أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - الانتصار على الإرهاب بالثقافة















المزيد.....

الانتصار على الإرهاب بالثقافة


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4757 - 2015 / 3 / 24 - 08:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


واحد من التعريفات الدقيقة والمختزلة والطريفة للذكاء هو؛ القدرة على حل المشكلات.. ولأن مشكلاتنا لا تعد ولا تحصى، فإننا سنبقى بحاجة ضاغطة إلى تنمية هذه الفطرة التي أخرجت الإنسان من الغابة، وساعدته في الشروع بمغامرته الوجودية والاستمرار بها، على الرغم مما سببته له من آلام على مر الأزمان. والذكاء ليس عدّة الإنسان الوحيدة في مواجهة التحديات، فهناك أيضاً الإرادة والحس السليم والحدس والشجاعة، وغيرها من صفات الكائن البشري. لكن لا غنى عن الذكاء أبداً.. والذكاء الذي يجمع النباهة إلى دقة الملاحظة إلى سرعة البديهة، إلى الرؤية الواسعة والعميقة، إلى القدرة على التحليل والتركيب، إلى استحضار الاحتمالات وفحصها، واستخلاص النتائج، واتخاذ القرار المناسب، هو ما نحتاج أن نشحذه جيداً ونستثمره بطاقته القصوى، لأننا ببساطة نواجه تحدي مصير ووجود، يتطلب منا أن نكون أذكياء.. أذكياء، وبأضعف الإيمان، في ألاّ نُخدع، في الأمر عينه، أكثر من مرة واحدة.
والذكاء في حالتنا، وفي إطار ما يهمّنا، هو تأشير المصلحة المجتمعية ( العراقية ) الحقيقية والعمل بوحيها، وعلى وفقها، لكي لا تتراكم علينا المحن والخسارات. ولكي نتحسس مواضع أقدامنا، ونحدد الاتجاه الصحيح في هذا الخضم المتلاطم.. وواحدة من أعقد مشكلاتنا وأكثرها مرارة هي هذا الدم الذي ينقِّع تاريخنا، والعنف الذي يسمِّم حياتنا، ويقلق حاضرنا، ويترك غدنا على كف عفريت.
من المفارقات الدراماتيكية العجيبة في تاريخنا العراقي أن أرضنا كانت ساحة جاذبة للعنف والحروب.. وكانت معارك كبرى تخص الآخرين، ومنذ أقدم الأزمنة، تجري على هذه البقعة من أرض الله المسماة بوادي الرافدين.. ولعل الإسكندر الأكبر، وهو يقود جيشه في القرن الرابع قبل الميلاد ضد الفرس الأخمينيين بقيادة داريوش الثالث، أول شاهد تاريخي كبير على صحة ما نقول.. وربما كانت ثمة معارك أعظم وأشد هولاً قبل ذلك أيضاً، ولم يدوِّنها المؤرخون.. فتحت ثرانا دُفنتْ ملايين الجثث لمقاتلين أجانب قضوا في حروب لا تخص سكان هذه البقعة الشرق أوسطية ( بحسب التصنيف الجديد للجغرافية السياسية ) بعدما وجد أولئك المتحاربون، في السهول المفتوحة لبلادنا، فضاءً ذا ممكنات جغرافية واستراتيجية ولوجستية تعينهم في مقاتلة بعضهم بعضاً.. وبطبيعة الحال كان الضرر الذي يصيب السكان المحليين فادحاً، بقيت آثار بعضها المدمِّرة في لاوعيهم الجمعي، وذاكرتهم، وواقع حياتهم، حتى الآن.
ومنذ احتلالهم العراق في نيسان 2003 وإسقاطهم لحكم صدام، لم يخفِ الأميركان نيتهم في جعل العراق ساحة تصفية حساب مع الإرهاب، ففتحوا الحدود لكل من يحمل، في جهات الأرض، عُقد كراهية الحياة، ويعتقد أنه يمتلك سرّ المقدّس، ويرى في المخالفين كفاراً يجب إبادتهم.. وبعد هذا الذي حصل منذ حزيران 2014، ليس بمقدور أية حجة إقناع العراقيين بأن هذا التدفق المريع، الكبير وغير المسبوق، للمقاتلين الأجانب إلى الداخل العراقي لم يجرِ بتواطؤ أميركي وغربي، وبمساعدة حلفاء لهم في المنطقة، بغض النظر عن درجة هذا التواطؤ وشكله وآلياته..
إن معظم التراجيديات الكبرى التي حدثت وقائعها في هذا المكان كان من صنع الآخرين.. ولكن هل يعني هذا أن نبرئ أنفسنا من هذا المآل؟ أم أن علينا التحري عن العلل في ثقافتنا، أي قناعاتنا، ونوعية القيم التي نؤمن بها، ومعاييرنا وطبائعنا السلوكية، وبعض من موروثنا الاجتماعي الحضاري؟.
