أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - حب المرأة في رواية -يافا- نبال قندس















المزيد.....


حب المرأة في رواية -يافا- نبال قندس


رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 5195 - 2016 / 6 / 16 - 02:08
المحور: الادب والفن
    


حب المرأة في رواية
"يافا"
نبال قندس
كأنا في زمن الرواية النسائية، فها نحن نجدهن يكتبن ويتجاوزن المألوف، ويبدين مشاعرهن بكل جرأة ووضوح، فنحن في عصر جديد تجاوز الموروث البائد وما يحمله من أفكار ومعتقدات، في هذه الرواية التي تسردها شخصيتان، الأولى الراوية، والشخصية الثانية "يافا"، الشخصيتان تتماثلان في الاهتمامات، فكلاتهما تستمعان لفيروز، كلاتهما متعلقتان برجل، بالحب، وهذا من انعكس طريقة تفكيرهما، الراوية ابنت الثلاثة والعشرين عاما، تعمل مع احد المحطات الفضائية، تمارس حياتها بطريقة مميزة، بطريقة أقرب إلى التطرف، تحب بشغف ومثالية، تريد حبا صافيا نقيا، بعيد عن كل الماديات والأعراف المتبعة، بينما نجد "يافا" مرت بتجربة حب جعلتها وحيدة، بعد أن فقدت حبيبها ورجلها وبطلها "حسن" الذي قتلته قوات الاحتلال، فآثرت الانعزال عن الناس، والبقاء مع فيروز وذكرياتها مع حسن.
الرجل
الرواية تطرح العديد من الأفكار وتحمل لنا مشاعر المرأة اتجاه العديد من القضايا والشخصيات، فنجد هناك نقمة على الرجل من قبل الراوية والذي جاء بصور شرسة أو متخلفة أو يحمل القسوة والشدة، بهذه الصور التي تعكس ما يحمله العقل الباطن عند الراوية ، يتأكد لنا حنقها على الرجل ورفضها لسيادته وسيطرته عليها، من هنا نجد هذه المشاهد للرجل الشرقي، "...فزوجها لم يسنح لها بممارسة أية مهنة بعد الزواج" ص32، بهذه احدى مشاكل المرأة العربية التي تخضع بإرادتها أو غصبا بسيطرة وهيمنة الرجل على حياتها، فهو يستطيع أن يتحكم بكل جزء من حياتها.
وتأكيدا على نقمة الراوية على الرجل، تحدثنا عن سائق السيارة الذي كان جلفا معها فتقول عنه: "لقد ظل السائق غاضبا ـ رغن أني اعتذرت له ـ يشتم ويصرخ كوحش مفترس حتى اختفيت عن ناظره" ص33، إذا معشر الرجال جلهم قساة يظهرون شراستهم أمام النساء، ولا يتصفون بالرقة أو الحنان.
ونجد صديقة الراوية تؤكد موقفها من الرجال، فتقول لها قولا بليغا يدفعها لتخلص من حالة الكآبة والحزن الذي سببه حبيبها الغائب عنها في بلاد البرد والثلج، فتقول لها: "هل يستحق رجل في العالم أن تفسدي حياتك لأجله.
أيستحق رجل كل هذا!" ص69، هذا الكلام يسير إلى معرفة الصديقة بعالم الرجال، فهم لا يستحقون أن تتألم أي امرأة من أجلهم، فهم معروفين بالكذب وعدم الوفاء بالوعود.
ومن صور قسوة الرجل على المرأة، وممارسة الظلم ضدها نج هذه الصورة التي تتحدث عن اشقاء يقسون على اختهم ويحرمونها من حقها: "..فاتها قطار الزواج، فرفض إخوتها بقاءها في بيت الأم لوحدها، وانتقلت لتعيش أسبوعا عند كل واحد منهم بعد أن باعوا البيت وتقاسموا ثمنه من دون أن يعطوها أو غيرها من أخواتها البنات قرشا واحدا، كانت تذوق المر من زوجات الإخوة" ص94، فتطرح لنا الراوية من خلال هذا المشهد الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي يقع على المرأة العربية من أقرب الناس عليها، وهذا الطرح الجريء يمثل طرق جدران العرف الاجتماعي البائس، الذي لا يهتم سوى بالشكل، ويترك المرأة ـ الضعيفة ـ لقمة سائغة لرجل، فيمنع عنها حقها في الميراث وفي الزواج، كل هذا ليحصل على حصة الأسد من الورثة المتروكة.
