أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي عبيدات - تماهي التصوف مع العطش .. حفرٌ في ديوان -ملحمة العطش- للشاعرة سميحة المصري















المزيد.....



تماهي التصوف مع العطش .. حفرٌ في ديوان -ملحمة العطش- للشاعرة سميحة المصري


علي عبيدات

الحوار المتمدن-العدد: 4836 - 2015 / 6 / 13 - 01:34
المحور: الادب والفن
    


تماهي التصوف مع العطش .. حفرٌ في ديوان "ملحمة العطش" للشاعرة سميحة المصري


علي عبيدات

على عتبات الديوان

قال البسطامي : عرفت الله بالله ، و عرفت ما دون الله بنور الله .

صدر للشاعرة سميحة المصري التميمي مجموعتها الشعرية الأولى "ملحمة العطش"، عن دار فضاءات ، عمان ، الأردن . ويعد هذا الديوان أول ما نشر للشاعرة المُكثرة بالكتابة والمُقلة بالظهور والإصدارات ، لا سيما أن المُقل أكثر موفوقية من المِكثار باعتبارنا في مرحلة فوضى الطرح .

العنوان بوابة النص ، بعيداً عن الجودة والرداءة وبالقرب من الأبعاد والدلالات والسيمياء ، فالعنوان العميق أول محفزات السير نحو النص القائم على ما وراءه ، والعنوان بواية التلقي ، والتلقي أول مرحلةٍ من مراحل الإستحسان وآخر مرحلةٍ من مراحل النفور ، وإن كنت على عتبة المجموعة الشعرية وسمَّ بـ "ملحمة العطش" سيتوجبُ عليك مراعاة درجة انزياح العنوان عن المضمون وسترمى كصوفةٍ مطروحةٍ في حضرة التأويل الذي سيهيمن عليك آناء التأويل القسريّ وأنت ترتب مفردات تلقيك مترجماً ومؤولاً مفردتي "عطش و ملحمة" .

قيل في الماء أعز مفقودٍ وأهون موجودٍ ، ومن هنا تنطلق أهميّة عمود بيت الحياة والفاصل الدلالي بين سطوة المُعاش ودعة المُتخيل ، ليتداعى الآخر في ملحمة العطش قحطاً حيناً وأخضراً يشبه راحة الماء أحياناً أخر ، فكأن الشاعرة ترتدي نظارة قلب النتائج وتعديل الصور واصفةً لنا قسوة ما تعيش مستعينةً بالإبعاد الدلاليّة للعطش .

أما الإرتواء المنشود الذي تبحث عنه الشاعرة بين ممتلكات إخوتها في المؤسسة البشرية فهو هالة المجموعة الشعرية التي نسجتها النصوص الموشاة بالدلالة والرمز والأسطورة والتجليات المعرفية التي اندلقت بين بنى الديوان وارست دعائمها على ابستمولوجيا البوح لاستجلاب المنشود والمواربة والتصحيف والتحريف لكل تفاصيل التجربة الشخصية للشاعرة والخسائر والأنفال التي تقاد دلالاتها بين ردهات بوحها ، معلنةً أن المُتخيل هو المأمول وأن المُعاش مدعاةٌ للوصف لا أكثر ، فهي ترفضه وتحمل الكثير من قسوته على عاتق ذوات شاركت بها الشاعرة محيطها بشيءٍ من التراجيديا التي برع بها شعراء الاعتراف .

ماذا أفعل بك بك وأنت جميلٌ جميلٌ كالوطن ؟
وكيف أبلغ منتهاك وأنت روايةٌ طويلةٌ كالزمن ..!
أنا بعض ما صنعت يداك ، عافني العطش ولمني الوهن
وأن الكثير من العطش لنا ، ولكم كل مواسم المطر "ملحمة العطش ص 13".

تعود بنا الشاعرة – وفقاً للعنوان - إلى عصر حروب الماء التي لم تحدث على هيئة حرب بقدر ما نعيشها بمفهوم خسارة اللاحرب ، والتي تجيء دون ارتعاشة كف وعناق سيف ، لتكون خسارة اللاحرب نتيجة ما لم يحدث – أصلاً - بين ردهات ذات الشاعرة التي قدمت لنا الإستبطان والغناء (الإعتراف) بصورة هويةٍ رغم أن العالق بين طيات هذه النصوص وتلك الخسائر" ذات الشاعرة فقط" ، فملحمية العطش وجرف حروب الماء صوب ضحايا الماء بصورةٍ تشاركية ، ليس إلا عطش الذات المتكهفة بمنأىً عن خسائر الجمع الذي أُقحِمْ في النصوص لتكون خسارة الذات بمعية خسارةٍ جماعية وقف بها الخاسرون بكامل عطش الخاسرة الوحيدة (الشاعرة) .
إنهم يسقون العطش سراباً يا سيدي
هل عندك ماء ؟
من يسقينا غير السراب ..
وحياة كل هذا العطش إننا ظمئنا ..
فهل من أنبياء جدد، يبشرون بالماء يا سيدي ..؟"ملحمة العطش ص21"

ترتسم معالم ما يدور في أرشيف ذاكرة الشاعرة على نواصي وهوامش وصميمية المجموعة ، والعطش بذاته لم يكن مبرراً للحرب بقدر ما كان استجلاباً للإرتواء المنشود ، فهي عطشى وفي حيرة من أمرها بينما ترسم لمخاطبها صورة الوطن مكللة تلك الصورة بمعادلة معقدة تأبى الشاعرة أن تستوضح غموضها لأن المخاطب صعب المنّال وثقيل الحمل ، وها هي ترمي على عاتقه مسؤولية وجودها (عطشها) بينما هي تدلنا على خيطٍ من خيوط التعرف على هذا المخاطب الذي جعل منها متعبةً لا تشفي غلة عطشها وكأنها تفتح باب الموقف من الزمن عبر الحديث عن الآخر الذي أثقلت كاهله بما أصابها بسببه .