هذا التحديق إلى الخارج، وطلب العون من الخارج، والإحساس بالامتداد النفسي العاطفي والعقلي إلى ما وراء الحدود، مع إحساس خفي بالدونية والشعور بالنقص عند كثر منّا، وكأننا في مدار هامشي لمركز آخر، وتفكيرنا الاتكالي بأن الحل لابد من أن يأتي به منقذ من هناك، جعلنا أبداً وسيلة سهلة يمكن استثمارها في لعبة السياسة والمصالح.
لست أقول بأن مشكلاتنا هي من صنع جهات خارجية وحسب.. ولست أقول، بالمقابل، بأن ما نواجهه ليس سوى حالة تخصّنا وحدنا، ونحن مسؤولون عنه تماماً.. فاليوم، بعدما، تعولم كل شيء.. لم تعد مخيّراً في أن تشارك الآخرين مشكلاتهم، أو تبتعد بجلدك عنها.. مشكلات زماننا معولمة في الغالب.. كما لم يعد المرء ينظر إلى مشكلته من زاوية محلية ضيقة.. صار يعي، وأحياناً يتوهم، أن وراء ما يعاني منه قوى ومؤسسات تعمل خلف حدود بلاده.. إذ باتت المجتمعات والحكومات تدرك أن مشكلات الآخرين تهمها كما تهم أصحابها، وأحياناً بقدر أعظم. فالمشكلات نتيجة منطق السوق العالمية المفتوحة، والإعلام الحر، وشبكات التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، وتشكّل المافيات العولمية، والمجموعات الإرهابية العابرة للحدود، ناهيك عن استراتيجيات المؤسسات الاستخبارية التي تضع الكون كله مجالاً حيوياً لها، صارت تنتقل بتأثيراتها النفسية والثقافية، وأفعالها، بسهولة أكبر بكثير مما كان يحصل قبل عقود قليلة. وما الإرهاب الذي يُقلق بيتنا العراقي ويهدده سوى إفراز عولمي لمشكلات تخطت طابعها المحلي، هنا في بلادنا، وهناك، في كل مكان تقريباً من العالم.
أولى علامات الخسارة أمام أي تحدٍ هي الانقياد للعواطف المتقلبة الهشة، والانفعالات غير المنضبطة، والتسرّع في إصدار الأحكام، واتخاذ القرارات اللاعقلانية، وقصيرة النظر. وإذا لم نضع مشكلاتنا في سياقها التاريخي الصحيح، ونعيها بأبعادها وأسبابها الموضوعية، ونتنبأ بعقابيلها على وفق حسابات منهجية، وبقدر معقول من الدقة، ونتهيأ للتصدي لها، فإن ساحتنا الاجتماعية والسياسية ستبقى بيئة لإعادة إنتاج تلك المشكلات وتفريخها.
تحدّثنا كثيراً عن أدوار الآخرين السيئة.. تحدّثنا عن طبيعة اقتصادنا الريعي.. تحدثنا عن تدخل الآخرين المؤذي في شؤوننا.. وهذا كله واقع وصحيح.. لكننا لم نواجه أنفسنا جيداً، ونتحدث بصراحة عن ثغرات ثقافتنا التي تتسلل منها المشكلات، وتتورم من خلالها، وبداخلها.. وتجعلنا، أو تجعل من عقولنا بيئة صالحة لنمو وتكاثر جرثوماتها.
حين نراجع القاموس الذي نستخدمه في أحاديثنا اليومية نجدنا أمام كم هائل من مفردات وعبارات القسوة والعنف.. ليس هذا فقط، فثمة أيضاً ما في جانب كبير من خطابنا السياسي وخطابنا الديني، وهما المغذّيان الرئيسان لخزان أيديولوجيتنا الاجتماعية الواعية واللاواعية، من انفعال مفرط، وعاطفة متورِّمة، وافتقار للمنطق العقلاني السليم، إذ يدعوان، في كثر من نماذجهما، صراحة، أو خفية، إلى كراهية الآخر وإقصائه وممارسة العنف ضده. مثل هذا الخطاب لا يمكن أن ننعته إلا بالفاشية.. المتلقي الذي يتوجه ذلك الخطاب إليه يغدو أحد اثنين؛ إما مدعواً إلى الخروج إلى الشارع وضرب المختلفين معه بيد من حديد، أو قلقاً خائفاً، معرّضاً للتهديد.
أي ثقافة علينا أن نخلق كي نحول دون أن تكون ذهنيات الناس مستعدة لتقبل أفكار لا عقلانية، متطرفة، كتلك التي يدعو إليها ( داعش ) ومن هم على شاكلته؟.. ما هي الآليات الذهنية للتفكير التي يجب تأصيلها تربوياً، وبطرق علمية ممنهجة، والتي تدفع الناس إلى العمل الإيجابي المبدع الخلاق، وليس إلى الحقد وممارسة العنف والتدمير والفساد؟.