هذا هو واقع المجتمع الذكوري الذي تعيش فيه المرأة، فهي ليست أكثر من متاع، سلعة، يمكن أن يتصرف بها الذكر حسبما يرى، ولا يوجد من يحميها، أو يحافظ على حقها وحريتها، المجتمع، العرف/التقاليد كلها ضدها، فماذا عليها أن تفعل؟.

الغربة
احدى مشاكل التي يعاني منها الفلسطيني الغربية والتشتت، فنجد الأسرة الواحدة موزعة على أكثر من دولة، حتى أننا نجد ان أفراد الأسرة الواحدة يحملون أكثر من جواز سفر، أكثر من جنسية، وهذا يعود إلى ما مرة به من تشرد، لكن حالة الغربة والتغرب لم تتوقف، بل استمرت من خلال الضيق الذي يعانيه الشباب في الوطن أو في الشتات، مما يدفعهم للبحث عن مكان مناسب للحياة، أو أقل ظلما وقسوة، وبطبيعة الحال تكون المرأة هي الطرف الذي يدفع ثمن هذه الغربية أكثر من الرجل، فالرجل هو الذي يقرر الذ1هاب، وعلى المرأة، الحبيبة، الزوجة، الأم ان تتحمل غياب وابتعاد حبيبها أو ابنها أو زوجها.
رواية تحدثنا عن الغربة وما تتركه من مشاعر فتقول هنا: "وأن الذين رحلوا لن يعودوا، والذين أكلتهم الغربة لا يغيرهم الوطن بعد أن سلبتهم الغربة عقولهم وبريقها وبذخها" ص9، إذن المرأة هي من يدفع ثمن الغربة، وهي من تتحمل تبعاتها، من حرمانها من الأحبة والأهل، بينما الرجل لا يعاني مثلها، أو يتعرض لما تتعرض له من ألم.
فنجد حنق الراوية على الغربة في الصفحة 11، حيث تكررها بشكل غير عادي، وكأنها تصب لجام غضبها عليها، فلا تريد لهذه الغربة أن تستمر، تريد أن تنتهي منها وإلى الأبد، فهي تشكل احدى العذابات الكثيرة التي تعاني منها، " ملاكي الضائع في مدن الضباب والغياب" ص54، بنجد في هذا اكلام وكأن الغربة هي المرأة المنافسة لها، التي تريد أن تنتزع منها رجلها، حبيها، فتحن له، لكنها لا تقدر أن تغير من واقعها شيء.
الغربة لم تكن مرحلة عابرة، أو فترة وعدت، أو عام ومضى، بل مراحل، حقب متعاقبة، "في تلك الفترة كنت أظن أن ذاك كان أسوأ غياب لك، وها أنا أخطئ في تقدير الأحداث فغيابك هذه المرة أسوأ" ص66، بهذه الدورة المتعاقبة تكون المرأة هي من يدفع ثمن الغربة وما تحمله من ألم ويأس.

الحرب
المسألة الثانية التي تعاني منها الراوية هي الحرب، فهي فتناقض معها، لما تسببه له من ألم فتقول عنها: "البيت الدافئ الذي كان يضم على صغيره أكبر أحلامنا وطموحاتنا، ...البيت الذي كان يستيقظ صباحا على صوت أمي وخرير الماء ... كل شيء تحول إلى ركام، لا اقصد البيت والأثاث فقط بل أحلامنا والأمنيات، قتلوا حتى قدرتنا على الحلم، ...قتلن الحرب فينا كل شيء" ص58، الطبيعية البشرية تدفعنا إلى التفكير، الأمل بالحياة، لكن الظروف الاجتماعية، والحروب، طريقة تفكير المجتمع، كلها تشكل عبء وعوامل ضغط علينا، ولهذا نجد الراوية تذكر لنا كل المنغصات التي تعيق تمتعها بالحياة، فهي ترفض كل من يعيق تمتعها بالحياة، من هنا وجدنها تصور هذه المنغصات بصور سلبية، بحيث ننحاز معها، ونقف إلى جانبها في حربها ضد هذه المعيقات والسلبيات والمنغصات.
