتتك الرب بين الشعوب كلها من أقاصي الأرض إلى أقاصيها، وتعبد هناك آلهة أخرى لم تعرفها آنت ولا أباؤك، آلهة من خشب وحجارة" . ويقول بأن الأفارقة تشتتوا في البلدان وعبدوا آلهة أخرى. ويرى بأن اليهودية جزء من تراث الأفارقة كالمسيحية.وهو أكد على رفضه للكلمة الإحتقارية Negro، والتي تطلق على السود ،وقال إنه يجب أن يعتبر الأفارقة أنفسهم "عبرانيين من أصل أثيوبي" .ثم أخذ يقول إنهم يرجعون إلى الفلاشا ،لكن هويتهم هذه ضاعت بسبب حالة العبودية الطويلة .وهو ينتقد جاك فيلوفتش (الذي يسمى أبا الفلاشا) الذي ينفي العلاقة بين الفلاشا والأفارقة اليهود الأمريكان ،إذ رأيه أن الفلاشا كانوا بيضا على الرغم من كون جلدهم أسود،وقد تغير لون الجلد بسبب الجو الحار.وهذا الرأي تفرد به فيتلوفتش حول الفلاشا.ويرد الحاخام على هذا الرأي ويقول، إن هذا رأي غريب بخاصة وأن العالم كله يعرف، أن الأثيوبيين هم شعب أسود كأي شعب أسود آخر. وكان الحاخام ماثيو مثل ماركوس غارفي، يعمل على زرع الثقة في نفوس السود، ويتحدى الفكرة النمطية عنهم، مؤكداً على وجودهم في التاريخ والعهد القديم، وعلى مساهمتهم في الحضارة الإنسانية. وقد حاول لفترة طويلة أن يقيم حواراً مع اليهود البيض، أو ينضم إلى مجلس حاخاميهم في نيويورك ،ولكن محاولته لم تصل إلى نتيجة ويئس من ذلك وقال عن هذا إن اليهود البيض لا يمكن أن يقبلوا العبرانيين الإسرائيليين أبداً، بخاصة إذا أصرّ هؤلاء على المحافظة على استقلالهم وهويتهم.
،فأسس مجلسا للحاخامين السود وأسس إكاديمية لتخريج الحاخامين.
وكان من هذه المجموعات مجموعة بيت الله –مجموعة العبرانيين
(Beth Elohim Bebrew Congregation وقد أنشأتها عائلة ليفي العام 1983م ومقرها في نيويورك. ويتزعمها شلومو بن ليفي وهو ابن مؤسسها ليفي بن ليفي. وطبقاً لما تذكره أدبياتهم، فإنهم يعتمدون في ممارستهم لليهودية على آراء الحاخام ماثيو. الذي تخرجوا على يديه على مايبدو . وهم في صلاتهم في الكنيس يفصلون بين الرجال والنساء، ولكنهم في الوقت نفسه يساوون بينهما اجتماعياً، كما أنهم يتبعون ما جاء في التوراة في ما يتعلق بالطعام من لحوم وغيرها، وكذلك فيما يتعلق بالحيوانات البحرية المحرمة، ولكنهم في الوقت نفسه لا يفصلون زمنياً بين اللحم والحليب ومشتقاته في الأكل، وهي ممارسة يلتزم بها اليهود الأرثودك المتشددون. كما أنهم يسمحون بالسفر يوم السبت إلى الكنيس، وهو عمل محرم عند اليهود الأرثودكس. ويحتفل هؤلاء بالمناسبات الدينية مثل السبت والأعياد اليهودية، ولكنهم أيضاً خصصوا يوماً للاحتفال بالآباء وواحداً للأمهات وآخر للأطفال، وكذلك يوماً لذكرى الحاخام ماثيو، والزعيم الوطني الأسود مارتن لوثر كنغ.( )وهم يحتفلون بالبار مصفاه (للذكر) والبات مصفاه(للأنثى) , ويضعون التفلين في يوم الأحد ويختن أولادهم خاتن من اليهود الأرثودكس.
وتصر هذه المجموعة على رفض ما يقوله اليهود الآرثودكس، بأنهم يمثلون المذهب الصحيح في اليهودية وأن التهود عن طريقهم، دون غيرهم، هو الذي يعطي الشرعية للمتهود. كما أنهم يعترضون على ما يسميه اليهود الأرثودكس بالتهود طبقاً للهلخا (الشريعة)، ويقولون إن هذا ليس له إشارة في التوراة، إذ اعتنق بعض الناس اليهودية في فترة عصر التوراة دون ما تطبيق للهلخا. وهم لا يقبلون قول الأرثودكس بأنهم وحدهم الذين يحددون مَن هو اليهودي، لأن هذا – كما يقولون – لا يتفق وإرادة الرب، بل هو رفض لإرادته.
