أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد مضيه - اقحام السياسة على الدين يفسد الطرفين















المزيد.....

اقحام السياسة على الدين يفسد الطرفين


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 5103 - 2016 / 3 / 14 - 07:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إقحام السياسة على الدين يفسد الطرفين
ظاهرتان تجْملان اختلالات الأوضاع العربية : الأولى محلية تتجلى في تخلف يقيد المجتمعات العربية بنماذج العصر الوسيط وقيمه وعلاقاته الاجتماعية ومعاييره ؛ والثانية مؤثرات وافدة من امبريالية الغرب كرست مظاهر التخلف الموروثة في حياتنا واستثمرتها لتوطيد هيمنتها . ومن ابرز مخلفات القديم وأخطرها تأثيرا في الحياة الاجتماعية العربية تقليد الاستبداد السياسي والفكري الملازم للنظام الأبوي.النظام الأبوي واستبداده متغلغلان في جميع هياكل المجتمع، مؤسساته ومنظماته الأهلية والسياسية والاقتصادية والتعليمية . بجريرة النظم الأبوية انقضت حقبة تزيد على القرن منذ أن بزغت أشواق التحديث والتنوير، حيث أجهضتها الأنظمة الأبوية، وحالت دون تحديث مظاهر الحياة العربية. في مجال الثقافة والسياسة احتكر النظام الأبوي لنفسه حق القرار في مختلف قضايا المجتمع. اشاع في المجتمع ثقافة رأسية، احتكر الرأس حقوق التفكير والتقرير والإملاء، وليس على المرؤوس سوى السمع والطاعة. سرى النظام داخل قطاع التعليم؛ توجب على المدرّس حقن المعارف بالتلقين وإبقاء الطالب متلقيا باستمرار فتعطل الإبداع والنقد والتفكير والتحاور تقبل آراء وأحكام من هم في سدة الحكم. بجريرة الاستلاب رسفت أوسع الشرائح الاجتماعية في قيود التهميش والإقصاء عن الحياة السياسية، ما أفقدها القدرة على الاستجابة العقلانية للتحديات، وتميزت ردود أفعالها بالانفعالية والتشنج والإقصاء المتبادل. عدم المشاركة في النشاط الاجتماعي، والسياسي خاصة، أفقد شرائح اجتماعية واسعة القدرة على التحاور.

رعى النظام الأبوي العصبيات الدينية والطائفية ذات التوجه السلفي ، وكلها تفرض على الأتباع وجائب الطاعة وتقدم الولاء على الإنجاز. علاوة على انها تقيم سياجا حول الجماهير عديمة التجربة السياسية يحجزها عن المشاركة واكتساب الخبرات السياسية من خلال الممارسة، وتحديث وعيها بصدد توجهات الحياة الاجتماعية والتطلع لتغيير الواقع الاجتماعي. تطرح الحركات السلفية، بحكم منشأها، سياسات محافظة تغيب مصالح الشرائح المهمشة والمستلبة وتقاوم التحولات الاجتماعية . ولهذا حظيت هذه الحركات بدعم الأنظمة الأبوية وحماتها قوى الامبريالية. منذ ان ظهرت السلفية الأولى في العصر الوسيط التحمت بالحكم المطلق، احتضنها وأطلق نوازعها التدميرية؛ ومن جانبها سخرت السلفية فقهها لتدعيم النظام الأبوي وتبرير أحكامه. شكل محور النشاط السلفي دمج التدين بالولاء للحكم المطلق ؛ فنبذ ما اعتبره السابقون مقاصد الشريعة ، أي حفظ مصالح الأمة وإحقاق العدالة الاجتماعية وإنصاف المحرومين .أ شاعت السلفية التدين الصوفي بمنحاه الجبري، يشغل الجماهير بالاستعداد للحياة الأخرى.
بدون دعاة او تنظيم متشعب اجتذبت داعش عواطف عشرات الاف المريدين من عشرات الأقطار تقاطروا متحمسين للمشاركة في عمليات فاحشة تفوقت على جرائم الفاشيين. وهذا يدل على أن الدعوة الداعشية ، كما الأنظمة الأبوية، تتساوق مع مستوى الوعي الاجتماعي وفلسفة الحياة. حصدت الدعوة على أوسع نطاق وابعد مدى هشيم خيبات الأمل والإحباطات والأحقاد وغرائز الانتقام، وحصدت كذلك قصور الأنظمة الأبوية؛ إذ لم تأخذ الحكومات المتعاقبة في العالم العربي على عاتقها مهمات هندسة الوعي الاجتماعي وتطعيمه بالعلم والتفكير الاستراتيجي وإرساء قيم تأخذ في الاعتبار حاجات الجماهير وضرورات المرحلة.