الخريف العربي
الرواية كتبت بعد الأحداث الدامية في المنطقة العربية، والتي عرفها الغرب بمصطلح "الجيل الرابع من الحروب" وهي بالتأكيد حرب شعواء على شعوب وجغرافيا المنطقة، لكن أدواتها ليس من الخارج ، بل من الداخل، من نفس الجغرافيا، فهي لا تكلف الغرب فلسا واحدا، ولا طلقة واحدة ولا جندي واحد، ولهذا هي اقسى الحروب التي جرت على الأرض العربية، لأنها حرب أهلية، الأخ يقت الأخ، والجار يقتل الجار، كل هذا يجري في منطقتنا، ورغم أن المواطن العادي هو من يدفع هذه الحرب القذرة، إلا أنه أيضا من يشعلها ويقدم لها الوقود.
الراوية تعري هذه الحرب، وتقف ضدها، من خلال وصفها لنا بهذه الصور: "العمل مرهق هذه الأيام، تتكدس أمامي عشرات الصحف اليومية، رائحة الموت تنبعث منها لتعكر هذا الصباح أكثر، لا أدري من المتحذلق الذي أطلق على هذا الموت اسم "الربيع العربي" " ص34، فهذا الشكل ترفض الراوية ما يجري في المنطقة العربية، وهي تستهجن تسميته بالربيع، لأن الربيع يثير فينا البهجة والفرح، لكن الموت هو الذي يعكر صباحها، ويتير فينا الغضب والحزن واليأس.
وهي لا تكتفي بهذا الأمر بل نجد الراوية تخصص المقطع رقم 7 كاملا لكي تقول فيه: "لن أكون في المنزل لمدة أسبوع، حيث أنه يفترض أن أسافر غدا إلى الحدود حيث مخيمات اللاجئين الذين أبعدتهم الثورات العربية عن دولهم ومنازلهم" ص41، بهذا الوصف لما يجري للناس، يجعلنا نتأكد بأنه مضر ومؤذي ومحبط ومتعب ويسبب الألم والموت للناس، فكيف يمكننا أن نقف معه أو بالحياد؟
حاجة المرأة إلى الحب
ضمن هذه الأوضاع القاسية والمتعبة لا بد من البحث عن مخرج، عن عمل يخرج الراوية مما تعانيه، والضرورة سيكون نقيض ما رفضته وما وصفته بالسلبية، وهنا سيكون الحب هو الخلاص/المخرج من هذه الأحوال الصعبة.
"أنا لست بحاجة إلى رجل من هذا العالم بقدر ما أحتاج إلى عالم في رجل، رجل يشعرني أنني أهم ما يملك، يجيب حين يسأل عن أمنيته فيقول "هي" رجل يستمع إلى تفاصيلي وأحاديثي حتى السخيفة منها باهتمام تام كأنها صفقة أو خبر عاجل أو أسطورة تاريخية" ص20 من خلال هذا الكلام يتضح لنا بأن هناك حالة رد على ما ذكرته لنا عن الذكور في المنطقة العربية، فهي لا تريد أي نسخة من تبك النسخ، بل تريد رجل جديد، رجل مفصل لها على المقاس، من هنا نجدها تضع تفاصيل دقيقة له، فلا تقبل بأقل من هذا.
ومن التفاصيل الأخرى لهذا الرجل: "لم أكن لأقبل بفكرة أن أحب شخصا لا يحب درويش، أو الياسمين، والمطر." ص99، فهذا الشرط يشير إلى ضرورة أن يكون حبيبها متماثل معها في ميوله ومشاعرة.
