أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نائل الطوخي - المسلمون و الأقباط.. من يملك الصوت المصري؟















المزيد.....

المسلمون و الأقباط.. من يملك الصوت المصري؟


نائل الطوخي
الحوار المتمدن-العدد: 1374 - 2005 / 11 / 10 - 10:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في حوار أجرته جريدة روز اليوسف المصرية مع الأنبا موسى أسقف الشباب بالكنيسة الأرثوذوكسية قال ما نصه: (كان على المسئولين في كنيسة محرم بك أن يتمتعوا بالحساسية و الحرص والوعي على نحو أكبر من مجموعة الشباب التي نفذت المسرحية ما كان عليه تقدير ما يمكن أن تحدثه من رد فعل, و لو تصوروا أن مسرحيتهم لن يشاهدها سوى أقباط فقط, فهذه حماقة منهم, فالآن كل شيء متاح للجميع. و حتى إذا كانت حجتهم بأن الهدف من المسرحية هو محاربة الإرهاب, فأنا أرد عليهم و أقول "إنتم مالكم"). لا لوم على الأنبا موسى. هو رجل دين يحاول التهدئة في وجه صراخ يتزايد مطالبا الكنيسة بالاعتذار عن خطأها في حق الدين الإسلامي, و مع هذا, يشكل الاقتباس السابق مادة خصبة لإقرار حقيقة أن كثيراً من الأقباط يبدون اليوم مستوعبين للصوت الآتي من الاتجاه الآخر, الاتجاه المجروح كما يحب وصف نفسه, كثير من الأقباط "يتفهمون" غضب المتظاهرين المسلمين حول الكنيسة, يشرحون نيتهم في الاعتذار لولا رد فعل العنيف من قبل المتظاهرين و الذي أدى لحرق سيارات وتدمير ممتلكات و طعن راهبة بمطواة. و كعادة أي صراع على الصوت, أو أي صراع بين صوتين, يتم بسرعة استيعاب الصوت الأقوى في الأضعف. لم يوجه الأنبا موسى نقده هذا إلى كل المؤلفات في الشارع و في الصحف القومية و كل الآراء المبثوثة في التليفزيون و الإذاعة التي تهاجم عقيدة التثليث, و تهاجم يسوع بكونه "ربنا و مخلصنا", أي تطعن في صميم الدين المسيحي, بل يحاول هو الحفاظ على تماسك المجتمع المصري "الإسلامي", بحسب وصف البعض له, البعض الذي لا ينتمي إليه الأنبا بالتأكيد, حتى و إن أدى الأمر إلى إخراج الأقباط تماما من المجتمع. يقول هو للقائمين على شأن مسرحية تناقش شأن الإرهاب في الكنيسة "إنتم مالكم", كأن الإرهاب لم يحدث من قبل مصريين استهدافا لمصريين, أو كأن الكنيسة, و معها الأقباط, ليسوا مصريين. هذا الإبعاد يتم طواعية من الأنبا. لم يطالبه أحد بذلك بالتأكيد.
منذ سنوات طويلة, يرتفع بالتدريج الصوت الإسلامي في المجتمع المصري, ينمو و ينتفخ. يجري التكريس لبداهة الإسلام في المجتمع المصري, أي استغراب وجود دين آخر, ليس فقط كراهيته, و إنما الدهشة من وجوده أصلاً. عندما تصل الحرية بصوت إلى درجة التورم, أي ذلك الانتفاخ الرامز إلى حياة تحمل موتها بداخلها, وفي نفس الوقت يتمتع الصوت الآخر بهامشية تحصره في داخل كنيسة, فإن الأمر لا يعد مجرد صراعا بين صوتين, و إنما ميل مرضي من صوت لابتلاع كل الأصوات الأخرى, و ميل مرضي من صوت آخر لأن يتم ابتلاعه في الصوت الآخر, الضخم و الشره.
