أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - الملك لقمان .(12) مساج كوني وحروب كوكبيّة!















المزيد.....



الملك لقمان .(12) مساج كوني وحروب كوكبيّة!


محمود شاهين
(Mahmoud Shahin )


الحوار المتمدن-العدد: 4797 - 2015 / 5 / 5 - 09:10
المحور: الادب والفن
    


(12)
مساج كوني وحروب كوكبيّة

ما أن دخل الملك لقمان المركبة، حتى أقفلت أبوابها بإحكام وأقلعت ببطء تحفّ بها أسراب الجن المحلّقين.
هتف قائد المركبة:
«إلى أين سننطلق يا مولاي؟»
«كما قلت لك من قبل، إلى كوكب بعيد ذي حياة وليكن خالياً من البشر»
«حتى إذا لم نجد طلب مولاي إلا خارج هذه المجموعة الشمسيّة؟»
«وحتى إذا كان خارج المجموعات كُلّها، لكن إيّاك أن تأخذنا إلى هذا الكوكب الذي صعد إليه ملك الملوك مع ضيوفه وخاض عليه حرباً مع تلك القوى الجبّارة!»
أشار إلى الملكة نور السماء أنّه سيأخذ حمّاماً قبل النوم، فأدخلت معه أربع حوريّات إلى الحمّام، شرعن في تحميمه وتدليك جسده إلى أن لانت أعضاؤه وارتخت. وما أن خرج من الحمّام حتى أدخلته الملكة نور السماء إلى حُجرة نوم تعبق برائحة بخّور النَّد التي أشعلتها فيها. وأضجعته في السّرير على ظهره وطلبت إليه أن يفرد يديه ويسترخي بكل ما يستطيع، ففعل ليغدو كالمصلوب، ثمّ طلبت إليه أن يتنفّس بعمق، بأن يأخذ شهيقاً من أنفه ويزفره من فمه، وأن لا يحاول أن يفكّر في شيء إلا في الشّهيق العميق والزّفير الطّويل، فأغمض عينيه وشرع يتنفّس، فيما راحت هي تمرر أناملها ببطء وخفّة على جسده من أخمصي قدميه إلى منكبيه، وهي تنقر بها وكأنها تعزف على آلة موسيقية، دون أن تكفّ عن الهمس إليه ليستغرق في الاسترخاء والتّنفس العميق. وما لبث الملك لقمان أن وجد نفسه بين أيدي ست حوريّات أخريات يحطن جسده من كل جانب ويشرعن في تمرير أنامِلهن والنّقر بها على جسده. فقد تولّت الملكة نور السماء عُنقه ومنكبيه واثنتان تولّتا صدره وبطنه واثنتان تولّتا فخذيه وساقيه واثنتان تولّتا قدميه، وما لبثن أن أخذن يملّسن على جسده برفق ولين ويمسحنه بروح المِسك، وحين استرخى تماماً وغدا جسده طوع أيديهن، شرعن في تدليكه وهو يتابع التنفس بعمقٍ، وما أن فرغن حتى أشارت إليه الملكة نور السّماء أن يتوقّف عن التنفّس وينقلب على بطنه ويظل مصالباً يديه، فانقلب وقد أحسّ أن جسده غدا خفيفاً.
استؤنِفَت عملية المساج من أوّلها كما حدث لجسده من أمام، فقد بدأت بالتنميل الخفيف الذي راح يُنمّل في جسده إلى أن خدّره ليجد نفسه يغرق في متعة ليس ثمة ما هو ألذّ منها. ثمّ شرعت الحوريّات في سحب أصابع يديه وقدميه وطقطقتها وشدّ أوردة عنقه وظهره وقبض عضلات عضديه وزنديه وربلتي ساقيه، وتدليك فخذيه ووركيه وردفيه وقرص جلد ظهره بخفّة والضغط والفرك بالأنامل على منكبيه والرّبت عليهما بحافّتي اليدين، فأحسّ الملك لقمان وكأنّهن يفصدن جسده ويشرّحن أعضاءَ ه ويسللن أوردتهُ وشرايينه، ومالبثت الحوريّات أن هدَّأن حركة أيديهن ثمّ شرعن يملسن براحاتهن على جسده، فيما صوت الملكة نور السماء يهمس إليه:
«انسَ يا حبيبي، انسَ عالمك الذي جئت منه، وانسَ الكبائر من عالمك الذي أنت فيه، واربأ بنفسك على الصّغائر، واسمُ بروحك فوق الضغائن، ودع الأحقاد للحاقدين والشّرور للآثمين، واهنأ برفيع مقامك ونعيم أيّامك، وليكن الخير أنيس أماسيك والعشق حليف أيّامك والأمل إشراقة فجرك، والمحبّة بزوغ شمسِك والفرح ضوء نهارك.
انسَ يا حبيبي، واخلد إلى نهود تصهل جامحة إلى من هام توحّداً بها وعِشقاً إليها، وتشهِرُ حلماتٍ صارخة تنبض بدفق أكاسير الأبديّة، واسكن إلى أجساد أشرعت سهوبها مدداً لسنابك خيول العاشقين»
وراحت الأنامل تمرّ جارية بلمساتها السحريّة على أنحاء جسده وهمسات الملكة نور السماء تتناهى إلى أسماعه متدفّقة بسحر الكلام العذب الذي ملأ دماغه بالصّور الجميلة، وراح يحثّه على الإخلاد إلى النوم العميق. فنام ليتوقّف دبيب النّمل على جسده ولتنهض الحوريّات بهدوء وتبتعد عنه ليظلّ مستكيناً إلى النوم الممتع.
* * *

تجاوزت المركبة كواكب المشتري والمرّيخ وعطارد وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتّون والمئات غيرها. وراحت توغل في الفضاء البعيد، متجاوزة آلاف الكواكب والنّجوم وقد مرّت عن كواكب كثيرة عليها حياة أو بعض حياة أو بداية حياة، وعن كواكب كثيرة لم تتشكل عليها أيّة حياة بعد. وقد فضّل قائد المركبة التّوغّل بعيداً في الفضاء بدافع الرّغبة العارمة في الاكتشاف، وحين كان يقترب من آخر حدود المجموعة الشمسية لاحت أمامه على شاشة رادار المركبة آلاف الأجرام المنطلقة نحو المركبة من مسافات بعيدة، فأنذر الجن ليستنفروا قُواهم. ونهض ملك الملوك من غفوة كان قد بدأها للتو وهرَع إلى حجرة القيادة، كانت الأجرام تنطلق نحوهم بسرعة هائلة وهي تدور حول نفسها، وقد بلغ حجم الواحد منها ما يقارب ثلاثة أضعاف حجم الكرة الأرضية. أبطأ قائد المركبة من سرعته فيما كان ملك الملوك يرقب الأجرام بدهشة بالغة وما لبث أن هتف:
«سنحتاج لقوى جبّارة لمواجهة هذه الأجرام الهائلة»
فهتف قائد المركبة:
«أظن أنّها كواكب حدث خلل في توازنها فخرجت عن مدارها حول الشّمس، سأحاول تغيير اتّجاهي وأُضاعف سرعتي لأتلافى التصادُم معها»
«حاول أيها القائد»
وغيّر القائد اتّجاه المركبة بنسبة تسعين درجة ليعود إلى التحليق ضمن الفضاء العرضي للمجموعة الشّمسية.