تشابك التجهيل بالدين مع التجهيل بالحقوق العصرية للإنسان، والتجهيل بالأفكار والنظم الاجتماعية الحداثية. نزلت النتيجة وبالا على التحرر الإنساني والتغيير الديمقراطي في المجتمعات العربية كافة.
المتمعن في خطبة اول خليفة راشد ، ابو بكر الصديق، حين تولى الخلافة يجد قيما إنسانية ونزعة ديمقراطية تحترم إرادة الجمهور وعقله، بحيث ترقى إلى مفاهيم العصر الحديث. استخرج المصلح الديني الجزائري، ابن باديس ، من خطبة الخليفة الراشد ثلاثة عشر مبدأ تدل على مدى توافق الإسلام مع القيم العصرية في احترام إنسانية البشر. فهي تحمل ملامح الديمقراطية الحديثة. ذهب ابن باديس- كما يؤكد المفكر الجزائري،البروفيسور رابح لونيسي- الى حد جعل الشعب هو السيد في اختيار كل قوانينه الطبقية وغيرها.
غير ان بني امية استحدثوا مبدأ الحاكمية ، الدخيل على الإسلام، وذلك من وحي يمسكهم بالحكم المطلق. أثناء صراع صفين دارت الدوائر على جيش الأمويين، فابتكر الكيد رفع المصاحف, و حسب تحليل الدكتور نصر أبو زيد، "تم نقل الصراع من مجاله الخاص السياسي الاجتماعي إلى مجال آخر هو مجال الدين والنصوص؛ فالاحتكام للنص الديني حيلة من لا شرعية تسنده". انقذت الحاكمية معسكر معاوية من هزيمة محققة واوقعت خلافات وتشظيات لا فكاك منها في جبهة الإمام علي. استحسن ابن تيمية في القرن السابع الهجري أسلوب معاوية في اغتصاب الحكم، مؤيدا في ذلك نهج التلاعب في النصوص المقدسة بمسوغ الحاكمية.
فتك بنو امية بدون رحمة بخصومهم ، ممن جاهروا بالدعوة لمعارضة حكمهم ؛ بينما تركوا فقهاء علم الكلام يبحثون ويتناظرون، يطورون فقها يقدم تفسيرا عقلانيا للمشكل من آي القرآن . لم يتطرق علم الكلام في البدايات بنظام الحكم، مجرد فكر إسلامي عقلاني نهض وتطور على قاعدة التحاور والتسامح ساد قبل الحقبة الظلامية الممتدة حتى العصر الحديث. انتعش علم الكلام ، وتطور مع تطوير فقه اللغة ، باعتبار اللغة العربية هي لغة القرآن، خاطب بها العقل الذي ميز الإنسان على بقية الكائنات، وحث على استخدامه. كان منطلق تلك الجهود البحثية عدالة الإله ووحدانيته "ليس كمثله شيء". فما يسند إليه من سمات او افعال بشرية إنما يدخل في باب المجاز، ويدرك من خلال التأويل. أنجزت مسيرة الفقه العقلاني خلال المائتي عام بعد رحيل صاحب الرسالة ، مباحث بلاغية واسلوبية أخذت بمفهوم المجاز وبلغت حد التأويل لتفهم المشكل من آي القرآن . صعد علم الكلام إلى عقلانية المعتزلة، تبصر في نصوص القرآن ظاهرا وباطنا؛ قد يخالف الظاهر العقل ، فيتم تجاوزه بتأويل يوافق العقل وينسجم مع منطق العدالة في الإسلام على هامس حوارات علم الكلام برز للوجود الأئمة الأربعة وانتهجوا منهج التحاور واحترام الرأي الآخر. أثْرت الحوارات اللغوية الفقه الديني، ويسرت فهم الشريعة. أجمعت البحوث الفقهية على أن القرآن الكريم أعلى من قيمة العقل وجعله مناط المسئولية الإنسانية، وذم اولئك الذين لا يعقلون ولا يفقهون. فالمعرفة فعل إنساني. ربط الجاحظ، أحد رموز المعتزلة ، بين المعرفة والعقل والحاجة الإنسانية وضروراتها. وهذان دليلان على مكانة العقل وحرية الاختيار في الإسلام. رأى أن الإنسان يتميز عن بقية الكائنات بالقدرة على الفعل والاختيار. وميزت بحوث علم الكلام بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلانية، تشكلان بجانب وحدانية الإله وعدالته، محور الفكر المعتزلي ، الذي تعرض لحملة ضارية طمست معالمه من الثقافة العربية –الإسلامية إلى أن جاء العصر الحديث.