اعتبر البعض مسرحية – كنت أعمى و الآن أبصر – عملا مثيراً للفتنة, الفتنة التي تمت رؤيتها في مظاهرات حي محرم بك, و لذا وجب الاعتذار عنها, و تعاطف بعض الأقباط مع هذا المطلب كما أسلف. لم يكمن في هذا ترسيخ حدود أكثر صرامة لحرية التعبير, حدود المسموح و الممنوح في الكلام, حتى لو أدى في إضاءة خافتة و داخل كنيسة مغلقة, و إنما أشار أيضاً إلى تعيين جديد للأدوار, ينحو نحو العنصرية هذه المرة, فحديث الأقباط حول تعديل المادة الثانية من الدستور المصري, مثلاً, و المتصلة بكون دين الدولة الرسمي هو الإسلام, مثير للفتنة, بينما إبقاء المادة كما هي عليه ليس كذلك. انتقاد الإسلام مثير للفتنة بينما على العكس انتقاد المسيحية. إذا وضعنا طرفي المعادلة أمام بعضهما البعض لأمكننا فهم أن الصوت الإسلامي يعني التماسك المجتمعي بينما الصوت المسيحي يرمز لتفككه, للفتنة التي توشك على الاندلاع فور انطلاقه. هذه هي الصورة التي يريد البعض رسمها للمجتمع المصري: مجتمع مسلم بلا شك, مع بعض "الخروقات" المسيحية, التي تؤكد القاعدة, و لا تطعن أبدا في الإسلامية المطلقة للمجتمع, فالصوت الإسلامي يحرس حدود المجتمع بينما الصوت المسيحي يحاول خلخلتها و يفشل.
كانت أحداث الإسكندرية أبعد ما تكون عن توصيف الفتنة, حتى و إن دعاها البعض بهذا. ربما كانت حصارا, حصارا يقام للكنيسة من قبل جموع حاشدة و ذات ثقة مفرطة في قوتها و في بداهة صوتها. تقتضي الفتنة وجود طرفين متساويين في القوة, و هو ما لم يتحقق في أي مجابهة بين مسلمين و مسيحيين في العقود الأخيرة, أي منذ سقوط خيار اليسار و علو نجم اليمين الديني المستند إلى قوة الدولة أولا و آخرا, برغم كل الطنطنة الرسمية عن الليبرالية و الفكر الجديد. قبل هذا كان علو نجم فكرة المجابهة بين المسلمين و المسيحيين في حد ذاتها, و التي تقتضي قبل كل شيء تقسيما حسب الدين, حسب الهوية الثقافية, هو الخطوة الأولى دوما للعنصرية, لجعلها مسلم بها. لا ننسى أنه حتى الآن, تبدو مسألة بناء جدار عازل حول شرم الشيخ غير مستغربة و تثير القليل جدا من التعليقات في الصحف المصرية, فالمجتمع يحصن نفسه دوما بالجدران, ولكن بشكل عكسي هنا, فبينما تحاصر عنصرية المجتمع, ذي الأغلبية المسلمة, القلة المسيحية في الكنيسة, تحاصر عنصرية الدولة أغلبية الفقراء في الوطن, و تجعل من ناد نخبتها, شرم الشيخ, ناديا حصريا و مقصورا على رجال السلطة و الأعمال و السياح الأجانب. سواء في هذا أو ذاك, يتم تسييج جدار هائل حول الهوية, جعلها مرغوبة أو مبعدة, يكون الرعب من أي تلوث بالهوية الأخرى, سواء خصت البدو الفقراء أو الأقباط المخالفين في الدين, هذه هي المسيرة التي يكون فيها بناء الجدار حول شرم الشيخ غير مثير للاهتمام أو التعجب, ناهيك عن الغضب الهادر.
و لأن مصر تعني مجتمعا مسلما, و في ذات الوقت لا يمكن إلا أن نعترف, و لو إحصائيا, بوجود أقباط يعيشون في مصر, يكون الحل هو سحبهم بقوة من البداهة, كأن وجودهم مثير للدهشة, و تكون النتيجة هي عَرَضية التدخل في شئون العقيدة المسيحية في الميكروباصات و الشوارع و ميكروفونات الجوامع تحت دعاوى حرية الرأي, و يثار الغضب الهادر لتناول شأن إسلامي في كنيسة مغلقة أمام عدد من الحضور يقل عن عدد الممثلين, ثم إلقاء الأنبا موسى اللوم على الممثلين المسيحيين الذين ظنوا أن المشاهدين لن يخرجوا عن الأقباط, مما يثير تساؤلات حول حدود حرية التعبير , في رأي الأنبا, في أي جلسة مغلقة بين المرء و ذاته, بين الممثلين الأقباط و مشاهديهم الأقباط. هذه هي إضاءة النور التي أثارت الكارثة كلها. أناس يتحدثون في الظلمة. لا يراهم احد. تضاء الأنوار بغتة. يفاجئ الجميع بأن ما يقولونه المتحدثون في الظلمة هو العيب بذاته, بينما هذا العيب هو ما يقال دوما من الطرف الآخر في أقوى أنواع الإضاءة و جهر الصوت. هذا هو فائض الحرية لدى المسلمين الذي يتحول إلى انتفاخ, تورم, حياة مشحونة بالموت.