كانت الأجرام تقترب على خط عرض هائل يبلغ مئات السّنين الضوئية، وما أن قطع الرائد مسافة تقارب خمس سنين ضوئية متجاوزاً بعض الكواكب العملاقة، حتّى وجد أمامه عالماً آخر يعجُّ بالكواكب والنجوم والشّهب والنيازك والأقمار والمذنّبات الهائلة متقاربة المسافات فيما بينها، فأدرك أنّه لا جدوى من الاستمرار في هذا الاتجاه دون اللجوء إلى تخفيف السرعة لتلافي التصادم معها.
أحسّت الملكة نور السّماء بالخوف، فهرعت إلى حجرة القيادة، كانت الخطوط التي ترتسم على شاشة قياس السرعة على المسافة تصطدم بأجسام لتتكسّر وترتد منذرة بالأخطار الماحقة.
أشارت إلى القائد أن يبطئ السّرعة ويشغّل أجهزة الاستشعار في الاتجاهات كُلّها، فأبطأ السّرعة إلى حدود مائة ضعف سرعة الضوء.
انطلقت الخطوط في سائر الاتجاهات لتصطدم بأجسام ماعدا الاتجاه العكسي الذي انطلقوا منه من كوكب الزُّهرة.
«لن نعود القهقرى أيها الرائد»
هتفت الملكة وثنّى ملك الملوك.
شرع القائد في إبطاء السرعة شيئاً فشيئاً وهو يرقب خطوط وأجهزة الاستشعار الذاتي في المركبة، إلى أن ارتسمت الخطوط باستقامة في كل الاتجاهات وغطّت الشاشة دون أن تصطدم بشيء. عدّل سير المركبة لتعود إلى الانطلاق بشكل عمودي في اتّجاه الأجرام السيّارة المتّجهة نحوهم.
تساءَلت الملكة:
«ما مدى هذه السرعة؟»
«قرابة تسعين ضعف سرعة الضوء!»
«بهذه السُّرعة لن نجتاز آلاف الكواكب الهارعة نحونا في مئات السّنين الضوئيّة. لا أعرف كيف تكون مركبة مسحورة ولا تحوي جهاز استشعار ذاتي مطلق المسافة»
ونظرت نحو ملك الملوك وهتفت:
«أعِنّا أيها الملك»
فهتف ملك الملوك:
«أنا لا أقتنع بما هو مسحور عن هذه العلوم الإنسيّة! ليس أمامي إلا أن أحمل الجميع على ظهر جنّي وأدعه ينطلق بالسُّرعة الخرافيّة المطلقة، ولن يصطدم بأي كوكب أمامه حتى لو كان هناك بلايين بلايين الكواكب، فهو قادر على تجاوزها مهما قربت المسافة بينهما. فعيناه قادرتان على استشعار المسافات والأجسام مهما بعدت وليستا كمركبتكم الحمقاء هذه!»
«تقصد الاستشعار والتّجاوز أيها الملك؟»
«لا أعرف أيها الرائد كيف يعمل استشعارك هذا، لكن قواي تستطيع أن تكون حيث تريد أن تكون!!»
وتدخّلت الملكة نور السّماء هاتفة:
«وهل نوقظ الملك لقمان وأبي وأمي وأختي وكل النائمين كي ينهضوا وينزلوا من المركبة ليركبوا على ظهر جنّي؟»
«أو يستيقظوا ويطيروا فهم جنٌّ، وأنا سأتكفّل بحمل الملك لقمان!»
«لا أيها الملك، سيكون هذا مرهقاً للملك لقمان وللجميع، لابُدّ من إيجاد حل يُبقينا في المركبة، فالراحة التي تتاح لنا فيها لا يمكن توفّرها على ظهر أي كائن، إلا إذا تتكفّل بإقامة فندق لنا على ظهره!»
«سأفعل ذلك إكراماً لمولاي لقمان!»
«وهل تتكفّل بأن يظل الفندق ثابتاً ولا يتمايل يميناً وشمالاً حسب حركة الجنّي، وربّما ينقلب لنتدحرج كالكرات داخل الغُرف والممرات!»
«لا أعرف أيتها الملكة إذ ليس في وسعي أن أحفر أساسات للفندق على ظهر الجنّي!»
«وماذا لو أحاط الفندق أو المركبة نفسها بدلاً منه بعض الجن وتشبّثوا بها من كلّ جانب كي تظلّ ثابتة بعض الشيء».
«وأين هذا الجني الذي سيحمل على ظهره ثقل الفندق أو ثقل هذه المركبة بحدائقها ومنتزهاتها وغرفها وقاعاتها بالجن الذين فيها والجن الذين سيتشبثون بها من الخارج، ويقطع ملايين السنين الضوئية دون أن يميل أو يتزحزح قيد أُنملة؟!»
«ما العمل إذن أيها الملك؟»
«التدمير، سأرسل جيشاً يتقدّم المركبة بآلاف الأميال ويدمّر أي كوكب أو أي أجسام قد تعترض طريقها!»
«لا أيها الملك فقد يكون عليها حياة، وقد يؤدّي تدميرها إلى اختلال في توازن نظام الكون!»
«الحيوات تملأ الأكوان أيّتها الملكة، ولن يُضيرها تدمير كون منها!!»
«بل سيضيرها كثيراً أيها الملك!»
«إذن تصرّفي أنتِ أيتها الملكة»
وفكّرت الملكة بالخاتم المطلسم الذي أهداه الملك إبليس للملك لقمان، فهو بالتأكيد قادر على حل هذه المعضلة، فذهبت إلى حجرة الملك لقمان وسحبت الخاتم بهدوء مِنْ إصبعه، ولم تكد تملي عليه طلباتها حتى اندفعت المركبة في الفضاء لتنطلق بسرعة تقدّر بألف ضعف مما يمكن أن يتصوّره الخيال الخارق! إذ كانت تتجاوز خلال جزء من ستين من الثانية آلاف الكواكب والنجوم والنيازك المتقاربة فيما بينها والمتباعدة، والتي قد يستغرق تجاوز الواحد منها عشرات السنين الضوئية!!