يمكن الاستدلال على مدى تدهور ثقافتنا المعاصرة عن المستوى الذي ارتقى إليه علم الكلام ثم الفلسفة العربية – الإسلامية، بمحاسبة رجل لعمر بن الخطاب أثناء صلاة الجمعة حول الثوب الذي لبسه، أو معارضة المرأة له حول اجتهاده في الصداق يوم جمعة، واعترافه الجريء" أخطأ عمر وأصابت امرأة"، او بقول احد أئمة الفقه قبل ظهور سلفية العصر الوسيط ، " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". دهمت حقبة ظلامية المجتمعات العربية –الإسلامية ، امتهن خلالها العقل واقصي عن الاجتهادات الفقهية ، حيث ساند الفقه الأشعري نظم الاستبداد ، ومن جانبها دعمت النظم المستبدة الفقه الأشعري واجتهاداته .
قطع الفقه الأشعري الطريق على مسيرة الفقه العقلاني. أصدر الخليفة العباسي، المتوكل، عام 232 هجرية فرمانا يحرم المناظرات والنقاشات في امور الدين . نصب المتوكل، أبا الحسن الأشعري الوصي الأوحد على الفقه؛ بمسوغ الرجوع إلى السلف تم تسفيه وحظر الفكر المعتزلي، ولأول مرة اقحم التكفير في الثقافة العربية الإسلامية. وخلافا لما جرت عليه الأمور عبر مائتي عام خلت بعد وفاة الرسول من اجتهادات فقهية تختلف وتتحاور لتتعايش في تسامح واحترام للرأي الآخر. بدل الرجوع إلى السلف ، والأصح استحضاره. مضت مسيرة السلفية عبر نفق مظلم تردت خلاله الحياة الاجتماعية والفكرية. سلفية العصر الوسيط ، أي الفقه الأشعري، انفردت، في كنف السلطة السياسية المستبدة، طوال الحقبة المديدة على مسرح التشريع الإسلامي ، واحتكرت التعبير عن الدين.
عبر مسيرة التردي وجه الإمام أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري ضربة قاضية للعقلانية في الفلسفة والعلوم التجريبية في كتابه " تهافت الفلاسفة" ؛ فساد الظلام نواحي الحياة كافة. بعد وقوع الفاس في الرأس استفاق ضمير الغزالي على تحيزه لجور السلطان. كتب في مؤلف لاحق " إحياء علوم الدين" : "ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي - وأحسنها التدريس والتعليم ... ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار. جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً تطييباً للقلوب المختلفة إلي، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة".
أغفلت السلفية صحوة الغزالي وأسرفت في تسخير حملته ضد العقلانية لدعم أركان الطغيان وشرعنت كل ما صدر عن الحكام الطغاة من احكام وممارسات سلطوية، وبالذات النظم الأبوية تأمر فتطاع. بلغ تدهور الحياة الاجتماعية حد افتقاد الأمن وخلو المجتمع من إمام صالح ؛ فصدرت اجتهادات فقهية توجب الخضوع لصاحب الشوكة ولو كان جاهلا وسفيها. كان نصيب الجماهير من هذه المسيرة البائسة القهر والتغييب عن صنع القرار . ومع الزمن أشيع الهدر ، هدر العقل والتفكير والإرادة في الإنسان. تكاثر الفرق الدينية – حتى داخل التيار الأشعري – في ظل احتكار الأشعرية للاجتهاد الفقهي، اغرى الحكم التسلطي بالاستئثار ببدعة الفرقة الناجية ووصم المعارضة بالإلحاد. وتواصل المنحى التكفيري للخصوم حتى العصر الراهن.