كذلك يرون أن التهود عن طريق المذهب الأرثودكسي يفترض بالضرورة أن يكون الشخص معترفاً بهذا المذهب وحده، وتابعاً له أيضاً، ورافضاً للمذاهب الآخرى. والمذهب الأرثودكسي ليس من حقه أن يعرّف مَن هو اليهودي ويعطي شرعية له، وإن كان من حقه أن يعرّف مَن هو الأرثودكسي. وهذه الجماعة تدرّس اللغة العبرية للصغار والكبار من أبنائها، كما أن لها كلية خاصة بها لتخريج الحاخامين اسمها (Israelite Rabbinical Academy). وطلابها يقبلون بعد فترة من الاختبار وبترشيح من أعضاء دائمين، وبموافقة الزعيم الروحي للجماعة.ولهذه الجماعة مجلس وهو عضو في مجلس Israeltes Board of Rabbis وهو كان قد أنشئ العام 1970م بمبادرة من الحاخام وينتورث ماثيو على ما يُعتقد( ).
مجموعة Beth Hashem« بيت الله »
وهذه مجموعة أخرى ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي وأطلقت على نفسها اسم (Beth Hashem « بيت الله » ومركزها في بيلتمور في الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذه المجموعة حاخام ولها مرشد روحي أيضاً. ويقول هؤلاء، كما يقول الآخرون من العبرانيين الإسرانيليين، بأن آباءهم كانوا عبرانيين هاجروا من أفريقيا، ويقول مرشدهم الروحي بأنه تمكن من أن يتقفي أثر أجداده اليهود إلى الأسر البابلي.
ويقول أن عائلته كانت تطبق اليهودية لأجيال طويلة، وأنّه هو نفسه كان واعياً لأصله اليهودي، ولكنه لم يكن ملتزماً إلى أن أصبح رجلاً، ودرس على يد المرشد الروحي وأصبح حاخاماً على يد حاخام أمريكي أفريقي اسمه اليعازر رايت في سبعينيات القرن الماضي.
والممارسة الدينية لهؤلاء لا تختلف كثيراً عن ممارسة اليهود الآخرين. فهم يصلون ثلاث مرات يومياً كما يصلي اليهود الآخرون، ويلتزمون بشريعة السبت وأحكامه، ويحتفلون بالمناسبات الدينية والأعياد، ويدرسون الشريعة اليهودية. كما أنهم يضعون العلم الإسرائيلي في معبدهم ويضعون فيه كذلك « منوراه » مذهبة. وفي المعبد أيضاً صندوق للتوراة كما في كنيس اليهود. كما أنهم لا ينشدون في الصلاة ولا يغنون، بل يقرأون فقط، وهم يستعملون كتاب الصلوات الذي يستعمله اليهود الأرثودكس. أما في الكنيس فيجلس الرجال إلى الأمام مع الأولاد، والنساء إلى الخلف مع بناتهن، ويحرم عليهن الحديث أثناء الصلاة.
وهم يشترطون على من ينضم إليهم أن يؤدي مراسيم التهود عندهم وعلى طريقتهم، وليس عند غيرهم. وتتضمن هذه المراسيم دراسة التوراة وشيئاً من التلمود، وكذلك يطلب من المتهود التطهر في حوض ماء أو مسبح. وتستمر عملية التحول إلى اليهودية عادة ستة أشهر (وهي تستمر إلى أكثر من ذلك بكثير عند اليهود الأرثودكس). وهم يقولون – كما الآخرون من العبرانيين الإسرائيليين – بأن التحول هذا هو رجوع إلى ديانتهم الأولى.