حين دخلت إلى حجرة القيادة وجدت قائد المركبة يطبق على رأسه بقبضتي يديه ويحدّق هلعاً في الكون المطلق الذي لا يكاد يشعر أنّه يقطعه، ويتجاوز مسافات خيالية فيه، دون أن يستخدم أيّة أجهزة لاستشعار الفضاء أمامه، فيما كان ملك الملوك يقهقه بصوت عالٍ فرحاً بالقدرات الجنيّة الخارقة.
«ماذا فعلتِ أيتها الملكة؟»
وتخوّفت الملكة من أن تقول الحقيقة. بعد أن تنبأ الملك لقمان بالحروب الطاحِنة التي ستنجم بينها وبينه بعد رحيل الملك لقمان.
«استخدمت القوى السحرية للقلادة السّماويّة التي أهداني إيّاها الملك دامرداس»
«هائلة هذه القلادة أيّتها الملكة. إنّها لا تقدّر بثمن، وقد تساوي مملكة من ممالك الجن»
وفيما كانت المركبة تخرج من حدود السماء الأولى وتدخل حدود السماء الثانية، داخلة بذلك مجموعة شمسيّة جديدة، ارتجّت السموات من خلفهم فأبطأت الملكة سير المركبة ونظرت إلى الوراء لترى الكواكب والنّجوم التي تجاوزوها تصطدم ببعضها لتتناثر في ملايين الأجرام وينجم عن تصادمها انفجارات هائلة تهز الكون.
هتف ملك الملوك وهو ينظر عبر منظار سحري:
«لعلّها حرب بين أقوام من الجن»
فهتف قائد المركبة:
«لا أظن، ذلك أيّها الملك قد تكون حرباً بين آلهة أما بين جن، فهذا أكبر من طاقات معظمهم كما أظن فبعض هذه الكواكب والنّجوم قد يتجاوز حجمها ألف ضعف حجم الكُرة الأرضيّة. ولا يمكن إخراجها عن مدارها إلا بقوى خارقة!»
وقالت الملكة نور السماء:
«ألا يمكن أن يكون قد حدث خلل في توازن هذه الكواكب والنجوم فخرجت عن مدارها وراحت ترتطم بالكواكب الأخرى؟»
فقال قائد المركبة:
«ومن يُحدث الخلل في التّوازن إن لم تحدثه الآلهة أيّتها الملكة؟.!»
فهتفت الملكة:
«آمل ألا يؤثّر ذلك على نظام المجموعة الشمسية كُلّه»
فقال قائد المركبة:
«لا أظن ذلك فهذه الارتطامات والصّدامات تجري في جانب صغير من سماء المجموعة»
«ومع ذلك قد تؤثر على ما حولها»
وما لبثت الملكة أن هتفت بهلع:
«ثمة كواكب مسكونة بينها، ذاك كوكب ينشطر إلى آلاف الأجرام المأهولة بالمدن والقُرى، انظروا!»
وراحوا ينظرون من بعيد، كل من كان يقظاً في المركبة أخذ منظاراً سحرياً وراح ينظر..
كان الكوكب المأهول الهائل قد ارتطم بكوكب هائل آخر غير مأهول، فنجم عن ذلك زلزال مدمّر فظيع، تناثر من جرّائه الكوكبان في آلاف الأجرام، التي راحت ترتطم بأجرام وكواكب أُخرى لتنشطر بدورها.
انفصلت قارّات بأكملها عن كواكبها، وقذفت المُدن الكبيرة في الفضاء، وتناثرت القرى في السّماء، وانشطرت المحيطات إلى أقسام، وانهارت سلاسل الجبال، وتفجّرت البراكين، ودمّرت السّدود، واندلعت أعاصير من ماء وريح ونار، وهبّت عواصف راحت تتقاذف الجبال والسّهول والأنهار، الجزر والبحار، الغابات والأمصار، وسط اندلاع الحرائق الهائلة، وتطاول ألسنة النيران، واندفاع الشُّهب، وفيضانات المحيطات، وارتطام القارّات بالمذنّبات، والنيازك بالقرى، والمحيطات بالشّهب، والصّحاري بالغابات، والأنهار بالجبال، والنجوم بالكواكب، والريح بالضّباب، والدُّخان بالعواصف، والمدن بالعواصم، والأقمار بالأجرام، والسّدائم بالغيوم، والغيوم بالقرى، والقرى بالجبال، والجبال بالبشر، والبشر بالنار، والنار بالماء، والماء بالدّم، والدّم بالزّهور، والزّهور بالأشجار، والأشجار بالحيوانات، والحيوانات بالأسماك، والأسماك بالسّفن، والسفن بالموانئ، والموانئ بالقطارات، والقطارات بالحافلات، والحافلات بالعمارات، والعمارات بالجسور، والجسور بالحقول، والحقول بالأجسام، والأجسام بالأعمدة، والأعمدة بالشوارع، والشوارع بالبشر، والبشر بكل شيء، بكل شيء كانت تصطدم أجساد البشر وأشلاؤهم.
كل هذا العالم كان يتصادم وينشطر ليتفجّر ويتناثر، يفيض ويغرق، يعصف ويدمّر، يصعَقُ ويُميت، يحرق ويلتهم، منذراً بفناء الحياة على تلك الكواكب، بل وفناء الكواكب نفسها.
هتف ملك الملوك:
«لم لا نوقظ الملك لقمان ليرى هذه الأهوال الكونيّة؟»
فهتفت الملكة نور السماء بإصرار:
«لا. عملت كل ما بوسعي لأدعه ينام دون أحلام مزعجة، فهل أوقظه لأريه هذه الأهوال الفظيعة؟»
ولم تعد قادرة على متابعة ما يجري في الكون الشمسي الذي خلّفوه وراءهم، فأصدرت أوامرها إلى الخاتم الشيطاني المطلسم، لتنطلق المركبة بسرعتها الخُرافيّة وتوغل في الكون الشمسي الآخر عابرة السماء الثانية، فيما الملكة تتمنى في نفسها ألا تؤثّر الأهوال الجارية خلفهم على كوكبي الأرض والزّهرة.
حين استيقظ الملك لقمان من النوم، كانت المركبة قد قطعت ملايين السّنين الضوئيّة، ومرّت بكواكب مظلمة وكواكب مضيئة.
هتف باسم الملكة نور السماء فسمعته، فأبطأت سير المركبة إلى أدنى سرعة وسلّمت زمامها للرائد وهرعت إليه.
«أين أنت يا حبيبتي؟»
«كنت أقود المركبة يا حبيبي»
«أنتِ يا حبيبتي؟»
«إنما بمساعدة خاتم إبليس الطلسمي»
ونزعت الخاتم وأعطته له.