بعد هذه التفاصيل المتعلقة بالمشاعر والنظريات، تأتي المسائل العملية، فتقول لحبيبها: "عليك أن تعلم أنني حين احتفظ بقلبي في ثلاجة الموتى ثلاثة وعشرين عاما ثم أشعله كمصباح لأجلك، هذا يعني أنني أتوقع منك أن تعطي قلبي حقه، لا أن تسبب له حنى القلق.
كزني أحب الكتابة كثيرا لا يعطيك الحق بأن تجعل كل حياتي بين الكلمات وعلى الورق، أريد أن أمشي معك تحت المطر، أغني لك، أزور والدتك، وأكون نصيبك، هل هذا كثير؟" ص105، حب الراوية يتمثل في سلوكها وعطاءها لحبيبها، لكن هذا العطاء الناشئ عن الحب، يريد أن يكون له رديف مماثل في العطاء، بأن يكون العطاء من الطرف المقابل مماثل في جودة ونوعية وكمية الحب، أن ينعكس هذا الحب في سلوك، في القول والفعل، في الحرية، في ممارسة علاقة اجتماعية كاملة، فهو حب عملي يرتكز على العمل والحرية معا.
وبهذا الشكل ترد الراوية على الواقع البائس الذي رسمته للذكور في المنطقة العربية، وهي في هذا المقطع تترف بما تحمله من ألم وتريد لحبيبها أن يخرجها منه، أن يسعدها بطريقتها هي، لا بطريقته هو، فهي السيدة المطاعة: "حين أقول لك أنني أخاف الكوابيس التي تتخلى فيها عني، لا أريد أن تجيب "لن أتخلى عنك"، فهذا جواب ساذج، أنا أطلبك بأساس متين أستند عليه حين أقول هذا حبيبي، أريد أن أكون أمنيتك التي تسعى بكل جهدك لتحقيقها، مطرك الذي تريد الغرق فيه، أزهارك التي لا تذبل، ودعاءك المتصل دوما بالسماء. " ص106، يهذا الحب الصافي والنقي تريد حبيبها، هي لا تفرض شروطا، بل تطالب بأن يكون الحب هو المحرك، وإذا ما كان الحب هو المحرك لسلوك فلا بد أن يكون الحبيب بهذه الصفات، بهذه الأعمال اتجاه من يحب.
المرأة رغم رقتها إلا أنها شرسة، عندما يتعلق الأمر بمن تحب، فهي تعمل كل شيء من أجله، من أجلب حبه، لكنها ستكون بهذا الشكل إذا ما حدث شيء مخالف: "فأنا سأحارب كل نساء العالم لأجل رجل أحبه ما دمت أثق أنني أنثاه الوحيدة، لكن إن ضبطته هو يحدق بطبق آخر عندها سأتركه للأبد" ص114، بهذه العبارة ترفض الراوية فكرة تعدد الزوجات، فهي لمجرد أن يميل حبيبها إلى آخر ستتركه، فما بالنا أن فكر بالزواج من أخرى؟.
علاقة المرأة بالرجل
أثر الرجل على المرأة عظيم، ويجعلها معطاءة، ومخصصة العطاء له فقط، ويفجر فيها طاقات لم تكن موجودة من قبل، تحدثنا الراوية عن هذا الأثر فتقول: "حبك جعلني أمارس أمومتي المبكرة، أحبك، أخاف عليك، أعتني بك، أهتم بأدق تفاصيلك كأنك طفلي الأول الذي أنجبته من رحم قلبي، أنت رجل يعرف كيف يلون ضحكتي حين أمرض، ويرجم الحزن بالحجارة إذا ما اقترب من قلبي.