نحن الذين متنا يا صديقي .. وهذه ليست ذنوبنا
نحن الذين نمنا وهذا الفجر لا ينبيك عن صحونا
ونحنُ الذين ذهبنا وهذي الأطلال ليست عناويننا
(فلا تشعل النار بهشاشتنا). "أسفاً لحماقاتي فالعراء ليس بيتاً لأحد ص 23"

تبدأ هذه الذات المتعبة (العطشى) برسم معالم هيأتها وحالتها ومواقفها تزامناً من الترميز الذي لا يفارق ديوان العطش هذا ، ولعل الرمزيّة وصعوبة التراكيب في مجموعةٍ كهذه ليست بداعي احتراف الشاعرة بقدر ما هي ردة فعل المبدع الذي يعيش في زمن التعقيد والصعوبة ليتأثر طابعه النفسي بطابعه العام وبيئته المليئة بالقلاقل والرُعب ، فأي ذات تلك التي ستعيش حياة سهلة خلف تخوم عالم يحترف التعقيد والفوضى ، وكان لهذا أثرٌ كبير على ذات الشاعر المعاصر الذي صُيرَّ لشعره أن يتخذ مجرىً مأساوي في عصر المأساة الذي نحن فيه ، لتكون الشاعرة كغيرها من شركائها بالشعر في حيرة تامة وتكهف نسبي على الذات المجهدة .

لن نترمل يا بنفسج .. يا سيد الأنس برغم كل هذا الثلج
حتى لو انهار الوردُ من حولك أسراباً أسراب
وبقيت وحدك أنت وشوك الصبار. "أسفاً لحماقاتي فالعراء ليس بيتاً لأحد ص25".

استثمرت الشاعرة كل مبررات التعقيد والإسهاب بشرح الكوامن النفسية في قصيدة النثر التي هيمنت على هذه المجموعة بنصوصها لتتخذ من موسيقى الكلمة وازدحام الصور والتشبيهات ومراثي الذات نهجاً مستقلاً في عوالمها المغلقة ، فكما يرى أدونيس فإن قصيدة النثر عالمٌ مغلقٌ لأن الكامن في الكتابة النثرية هو انفتاحها وقدرتها على أن تسيب وتنداح .

تتجلى ذات الشاعرة الغريبة في استثمار نفير القصيدة الحديثة والسعة التي تملكها غير منضبطةٍ بوزن أو موسيقى داخلية أو حتى بترتيب يبعد النص عن شبهات التنافر ، فهنا نتائج مهولة ومباشرة تفيد بأن هذا العطش للجميع متجاوزة ذاتها ومحملة مخاطبها ذنب القحط والجدب باعتبار معادلة العطش تقوم على طرفين متضادين هما المنكوب والسارق ، فهي تنوب عن شركاء عطشها وتعلن ان العطش ملك للجميع منذ أن انتُزعت ملكية الإرتواء منها ومنهم .

قل لي بربك من قتل النغمة في قيثارتي
وجمع العوسج وأوقده على ممشى الورد ليترمّد
أعذرني .. حرامٌ أن يترمد الورد وأنت سائسه .. "غفران لن يمحو الخطيئة ص30"

تفرطُ الشاعرة بالطلب تكرماً من هذا المخاطب المتشعب ، فهو الله حيناً والعبد أحياناً أخر ، والظالم يوماً والمُنتظر(المخلص) لغاياتٍ مختفلةٍ في غير موضع ، باعتبار الذات منغمسةً ضمن أُطرٍ مختلفةٍ ، ولعل الإلحاح إصرارٌ على أملٍ لم ينقطع ودعوة للمخاطبين المختلفين ليحضروا فوراً وسنداً وعضداً .

ولم تنجُ الأسطورة من الحضور في ركن العطشى اللاواقعي آناء تسكعها فيه واستجلابها لحضوره الذي بدا خجولاً من سطوة فلسفة الخسارة المسيطرة على بُنيَّة النص الشعري الطويل والحاشد ، لتتبدى أرياناً على شفاه هذا العطش وليتمايل سيزيف منتشلاً نفسه من جُبّ المعاناة بينما يتلكأ أنكيدو ويعيدنا إلى ثنائيات جلجامش التي لها من الصبر والنفور والغواية والخدعة والتسليم والمثابرة ما يجعل من روح الأسطرة بثاً متشعباً في جسد النص الذي أنجبته ديناميةٌ مبدعّةٌ قرأت لتكتب وعاشت تأويل كل تلك الأساطير في مرايا مُثلها بعد أن عكستها على أسهل الخسارات التي أسبغت عليها وجع الذاكرة الشعبية كلها ، لتكون بهذا الأكثر خسارة في نصٍ كان حضور الفوز فيه بمقدار التمني الذي سيطر على وصف الخسارات والاستبطَّان الصرّف .

أنكيدو أفق وصاحبك ، ستصير أول العطاشى وأول المجانين
سيزيف ، يكفيك أنك تصارع على قارعة موتك كل الوقت ماء
أريانا ، لا تقطعي الخيط قبل أن أقرأ تعاليم الدخان والعشق. "ملحمة العطش ص 14"

هذا التعقيد الذي يترشح من معالم المجموعة ، سوريالياً حيناً ومنظماً في عقر وعي الشاعر في أحيانٍ أخر، يفهمُ فذلكةً حداثيَّةًُ إن قرأ القارئ قصيدةً واحدةً واكتفى ، ويذهب بالقارئ ذاته إلى امتداد لنظريات ومشارب فلسفية وتناص محتوم على شاعرةٍ تقرأ لتحتشد وتحتشد بينما تكتب ، وترمي نصها مكسداً بالشيفرات أمام القارئ ، وبداعي العجز - ربما لا أكون منصفاً إن وصفته بالعجز- فالحركة النقدية الأدبية في بيئتنا الثقافية شبه غائبةٍ مقارنةً مع ما ينتجه المبدعون وينتقده النقاد ويمر به المتلذذون ، فلو كان النقد حاضراً لشاعت بين القراء ثقافة القارئ الناقد والمتلذذ الحصيف ، ولكانت ملكات الجرجاني في المعادلة الإبداعية "ملكة منتجة وملكة متلذذة وملكة ناقدة" في تكاملٍ وافٍ ضمن مشهدٍ أدبيٍ صحيّ ، ولوصلنا بهذا إلى نصوص تغرق في الرموز والدلالات وقريبةً من وعي القارئ بعد أن يجر عربتها النقاد .