لا يمكن للإرهاب أن ينتصر، في النهاية، لأنه ضد منطق الحضارة والتاريخ، وضد الفطرة البشرية السليمة، وضد مصالح الناس في كل زمان ومكان.. ولكنه يمكن أن يشيع الخراب في العمران، ويضرّ بالمصالح، ويخلّف رضوضاً نفسية ومعنوية سيئة عند أكثر من جيل، لا تنمحي آثارها بسهولة. هذه الرضوض، إنْ لم تجد، فيما بعد، بيئة صحية معالِجة ومنتِجة، ستُختزل ترجمتها الثقافية في تعزيز وإشاعة قيم العنف والكراهية.. فلا يمكن إنكار أن نزعة الثأر والانتقام جزء من المنظومة القيمية العشيرية عندنا. كما أن المنتوج الفقهي المصنوع سياسياً، في بعض صفحاته، تقول بتلكم القيم أيضاً.
إنْ لم نعلِّم أبناءنا قيم العمل المنتج والمبدع، وإنْ لم نغرس فيهم حس الجمال، ليكونوا متناغمين مع حيواتهم، وما يحيطهم، ومدركين لمعنى أن يعيشوا بسلام، لن نضمن قطعاً عدم تحوّل نسبة لافتة منهم، لاسيما في بيئة سامة كتلك التي تخلقها حضارة رأس المال البرغماتية المعولمة الباحثة عن الربح بغض النظر عن الثمن الإنساني، إلى مفسدين وقتلة.
لا يوجد داعشي بالفطرة.. داعش نتاج ثقافي اجتماعي سياسي، محلي وعولمي.. هو حصيلة تناقضات وصراعات مجتمعية معززة بهذا السيل الإعلامي الهائج الذي يؤدي، في أحايين كثيرة، دوراً تأجيجياً، وتحريضياً، ومشجِّعاً، من حيث يعلم القائمون على إدارته ذلك أو لا يعلمون. فضلاً عن الدور السياسي والعسكري والاستخباري لجهات أجنبية.
تلوح في الأفق بارقة أمل.. ودوماً هناك، في أحلك ساعات البشر، بارقة أمل.. فالإرهاب الداعشي بات ينحسر ويُهزم عسكرياً، ومعنوياً، ونفسياً، ويخسر حاضناته. لكن هذا لا يعني عدم استمرار الدوعشة ( وهو اصطلاح نحته المفكر الدكتور فارس كمال نظمي وحلله بعمق منهجي لافت في دراسته المنشورة على هذه الصفحة يومي 11 و 14 آذار 2015 ) فكراً وسلوكاً طالما بقيت أسباب انبثاقها واستمرارها قائمة، في أرضيتنا الاجتماعية والثقافية والنفسية.
سنفقد طعم الانتصار. ولن يكون له من معنى.. ولن يكون ذو نتائج إيجابية على مستقبلنا ما لم يرافقه ترصين أسس ثقافتنا الوطنية، وترويج وتأصيل للقيم المدنية الحضارية القائمة على مبادئ العدالة والتسامح والحرية.
إن أول حقوق الضحايا هو ألا تذهب تضحياتهم سدى.. ولابد من أن ينعم أبناء الشهداء وأحفادهم بالسلام والخير، وأن يجدوا فرصتهم في حياة أجمل وأفضل. ولكي تكون لتضحياتهم من معنى، ومغزى حضاري، لابد من البدء بتأسيس بنية تحتية فعالة منتجة لدولتنا المدنية، وإطار سياسي وتربوي وثقافي وحقوقي عصري يلائمها..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,711,481,026
- الكيان العراقي ليس افتراضاً تاريخياً قابلاً للدحض
- إنهم يقتلون الطبيعة: مقاربة في المحنة العراقية
- الصف الثالث، أكاذيب، طائر، ونصوص أخرى
- عن لغة السياسة في الخطاب السياسي العراقي
- أنْ نعيد الاعتبار للحياة
- الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 2 2 )
- الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 1 2 )
- المكان والهوية والاغتراب
- قصة قصيرة؛ مساء عاطل
- السردية التأسيسية للدولة وموقع المثقف
- أيمكن ممارسة الديمقراطية من غير مبدأ التسامح؟
- ثلاث قصص قصيرة جداً
- باتريك موديانو هل يستحق نوبل الآداب؟
- الاقتصاد السياسي للعنف
- موقع الهوية
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 2 2 )
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 1 2 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 3 3 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 2 3 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 1 3 )


