أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - رِجَالٌ فِي الشَّمْسِ .. رِجَالٌ فِي الثَّلْج!















المزيد.....

رِجَالٌ فِي الشَّمْسِ .. رِجَالٌ فِي الثَّلْج!


كمال الجزولي
الحوار المتمدن-العدد: 4917 - 2015 / 9 / 6 - 10:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(1)
ما من عنزين يمكن أن ينتطحا على حقيقة أن مصائر البشر هي آخر ما كان يهمُّ القذافي في صراعات السِّياسة وتضاعيفها، سواء المحليَّة، أو الإقليميَّة، أو الدَّوليَّة. لذا، عندما أطلق ذلك الدِّكتاتور تحذيره الشَّهير، عام 2011م، وتحديداً في عقابيل اندلاع الثَّورة الليبيَّة، من الأفواج الهائلة من المليشيات واللاجئين الذين قال إنهم سيجتاحون أوربَّا، وسيحوِّلون المتوسِّط إلى "بحر من الفوضى"، مزكِّياً نظامه بوصفه "مستقرَّاً وضامناً للأمن"، إنَّما كان يبتزُّ القوى العظمى، ودول الغرب عموماً، لتجييرها لصفِّه في مواجهة خصومه، بأكثر مِمَّا كان يمارس قراءة سياسيَّة موضوعيَّة للأحوال، والأحداث، وعواقبها على النَّاس، مواطنين أو أجانب.
لكن، مهما يكن من أمر، فإن واقع الحال يشهد، اليوم، "قوارب الموت" تمخر المتوسِّط، و"شاحنات الجُّثث" تعبر الحدود، ناقلة إلى أوروبا، في ما يشبه اللعنة تحلُّ بالمستعمرين السَّابقين، عشرات الآلاف من "لاجئي اليأس" الأفارقة والآسيويين وغيرهم، خصوصاً السُّوريِّين. ولا يصل من كلِّ هؤلاء سوى أقلهم، بينما تتقاسم جبال الموج والحيتان ابتلاع أكثرهم، أو تلفظ بقاياهم على السَّواحل القصيَّات قوتاً للجَّوارح النَّاعقات، إن تبقَّت منهم بقايا أصلاً!
وبحسب مفوضيَّة الأمم المتَّحدة العليا لشؤون اللاجئين فقد وصل إلى أوروبا، عبر المتوسِّط، خلال النِّصف المنقضي، فقط، من هذا العام، قرابة ربع المليون لاجئ ومهاجر، شكَّل السُّوريُّون وحدهم نسبة 34% منهم، بينما ابتلع البحر 2100 شخصاً، علماً بأن معظم من وصلوا أو من قضوا نحبهم لم يكونوا مهاجرين لأسباب اقتصاديَّة، فحسب، بل كانوا فارِّين، أيضاً، من حرب أهليَّة، أو من اضطهاد سياسي، أو عرقي، أو ديني.