وهناك شبه بين هؤلاء وبين اليهود الحسيديم، فلهؤلاء مرشد روحي كما لليهود الحسيديم الذين يطلقون عليه « تصديق »، وهم يسمونه بالاسم نفسه. وهم كذلك يشبهونهم في لباسهم، إذ يلبسون لباساً أسود ويضعون على رؤوسهم قبعة عريضة سوداء (راجع كتابنا اليهود الحسيديم). وهم، مثلهم أيضاً، يرسلون لحاهم ويطيلون ضفائرهم على جانبي الرأس، كما أن نساءهم يلبسن لباساً طويلاً، إضافة إلى حجاب، وغالباً ما تكون ألوان اللباس والحجاب زاهية. وبالإضافة إلى الحجاب، فإن النساء يتميزن أيضاً بوضع نقاب على الوجه من تحت العينين إلى الأسفل، وهذه العادة هي طبقاً لتعليمات المرشد الروحي، الذي يرى حرمة أن يرى الرجل وجه المرأة، ويؤكد على أن نصوص التوراة والتلمود يُفهم منها بأن المرأة كانت تضع غطاء رأس ونقاباً (وعادة وضع النقاب هذه لم تعد خاصة بهؤلاء اليوم من بين اليهود فقد ظهرت مجموعات من اليهود الأرثودكس في إسرائيل تغطي نساؤهم وجوههن بالكامل). وتلبس البنات الحجاب عندما يبلغن سن الثالثة عشرة، وليس الثانية عشرة كما عند اليهود الأرثودكس. وتقول النساء إن الحجاب يلفت نظر الآخرين ويثير انتباههم، وينظرون إليهن نظرة استغراب بسبب ذلك، وهن يرفضن النقد الذي يوجه إليهنّ بأنهنّ من الدرجة الثانية، بالقول إنهنّ يمثلنّ الجانب الآخر للرجل.
ويقول أحدهم « إن النقد لنا والاستهزاء بنا، لا يعنيان شيئاً لنا على الاطلاق، لأننا ننظر إلى ثواب العالم الآخر، واننا متهيئون ومستعدون للموت ». وهم يحيون بعضهم بعضاً باللغة العبرية وينادون بعضهم على بعض بكلمة أخ أو اخت، وعندما يتكلم زعيمهم يؤمّنون عليه بكلمة آمين. ويقولون عنه بأنه هو الذي يحضّرهم للعالم الآخر.
وهؤلاء أيضا لهم الأفكار نفسها عن أصلهم ، ويؤمنون بعيسى على أنه المخلص الذي سيرجع في آخر الأيام، وهو الذي تنبأت به الكتب اليهودية، كما يعتقدون أيضاً بأن لونه كان أسود كما يرى اليهود السود الآخرون.وهؤلاء يطلق عليهم بالإنجليزيةMessianic Jews وأنا أسميت اليهود الذين يؤمنون بعيسى "اليهود اليسوعيين"،وقد كتبت عنهم دراسة مطولة ستنشر قريبا. ويقول زعيم هؤلاء – رداً على نقد اليهود لهم لاعتقادهم بعيسى – بأنه ليس هناك تناقض بين هذا المعتقد والمعتقد اليهودي، وهو يرى بأنّ هذا الاعتقاد لا يجعلهم مسيحيين. ويقول بأن عيسى لم يطلب من الناس أن يعبدوه، وإنما طلب منهم أن يعبدوا الله. وهو يستغرب من نقد اليهود لهم، بينما هم يقبلون اليهودي الملحد على أنه يهودي، ويرد بالقول: « إننا لا ننزعج من الشكوك التي تثار حولنا وحول أصالة يهوديتنا »، ولكنه في الوقت نفسه يقول: « إننا مستعدون للاتصال باليهود البيض شرط أن يقبلوا وضعنا كما هو ويقبلوا معتقداتنا باليهودية، ولكننا لا نستجدي ذلك ولا نقبل أن نكون من الدرجة الثانية ». وتعتبر هذه المجموعة نفسها مجموعة مستقلة، ويقول أفرادها: « إننا وحيدون في هذا العالم »( ).
وظهرت مجموعة باسم "المحافظون على الشريعة"Law Keepers
في عام1997 ورئيسها كما هو مذكور على موقعها، هويهودا بن يعقوب .وهي قد ظهرت كحركة دينية للسود العبرانيين، وهي تؤكد على هدف رئيس هو تعظيم يهوه رب إسرائيل وتبجيله ومدحه كرب مقدس ،ومن أهدافهم مايسمونه الرجوع إلى أرض أجدادهم ،أرض إسرائيل .وكذلك مساعدة أبناء جلدتهم من العبرانيين الإسرائيليين، الذين يفكرون بالرجوع إلى تراثهم وأرض أجدادهم.