ـ حبيبي
ـ عيونه؟
ـ ما أروعك
ـ لك شو اللي "ما أروعك؟" إذا ما اهتميت فيكي بمين بدي أهتم؟
يومها شعرت أنني سيدة نساء العالمين، وأن امرأة في العالم لم تحظ بهذا الترف، والحب الذي أحظى به معك" ص119، بهذا احب تريد الراوية أن يتصف حبيبها، بهذا السلوك، بهذا الكلام الناعم، فهي تريد حبيب استثنائيا، يكون مثلا للآخرين، ويلبي شغفها، يرد ويمحي كل الصور عن المجتمع الذكوري الذي تبغضه، فهي تريد رجلا يحمل كل معنى الرجولة، لا ذكرا يلبي شغفها الجنسي.
"يافا"
أما ما حدثتنا به "يافا" عن مشاعرها وعن حبها وعن حبيبها وعمن سبب لها الألم والعذاب وغرب حبيبها إلى الأبد، فهو يتطابق ما حديث الراوية، لكن رجل "يافا" غاب مجبرا، غيبه الآخر، العدو، وليس بإرادته كما فعل حبيب الراوية، فتحدثنا عنه بصورة رائعة، فهو المخلص لها، المعلم، باعث ومفجر الحب فيها، وهو بطلها المثالي، هو رجل، هو مثقف، منسجم مع ذاته، تتطابق أقواله مع أفعاله، هو حبيب تطمح كل امرأة ليكون لها، "حسن معلمي في كل شيء، علمني لغة الورد حين كان يقطف لي كل صباح وردة من حديقة المنزل، وعلمني لغة الموسيقى
حين كان يأخذني برفقته إلى معهد الموسيقى. حدثني عن فلسطين والبحر والسماء وعلمني أسماء العصافير ... حسن الذي أخذني إلى السينما في وقت لم تكن السينما فيه إلا للذكور" ص149، تكلمنا "يافا" حن حبيبها وكأنه الحبيب الذي تطمح إليه الراوية، فهو حبيب مثالي، لا يمكن إلا أن تتشبث به كل امرأة، وأن تبقى على ذكراه إلى الأبد، فرجل بهذه الصفات لا يمكن أن ينتسى.
ولم تكن علاقة "حسن" ب "يافا" مقتصرة على العالم الخارجي وحسب، بل تعدتها إلى الخصوصيات، فتقول لنا: "حسن الذي أطلعني على أول قصيدة كتبها لفلسطين حين كان في السابعة عشرة من عمره" ص151، بهذا التشارك يكون الحبيب قد التحم بمحبوبته، فهو محب حقيقي، يشارك محبوبته مشاعره، يكشف لها خصوصياته.
وهذا الحبيب ليس منظر فقط، بل بطل حقيقي، بطل وطني يدافع عن وطنه، ويعرض نفسه للمهالك في سبيله، "ولم أنتبه أن يد حسن الناعمة التي احتضنتني ذلك المساء، هي ذات اليد التي تعلمت في بيروت فنون القتال وحمل البندقية" ص168، في كل صفحة تضيف لنا "يافا" شيئا جديد يجمل ويحسن صورة حبيبها، وكأنه الفارس الذي تتمناه كل فتاة، فهو الحلم الذي تسعى إليه كل فتاة على وجه الأرض.
بهذا الوصف لا يمكن للمرأة أت تتخلى عن حبها وحبيبها وحلمها، فنج "يافا" تعتزل الناس والمجتمع والعالم، وكأنها تقبر نفسها بعد رحيله، فنجدها صادقة ومخلصة لحبيها ولحبيبها إلى أبعد الحدود، فتحدثنا عن حادية تفتيش حقيبتها من قبل جنود الاحتلال الذين وجودوا صورة حسن فيها بهذا الشكل: "حين فتشت حقيبتي فوجدت الصورة، وسألني عن صاحبها بغضب. ولم أعجب حينها إنهم ما زالوا يذكرون حسن ويخشونه بالرغم من كل ما مضى من زمن على غيابه.
حين امتدت يدي للصورة كدت أحدث ركاب الحافلة عن رجلي العظيم إلا أنني اختنقت ببكاء ونشيج لامزني وقتا طويلا" ص176، يستحق رجل مثل حسن هذا الاحترام وهذا الوفاء من قبل محبوبته، فهي متعلقة به رغم مرور زمن طويل على رحيله، وهذا التلق جاء من خلاب كلمتها "رجلي العظيم" فهنا كانت الملكية الخاصة والكاملة لها، فلا يمكن أن يشاركها به أحد، ولهذا وجدنا عاطفتها تتغلب على عقلها ويخرج البكاء والنشيج منها.