«ولِمَ اضطررت إلى استخدام الخاتم؟»
«كي تنطلق المركبة بالسّرعة الخياليّة»
«ألم تكن تنطلق من قبل بسرعة خياليّة؟»
«بلى، لكنها كانت شبه محدودة!»
«حتى السرعات الخيالية فيها محدود وغير محدود؟ أين نحن الآن؟»
«نحن نقترب من تخوم السماء الثانية»
«تقصدين المجموعة الشمسية الثانية؟»
«لا أعرف إذا لم نتجاوز سوى مجموعتين شمسيّتين فقط، فقد انطلقنا بسرعات لا يمكن للخيال أن يتصوّرها!»
«وهل يمكن أن نتصوّر منذ متى انطلقنا من الأرض؟»
«لا يمكن تحديد ذلك بدقّة يا حبيبي»
«منذ مليون سنة ضوئية مثلاً؟»
«بل أكثر بكثير يا حبيبي»
«يا إلهي! هل تدركين ماذا يعني هذا؟!»
«أدرك يا حبيبي لأنّ سرعاتنا خياليّة، ولو لم تكن كذلك، لكانت ملايين الحضارات قد انقرضت على الأرض!»
«أواثقة أنتِ من أننا الآن إذا تمكّنا من الاتّصال بالأرض، سنجدهم يتحدّثون عن نزع الأسلحة وما حدَث من معجزات أخرى، أم أن ذلك سيكون قد أصبح في بطون كتب التاريخ المهملة، وربما نجد العكس حسب بعض النظريّات العلمية؟!»
«كيف يكون العكس يا حبيبي؟»
«قد نجد أن البشرية عادت بالزمن ملايين السنين إلى الوراء!!»
«لا يا حبيبي، أنا واثقة أنّ الزّمن على الأرض لم يعد إلى الوراء، ولم يقفز ملايين السنين إلى الأمام، وواثقة من أنّ السّلاح ما يزال على القمر ولم يُبْلِه الزمن حتى ولم يصدأ بعد، وما يزال صالحاً للاستعمال»
«آمل ذلك يا حبيبتي»
«وإذا تريد أن تتفاءل أكثر، سأخبرك أنّ ذلك لم يتجاوز بضعة أسابيع وربما بضعة أيّام»
«كيف عرفتِ؟!»
«لأنه تبيّن أنني حامل منذ بضعة أيام يا حبيبي!»
وهتف الملك لقمان بدهشة:
«نعم؟!»
«ألم تسمع يا حبيبي؟»
«هل هذا يعني أن «سحب السماوات» سيشرّف قريباً؟»
«ربّما بزمن الكون الذي نحن فيه قد يُشرّف خلال أسبوع وربما بعد ساعة!»
وأشرع الملك لقمان صدره فاتحاً يديه على وسعهما لتلقي الملكة نفسها عليه. ضمّها وراح يتقلّب هو وإيّاها على السّرير»
«هل تعرفين يا حبيبتي»
«ماذا يا حبيبي؟»
«طوال عُمري كنت أعتبر الحياة الواقعية حياة سخيفة، لكن بعد أن عشت جماليّات الحياة الخيالية، أكاد لا أجد كلمة مُناسبة في كل قواميس اللغات أنعت بها تلك الحياة الموغلة في الفظاعة!!»
«سنحيلها إلى حياة خيالية يا حبيبي»
«ألا يُفترض أن تكون الجواهر التي أُنزلت على الأرض قد حوّلت حياة الإنس من حياة واقعية بائسة إلى حياة خيالية جميلة بعض الشيء؟!»
«ممكن»
«ماذا سنفعل لأهل الأرض كي ندعهم يحيون حياتنا يا حبيبتي؟»
«سنفعل لهم كلّ ما يريدونه ونقدر نحن عليه، سنحقق كل أحلامهم»
«وهل سنزوّج من يريد منهم حوريّات؟!»
«ولماذا لا يا حبيبي؟»
«والنساء اللواتي يردن حوريين، من أين سنأتي لهن؟»
«من الجن، ويمكن أن نحوّل بعض الشباب إلى حوريين!»
«وإلى ولدان مخلّدين؟!»
«إلى ولدان نعم، أما مخلّدين، فلا يقدر على ذلك غير الله»
«ومن سيحرس هؤلاء الولدان؟»
«يحرسهم من ماذا يا حبيبي»
«ولو يا حبيبتي. أنتِ لا تعرفين أنّ بيننا من يحبّون الولدان أكثر من النساء؟!»
«سيحيون حياتهم بإرادتهم يا حبيبي»
«والشيوخ والعجزة والنساء البشعات، هل في مقدورنا أن نُجمّلهم أو نصغّرهم»
«كل شيء ممكن يا حبيبي!»
«يبدو لي أنّه لم يبق أمامنا إلا القليل كي نمنح البشر الحياة الأبدية، ونقتل الشرّ في نفوسهم، ونحيي الموتى، وبعدها لن يكون إلا المحبّة والسعادة. ولن يكون ثمة مشاكِل على الإطلاق، ألا يمكن أن يتحقق هذا؟!»
«للأسف يا حبيبي، حتى في الخيال لا يُمكن تحقيق كُل شيء!»
«شيء لا يصدّق أليس كذلك؟»
«بل يُصدّق. لأن حياتنا تبقى واقعيّة وليست خيالية يا حبيبي، وإن كانت مُرفّهة أكثر من حياة البشر، ولدينا قدرات خارقة!»
«إذا كانت هذه الحياة واقعيّة فلن يكون هناك أيّ مجال لحياة خياليّة يا حبيبتي!»
«ما رأيك يا حبيبي أن تنهض الآن وتستحم وتأكل وتترك الحياة كما هي، بغض النّظر عمّا إذا كانت واقعية أم خياليّة؟»
«آه فعلاً أشعر وكأنني لم آكل منذ شهر، لكن لم تقولي لي كيف تأكّدت من أنك حامل يا حبيبتي؟»
«لم يأتني دم الطّمث يا حبيبي»
«لكنّ دم الطّمث قد يغيب أحياناً ياحبيبتي، خاصّة وأن الزمن قد تغيّر عليك»
«لا تقلق إذا لم أكن حاملاً سأحمل يا حبيبي»
«لا أريد أن تذهب فرحتنا سُدىً يا حبيبتي»
«سنفرح ثانية، هيّا الآن انهض!»