ويتميز هؤلاء بأنهم يرفضون اليسوع عيسى كمخلص، لأنه من نسل عيسو الذي أقصي من ميراث النبوة،أو لأنه متحول إلى اليهودية (أي ليس يهوديا بالأصالة)، ونتيجة لهذا هم يرفضون الإعتماد على العهد الجديد،إذ ليس هناك من تعاليمه ماهو مذكور في العهد القديم، ويقولون إنهم ليسوا بحاجة إلى تعاليم العهد الجديد. وهم يعتمدون على كل أسفار العهد القديم، وليس فقط الأسفار الخمسة الأولى التي تسمى التوراة بالمعنى الخاص.وهم كذلك يلتزمون بالسبت وأحكامه ،وبالأعياد اليهودية .أما من حيث أصلهم فإنهم يعتقدون بأنفسهم أنهم من أحفاد قبيلة يهودا التوراتية، وأن قبائل بني إسرائيل كانوا قد أخذوا أسرى .ومنذ ذلك الوقت هم منتشرون تحت سيطرة الأغراب بسبب ذنوبهم.
وهم كذلك يتميزون بالفكرة الصهيونية بدعوة السود في الأمريكتين إلى الهجرة إلى إسرائيل التي يسمونها أرض أجدادهم.وهم يطالبون الولايات المتحدة بتحقيق ذلك بالحصول على تعويض منها ،للمساعدة على الهجرة إلى إسرائيل.وطبقا لما تذكره مارتينا كونغوفر أن هؤلاء أنشأو مستوطنة في الأردن بعد أن رفضت إسرائيل السماح لهم بإنشاء مستوطنة فيها.وهم يقولون إن الأردن ليس فقط قد سمحت لهم بل رحبت بهم .وهم يعتبرون بعض أجزاء الأردن جزءا من إسرائيل القديمة.وهم من هذه المستوطنة يريدون أن يتوسعوا فيبنوا مدرسة ومجموعة من البيوت ومركزا طبيا في المستقبل.
وهناك مجموعة أخرى من هؤلاء ظهرت في ستينات القرن الماضي، أصبحت اليوم أكثر شهرة من المجموعات التي ذكرناها في هذه الدراسة ولها اليوم مراكز ونشاط في أكثر من بلد،وقد كتبنا عنها بشيئ من التفصيل،ونأمل أن ننشرماكتبنا قريبا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,770,635
- طبعة جديدة لكتاب الدونمه بين اليهودية والإسلام للدكتور جعفر ...
- السيكاري الإرهابيون الأوائل
- فرقة اليهودية البشرية
- فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطينيين في إسرائي ...
- الإنتخابات الإسرائيلية بعيون الحركة النسوية
- يهود أثيوبيا (الفلاشا)
- العنف ضد المرأة في إسرائيل
- تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر
- تدمير دمشق في الفكر المسيحي الصهيوني
- طقس الكفاروت في ليلة يوم الكفور
- صراع الحريديم والعلمانيين على المدن في إسرائيل
- اليهود الحريديم
- تاريخ العراق الذي ينهب
- مكوياكفرقة يابانية صهيونية
- بين إيلان بابيه وبندكت سبينوزا
- من مفكري الحركة الصهيونية وفلاسفتها: يعقوب كلتزكن
- قانون العودة وهجرة اليهود غير المعترف بهم إلى إسرائيل
- جدعون ليغي الصحافي الذي يزعج اسرائيل بكتاباته
- من تاريخ الحركة النسوية اليهودية
- الصراع العلماني الديني في اسرائيل اسبابه وتجلياته


المزيد.....




- ميدل إيست آي: السعودية ستعدم 3 علماء دين بعد رمضان!!
- قائد عسكري أمريكي يتحدث لـCNN عن الحشد الأمريكي بالمنطقة.. و ...
- مسؤول أمريكي سابق لـCNN: إيران تتراجع بحالة واحدة.. وهدفا تر ...
- نائب وزير الخارجية الروسي: لا يجوز تأزيم الوضع في منطقة الخل ...
- "الفندق" مسلسل يحيي صناعة الدراما ويقسم الشارع الع ...
- فرنسا: اتهامات لرئيس "بي إن سبورتس" بالفساد
- "الفندق" مسلسل يحيي صناعة الدراما ويقسم الشارع الع ...
- فرنسا: اتهامات لرئيس "بي إن سبورتس" بالفساد
- انتصارا لفلسطين.. مؤسسة ماليزية تقاضي إسرائيل بالجنائية الدو ...
- بوليتيكو: حفتر يستأجر شركة أميركية لتلميع صورته بواشنطن


المزيد.....

- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جعفر هادي حسن - ظهور اليهودية بين الافارقة الأمريكان في الولايات المتحدة الأمريكية