أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 37















المزيد.....

الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 37


أفنان القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 5097 - 2016 / 3 / 8 - 13:26
المحور: الادب والفن
    


3 – الميتافيزيقي في خدمة الواقعي

المسرحية نوع أدبي جديد في الأدب الفلسطيني، ولادتها كولادة الرواية تعني تغيرًا عقليًا وإرادة جديدة للأدباء، إرادة التعبير الفني عن العلاقات الاجتماعية، وما يتناسب من جهد مبذول مع النتائج. من هذه الناحية، يختلف الأدب في هذه الفترة عن أدب الفترة السابقة، أدب كان يأخذ الشخصية من ناحية والمجتمع من ناحية ثانية، دون أن يتناول الشخصية في المجتمع والعَلاقات البِنيوية بينهما. يُظهر هذا التغير الكيفية التي تم بفضلها المرور من مرحلة الأدب التأملي إلى مرحلة الأدب المعبر عن المشاكل الاجتماعية، ويشير إلى الطريقة التي اتبعتها الحالات التعبيرية، حالات الكتابة أولاً وقبل كل شيء، وبالتالي الوظائف التي اعتمدتها. لكن مسرحية "الباب" كتأليف ميتافيزيقي بالنسبة لموضوعها (مسألة القدرية والحرية) يمكن إدراجها في النوع الأدبي الجديد، إذا ما انتبهنا إلى الإشارات والرموز التي تحويها، لأن هذه الإشارات والرموز ترفع المسرحية إلى مستوى عالٍ فنيًا بالنسبة لزمنها، وفي الوقت نفسه تنهل على طريقتها من المضمون الواقعي بالنسبة لزمنها كذلك، في محاولة "اعتداء" من طرف الكاتب على الشاعر الإيطالي دانتي، ومحاولة "التقاء" بالمسرح الإغريقي. لهذا السبب، نستطيع القول إن "الباب" عمل فني تحرري ليس بالنسبة لزمنها فحسب، بل وبالنسبة لجميع أعمال كنفاني.
إذن يعالج كنفاني المسائل الميتافيزيقية من الوجهة الغير التقليدية، مع أنه يستعمل أسطورة قديمة، لأنه يتحدث عن مسألة وجود الآلهة بطريقة وظيفية، وعلى العكس من أدب النخبة، يريد لنصه الوصول إلى كافة القراء، ليقول لهم لا إله هناك إلا في أخيلة الناس الذين يحتاجون إلى غاية، يمكنهم معها العيش، وهذه الغاية هي الوعد بالجنة بعد الموت، فنسمع الملك شداد يجيب على سؤال الإله هُبا "لماذا بنيت إِرَم؟"" (ص 108) بالكلمات التالية: "لأن العالم الذي وهبتنا إياه مقابل وعد مجهول كان عالمًا قميئًا وسخيفًا، عالمًا لا جدوى منه ولا غاية، لأن المرء يعيش فيه، يتعذب، يذوب، لماذا؟ لأنه على موعد مع كلمة اسمها الجنة..." (ص 108) ليقول له الإله هُبا في السياق نفسه، السياق النافي لحقيقته اللاهوتية، والمثبت لغاية أخرى واقعية: "فأنتم أنفسكم الذين تقولون إنني أبني الحياة..." (ص 107) هذه الحياة التي يدعوها شداد ساخرًا "باللعبة" (ص 64) ويعترف هُبا قائلاً: "أنا، في الحقيقة، غير قادر على حكم الأرض..." (ص 119)
نحن نعلم علم كلود ليفي-شتراوس أن للفكرة الأسطورية مهمة خاصة، ألا وهي القيام بِوِساطة بين المفردات المتعارضة معارضةً لا تقهر: يقول شداد "كلمة اسمها الجنة"، ويقول هُبا "غير قادر على حكم الأرض"، والوِساطة بين مفردتي الجنة والأرض اللتين تتعارضان معارضة لا سبيل إلى الحيلولة دونها هي كل البناء الدرامي للمسرحية. إنها الصيرورة التي تؤدي إلى موديل من المصالحة بين الأضداد عَبر وسيط يُعتبر كنابض دائم للصيرورات الرمزية: صيرورة الوعي الديني، صيرورة الوعي الإلحادي، صيرورة الوجود الإلهي، صيرورة الوجود الإنساني، صيرورة الحكم الإلهي، صيرورة اللعبة التي هي الحياة... إلى آخره إلى آخره، لكننا لسنا في "الباب" عند باب المصالحة بين الأضداد، فيعمل النابض الدرامي بصفته وسيطًا، عندما يعارض الوعي الديني الذي يعتقد بأن الله خالق الكون، وعلى الناس أن يطيعوه، وبصفته محركًا يعبر عن ذاته على لسان شداد –أو بكل بساطة ما يعبر شداد عنه بلسانه- ويبدي أن غاية الملك بناء جنة على الأرض يقيم فيها العدل وينشر الحرية عندما يقول له هيا: "خارج هذا الباب تمتلك كل حريتك..." (ص 119)