وفي مجموعة الشاعرة الذي نحن في صدد المشي على عتباته ، نرى استعراضاً حاشداً لمشارب فكريةٍ يظّنها القارئ لم تكتب من أجله بقدر ما هي مكتوبة ومنتقّاة نكايةً بالشعراء وعلى نهج من فتنوا بتعدد المشارب الفكرية ، لنرى مزجاً عجيباً بين الأسطرة والأنسجة الدلالية وبُنى النصوص الشعرية الشاهقة ، في غيابٍ تام للنثرية و المباشرة ، فنحن نرى البنيّة والمكونات الجمالية والفكرية لما ترسمه الشاعرة على وجوه نصوص مجموعتها وهي تعزف على آلة السيمياء ، ضابطةً سيطرةً تضع المفردة بجانب جارتها على صعيد التساؤل أكثر مما هي زينة لها ضمن ما يتداعى في مخيلة الشاعرة وهي تبوح محملةً بإرث الذوات المتعبّة والخطوات التي يتردد صوت انغراسها في رمال مسيرة شعراء الأسى والتراجيديا "الميتا شعورية" ، فهنا الورد بأنواعه ، وهناك الروائح وهي تضوع في مدى التشبيهات والصور الشعرية ، وبين سطرٍ وآخر ثمّة تفرد ومحاولة تجديد على صعيد تكنيك الصورة ضمن حسابات الصوريين (الإيماجيين) لتظهر الزهرة بكامل حقيقتها ويخنس في قفاها أقسى أنواع الشوك ، وكذلك النبع والقحط والغدير والجدب .

ولو تعرف الأماكن الخالية كم من البشر يسكنونها ..!
اغرورقت الشمس وشرقت ، حيث أخبرتها أنني فشلت
في تجميل وجه هذا العالم المشوه ..!
لقد وجدتُ في الصباح دموع الشمس على وسادتها. "تغريبة العطور الكبرى ص 35"

تقودنا توازنات النصوص المتينّة لرسم انطباعات التلقي وفق اندماج والتئام أوصال البُنيّة التي بدأت تتكشف للمتلقي أولاً بأول ، ومن هذا ، المباشرة في الاعتراف وأن يكون النص عفوياً مطلقاً ، فكما سبق ، نرى أن الشاعرة لا تؤمن بالمباشرة إلا في محطات معيّنة (مكثّات) أرادت بها أن تريح القارئ الذي يواصل قراءته مشدوهاً بالكاد يفهم ما يقرأ - حتى المتخصصون - ودائماً ما حُسب هذا على المبدع أكثر مما هو نتيجة ضعف المتلقي ، وهنا كان دور المباشرة التي وصلت على هيئة جملٍ خبريةٍ في غير موضع من المجموعة ، فعلى صعيد البناء لا مندوحةً من الحديث عن المباشرة فهي ليست هناك ، بيد أنها تتلألأ على أبواب بعض النصوص وفي نهاياتها شعوراً من الشاعرة مع القارئ الذي أجهدته القراءة المركزة والتكثيف المفرط .


الشاعرة وكثير من جيلها يحاولون دائماً أن ينتقوا لهذا الزمن ما يناسبه من مفردات وأنماطٍ شعريّة ، وأثرى هذا اللغة الشعرية للشعر الحديث برمّته ، فأنت تقرأ بولدير في شعر بدوي من الحجاز و راسين وجون كيتس في شعر شامي من الأردن ومقدسي من فلسطين ، وهذه نقطةٌ فاصلة في شعريّة اليوم والأمس وركنٌ رئيس لهويّة الشعر الحديث الذي تنتمي له الشاعرة مستندةً على ثقافتها الواسعة وسجيتها وتربيتها المؤثرة على طابعها النفسي ليتشكل كل هذا في لا وعيها بعد أن امتلأت بالمشارب الفكرية الجديدة ، لنرى ضمن مخرجات هذا مصطلحاً نقدياً يعرفونه الفرس بـ "حساميزى" أي مزج الحواس الذي بدا واضحاً في لغتها الشعرية بالاستناد إلى معارفها وقراءاتها المتعددة وحبها للغاتٍ مختلفة كما يتضح من نصوصها المليئة بالتناص والدلالات التي ترمي لثقافة واسعة ومخزونٍ لغويٍ ودلالي ترف .

ونوافل على جنوب الروح
ومظلتان وبابٌ آخر خلف الباب
وشموعٌ على قارعة الشمس
وتاريخٌ منسيٌ على التاريخ
وشفقٌ وأنت ومساء . " مطرٌ وأشياؤنا على شوارع الغرباء ص51"

نوافل (مرام) ووجهة (مكان) وروح (حيرة) وأبواب (خلاص) ومظلتان (أمن) وبابٌ إضافي (انعتاق) وشموع وشمس (ظلام) وقارعة (تيه) وشفق (حميمية وفّقْد)...، يتألق المزج في هذا المقطع الأفقي المأخوذ من نصها "مطرٌ وأشياؤنا على شوارع الغرباء ص51" ، فأن تكون المظلة مظلتين ، فقد جاء بمعيّة التثنية أحدهم وثمّة بابٌ مضاعفٌ كنايةٌ عن قيدٍ سيمنع تأرجح المظلتين فوق رأسين اثنين ذات لقاء ، والشموع التي تقبع قرب الشمس ضربٌ من ضروب الأمل بالضوء المطلق الذي سيحضر مع الشمس ليقشع حاضراً مؤلماً خلف كل هذه الأبواب القاتمّة على مرأى رمز المراقبة والانتظار (الشفق) ، فكل هذا المزج عوضاً عن مفردة "لقاء" ، ليتجلى مزج الحواس في قطعةٍ موسيقيةٍ حشدت عشرات الصور وبعض الأضداد .