«سأنهض، لكن كم مضى على نومي؟»
«بالضبط لا أعرف يا حبيبي. فقد مررنا على أزمان وأكوان مختلفة، لكن لم تقل لي هل نمت بشكل جميل بعد المساج؟»
«آه فعلاً، كانت أجمل نومة في حياتي، ومع ذلك حلمت، لكن بعوالم جميلة، يبدو لي أن عقل الإنسان مثل قلبه، إذا ما توقّف توقفت الحياة»
«المهم أنّك لم ترَ كوابيس؟»
«لا، لم أرَ يا حبيبتي، أشكرك»
«أحمد الله يا حبيبي»
«أي إله هذا الذي تحمدينَه؟»
«الإله المنزّه عن الشرور والآثام، المحبّ للخير، الكاره للموت، السّاهر على أبديّة الحياة، الطامح إلى المحبة والساعي إلى خلود البشر وإحياء الموتى!»
«إنه الإله الذي أحلم به يا حبيبتي!»
«وبماذا سأحلُم إن لم أحلُم بما يحلم به حبيبي؟»
وهل يمكن أن يكون هذا الإله موجوداً يا حبيبتي؟»
«لابد أن يكون موجوداً يا حبيبي!»
«أين؟»
«في السماوات!»
«ولِمَ لمْ يقم بأعماله الخيّرة حتّى الآن يا حبيبتي؟»
«ربّما لأنّ الأمر خرج عن يده ولم يعد في مقدوره أن يعيد الأمور إلى نصابها!»
«هذا يعني أنّه إله عاجز يا حبيبتي»
«ليس إلى حد كبير يا حبيبي!»
«كيف؟»
«لأننا لم نقم بمساعدته على تحقيق مآربه»
«وهل هو في حاجة إلى مساعدتنا؟»
«أجل، أظنُّ أنه ينبغي أن نكون معه بقدر ما هو معنا»
«إذا ما وجدت هذا الإله يوماً سأكون معه بكل طاقتي»
«أعرف أن حبيبي لن يتخلّى عن إلهٍ نبيل، وأعاهدك يا حبيبي أن أكون معكما»
قاطعهما صوت قائد المركبة معلناً أن المركبة تحلّق الآن ضمن مدار كوكب هائل مأهول، فأشار إليه الملك لقمان أن يُبطئ سرعة التحليق إلى الحدود الدنيا، لأنّه سيتناول طعامه على شرفة يستطيع منها مُراقبة ما يجري على سطح هذا الكوكب.
* * *

نهض الملك لقمان والملكة نور السماء من السرير. وما أن أخذ الملك حماماً سريعاً حتّى خرج وجلس على شرفة في المسبح. كان الجو نهاراً والشمس ترسل أشعتها من أعالي السّماء، وبدا للملك لقمان وكأنه يحلّق في فضاء كوكب الأرض. أخذ يرقب الكوكب عبر منظارٍ سحري، فيما أخذت الملكة منظاراً وراحت ترقب بدورها.
بدا الكوكب لهما من بعيد يضجّ بالحياة، فقد بدت لهما بعض المدن والقرى، والأنهار والمحيطات والبحار التي تمخرها السفن، وكان ثمة غابات وبساتين وحقول وأناس يعملون، وبدا أن الكوكب بدائي، فلم يكن هناك شوارع حديثة ولا حافلات، بل عربات تجرّها الخيول، ولم يكن هناك مطارات ولا طائرات، ولا أي نوع من الأسلحة الحديثة، كما أن السُّفن التي شوهدت تمخر البحار، كانت بدائيّة. وكان الناس يحرثون الأرض على الثيران والبغال والحمير والحصُن.
أشارت الملكة نور السماء إلى الملك أن يتناول إفطاره، ومن ثمّ سيتابعان النّظر إلى الكوكب، فأشار هو إلى المركبة أن تنزل إلى فضاء الكوكب القريب، ليتمكّنا من النّظر بالعين المجرّدة وهما يتناولان الإفطار.
وفيما كان القائد يهبط بالمركبة فوق سماء بحر كبير، قدّمت الحوريّات على المائدة وجبة من لحم الجداء المحمّر بالسّمن، وحساء الدّجاج، وسلطات من الخس والبندروة والخيار، وبطاطا مقلية، واقريدس وكافيار أسود وحليب ظباء ولبن معز وعصير الفواكه، إضافة إلى النبيذ المعتّق من زمن سليمان.
ولم يكد الملك لقمان يشرب كأساً من حليب الظّباء الذي أدمن عليه بعد أن تذوّقه على الأرض، ثمّ كأساً من عصير الفواكه، حتّى كانت المركبة تجتاز البحر وتدخل إلى منطقة صحراويّة يلفّها الضباب على ارتفاعات متوسّطة وتكثر فيها الجبال والتّلال، فهتف مخاطباً الملكة:
«يا الله ما أجمل الصحراء يا حبيبتي، انظري ما أجملها‍!»
وفيما كانت الملكة تتأمل جمال الصحراء رأت مشهداً عجيباً فهتفت إلى الملك:
«انظر يا حبيبي»
وحين نظر الملك لقمان شاهد جبلاً كبيراً شاهقاً يتسلّقه مئات الآلاف من البشر العُراة يحملون على ظهورهم صخوراً ضخمة ينوؤون تحت وطئتها، وكانت أقدامهم مقيّدة بسلاسل حديدية ثخينة تحدّ من طول خطواتهم، فتوقّفت اللقمة في فم الملك وهو يهتف:
«يا إلهي أي ظلمٍ هذا؟!»
وحين نظر إلى قمّة الجبل شاهد تمثالاً ضخماً بطول ألف ذراع لكائن يشبه البشر. كان محاطاً بسورٍ، وقد نبتت داخل السور الزّهور والورود. وكان حاملو الحجارة يضعونها على قمّة الجبل خارج السور. وقد شكّلت رجماً كبيراً على قمّة الجبل. ومن ثمّ كانوا يعودون أدراجهم إلى أسفل المنحدرات حيث الوادي السّحيق المحيط بالجبل من كل الجهات ليرفعوا الحجارة ويحملوها إلى القمّة، فبدت أفواج منهم وهي تصعد الجبل فيما كانت أفواجٌ أُخرى تنزل منه.. وكان آلاف الحُرّاس من حاملي السِّياط والسّيوف يرغمون الصاعدين والنازلين على السّير في أرتال شبه منتظمة يتخلل واحدها الآخر، ويجلدون الصاعدين على مؤخّراتهم ليسرعوا في الصُّعود ويجلدون المنحدرين على ظهورهم ليسرعوا في النزول.
لم يعد للملك لقمان شهيّة في الطّعام، فأمر على الفور بأن تؤخذ الاحتياطات لأنّه سينزل إلى قمّة الجبل ليُخلّص هؤلاء المعذّبين ويعرف قصّتهم. فرجته الملكة أن يأكل شياً قبل النزول، فأعلن لها أنه لم يعد له أي رغبة في الطعام وهو يرى آلام هؤلاء البشر أمام عينيه.