الوسيط إذن ليس شخصًا من لحم ودم، الوسيط هو النص نفسه في تلاحق أحداثه، بين مفردتين متعارضتين تمثلان عالمين مختلفين، ولولا التعارض كبِنية لما كرّ النص، ولولا المصالحة كهدف لما عمق التوتر الدرامي.
زوج آخر من المفردات المتعارضة: الاختيار والاستسلام، وهما مسألتان ميتافيزيقيتان موظفتان واقعيًا.
اختيار الإنسان لقدره، قدر الموت في هذا السياق، "هو الاختيار الحقيقي، أن تختاره في الوقت المناسب قبل أن يفرض عليك..." (ص 71) لاختيار الموت دلالات عدة أهمها ألا تنتظر موتك دون أن تفعل شيئًا لتبديل وضعك، اصنع قدرك بإرادتك! على عكس الوعي الديني الرافض للإنسان قدرًا آخر مستقلاً عن الإرادة الإلهية التي تتحكم بكل شيء وتحكم على كل شيء، وخاصة على الحياة والموت، فيكون الاستسلام.
في المسرحية، يرفض الملك شداد السلطة الإلهية، ويسعى ليبني جنته بنفسه، فيكون البناء في صياغته كسطور وصور وأفكار الوسيط الذي من المفترض أن يكون قادرًا على حل التعارض: لكم دينكم ولي دين! لكم جنتكم ولي جنة! يكر النص ويفر هذه المرة، فالنابض يسعى ويختار، والنص ينفرد وينفرش، يسرح ويمرح في عالمي الاختيار والاستسلام، إنها الصيرورة الوسيطة التي تكون بالصياغة المتنامية من مفردة إلى مفردة، والتي تصل بنا إلى الفاجعة تحت ثوب المصالحة، فإرادة الاختيار تنقلب على صاحبها في عالم لا حرية فيه، وبكلام آخر إرادة الحرية لم تحرر بالفعل إنسانها في زمانه الفعلي (زمان الاستقلال) ومكانه الفعلي (فلسطين). زمان الاستقلال ومكان الاستقلال هما هنا استعارتان لا تكفيان متطلبات النص، نص يسير في طريق مستقيم لا يحرفه عن مساره مثل هذا التماثل بين الزمان والمكان، وفي الطرف الآخر الهلاك لا محالة، عندما يقول شداد عن الموت: "إنه الاختيار الحقيقي الباقي لنا جميعًا... إنه المكان الوحيد الباقي للحرية" (ص 71) لهذا من المفترض أن يُبنى التماثل في الصياغة، كصورة لصيرورة وسيطة، يكون فيها التوسيع الديناميكي للأدوار المتنوعة هو المعبر عنه أكثر مما هو عليه في الموديل التماثلي (الزمان والمكان في المسرحية مقابل الزمان والمكان في الواقع)، فكان توسيع الأدوار، دور الملك شداد من ناحية عندما يقول: "سأذهب إليه (إلى هُبا) بنفسي، سأتحداه خطوة خطوة... أريد الذهاب إليه بملء إرادتي واختياري" (ص 72) ولما يتكلم عن الموت يتكلم عنه كعنصر من عناصر الدور الذي له: "موت خاص... الموت لم يأتني أنا الذي جئت به... وصارعته." (ص 86-ص 87) (غسان يتنبأ هنا بموته، موته الخاص، موته الذي هو ملكه، فيتصرف به على هواه). ودور الإله هُبا من ناحية ثانية عندما يقول شداد لهُبا: "لقد خلقك الموت." (ص 110) يجيبه هُبا من داخل الدور الذي له: "لقد خلقت نفسي قدرًا حينما كان الناس عاجزين عن صنع أقدارهم." (ص 110) ليتحول الوسيط "الصيغوي" إلى رمز قادر على الجمع بين دورين متعارضين، الدور الثاني –فلنبدأ بالدور الثاني- دور هُبا، يُعَبِّر بربطه بالسياق التاريخي-الاجتماعي عن القطب السَّلبي، كما يرى ليفي-شتراوس، فتتحدد الوظيفة التي لصاحب هذا الدور الثاني الإله هُبا والتي هي سَلبية، بينما تتحدد الوظيفة التي لصاحب الدور الأول الملك شداد والتي هي إيجابية عند التعبير عن القطب الإيجابي، المعارض للدور الثاني، وبالتالي لتتحدد الوظيفتان بتعاقب الدورين.