ويفرد لمزج الحواس ، قراءةً دلاليةً مستقلةً تأتي بها نماذج المزج وتأويلها ، باعتبار هذا المصطلح لم يعرف سابقاً في نقدنا العربي ، وفيه ما يستدعي اهتمام الباحثين والدارسين للوقوف عليه ، من منظورٍ فلسفي وضمن ما يقدمه المنهج النفسي في النقد الأدبي من مساعدات في هذا الباب ، ولأن القراءة النقدية لهذه المجموعة محددة وفق معايير القارئ – الملول - فسيكون لمزج الحواس ونصوصنا الأدبية شأن في الأيام القادمة إن شاء المُتعال .

يعد التساؤل عمَّاد بنيّة النصوص التي تشكل أزمة تلقي بين المتلذذ كقارئ والناقد آناء سبره كنه النص وما وراء الخطاب الإشكالي الذي نما فيه التجلي المعرفي بينما بالكاد بزّغت أغراس التلقي عبر الديناميّة الابداعية التي تخدم النص استناداً لسموه المعرفي وتخدم المتلقي كلما حاول أن يدمج بين المفردات والجمل التي تصوغها الشاعرة مع تغير مستوى الديناميّة الابداعية بين نجاحٍ وارتباك لدق نواقيس القضية المشتركة بين ما يراه المتلقي في ذاته والذي تعبر عنه الشاعرة .





تماهي التصوف مع العطش


يقول مولانا نجم الدين كبرى : الطريق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق .


هذا الإقبال المُلفت على التصوف والصوفيَّة وحبّ المتصوفة والسعي للتعرف بصفوّة الخلق وما كتبّ من شعرٍ ونثرٍ ومعارجٍ وفلسفةٍ صوفيةٍ صرّفة ، ليس إلا ردة فعل صارخةٍ بوجه المادة والصدأ الذي هيمّن على قلوب الناس في زمن الحرب والآلة التي خدشت آدميتنا وحارب مرارها حلاّوة السجيّة ونفحات الملائكية البكر في نفوسنا المجهدة .

كل هذا العشق – المفاجئ - لمولانا جلال الدين الرومي والعطار وحافظ الشيرازي وابن عربي والحلاج ..الخ ، ليس إلا جوعاً عاطفي ونزوحاً وتكهفاً وانكفاءً وهدأةً منشودةً يسعى لها كل حيٍّ نبيه في عالمنا المعقد ، ومن هذا ما أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية قبل سنوات ، عندما أعلن مولانا جلال الدين الرومي – قُدس سره - شاعر أمريكا الأول ، والأكثر شعبية .

هذا الملاذ ، يبرهن لنا أننا في مرحلة احياء القلوب التي قتلها العصر الحديث ، تماماً كأننا نستقبل الشاعر والعارف الكبير حافظ الشيرازي (٧-;---;-----;---٢-;---;-----;---٥-;---;-----;--- - ٧-;---;-----;---٩-;---;-----;---٢-;---;-----;--- هـ) الذي حلّ ضيفاً على عصرٍ قال فيه المؤرخون العرب والفرس أنه "عصر موت القلوب"، لتحيَّا القلوب بقوله وهو يخاطب القلب ويشحذ همم العشق والمفردة اللطيفة ، بعد ردحٍ من القتل وسفك الدماء .

وفي مجموعة ملحمة العطش ، لنا أن نلتمس الحالة الصوفيّة المتقدمة التي تعيشها الشاعرة ، عبر النفريّات والجلاليات والحلاجيَّات التي تتلألأ بين مخاديف نصوصها الطويلة والغريبة - نوعاً ما - عمّا يتداول من نصوص في الآونة الأخيرة ، لا سيما تلك التي تخطها النساء الحداثيَّات .

هنا ، نلمح طُهر المفردة ونقاء الصورة وحلاّوة التنَّاص الذي يتوجب على القارئ والناقد – سواء - أن يكون متمكناً في الكشف عن خبايا الشراكة الذهنية التي تحلت بها الشاعرة القارئة بعد ردحٍ من القراءة ودعم المخزون المعرفيّ لها ، وليس شرطاً أن يكون استلهام التراث الصوفيّ مباشراً في النصوص الأدبية بقدر ما يكون الاستلهام بريئاً – دون سرقات - ومتكاملاً بفعل لمسّة المبدع التي يضفي بها جمالاً إضافياً على جمال ما سبق .