على النقيض مما تثبته حقائق التاريخ يشيع الاعتقاد في الغرب، خاصة في عهد الليبرالية الجديدة، أن إسلام السعودية وجميع أطياف السلفية تعبر عن حقيقة الإسلام. ومن ثم اتخذ الليبراليون الجدد ، ومنهم عرب، موقفين متناقضين من الإسلام : اعتبروا الدين الإسلامي العامل الرئيس في التخلف والجمود، واتخذوا مقولات السلفية تكئة للتجني على الدين وعلى المجتمعات العربية والتحريض ضدها وصولا إلى حرمانها من حق تقرير المصير والاستئثار بثرواتها وموقعها الاستراتيجي. روج المؤرخ البروفيسور برنارد لويس، أحد أقطاب المحافظين الجدد، أن مصدر الحقد على الغرب ، لا يكمن في الهيمنة الكولنيالية ولا في دعم باطل إسرائيل ، بل في فشلهم بسبب دينهم في المنافسة التاريخية . دعا برنارد لويس إلى تشجيع الحركات التكفيرية؛ فاحتضنت الكولنيالية حركات سلفية وامدتها بنسغ الحياة وشجعتها على اقتراف موبقات باسم الدين تشيع انتهاك حقوق الإنسان وتعطل الحياة السياسية السليمة. في الحقيقة استثمر الغرب جميع مظاهر التخلف في مجتمعاتنا العربية ، حيث التخلف يستتبع التبعية .
يستحيل على الوعي الساذج ان ينتقد السلفية ويتمرد عليها. الفهم السلفي مقترن بتخلف شمل جميع مناحي الحياة الاجتماعية ؛ وبذا فالتجديد يقترن حتما بتحديث مناحي الحياة كافة. يتطلب الخلاص من المواقف السلفية تغييرا شاملا في اقتصاد التخلف وسياساته وثقافته ومناهجه التعليمية وفلسفة الحياة. يحتاج علماً غزيراً وشجاعة أيضاً، وإلا يكون تواطؤا. يجسد النموذج الحي للتجديد في المرحلة الراهنة ، الراحلان محمد حسين فضل الله ونصر حامد أبو زيد. كانا على قدر عال من الجرأة والتقحم . ابرزا في الدين عدالة اجتماعية مندمجة بالعقلانية. وبشهادة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وهو المتتلمذ على يدي الراحل فضل الله، في كلمة تأبين : لقد خرجت من السجن المعرفي الأول بمطالعتي لآثاره... فهو يؤشر على الأبعاد الإنسانية في الدين، ويمكننا العثور على فتاوى متعددة في مدونته الفقهية، ربما خالف فيها المشهور ، تحيل إلى المنحى الإنساني في تفكيره الفقهي..."
وبشهادة معمر عطوي "كان السيد فضل الله فقيها من اجل الإنسان، تنميته وتطوير وعيه. لم يكن السيّد فقيه حائض ونفاس ولا مفتياً في قضايا سخيفة كتلك التي نشاهدها في بعض المحطات الدعوية؛ بل كان دائماً يحث أتباعه على الخوض في مسائل أعمق في تنمية الإنسان وتطويره".
وكذلك الدكتور نصر حامد أبو زيد ، المفكر العملاق، نافذ البصر والبصيرة. اعتبر أبو زيد مشروعه الفكري لازما ليس فقط للثقافة العربية ، إنما للمجتمع العربي كله. رأى دائما ان قراءة الدين كتاريخ ولغة ونشاط بشري هي المقدمة التي لا غنى عنها لتحرير الفكر، الذي يعتبره أبوزيد، أمرا لا يعود على الفكر وحده، لكن يعود على السياسة والاقتصاد والحياة بكاملها. حمل نصر أبو زيد مشروع تحديث ديني يسهم بفاعلية في تحديث شامل للمجتمعات العربية – الإسلامية؛ ولهذا وجدت فيه الأنظمة العربية حاملا لوبأ نوراني مخصب للفكر والثقافة ، تمثل في التنوير والعقلانية، فشاركت الأنظمة في اضطهاده.
وضع أبو زيد إصبعه على الجرح النازف في الجسد العربي العليل. يقول:" بدأت أعي أن تفسير القرآن ظل تاريخيا موضع نضال اجتماعي وسياسي، ومن ثم سيكون موضع نضالي كذلك. ومن تجربتي كنت شاهد تفسيرين متضادين للإسلام، الأول في عقد الستينات، حيث كان النقاش الديني المهيمن يتمحور حول الإسلام دين الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وأنه يحضنا على مكافحة الصهيونية والامبريالية ؛ بينما في عقد السبعينات كانت سياسة الانفتاح والسلام مع إسرائيل؛ غدا الإسلام دينا يحمي الملكية الخاصة ويحض على السلام مع إسرائيل.