المزيد.....




- القوات الأمريكية تكشف عن -اصطدام وشيك- مع دورية روسية في سور ...
- قوات تركية تستهدف مواقع للجيش السوري في إدلب
- تصنيف القتلة -الجنسيين- وفق مؤشرات خاصة
- طائرة -درون- ترصد من الجو الدمار في مدينة أريحا السورية
- الجيش السوري يحبط هجوما كبيرا نفذته مجموعات مسلحة شمال غرب س ...
- ميركل وماكرون يؤكدان لبوتين استعدادهما لعقد لقاء مشترك مع أر ...
- شاهد: بوتين في كل مكان في روسيا
- شاهد: لوحة جدارية في روما تضامنا مع الطالب باتريك جورج زكي ا ...
- فيروس كورونا: كيف تتسبب تسمية الأمراض في مشاكل دبلوماسية بين ...
- شاهد: لوحة جدارية في روما تضامنا مع الطالب باتريك جورج زكي ا ...


المزيد.....

- الاحتجاجات التشرينية في العراق: احتضار القديم واستعصاء الجدي ... / فارس كمال نظمي
- الليبرالية و الواقع العربي و إشكالية التحول الديمقراطي في ال ... / رياض طه شمسان
- غربة في احضان الوطن / عاصف حميد رجب
- هل تسقط حضارة غزو الفضاء بالارهاب ؟ / صلاح الدين محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - الانتصار على الإرهاب بالثقافة