ومن مراحل الطريق عند المتصوفة ، الحيرة ، وهي مرحلةٌ متقدمةٌ يضيع السالك في وجده بها وتزيد نشوته بما عرف وتثير فضوله لكي يعرف أكثر ، ويقول ابن عربي : "الهدى أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة" ، لما تحظى به الحيرة من قيمةٍ ساميّة تجاوزت قيمة الهدى باعتباره ندّ الحيرة وإجازة الفكر بعد وصول المبتغى ، لنرى الشاعرة في ذروة حيرتها وهي تقول :

فــ كيف الحال وأين أنت ؟
أفي السرايا التي لا سقف لها
أم تلك المفتوحة على السماء
أسفاً لحماقاتي فالعراء ليس بيتاً لأحد ." أسفاً لحماقاتي فالعراء ليس بيتاً لأحد ص 24"
وتكمل في نفس القصيدة :

أمسافراً إلينا أم مسافراً عنّا
وهذه الأرض متاهة ،
أتعرف ما معنى كلَّ هذه السماء المُستلقية فوقنا
أن تمطر كل هذا الدواء حين تعود
وأن يمسنا كل هذا الحب
وأن تزهر الحقول وأن يبرد القمر " أسفاً لحماقاتي فالعراء ليس بيتاً لأحد ص 26"

تبحر الشاعرة في حيرتها وترسم ملامح الأسئلة الخالدة (أين وكيف) كأنها في جلسة استماعٍ وصلت بها إلى النيرفانا الإيمانيّة وذروة الحاجة للتعرف بالمعشوق والتقرب منه ، فهي تتحايّل في خياراتها على المكان لتعرفه ، وتنتقي الأسئلة (منا أم علينا) وتقدم اعترافاتها بصيغةٍ استفهامية ، وتسمو عالياً وهي تتسلق صوب القيمة المطلقة التي تحاول فك طلاسمها (السماء المستلقية) وتأمل اجتياز مرحلة المعرفة بعد الحيرة الصارخّة وهي تستجلب هدأة العارف بين طريقين (المطر والدواء والعودة) لتنعم بحديقة الإنصات اليانعة والموشاة بالحب ، باعتبار الحديقة وهجٌ صوفي صرّف ومحطة لا غنى عنها في طريق التصوف ، وقال فيها مولانا الرومي في إحدى غزلياته :

يا روح الروح لا تتركني وحيداً في الحديقة
ليلٌ أنا وأنتَ قمّري ، ففي كبَّد السماءِ لا تَذَرني

وتظهر الحديقة جليةً في شعر المتصوفة على أنها هدأة من حق السالك المشدوه أن ينتشي بها بين مكثّات الطريق وهي التي استجلبتها الشاعرة " وأن تزهر الحقول وأن يبرد القمر" كسائر المتصوفة الغرقى بين شجر ٍوقمرٍ وهذيٍ وجذب ، ومن هذا قول الشاعر الإيراني الكبير سهراب سبهري في قصيدة لخص فيها مراحل التصوف – أين بيت الحبيب - :
لِتّصِلَّ إلى الشَجَرَّة
ثمّةَ حَديقَةٌ صغيرة أكثَرَّ اخْضِرَاراً مِنْ نَومِ الله
وفِيهّا العِشقُ أزرقٌ كَأجنِحّةِ الصِدق "أين بيت الحبيب"

وبين انديَّاح المعاني وترشح يرعات نصوص العرفان ، يلمع الطلب صارخاً كشمس في مجمر السماء ، لتطير الشاعرة صوب شطحات البسطامي وامتلاءات الحلاج قائلة :

يالله !
ما أكثر ما عندك .. وما عندك شيءٌ إلا الضجيج " أسفاً لحماقاتي فالعراء ليس بيتاً لأحد ص 28"

يخضر أمل السالك كلما اشتدت صعاب الطريق ، ويصيخ المصيخ لهسيس كل مرحلةٍ بينما تشرئب عنقه شوقاً للمرحلة الأخرى ، ويمتلئ ويكتظ ويُنهك ويذوب سعيداً في كل قالبٍ يتقولب فيه تقرباً من المعشوق وحرصاً على الوصول ، وبين حالات التسامي التي نلمحها في خطابها الصارخ ، نرى الشاعرة تتمنى وهي تؤمن بكثرةٍ ووفرةٍ ما عند الله في لحظةٍ من لحظات الشقاء التي أكدت لها أنها لم تعرف الكثير وأن ما وصل لها ليس بكافٍ لتعرف شيئاً من أشياءٍ أجهدها البحثُ عنها ، فلم ترى في طريقها إلا الضجيج ، والذي يمكن تأويله بأنه ذروة الحيرة وعقدة السعي في طريق المعرفة الطويل ، فهي تعرف ان الكثر آتٍ وأنها لم تعرف منه إلا بعضه، ومن هذا قول الرومي "عرفتُ فاحترقت" وقول البسطامي" عرفت الله بالله، و عرفت ما دون الله بنور الله ، فهذا النور وهجٌ يموج وتلك الشغوفة بالمعرفة تجهدها انعكاسات المرايا لترى القوة المفرطة ضجيجاً لا يفهم ، وهذا ذروة العرفان (الإنشداه) ، وتعود لمحاولة الفهم قائلة :
يا ليت العالم أخرس
حتى رنسوا في أرض الصامتين
برتبة غرباء" غفران لن يمحو الخطيئة 29".

يتسع المدى وتتسابق المفردات تقرباً للملكوت ومكامن الأسرار وكوامن الاسئلة ومنابع الانسياق إلى المعقول والمبهم والغرائبي والمُحال ، وتنساق الأماكن والألوان والأسماء والصفات والمواقيت في جلسة سمعٍ خافتةٍ تنصت فيها الشاعرة لوقع خطى المُتخيل وهمهمة التمني في ركن العرفان المطلق ، فهنا طريق وهناك وعقبة، وذاك دليل وذينك تيه ، وتستبد صيغة المضارعة في بنية نصوص المجموعة أملاً حيناً وجهلاً في غير موضع وتيمناً على الدوام في طريق عبدّه العشق الإلهي ووجدت فيه الشاعرة ضياعها المحبب في عشرات الصورت والأخيلة والرموز والاسقاطات التي تتسكع في ركن النور المُطلق والهواتف والإلهام ، لتقول ذات مرور :

ماذا تقصد الطريق ؟
أنا أمشي وهي تقف كل الطرق مستقيمة إلا الطريق إليك ، تدول .
أمشيها ، فلا الطريق تنتصف ولا أنت تكتمل
وتحارُ .. بعد أن تعلمني درس العطش
أتمشيني أم تقطعك .."كي يطول نابضاً عمر حضورهم في الغياب " غفران لن يمحو الخطيئة ص 27"
ويقول الحلاج ذات ضيّاع :
ما زلتُ أطفو في بحار الهوى - يـرفـعـني المَـوْجُ و انحطُّ
فتارةً يـرفعـني مَـوْجُـهـا - وتـارة أهــوى وانـغــطّ

عرف عن المتصوفة أن الذكر من أهم الصفات التي يتوجب على السالك أن يتحلى بها ، والذكر يتجاوز البسملة والحوقلة والشهادتين والتسبيح ، بل هو أوراد ومفاتيح للفراديس وانثيالات رؤى الشيوخ واعترافات السالكين .