أضف إلى ذلك أن هناك تبادلاً للأدوار وللمفردات: الملك يغدو إلهًا، والإله يغدو ملكًا، تبعًا للمكان الذي يقف فيه الواحد أو الآخر، والوظيفة التي تعود عليه بالفائدة: الإله قدرًا للإنسان أم الملك قدرًا للإنسان؟ في الحالة الأولى الإله إنساني، فكلامه يخلو من أية استبدادية: "لقد خلقت نفسي قدرًا حينما كان الناس عاجزين عن صنع أقدارهم" (ص 110)، وفي الحالة الثانية الملك لا إنساني، فكلامه لا يخلو من استبدادية هي هنا فردية: "حاولت أن أصنع قدري بنفسي." (ص 110) تنقلب المفردة، تصبح إشارة للوظيفة، يعني شكلاً يصوِّر النتيجة النهائية للصيرورة. إذن هذا التبادل ضروري حَسَب العالمين اللسانيين الأمريكيين إيلي كونجاس وبيير ماراندا، لعرض الموديلات البِنيوية التي لا تُمَثَّل فيها النتيجة النهائية، هذه النتيجة التي ليست فقط العودة إلى نقطة الانطلاق بعد إلغاء القوة الغاشمة (هُبا في ثوب الإله) بل والدخول في حالة جديدة تختلف عن الأولى (هُبا في ثوب الإنسان). بكلام آخر، عندما تكون لشخصية ما وظيفة سَلبية ولأخرى وظيفة إيجابية، وعندما تقاتل الإيجابية السّّلبية، تصبح الإيجابية سَلبية، لا إيجابية كما يتخيل البعض، لأن انتصارها يقوم على دمار المفردة السَّلبية التي يمثلها هُبا، ويكرس نهائيًا القيمة الإيجابية للمفردة التي يمثلها شداد، وفي هذا التكريس استبدادية الملك مقابل استبدادية الإله، وفي الواقع انعدام الديمقراطية. لكن هذا ما لم يحصل في المسرحية، للعلاقات القائمة بين الأسطورة، كما رواها غسان، وبين السياق التاريخي-الاجتماعي الذي جاءت منه هذه الأسطورة، ما حصل انتصار السَّلبية على الإيجابية، انتصار الإله هُبا على الملك شداد، وكما حللنا تصبح السَّلبية إيجابية، كل ما يريد النص نقضه في الإله يجري تكريسه تمامًا، فيكون التركيز على الموت (وعلى القدر وعلى باقي الثيمات) في سياقه الواقعي المرحلي بشكل ميكانيكي، وليس بشكل ديناميكي، ينبض مع النابض في صيرورته إلى تحقيق التماثل بين الملك والإله في الحياة كاستعارة كبرى كان من المفترض أن تكون لكل المسرحية.


يتبع 4 – دراسة بعض الرموز





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,093,053,701
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 36
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 35
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 34
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 33
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 31
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 30
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 29
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 28
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 27
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 26
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 25
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 24
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 23
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 22
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 21
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 20
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 19
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 18
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 17
- الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 16


المزيد.....




- واحة الإبداع المقدسية.. أفق جديد لنشر الثقافة العلمية بفلسطي ...
- بعد التهجم على الفنان راغب علامة... حملات تضامن واسعة داعمة ...
- لورانس أبو حمدان فنان يستخلص من صرخات المعذبين عمارة سجونهم ...
- -الجمعية العراقية- و-الأدباء- يحتفيان بالروائي عبد الكريم ال ...
- فيلم رسوم متحركة قصير يجذب انتباه السعوديين (فيديو)
- عاجل.. ماكرون: احتجاجات باريس وضعت فرنسا في أزمة
- العثماني يتباحث بمراكش مع رئيس الحكومة الإسباني
- أبو الهول يتقاعد.. فيلم إباحي أمام الحارس الصامت
- الموت يغيب فنانا كوميديا مصريا شهيرا
- ذبول النرجسة


المزيد.....

- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - الحداثة الزرقاء دراسة في أدب غسان كنفاني 37