طار الملك لقمان عن الشرفة ليحلّق هابطاً هو والملكة نور السماء، يحفّ بهما جنود الجن، فيما ظلّت المركبة تحلّق في السّماء. وقبل أن يحط الملك على رجم من الصّخور والحجارة الملقاة خارج أسوار ساحة التمثال، خاطب الخاتم المطلسم الذي أهداه إيّاه الملك إبليس، وطلب إليه أن يلهمه هو والملكة نور السماء إتقان اللغة التي يتكلّم بها هؤلاء القوم. وما كاد يطلب إليه الطلب حتّى وجد اللغة تمتثل في دماغه وتدور على لسانه لتنطلق من شفتيه.
وكان الجلاّدون وحاملو السياط قد توقّفوا مندهشين ولم يعودوا يضربون حاملي الحجارة، وراحوا ينظرون إلى هذه القوى الهابطة من السّماء بأعداد هائلة، فيما توقّف حاملو الحجارة في أماكنهم وهم يتمنّون نصرة هذه القوى.
هبط الملك لقمان والملكة نور السماء ووقفا على رجم من الصخّور إلى جانب سور التمثال الهائل الذي كان ينتصب في السماء، وأشار الملك لقمان بيده إلى رجل عجوز أن يطرح الصخرة عن ظهره ويتقدّم منه، فطرح الرجل العجوز الصّخرة عن ظهره وتقدّم حاني الظهر، لأنه لم يكن في مقدوره رفع ظهره لكثرة ما حمل من الصّخور، ووقف أمام الملك لُقمان في حالٍ يرثى لها، فخاطبه الملك بلغته قائلاً:
«السّلام عليكم أيها الشيخ»
فقال الشيخ بلغته:
«وعلى المسلِّم السلام»
«من تكونون أيّها الشيخ.. ولِمَ تحملون هذه الصُّخور على ظهوركم؟»
«نحن معارضة دينية وسياسيّة. عارضنا دين وسياسة الإله داجون ملك كوكبنا، فحُكمنا بالأشغال الشاقّة المؤبّدة»
«هل قلت الإله داجون أيّها الشيخ؟»
«أجل أيّها السيّد»
«لعلّه الإله الذي كانت تعبده بعض شعوب كوكبنا قبل ثلاثة آلاف عام ونيّف؟!»
«أنا لا أعرف آلهتكم ولا أعرف كوكبكم أيّها السيد»
ولم يفكّر الملك لقمان أكثر من ذلك في نوعيّة هذا الإله ومقدرته، فصرخ على الفور بمئات الآلاف من حاملي الصُّخور أن يطرحوا الصّخور عن ظهورهم، وأمر جنود الجن أن ينزعوا السِّياط والسُّيوف من أيدي الجلاّدين والحُرّاس دون أن يضربوهم، وأن يفكّوا السلاسل من أرجل السجناء، وأشار إلى الملكة أن تقوم بإحياء السُّجناء من عاهاتهم، وأن تعالج القروح والجروح من ظهورهم وباقي أجسادهم، وأن تعيد للجميع صحّتهم، ولم تمر سوى لحظات حتّى ألقيت الصُّخور عن الظُّهور ونزعت سياط الجلاّدين وسيوفهم، والتأمت الجروح في الظهور والقروح في الأجساد، واستقامت ظهور العجزة والمسنّين، وارتدى الجميع لباساً يستر عُريهم. وحين شاهد مئات الآلاف من السُّجناء أنفسهم محررين من الصخور ومعالجين من الجروح ومنتصبي الظهور ويرفلون بأجمل الملابس، أشرعوا أيديهم متضرّعين وراحوا يسجدون على الأرض. على قمّة الجبل شرعوا في السّجود، وعلى سفوح الجبل من كل الجهات شرعوا في السجود، وفي أعماق الوادي السَّحيق شرعوا في السجود. حتى الحُراس والجلادين شرعوا في السّجود، معتقدين أن هذا هو الإله الحقيقي وليس الإله الذي يحكمهم، لكن وقبل أن تمسَّ جباه معظمهم الأرض، هتف الملك لقمان بصوت هائل:
«انهضوا! انهضوا أيها الأحرار، فأنا بشرٌ مثلكم، ومكافحٌ مثلكم، إنما كي لا أسجد لمليك أبداً، وكي لا أعظِّم ملكاً أبداً، وكي لا أسجد لإله أبداً، فانهضوا وارفعوا رؤوسكم، واشمخوا بهاماتكم، فليس ثمّة من له حق في استعباد الناس وقد ولَدتهم أُمّهاتهم أحراراً!!»
وتوقّف الملك لقمان للحظات، فهتف الرجل الشيخ:
«عفوك أيها السيّد النبيل، إنّ ما فعلته لنا لا يقدر عليه غير الآلهة، فأخبرنا الصدق من تكون إن لم تكن من الآلهة؟!»
فهتف الملك لقمان بصوتٍ عالٍ كي يسمعه الجميع، فكان صدى صوته يتردد من الأودية السّحيقة المحيطة بالجبل:
«إنّي أقول الصدق أيها الرجال، فأنا بشرٌ مثلكم، غير أنّي رسول الخلاص. رسول الحق، رسول الخير، ورسول المحبّة، وأستعين بقوى الخير من الجنّ والشياطين».
فهتف الرجل بدهشة:
«وهل يوجد أخيارٌ بين الجنّ والشياطين أيها السيد النبيل، فنحن لا نعرف إلا أنّهم أشرار؟!»
«بل العكس أيها الشيخ، إن الجنّ والشياطين أخيار، وليس الأشرار إلا أمثال هذا الإله المتسلّط الذي يحكمكم، ولولا قوى الجن الخيّرة، وقدراتهم الخارقة، لظللتم ترزحون تحت ثقل الصّخور، ولظلّت أقدامكم مصفّدة بالسّلاسل، ولما التأمت جروحكم وقروحكم، ولما استقامت ظهوركم، ولما ارتديتم لباساً جديداً، فلا تلعنوا الشياطين بعد اليوم، ولا تتعوّذوا منهم، إن كنتم تلعنونهم وتتعوّذون منهم. بل اطلبوا لهم المغفرة والمحبّة، وقبول التّوبة من الله!»
فقال الشيخ:
«ومن هو الله هذا الذي تنادي به أيها السيّد النبيل؟»
«إني لا أُنادي به بقدر ما أبحث عنه، لعلّني أجده، إنّه إله يُفترض فيه أن يكره العبوديّة والعبادة والتعظيم والموت، يكره الشرّ والظُّلم، ويحبُّ الخير للبشر، ولكل الكائنات والأكوان، ويسعى لأن يحيا الإنسان حياة أبديّة خالدة!»