أن تلمح لفظ الجلالة واضحاً دون رمز كالمعشوق ودون طريقةٍ كالخمر (المعرفة الإلهية) ودون هوامش كالكأس والشمع والبلبل (رموز صوفية تفيد الإلحاح على المعرفة) فهذا يعني أن السالك في ذروة طلبه وأن زوادة السُكْر الآني شارفت على الانتهاء وهذا من أشد ما يجهد السالك إن فقد نشوةً حملته من حالة إلى آخرى ، فيستعين باسم الجلالة متضرعاً عطف الكبير وتسهيل الأعلى للساكنين في درك الطلب ، ويتجلى هذا في التيه الذي تمرّ منه الشاعرة وما بني عليه من تساؤلاتٍ سالكة تصرخ بعد عناء مع الطريق من جهة ، ومع البحر (رمز معترك الحياة عند المتصوفة) من جهةٍ أخرى ، لتقول :

أنا يا رب ما سرقت خبز المعابد إلا لأطعم الجياع
وأجمل وجه العشق المهاجر
فهل أقرأك البحر سلاماً سافراً مني ..! "هذي يدي تبستن الريح.. والريح تؤرجح أحلامها"78"


تشتد صعاب الطريق ، وتواصل الشاعرة مراقبة ما يجري في كهفها الذي اختاراته في ذروة المدن وعلى هامش اللقاءات والجمهرّة ، تتوه في المعنى وتصرع وتبعث من جديد في عالم العرفان ، على خلاف ما تورط به أهل الشعر من لذّةٍ ومتاعٍ دنيونيةٍ جعلت من أبجدية البعض أسرَّة باللغة الفصحى ومسوغاتٍ لأفعال الهتك والسلب والقدح والحدّة وفوضى الطرح .

صوفيةٌ صرّفة ، وأسئلة خالدة يبحث أهلها عن تأويلها ، فكأنها تزجي الرسائل للمتلقي وللقارئ بأن ها هُنا خير وسيلةٍ للعيش في عالم لا يُعاش إلا في ركن هدوء القلب .

تستكين الشاعرة وتواصل السعي على امتداد نصوصٍ كثيرةٍ من مجموعتها الشعرية / ونصب عينيها قول أبي القاسم الشابي :
النّور في قلبِي وبينَ جوانحي ... فَعَلامَ أخشى السَّيرَ في الظلماءِ
ونرى حال أهل الله في هزيع الوقت ليلاً، وهي تقول:

وفي قلبي ارتحال السفن وصمت العيس
ونوح القافلة
وبوح أمي حين كبر السر في القلب وباحت
بائسة ، كما العناقيد الذابلة
وحنين الآه في مغزلها وخيطها الذي وهى وانقطع ،
فناءت بدمعها الجارية. "للشموع..لئلا تنطفئ ترويدة ص 91".


يثير الإنغماس مع المعشوق جدل الفلاسفة والفقهاء والمتصوفة ، وتعددت أسماء الحالة التي يرتقي بها المتصوف بمعرفة ربه إلى درجات يجهلها البعيد عن العلوم العقلية والتصوف والفلسفة ومجال الفيزياء الحديثة والطاقة الكونية ، فظهر الحلول والاتحاد والتجسيم ووحدة الوجود والتناسخ والمعارج والهواتف والكشف ، وأثار هذا عقول من تناولوا هذه المصادر التي تعتبر من أهم مصادر التلقي عند بعض المتصوفة حفيظة زعماء وفقهاء أباحوا دم بعض العارفين والفلاسفة وقتلوا وصلبوا ونكلوا بهم وحرقت كتب بعضهم ، إلا أن الانغماس بطلب المعرفة والإبحار في قدرات النفوس الهائلة حاضرٌ في كثيرٍ من النصوص المتوازنة دون شطحات أو ضعف ، فأي نعمةٍ تكمن في أن نرى نصوص العرفان تندلق في القرن الواحد والعشرين بعد موت القلوب الذي ابتلي به القارئ العربي وسط كل هذا السواد والطاقة السلبية في بعض الأحيّان ، وللشاعرة وقفات مطولة مع الانغماس والشراكة اللامنتهية مع الله معشوقاً وركناً رئيساً في حياتها ودينامية بوحها التي صار حضور الله كمعشوق أصيلاً فيها ، فهي تبحر وتقول :

لا تيأس حتى لا يهتز العالم وأخسرك
إن أنكى الخسارات ما جاءت بعد هزيمة القلب
لا تذهب حتى لا تتوه القوافل
فما أكثر الصحارى الذاهبة باتجاه العطش
لا تنم حتى لا يهبط السواد بينك وبين مدينتي
ويمر الجهلاء بسيوفهم الآثمة " صلاة وفوانيس وسرب هوامش ص 101"

وفي عالم الانغماس ، كما يطيب لي تسميته ، يقول مولانا جلال الدين الرومي في إحدى غزلياته :

أيُهَّا الْفَلَكْ لا تُدُرّ دُوْنِيْ، ويَا هَذَّا الْقَمَرّ لا تَسْطَّعْ إلا بي
أيَتُهَّا الأرّضْ لا تَجُوْبِيْ دُوْنِيْ، وأيُهَّا الزّمَنْ لا تَمْضِيْ إلا بي
فــ هَذَّا الكَوْنُ بِكَ أجْمَلْ، وذَاْكَ الكَوْنُ بِكَ أبْهَّى
و لا كَاْنَ هَذَّا الْكَوْنُ إلا بِكْ ولا أمْسَى بِسِوَّاك.