وتصف لنا تشبثها بهذا الحبيب عندما تم اطلاق النار عليه في مقتل: "أضمه إلى صدري فيحاول الرجل الذي يرتدي بزة بيضاء رسم عليها شعار الهلال الأحمر سرقة جسد حسن، فأتشبث به أكثر، وأغرس أظافري في وجه كل من يحاول أخذ حبيبي مني، أهز جسد حسن لينهض. أقبل جبينه وأهمس في أذنه لكنه يبتسم من دون أن يجيبني." ص184و185، لم التسليم بموت الحبيب يشير إلى الطبيعة العلاقة الحميمة التي وحدتهما معا، ف"يافا" لن تجد بديلا لحسن، فهو الرجل الوحيد على الأرض، هو كل شيء بالنسبة لها، هو الحلم والواقع، هو الجسد وهي الروح، هو الأب وهي الأم، هو الأب وهي الابنة، هو الحبيب والأخ، فكيف لا تتصرف بمثل هذا التصرف؟.
وبعد أن تتفاعل "يافا" مع صديقتها الجديدة "الراوية" يكون "حسن" أيضا حاضرا فتقول: " ـ اشتقت إليه. أعني حسن، صورته لا تغادر مخيلتي أبدأ، أشعر بأنه الآن بقربي، وأنه سعيد بخروجي من القوقعة. كنت دائما أشعر بأنه معي، لكنه اليوم داخلي أكر من أن يكون قربي، أحيا بقلبه لا بقلبي، وأتنفس برئتيه، رأيت طيفه بين الحضور اليوم" ص197، هذا الحضور للحبيب بعد مضي سنوات على رحيله يوكد على العلاقة الجامعة والموحدة بينهما، وما قلته عن الحياة بقلبه والتنفس بقلبه يؤكد على التوحد الذي لا يمكن أن يزول.
الصور الفنية

احدى مميزات العمل أدبي وجود الصور الفنية فيه، وقدرة الراوي على اقناع المتلقي بأنه أمام عمل أدبي يحمل المشاعر والإنسانية ويقدمها بشكل فني، أدبي، يجعله يستمتع بما يقرأه، واعتقد بأن الراوية استطاعت أن تمتع المتلقي بالعديد من المشاهد الرائعة التي قدمها في رواية "يافا" فمن هذه المشاهد، "كنت أرى حزنها يتجول عاريا من رفقة صديق في الشارع الذي يفصل ما بين منزلي ومنزلها، وقلبي يتخبط بين الضلوع كطائر ذبيح ليعانق هذا الحزن الذي لا يجد بين أهل الحي يد تربت على كتفه" ص23، بدون شكل مثل هذا المشهد يجعل المتلقي يستمع ويندمج مع النص، فجعل الحزن بحاجة إلى يد تربت عليه، يعطي مدلولا على قدرة الراوية على تشخيص، إنسانة المشاعر.
ومن الصور الأدبية التي جاءت في الرواية "كانت دقات الساعة تسير كعجوز هرمة، وكانت رياح الخريف تزمجر والأرواق الصفراء تنتقل من ركن لآخر في سباق لا أجد له هدفا ولا معنى" ص51، تصوير رتابة الوقت وجعل الطبيعة تتحالف معه ضد الراوية يشير إلى القسوة التي تمر بها الراوية.
"أنا الآن متعبة كغينة توشك أن تمطر لترتاح من حملها الثقيل" ص66، جعل المشاعر الإنسانية تأخذ شكل الفعل الطبيعي مسألة في غاية الجمال، فيبدو للمتلقي بأن الفعل الإنساني كبير وخارق ويتجاوز العادية.