«وإذا لم تجده أيّها السّيد النبيل؟»
«إذا لم أجده، فليس هُناك آلهة، سأصعد إلى تخوم السّماء السابعة وإذا لم أجده فلن يكون هُناك إله»
«وإلهنا داجون وأتباعه وأعوانه من الآلهة، ماذا يكونون أيها السيد النبيل؟!»
«قل لي ما هو إلهكم هذا؟!»
«إن التمثال الهائل الذي ينتصب خلفك له، وعرشه هُناك في الأعالي حيث يُقيم مع أعوانه وأتباعه على قمم الجبل العظيم. هو إلهنا ومليكنا، ويقول أنّه من خلقنا وخلق السماوات والأرض التي نقف عليها، وخلق الشمس والقمر والنجوم، وخلق المياه والبحار والمحيطات والأنهار، وخلق النباتات والحيوانات والأشجار، الليل والنهار، وكل ما في الوجود، وهو منزل الأمطار ومسيّر الرّياح ومحدِث الزلازل والبراكين والبروق والرُعود والسُّحب والضّباب وكل شيء!»
«هل هو من قال لكم هذا؟»
«بل رسله الذين ينزلون من الأعالي، وملوكه الذي يعيّنهم علينا، والذين نُرغم على تعظيمهم وتمجيدهم بقدر ما نعظّم اسمه ونمجّده!»
«وأنتم لم تصدّقوا كل ذلك!»
«بل صدّقنا، لكنّا كُنّا نطالب الرُّسل والملوك والولاة، أن يرحمونا، ولا يظلمونا، وأن يعدلوا فيما بيننا، وأن يتيحوا لنا أن نبدي رأينا في شؤوننا، وفيما حولنا قدر الإمكان، وأن يخففوا عنّا وطء طقوس العبادات والصّلوات وتقديم الأُضحيات، وأن يوفّروا المال لبناء المدارس والمستشفيات، وليس لتمجيد الآلهة والولاة وبناء آلاف المعابد»
والتفت الملك لقمان إلى التمثال الضّخم الذي يرتفع ألف ذراع متسائلاً:
«قلت لي أن هذا تمثال إلهكم أيها الشيخ؟!»
«نعم أيها السيد النبيل، وله ملايين التماثيل في كافة أنحاء الكوكب»
«كم عدد سُكان كوكبكم أيها الشيخ؟!»
«ثلاثة عشر ملياراً أيها السيد النبيل!»
«وهل تعيشون في دولة واحدة؟»
«لا أيها السيد نعيش في ألف مملكة، وكل مملكة يحكمها ملك معيّن من قبل الإله والملك الأعلى داجون»
«وما اسم كوكبكم؟»
«اسمه كوكب داجون على اسم الإله أيها السيد النبيل»
«وماذا يعني اسم داجون هذا بلغتكم؟»
«يعني الإله كُلّي القدرة أيها السيد»
وأمر الملك لقمان جنياً أن يقطع رأس التمثال ويحضره له. فأخذ الجنيّ الرأس بين يديه، وضغط عليه من ناحية الكتف ليكسره من أعلى العُنق، وكأنه يقسم خيارة! حمله الجنيّ ووقف أمام الملك لقمان، فمدّ الملك يديه ليأخذه فأخبره الجنيّ أنه ثقيل جداً، فراح الملك يتلمّسه فيما الشيخ يهتف بذعر:
«إني خائف عليك أيها السيد النبيل من أن يضربك الإله داجون بإحدى صواعقه الهائلة لأنك قطعت رأس تمثاله!»
وطفق الملك لقمان يضحك وهو يأمر الجنيّ أن يقذف الرأس أمام قدمي الشيخ:
«خذ أيها الشيخ المكافِح، هذا هُو رأس تمثال إلهك كُلّي القدرة، تساعد أنت ورفاقك ودحرجوه من قمّة الجبل إلى الوادي السّحيق الذي تحملون الحجارة منه، فهو إله دجّال متسلّط، ولو أضمن ألا ينعتني البشر بالظّلم، لأحضرت إلهكم إلى هذا الوادي، وحكمت عليه بحمل رأسه والصّعود به إلى القمة والعودة به إلى الوادي ليكرر ذلك مدى حياته!»
وراح الشيخ ورفاقه يتعاونون على دحرجة الرّأس إلى أن بلغوا به أعلى السَّفح، فأفسح آلاف السجناء له طريقاً بينهم كي يتدحرج من أعلى الجبل بين صفّين من السّجناء، ورفع الجميع أيديهم وهتفوا بأصواتهم:
«عاشت الحريّة، تسقط العبوديّة»
وما أن استقرّ الرأس في الوادي السّحيق وتوقّف آلاف السّجناء عن الهتاف حتّى عاد الشيخ ليقف أمام الملك لقمان وقد اندفع خلفه آلاف السجناء وراحوا يقتربون ليروا الملك لقمان والملكة نور السّماء، فأحاطوا بهما من كل جانب. رفع الملك لقمان يده ليوقف تدافع السجناء من حولهما، فتوقّفوا، فخاطب الشيخ:
«قل لي أيها الشيخ، أين يقع عرش إلهكم داجون هذا؟!»
«يقع على بعد لا يقلُّ عن مائة ألف كيلو متر ناحية الشمال أيها السيد النبيل»
«سأذهب لأخلّصكم منه ومن أعوانه وأطيح بكل ملوكه وولاته، وآمل أن تجروا انتخابات فيما بينكم وتنتخبوا مجلساً يحكم كوكبكم بالعدل والخير والمحبّة، وسأعيّن راعياً من أعواني يساعدكم على تحقيق غاياتكم إذا ما دعت الضّرورة»
«إننا لعاجزون عن شكرك أيها السيد النبيل، وإنا لنأمل ألا تغادر جهنّم قبل أن تساعدنا على إطلاق سراح جميع المعذّبين والسّجناء!»
«هل قلت جهنّم أيها الشيخ؟»
«نعم أيها السيد النبيل، فهذا الجبل الكبير لا يشكّل أكثر من رقعة صغيرة لا تذكر في قارّة صحراويّة تبلغ مساحتها عشرات الملايين من الأميال وهي جهنّم التي يعذّب فيها إلهنا مخالفيه ومعارضيه والخارجين على طاعته وغير المتقيّدين بسننه وشرائعه المطبّقة في الممالك الألف!»
وأطرق الملك لقمان للحظة متعجباً وما لبث أن هتف:
«سأفعل أيها الشيخ ولن أغادر كوكبكم وفيه سجين أو معذّب»
وأمر الملك لقمان بتكسير أعضاء التمثال وقذفها بعيداً في كل الاتجاهات، فصعد إليه أربعة من الجن وقذفوا باليدين والرّجلين وباقي الأعضاء من الأعالي لتسقط في الأودية البعيدة، وسط هُتاف السُّجناء الذي راح يتردد من كل أرجاء الصحراء.