(2)
غير أن أوربَّا نفسها لا تكفُّ، من جانبها، عن الجَّأر بالشَّكوى من عجزها عن استيعاب مَن يبلغون حدودها، رغم أن حنجرة ديمتريس أفراموبولوس، المفوض الأوربِّي لشؤون الهجرة، بحَّت من كثرة الدَّعوة لاستقبال تدفُّقاتهم الهائلة "بشكل حضاري لائق"، معبِّراً عن أن العالم يواجه، الآن، "أسوأ أزمة لاجئين منذ الحرب العالميَّة الثانية" (وكالات؛ 31 أغسطس 2015م).
وبالخميس قبل الماضي، 27 أغسطس، انعقدت "قمَّة غرب البلقان 2015م" التي كان مخططاً لها أن تبحث في قضايا التَّعاون على مستوى المنطقة، لولا الحادثة التي وقعت قبل يوم واحد من ذلك، حيث اكتشفت، بالأربعاء 26 أغسطس، جثث 70 سوريَّاً داخل ثلاجة شاحنة لنقل الدَّجاج، مِمَّا قلب أجندة القمَّة رأساً على عقب، لتسيطر عليها أزمة اللاجئين والمهاجرين غير الشَّرعيين الذين بات "طريق غرب البلقان" البوَّابة الرَّئيسة لتسلل أفواجهم بالآلاف، يوماً بعد يوم، إلى بلدان أوربا، ومعظمهم من السُّوريِّين، زحفاً من تحت الأسلاك الشَّائكة، أو اقتحاماً للقطارات، والحافلات، وغيرها (فرانس برس؛ 27 أغسطس 2015م)؛ بل ليس نادراً ما يفعلون ذلك في جوف شاحنات يبرمون صفقات مع سائقيها لنقلهم عبر الحدود الدَّوليَّة. غير أن هؤلاء السَّائقين، ما أن يستشعروا خطر انكشاف عمليَّاتهم التي قد تكبِّدهم سنوات من أعمارهم في السُّجون، حتَّى يلوذوا بالفرار، مخلفين وراءهم "بضاعتهم" مكدَّسة في جوف الشَّاحنات المغلقة من الخارج بإحكام!
وعلى هامش تلك القمَّة انعقد مؤتمر صحفي مشترك تركَّز، بشكل أساسي، حول حادثة الشَّاحنة التي أثارت شكوك رجال الشُّرطة النِّمساويَّة الذين عثروا عليها متوقِّفة في الحدود مع المجر، على بعد كيلومتر واحد من العاصمة فيينا. في ذلك المؤتمر الصَّحفي أفاد فرنر فايمان، رئيس الوزراء النِّمساوي، بأن "من الصَّعب التَّعرُّف على الجُّثث لتعفُّنها"، الأمر الذي يُفهم منه أنها أوقفت هناك، بعد تعطيل محرِّكها، وبالتالي جهاز تشغيل ثلاجتها، فذاب الثلج، رويداً رويداً، لتتحوَّل الثَّلاجة إلى محض صندوق معدني مسمَّط بلا أيِّ منفذ. ومن جهتها اعتبرت أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانيَّة، أن الحادث المروِّع هو بمثابة "تحذير من تفاقم مشكلة اللاجئين". كما أكدت جوهانا ليتنر، وزيرة الخارجيَّة النِّمساويَّة على أنهم "سوف يُجرون تعديلات قانونيَّة لمكافحة تهريب البشر". وكانت وسائل إعلام نمساويَّة قد حدَّدت أن اللاجئين سوريُّون، وأن بينهم نساءً وأطفالاً، وأنهم ماتوا اختناقاً‎، لكن الشُّرطة النِّمساويَّة شكَّكت في ما إنْ كانوا قد اختنقوا بالفعل، وأفادت بأنها ما تزال تجري تحقيقاً حول دخول الشَّاحنة من المجر، وحول جنسيَّة المهرِّبين، وخبايا عمليَّة التَّهريب .. الخ‎.
غير أن صحيفة عربيَّة منتبهة علقت بقولها، عن حق، إن كلَّ هذه التَّفاصيل تبقى ثانويَّة أمام الواقع المُرِّ‎ الذي يجبر السُّوريِّين على الهروب من الحرب، والقتل، والدَّمار، ليلقوا‎ حتفهم، إمَّا على الحدود البريَّة مع دول ترفض استقبالهم، ومن بينها دول عربيَّة، أو في مياه البحر المتوسِّط، محاصرين بين الحكومات وبين "داعش" (القدس العربي؛ 27 أغسطس 2015م).

(3)
لم يكن الرِّوائي الفلسطيني الشَّهيد غسَّان كنفاني يمارس ضرباً من اللهو الأدبي بخيال مجنَّح عندما أصدر في بيروت، عام 1963م، بعد مرور نحو من خمسة عشر عاماً على نكبة 1948م التي أضحت عنواناً لضياع فلسطين، وقبل نيِّف وخمسين عاماً من حادثة مقتل السُّوريِّين السَّبعين مجمَّدين في ثلاجة الدَّجاج النِّمساويَّة، كأثر من ضياع الإنسان العربي، روايته العبقريَّة الأولى "رجالٌ في الشَّمس" عن مقتل ثلاثة فلسطينيِّين اختناقاً داخل خزَّان لنقل المياه تصليه الشَّمس على الطريق الصَّحراوي، بلهيبها الفتَّاك، وقد جعل كنفاني محور روايته الأولى تلك سؤاله الفلسفي: "لِمَ، يا ترى، لَمْ يدقُّوا على جدار الخزَّان"؟! ثمَّ أعقبها بروايتيه البديعتين الأخريين "ما تبقى لكم" و"عائد إلى حيفا"، عاكساً، من خلال سرديَّاته الثلاث، ملامح رؤيته لتطوُّر شخصيَّة الفلسطيني التَّاريخيَّة من "لاجئ"، إلى "فدائي"، إلى "ثائر"؛ وعاكساً، في ذات الوقت، توجُّسه من مستقبل المنطقة العربيَّة بأسرها، والإنسان العربي في قلبها، لا الأرض الفلسطينيَّة فقط، أو الإنسان الفلسطيني فحسب، إنْ لم تتلازم مع هذه الرؤية خطة لـ "تثوير" الواقع بنفس القدر.