كمنت محنة نصر حامد أبو زيد في تزامن أبحاثه مع التدهور الشامل في الحياة الاجتماعية العربية، وفي إفرازات مرحلة الطفرة النفطية والفائض النفطي غير المستثمر في التنمية، وكذلك في موكب ثورة تقانية إعلامية وثقافة استهلاكية ملهاة من خلالها روجت الليبرالية الجديدة قيمها المنحطة، الكارهة للثقافة الإنسانية وعناصرها من تضامن وتعاطف ورعاية الفقراء والمسحوقين. مثلما طاردت سلفية العصر الوسيط فقه المعتزلة فقد حورب أبو زيد من قبل السلفية المعاصرة بدعم من الأنظمة العربية مجتمعة . بفضل الدولار النفطي اكتسح الفقه الوهابي المدارس الفقهية الأخرى، وغزت البداوة الحضارة المدينية، وحقنت بالمنشطات سلفية العصر الوسيط وفكرها الظلامي.
في ضوء الاجتهادات الفقهية الحداثية لهذين المفكرين وغيرهما يتضح أن للدين بمنطوياته الإنسانية دور يؤدية في عملية التغيير الاجتماعي. وإذا توجب عزله عن الحكم الذي يشعر بتناقضه مع المصلحة العامة وضرورات التغيير التقدمي، فمن المستحيل عزله عن الدولة ، حيث يتغلغل في مسامات المجتمع، يرشد القيم والمعايير، ولا يقبل ان يكون واجهة لحكم يتنكر للجماهير. يدرك رجال الاستنارة بان المهمة المطروحة هي التجديد والتحديث في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية. التجديد تحرير للفكر وللإنسان من الهدر والاستلاب. ان تحرير الدين من السلطة السياسية وتحرير السلطة السياسية من الدين المؤول يبقى على الدين وعاء لمكارم الخلاق، وطاقة معنوية تعزز المناعة بوجه القهر والهدر والاستلاب ، تحفظ للدين مكانة مرموقة في حياة المجتمع، طاقة روحية تنتصر للعقلانية ونصيرا للعدالة الاجتماعية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,090,688
- إمبراطورية الشر وضعت العالم في قبضة الموت
- تدهور التعليم وتدهورت معه المكانة الاجتماعية للمعلم
- وتكشف التزوير في الرواية الصهيونية
- وحدة كفاحية تدمج نضال الأميركيين السود مع نضال الشعب الفلسطي ...
- ربيع ام خريف زمننا العربي الراهم، ام هو التضليل يغيب الصراعا ...
- التربية عتلة السلطوية المحافظة وقد تشحن عناصر التغيير الديمق ...
- الامبريالية الأميركية تكثف الجهود للإطاحة بالأنظمة اليسارية ...
- الامبريالية الأميركية تكثف الجهود للإطاحة بالأنظمة اليسارية- ...
- مصدات في طريق التطهير العرقي
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية-3
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية -2
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية
- ثقافة العنف وازدراء الديمقراطية
- سنستان بدل داعش.. إصرار على مؤامرة التمذهب
- هل يقدم الحلف السعودي قارب نجاة لشعب تعصف به هوج الإرهاب؟
- تزاحم الطيران الحربي نذر بكوارث مبيتة
- امبريالية الغرب مستنبت العنف والإرهاب والعنصرية
- الموت ولا المذلة
- وفاءًلصداقة قديمة متجددة-3
- وفاء لصداقة قديم متجددة - 2


المزيد.....




- بطريرك موسكو وسائر روسيا يدين الانشقاق في صفوف الدين المسيحي ...
- في مقابلة مع الجزيرة نت.. الشيخ عبد الحي يتحدث عن أموال البش ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- اليهود الحريديم يحملون سعف النخيل احتفالا بعيد العُرَش ويؤدو ...
- السودان يترقب -مليونية 21 أكتوبر-.. و-فلول الإخوان- في الواج ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- في حضور وفد سوري رفيع المستوى.. الشئون العربية للبرلمان: الغ ...
- حركة النهضة الإسلامية تعتبر رئاستها للحكومة الجديدة في تونس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد مضيه - اقحام السياسة على الدين يفسد الطرفين