أشار الملك لقمان بيده، وهتف مودّعاً السجناء:
«السلام عليكم أيها الشيخ، السلام عليكم أيّها الأحرار»
فهتف الشيخ قبل أن يجيب:
«وهل سينصرف السيد النبيل دون أن يعرّفنا على اسمه؟»
«اسمي لُقمان أيها الشيخ، وحرفتي أديب، غير أنّ بعض ملوك الجن نصّبوني ملكاً أعلى عليهم»
وهنا انحنى الشيخ وحاول أن يسجد حين وجد أنّه أمام ملك، فسارع الملك لقمان بمساعدة أحد الجن إلى إنهاضه وعدم السّماح له بالسُّجود:
«إيّاك والسُّجود أو الرّكوع أو الانحناء أيها الشيخ، فهذا ممنوع في أعرافي كما أعلنتُ لك»
«ألن تسمح لنا أيها الملك النبيل بإقامة بعض التماثيل لك في مدننا، كي نُخلِّدُ ذكراك؟!»
«وهل حطّمت صنم إلهكم كي تقيموا صنماً لي أيها الشيخ، أقيموا التماثيل للمبدعين والعظماء بينكم قبل أو بعد رحيلهم عن الحياة»
«وكيف سنتعبّد إليك ونتقرّب منك؟!»
«يبدو أنك لا تعي ما أقوله لك أيها الشيخ»
«بل إنني أعي، لكنّنا أمم اعتادت التعبّد والسُّجود والرّكوع للآلهة والملوك والولاة. الذين أذاقونا الألم والعذابات، فكيف لن نتعبّد أو نتقرّب إلى من وهبنا حُرّيتنا وأعاد لنا صحّتنا وكسانا؟!»
«من أراد منكم أن يحبّني أيها الشيخ فليحبّني بنفسه ولنفسه وفي قلبه، وألا يهتف باسمي أمام الناس، وألا يطلب إلى غيره أن يحبّني وألا يُرغم أحداً على محبّتي، وغير ذلك سيكون مغضباً لي أيها الملك. من أراد أن يحبني فليُخلِص في عمله، ويسمو بإبداعه ويعتني بحقله، ويحرث أرضه، ويسعى إلى المعرفة ويشجّع العلم ويطوّر العلوم، ويعمل من أجل أخيه بقدر ما يعمل أخوه في البشرية من أجله، ويحب الناس، ويقتل الشرّ في نفسه، فهو بذلك يتقرّب منّي ويتعبّد إليّ ويزرع محبّتي في نفسه، وأزرع محبّته في نفسي»
ورفع الملك لقمان يده مُحيياً وانطلق هو والملكة نور السماء، فارتفعت أيدي السجناء ملوّحة ودمعت عينا الشيخ وهو يلوّح ويهتف من أعماق نفسه لنفسه:
«لو أنّ لي ألف قلب لعلّني أقدر على اختزان حُبّي لك أيها الأديب العظيم والملك النبيل المُحب»
انحدر الملك لقمان محلّقاً هو والملكة نور السماء ليهبطا متجاوزين سفوح الجبل الكبير، وليعبرا الوادي السّحيق، وقد انحدر خلفهما مئات الآلاف من السّجناء وراحوا يعدون وكأنهم يأملون اللحاق بهما، فنظر الملك لقمان نحوهم مرة أخرى، فأشفق عليهم أكثر من ذي قبل حين أدرك أنهم فقراء ولا نقود لديهم، فلوّح بيده للمرة الأخيرة مودّعاً، وأومأ بحركة منها فأمطرت السماء عليهم ماساً وذهباً، فتوقّفوا عن الجري وأخذوا يجمعون الذّهب والماس!.
* * *





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,424,737,821
- بوح الكلمات : خواطر .ذكريات . أشعار. قصص.
- ملحمة الملك لقمان (11) صِفات محمّدية وهدايا جنّية!
- شاهينيات الفصل (110) ملاك يهوة يبيد 185 ألف أشوري !
- ملحمة الملك لقمان : رؤية شيطانية وآيات ربانية .( رؤية الشيطا ...
- ملحمة الملك لقمان (9) ولادة وتنبؤات مأساوية!
- ملحمة الملك لقمان (8) تتويج في السماء
- شاهينيات . الفصل (109) محاولات تأريخية فاشلة لا علاقة لها با ...
- ملحمة الملك لقمان. (7) حرب جنية وغزل كوني !
- شاهينيات . الفصل (108) ياهو يجزر كل من اتبع عبادة البعل من ا ...
- (6) بطّيخ وبغال وزنى أبوي!!
- أسفار التوراة : قراءة نقد وتعليق . (3) قضاة . راعوث. صموئيل ...
- ملحمة الملك لقمان.(5) حقيقة وخيال وجن وخوازيق!
- أسفار التوراة . قراءة، نقد وتعليق .(2) خروج . لاويين . عدد. ...
- شاهينيات (107) ايليا يصعد إلى السماء قبل قدوم المسيح!
- ألملك لقمان . ملحمة روائية . الجزء الأول . (4) ليلة راقصة عل ...
- ألملك لقمان . ملحمة روائية . الجزء الأول . (3) صعود إلى الفض ...
- ألملك لقمان . ملحمة روائية . الجزء الأول . (2) رؤيا شيطانية!
- قصة الخلق التوراتية . طوفان نوح . دخول اليهود إلى مصر وخروجه ...
- لملك لقمان . ملحمة روائية . الجزء الأول . (1) محاولة انتحار
- باقون في رنّة الخلخال ! وذاهبون أنتم في المحال !


المزيد.....




- مكناس: الأمن يوقف مغربيا/فرنسيا لتورطه في أنشطة إجرامية متطر ...
- فيديو: مجهول يطعن بسكين الممثل الصيني الشهير سايمون يام عدة ...
- فيديو: مجهول يطعن بسكين الممثل الصيني الشهير سايمون يام عدة ...
- صدور كتاب “تهمة اليأس” للفيلسوف الألمانى آرثر شوبنهاور
- جلالة الملك.. تتويج الجزائر بالكأس الافريقية «بمثابة فوز للم ...
- بوريطة في زيارة رسمية للأردن
- توقيف فنان في مطار رفيق الحريري الدولي
- المخرج أوليفر ستون يطلب من بوتين أمرا شخصيا جدا
- إسبانيا .. أزيد من 273 ألف مغربي مسجلين بمؤسسات الضمان الاجت ...
- شاهد: افتتاحية مبهرة لمهرجان الكرَّامين السويسري بحضور 7 آلا ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - الملك لقمان .(12) مساج كوني وحروب كوكبيّة!