يتدفق العرفان من نصوص هذه المجموعة دون كبح ، وفي هذه المجموعة تحافظ الشاعرة على هويتها الشخصية التي تلتئم أجزاؤها وتجتمع أوصالها نصاً بعد نص ، بنفس الوتيرة وبذات التدفق والابتكار ، ليكون القارئ أمام نصوص تجاوزت المونولوجات الداخلية والإعترافات التي تعكس الحيرة السطحية ، والقلق اللامطبوع، والتذكر المبهرج ، فكأن القارئ في حضرة ملحمةٍ صوفيةٍ بطلها البسطامي أو العطار وميمنتها مع سنائي وميسرتها تحت راية مولانا جلال الدين الرومي ، وبتعزيزٍ من الشيخ الأكبر وسلطان والعاشقين .

ويندلق العرفان من نصوصٍ بعينها ، تجاوزت الفلسفة ودنت من العرفان وسوريالية مزج الحواس واللعب على أوتار الوعي من على متن لاوعيه ، ومن هذا "ملحمة العطش ، مرافعةٌ أمام البحر الغارق ، مقاطع من مزاير وطنٍ استقال ، من سفر المواقد ، على باب القيامة ".




سنة النور ... سوريالية التصوف

قال الشيخ الأكبر : كل شوق يسكن باللقاء ، لا يعول عليه ...
ختمت الشاعرة مجموعتها الحاشدة ، بنصٍ يُجسد ملحمةً عقليةً قسمته على جزءين ، ولو كنت مكانها لأفردت له كتاباً مستقلاً ، وهو "سنة النور 1/2" ولهذا أفردتُ له مساحةً مخصصةً في هذا الحفر لمجموعة ملحمة العطش لأختم به حفريّ المتواضع، وكنت قد كتبتُ دراسةً وتحليلاُ قبل عامٍ تقريباً في هذا النص العميق .

يشاطر نص سنة النور نصوص السارعة الأخرى بالأسلوبية والنهج التجديدي الذي تسبغ عليه صاحبته خصوصيتها وهويتها الشعرية ، فتراه شعراً سائغاً يخاطب روح كل ذواقٍ له وميال لمضامينه ، و ليستطيع المتذوق أن يربط بنى النص معاً عليه أن يدرك ما يقرأ ادراكاً وافياً ليستطيع أن يكمل قراءته ، فالربط بين أطراف نصوص كهذه جدُ صعب ، وبحاجة إلى تريث يشبه البطء الذي يعتبر سمةً بارزةً لنصوص الباطن وما فوق الشعور(العرفان) وهذا على صعيد القارئ .

أما من يجد في سبر أغوار النصوص متعته ، ومن ينتشي وهو ينغمس بين طيات النصوص وخلف تخوم بنائها محاولاً كشف أسرارها ، فعليه أن يفكر ملياً قبل أن يصل إلى أي نتيجةٍ أو حكمٍ على النص الذي يهم بالتماهي معه ، فعلى سبيل المثال لا يمكنك أن تضع يدك على معالم الإستواء النفسي او الفني ، ولا يسعك أن تجزم بواحدية الدلالات ومردها المعروف والمتعارف عليه ، وكذلك الحال لن تكون أمام تصويرٍ فنيٍّ سبق لك أن لمحت أطرافه ، حتى التناص والتشبيه يكونان على غرار الهوية الشعرية الخاصة لا كما عهدنا .

يسمع قارئ “سنة النور” لحن النفوس الخالدة من أعالي هذا الأسلوب السيميائي الإيحائي ، وله أن يتكلل بأوج الطمأنينة والراحة الأبدية والدهشة ، ليمتلئ عشقاً وصبابةً من خلال إستجابته النفسية للنص ، تلك الإستجابة التي تتجاوز ملكة التذوق والإنطباعية وإرهاصات التأثر التي أومأت لها الشاعرة بواسطة الإيهام المكسو بالحيرة ، وعبر التساؤل الذي لا يفارق القارئ طالما تمر أحداقه على النص ، فلا يتوقف عن التساؤل ولا يبرح الحيرة ، وبالكاد يجد لنفسه صفةً نهائيةً تتجسد فيها الذات المشتركة بينه وبين كاتب النص ، وليس باليسير على قارئ النص أن يجد الأنا التي تمثله عاكسةً الآخر الذي يتراءى له في قفا الخطاب ، فهو أمام نصٍ لا تفيه حقه قراءةٌ واحدة ، ولِكي ينغمس المرء بالنص عليه أن يفهم بعضه على الأقل .


ترسم سميحة الشاعرة بوابة نصها بطريقةٍ إندماجيةٍ تداخلية ، فتدخل النص بينما تهمُ بالخروج منه ، ليكون الترابط برسم اللعثمة والتنافر، وليتجاور الفائض عن اللازم بطريقةٍ تخدم النص أكثر مما تضعف بناءه ومتانته ، فبين ما كان وما يكون تبدأ قصة سنة النور ، وكأنها تستهجن او تستنكر وجودها أو تعترض على بعضٍ منه ، لتنطلق بالأنا الساردة والمجهدة ، فتبدأ ساردةً مع بعض الإعتراف ، فهي تشهد على الإنكسارات والحروب وتكتب عنها (تعيشها) ولا تراقبها – تتضرر منها - وفي معمعة ما هي عليه تنجو من طلقات في الرأس (ضربة قاضية) ، وتتعافى من تلك الضربة (ظروف او لعلها مشكلة الوجود بذاتها) ليكون ناطور الهباء كقاتلٍ مأجورٍ وممثلاً للمعاناة ، وجاءت (كاد) لتثبت أنها بالكاد انتصرت ، ولهذا بُعدين ، فالأول أنها قويةٌ ، والثاني بأنها عانت معاناةً جلل ، فلم يقتلها وبنفس الوقت لم يكن سهلاً ! وقد بدأ البحث عن الراحة عبر مركب التعب .