ونجد "يافا" تحدثنا بلغتها الفنية عن مشاعرها عندنا فقدت "حسن" فتقول: "أتحسس قلبي فأجده فجوة عميقة كأن الرصاصة التي اخترقت قلب حسن، اجتازتني أولا لتعبر إليه، أحلامي تتهاوي كمديمة ضربها الزلزال فلم يبق فيها ولم يذر" ص184، تستخدم "يافا" أيضا الأحداث الطبيعية المدمرة لتعبر عما تحمله من مشاعر، وهذا يعمق وقع الحدث لدي المتلقي، ويجله يندمج معه ويدخل في المعاني التي يحملها موت الحبيب لنا.
وبعد أن تخرج "يافا" من عزلتها وتقرر أن تدخل الحياة من جديد نجدها بهذا الوصف، "الشمس تظهر بخجل من خلف الغيوم البيضاء، والشتاء لم يأخذ بعد نسيمه البارد، البراعم الخضراء تكسو الأغصان العارية، وتجهز نفسها لاستقبال الطيور من سفرها الطويل" ص194، اعطاء الطبيعة فعل مماثل للفعل الإنساني يشير إلى عظمة الفعل وأهميته.
فيروز
تم ذكر فيروز وأغانيها أو جعلها جزئا من النص الروائي في الرواية بأكثر من خمس عشرة مرة، وهي يدل على الأثر التي تركته أغانيها في الراوية، وكأنها من خلال هذا الذكر تدعو المتلقي للاهتمام بفيروز وأغانيها لما تحمله من أفكار ومشاعر وصور إنسانية.
الرواية من منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان. الطبعة الأولى 2014.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,099,065,163
- تغير خرائط سايس بيكو
- بحث تاريخي في كتاب -توازن النقائض- سليمان بشير
- ثلاثة شخصيات ولغة واحد في رواية -عرافو السواد- داليا طه
- التناسق والانسجام في مسرحية -وجهة سفر-
- السخط في ديوان - الساعة الناقصة- فايز مقدسي
- المرأة والرجل في رواية -امرأة للفصول الخمسة- ليلى الأطرش
- الارهاب والفساد في رواية -ذاكرة الماء- واسيني الأعرج
- انتصار المرأة في رواية -الحضارة أمي- إدريس الشرايبي
- التجربة في رواية -المرآة مسيرة شمس- هديل الحساوي
- تعدد القراءات في ديوان -عشق- حمودة الشايجي
- السيرة المحفزة للمعرفة -رام الله التي هناك- محمود شقير
- الكويت تنقذ جمهور القراء
- -في اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية- ساطع الحصري
- المعرفة بالشعر في ديوان -وسائد حجرية- مازن دويكات
- البداية المتسرعة في مجموعة -خارج الصورة- محمد المقادمة
- العنوان مفتاح المضمون في ديوان -ضجر الذئب- يوسف أبو لوز
- تأثير النت
- التراث الديني والشعبي في رواية -ملاك القرصة الأخيرة- سعيد نو ...
- توضيح حول كتاب -الحرب الأهلية في صدر الإسلام- عمر أبو النصر
- فرح


المزيد.....




- صناع القرار الثقافي في ثلاث قارات يجتمعون بالسمارة لعرض نقا ...
- مونية بوستة: المقاربة المغربية للهجرة ضمنت كرامة المهاجرين
- بنعتيق يستقبل المقررة الخاصة للأمين العام للامم المتحدة
- باية محي الدين: من هي الفنانة الجزائرية التي تأثر بها بيكاسو ...
- وفاة مغنية الجاز العالمية نانسي ويلسون
- الرابطة النوبية بالمملكة المتحدة تقيم ليلة شعرية على شرف الش ...
- اولبرايت: ترامب تسبب في تراجع دور أمريكا عالميا
- الجزولي : لابد من إعادة هيكلة الفضاء الأطلسي لإعادة التوازن ...
- -الهضبة- يحيي حفلا في الرياض اليوم
- #ملحوظات_لغزيوي : حامي وبنعيسى...الحقيقة فقط !


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - حب المرأة في رواية -يافا- نبال قندس