(4)
في الرِّواية الأولى "رجال في الشَّمس" يعرِّي كنفاني شخصيَّة أبو الخيزران، القيادي الانتهازي الذي لا يكفُّ عن اللغو بحديث فارغ عن "الجَّماهير"، وعن "الحشود"، بينما سعيه الحقيقي متوجِّه، فحسب، نحو بناء مجده الشَّخصي، ولو بمحض الحكايات الملفَّقة! فأبو الخيزران، سائق الشَّاحنة حاملة خزَّان الماء، اتَّفق مع الرِّجال الثَّلاثة على نقلهم من العراق إلى الكويت، وفق خطة فحواها أن يقبع اثنان منهم فوق سطح الخزَّان، ويبقى الثَّالث إلى جانبه داخلة قمرة القيادة، ثمَّ يتبادلون المواقع بحيث يهبط مَن عليه الدَّور ليجلس إلى جانبه، ويصعد مَن يجلس بجانبه إلى سطح الخزَّان، بينما الشَّمس فرن معلق يصلت لهيبه القاتل على الشَّاحنة. وقبل نقطة الحدود بخمسين مترًا يدخل ثلاثتهم إلى جوف الخزَّان، حسب الخطة، ريثما ينهي أبو الخيزران إجراءات العبور، واضعاً في اعتباره ألا يستغرق ذلك أكثر من سبع دقائق .. سبع دقائق فقط، ينطلق، بعدها، إلى حيث يخرجهم على مسافة خمسين مترًا أخرى. لكن أبو الخيزران الذي يستغرقه نسج مغامرات كاذبة يرويها لموظف الحدود العابث عن غزواته الجِّنسيَّة الخياليَّة مع راقصة مشهورة، ينسى أمر الرِّجال الثَّلاثة داخل الخزَّان، فتتسبَّب "فحولته الملفقة" في موتهم اختناقاً!

(5)
على كثرة حكايات الدياسبورا والمنافي، إلا أن حادثة السُّوريين السَّبعين الذين قضوا، قبل أيَّام، في منتصف العقد الثاني من الألفيَّة الثَّالثة، في محاولة فاشلة لتهريبهم من المجر إلى النِّمسا، داخل ثلاجة شاحنة لنقل الدَّجاج المجمَّد، أعادت إلى ذاكرة الكثيرين، بقوَّة، رواية كنفاني عن الفلسطينيِّين الثلاثة الذين قضوا، عقب نكبة 1948م، في محاولة فاشلة لتهريبهم من العراق إلى الكويت، داخل خزَّان لنقل الماء "لم يدقُّوا على جداره"، بينما الشَّمس تصلي الخزَّان بلهيبها طوال الطريق الصَّحراوي!
الفرق الوحيد أن القادة الأوربيِّين لم يكشفوا، في مؤتمرهم الصَّحفي، عن نوع الأكاذيب التي ربَّما يكون "قائد" الشَّاحنة ـ الثَّلاجة قد استغرق في سردها لموظف حدود عابث بين المجر والنِّمسا، ناسياً، في غمرة نشوته بتلفيقاته تلك، السُّوريين السَّبعين الذين راحوا يتجمَّدون، وقتها، داخل ثلاجة الدَّجاج؟!

***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,094,065,221
- أَثَرُ العَلاقَاتِ الإِسْلاميَّةِ المَسِيحيََّةِ عَلَى وُحْد ...
- الدَّوْلَةُ: في الإِبَانَةِ حَوْلَ المَفْهُوْمِ والمُصْطَلَح ...
- إنْكَارُ التَّعَدُّديَّةِ كَعْبُ آخيلِ الإِسْلامِ السِّياسِي ...
- الحِوَارُ السُّودَانِيُّ أَوْ .. عَجَلةُ التَّاريخِ المَعْطُ ...
- مِنْ سَايكِسْ بِيكو إِلى .. دَاعِش!
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [الأخيرة]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [7]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [6]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [5]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [4]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [3]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [2]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [1]
- الذَّاكِرَةُ الحَقيقيَّةُ تِرياقُ الذَّاكِرَةِ المُخْتَرَعَة ...
- تُركيا: عِبْرِةُ التَّصْوِيتِ العِقَابِي!
- شُبُهاتٌ حَوْلَ العَلمَانيَّة!
- خَرَاقَةُ السِّياسَةِ: دَارْفُورْ وتَقْرِيرُ المَصِيْر!
- شَلْ .. ضِدَّ العَالَم!
- للمَرَّةِ الأَلْفِ: بِدُونِ تَعْليمِها حُقُوقِ الإِنْسَانِ ف ...
- أَنْدرو مُوينْدا: خِطابُ الاسْتِفْزِازِ الأَفريقِي!


المزيد.....




- شاهد عيان على هجوم ستراسبورغ: -بعد إطلاق النار، هرب الجميع ...
- الملك سلمان في ذكرى بيعته.. سياسات لم تكن معهودة
- ارتفاع عدد ضحايا حادث مدينة ستراسبورغ الفرنسية إلى أربعة قتل ...
- لماذا قررت قطر الخروج من أوبك؟
- أوتاوا تعرب عن قلقها من توقيف الصين دبلوماسيا كنديا سابقا
- رئيس هيئة الأركان العراقية يشيد بمواقف روسيا
- الأردن .. الرزاز يستجيب لمطالب معتصمي الدوار الرابع.. (فيديو ...
- استنفار رجال الشرطة الفرنسية في شوارع ستراسبورغ
- الطيب البكوش: لا سبيل لحل أزمات المغرب للعربي بدون عقد القمة ...
- قاذفتان روسيتان في فنزويلا.. ما الرسائل؟


المزيد.....

- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - رِجَالٌ فِي الشَّمْسِ .. رِجَالٌ فِي الثَّلْج!