يستمر النص بنفس الإستواء النفسي وعلى نفس المنوال مع المحافظة على مضارعة البنية ، و هنا خير دليلٍ على إستمراية الحرب الشعواء بينها و بين معاناتها ” تشعرُ بالوحدةِ..، تَذَكرّني، أُغَنّي، يلملمونَ، يذهبون، ابْقَ…”، وكأن هذا الهم يانعٌ ولا يبوس فيه ! فهي تُدين وتحاور العالم بذاته على الرغم من تلوينها للمخاطب ، فكان “الترف” ، وكان من يشعر بالوحدة ولا يذكرها إلا إن إحتاجها ، وقد حل ضمير الغائب الجمع ضيفاً على الخطاب ، فكأنه ينوب عن أهل مخاطبها ويشترك معه بما لا تشترك هي فيه ، فهم معهم القصائد والبقايا ويمضون ، وهي المغنية في الجوار وأنيسته ، فلماذا لها الغناء والبقاء حتى يشعر هو بوحدته ؟ ولماذا هم يأخذون ما لهم ويمضون ؟ لعلها قسمته وقدرها ! لا سيما أنه باقٍ على ما هو ومستمر كسليل شموس وهانئ و رضي سريرة ، كما أن لها شوقٌ فيه يغير من ماهية الخطاب ، فالشوق إلى إزدحامه وضجرها ، يبين ما هو كائن وما هي عليه ، والضجر من خطاياه بمثابة إستمرارية للإستنكار التي بدأت به عندما جيء بها ولم تأتِ …

تبقى ألوان المخاطب ملونةً على غرار الحالة النفسية التي تتخذ بعداً جديداً عندما تحاول استجلاب الأمل في الحديث عن الحب (الراحة ، الهدنة ، الهدوء ، اليقين المنشود) فنرى التحايل في أفعال الأمر والصفات والجمل الخبرية والمفردات الصارخة في المعنى والإيقاع ، والتي تتزامن مع دلالات الإنعتاق ، ومن أعمدة هذا المحور (السجن ، الخطى الثقيلة ، غناء الكروم ، لا تركع ، أنت صلاة الطيبين ، كونٌ ويتسعُ مع لكل لهفة ، ما أليقَ ، ما أوفى ، قداستك العليا ، أصوات تطرق). وهنا نكاد نجزم بأن الإيحاءات الصوتية أكثر أهميةً من قيمتها الدلالية ، فصدى الكلمة وتناغم جيرتها لمن تلاصقها أعمق من دلالتها وبعدها الذي غالباً ما يُصقل عبر تعبير اللاوعي في لحظة البوح .

على هذا النحو تعبر الشاعرة في نصها سنة النور نقاء ذاتها وتعبرُ عنه ، لتؤمن بأن معزوفات البوح التي تبوح بها هي طريقها للإنعتاق .. للنشوة .. لليقين .. للمعرفة .. للتعبير عن الذات ولمشاركة الآخر وإحيائه وتغيبه و معرفته وإنكاره ، ولإيمانها بنفسها ، ولإبداء رأيها بالوجود والأبواب والأقفال والأنهار وشجر الحور وأعشاش اليقين التي تهمس لها وتغويها لمواصلة طريقها أسفل القبة السماوية التي تقوي عزيمتها لمعرفة ما يقاد في ردهات المغيب وبين الفواصل الصوتية لهمهمة الثلج وتلعثم الندى الخافت بالقرب من بنات الفجر وعلى شفاه الأنهار المستحيلة وزهورها التي لا تؤمن بالنشوء والإرتقاء .


* ترجم أبيات جلال الدين الرومي وسهراب سبهري كاتب المقال.

• علي عبيدات (كاتب ومترجم عن الفارسية)







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,099,616
- هارباً من الملائكة
- في حضرة الضياع
- لا تطحني ماءً معي
- ما هو عنوان حكومة د. فياض الجديدة
- لفتاة تلبس كوفية
- في السابع عشر من نيسان: لانبياء العصر سلام
- نصوص قصيرة جدا !!
- نصوص على خط النار .. بلفور
- رحل القديس وسقط الجرس
- صباح بطعم الشتراوس
- احمل عصاتك واتبعني
- سلامة راسك يا ستي
- مفارقات فلسطينية


المزيد.....




- مواجهة الخطر الإيراني توحد المغرب وأمريكا
- دموع عسكري لبناني تثير حرقة بقلوب فنانين ولبنانيين كثيرين... ...
- مونيكا لوينسكي تنتج فيلما بعنوان -15 دقيقة من العار-
- مجموعة متنوعة من العروض الفنية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
- أمريكا: الملك محمد السادس يقوم بإصلاحات جريئة
- بوتين يصفع البوليساريو.. انطلاق أول قمة روسية إفريقية
- مرشحان لخلافة العماري على رأس جهة الشمال
- تحصن رجل في متحف جنوبي فرنسا والشرطة الفرنسية تتحدث عن تهديد ...
- رجل يتحصن في متحف بجنوب فرنسا والشرطة تتحدث عن كتابات تهديدي ...
- الحوار الاستراتيجي المغرب- الولايات المتحدة: واشنطن تشيد بري ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي عبيدات - تماهي التصوف مع العطش .. حفرٌ في ديوان -ملحمة العطش- للشاعرة سميحة المصري