يؤمن المسلمون بالمسيحية و لذلك فهم يمتنعون عن انتقادها, هذه هي الرواية الأساسية في أدبيات الدعوة الإسلامية, بينما المسيحية لا تؤمن بالإسلام. لذا يحرم على أي مسلم انتقاد المسيحية, و لكن أي مسيحية يحرم عليه انتقادها؟ هي مسيحية تختلف عن مسيحية المسيحي, هي المسيحية التي يؤمن المسلم أنها "المسيحية الحقيقية", و التي تظل سرا لا يعلمه أحد لأن مصادره قد فقدت. حتى هنا, وبينما يتم الحديث عن عظمة الأنبياء كلهم, و منهم عيسى عليه السلام, حتى هو, يكون الهدف هو تمجيد الإسلام, ممثلا بروايته عن المسيحية, مغازلة الذات المتضخمة التي لا تحدها حدود, و هنا أيضاً يتم احتكار المجتمع في يد الإسلام فقط, فمسيحيته التي يمكن أن تتواجد فيه هي المسيحية من وجهة نظر الإسلام, و مسيحيته الأخرى, المبعدة و النائية, مسيحية البشر, الأقباط, لا الأصل المقدس المفقود, هي ما يتم طعنها طول الوقت, بالضبط كما يطلب من المسيحي الذي يعيش في مصر أن يعترف بإسلامية الدولة و بإسلامية الحضارة, مع عدم معرفته أي شيء عن أي تاريخ آخر, قبطي بالتحديد, لمصر, و هذا هو الصوت الأقوى الذي يستوعبه هو بفرح و رضا, و يتباهى بعرض في كل مناسبة, دليلا على سعة الأفق و الاستنارة, الاستنارة التي لا يطالب بها أخاه المسلم, حتى تظل مصر مجتمعا متماسكا, قويا و إسلامياً, و إنما منتفخاً بورم الصوت الواحد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الطرف الأقصى للكابوس
- silence
- خفض إضاءة العالم
- سيدة السواد
- بمناسبة عدم حصوله على نوبل! أي حظ! لن نسمع دفاعا عن شارون يل ...
- ما لم يفعله وزير الثقافة المصري فاروق حسني.. سلطات تحتمي ببع ...
- هل هناك -هوية يهودية-؟ .. قراءة في مقالة للأديب الإسرائيلي أ ...
- خطايا فيروز الكبرى... لماذا لا يسمع المصريون فيروز
- سرير الجيش.. السرير المحمول
- إمكانية السرطان
- الأمن المركزي المصري.. القاهرة المتشحة بالسواد و جدار السجن ...
- إعلان حسني مبارك ترشحه لانتخابات الرئاسة..الإفلاس البليد لبا ...
- رواية مرآة 202 لمصطفى ذكري.. هوس البدايات غير المكتملة.. الت ...
- نوال علي و سوزان مبارك.. كيف تستخدم -نسوية- النساء في مظاهرا ...
- - مجلة ميتاعام الإسرائيلية: الصهيونية كفر تعجز اللغة عن احتو ...
- سوزان مبارك.. الجبلاوي وقصر البارون.. كيف احتفلوا بمرور مائة ...
- ثلاث صفحات فارغة
- عبد مجوسي الذاكرة و قال كلمات
- لحظات لا يستحب فيها الإسهاب
- عن الفيلم الإسرائيلي (صهيون.. الأراضي).. ترجمة و تقديم نائل ...


المزيد.....




- مطار النجف يستقبل 1135 رحلة عربية وإسلامية خلال محرم
- الإخوان يجتزؤون تصريحا لمساعد داخلية مصر الأسبق عن "تنا ...
- طارق رمضان: الغرب يتجاهل النماذج الإسلامية الناجحة
- روائع فنية إسلامية بمزاد علني في بريطانيا
- الغارديان : إذا خسر تنظيم الدولة الإسلامية الحرب في العراق و ...
- بالفيديو.. جاستن بيبر يعبر عن معتقداته الدينية في وشم عملاق ...
- بالفيديو.. جاستن بيبر يعبر عن معتقداته الدينية في وشم عملاق ...
- وزير بريطاني: مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية البريطانيون يجب ق ...
- تيلرسون: على الفصائل الشيعية المدعومة من إيران مغادرة العراق ...
- غندور: امريكا لم تطلب منا ابعاد الاخوان المسلمين


المزيد.....

- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نائل الطوخي - المسلمون و الأقباط.. من يملك الصوت المصري؟