أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الكريم بدرخان - تهافُت الخطاب الإسلاموي المُدافع عن الإسلام















المزيد.....

تهافُت الخطاب الإسلاموي المُدافع عن الإسلام


عبد الكريم بدرخان
الحوار المتمدن-العدد: 4726 - 2015 / 2 / 20 - 00:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



يشعر المسلمون في العالم أنهم مستهدفون، ومظلومون، ومغلوبون على أمرهم. يشعرون أنّ العالم كلّه ضدّهم، دون أي تفكيرٍ باحتمالِ أنْ يكونوا هُمْ ضدَّ العالم. يقارنون بين حالتهم اليوم، وما وصَلَهمْ من تاريخٍ ملفّقٍ منمّقٍ عن دولة الخلافة التي تنشر القمحَ فوق رؤوس الجبال، فيطرحون على أنفسهم سؤالين: 1-ماذا فعلنا بأنفسنا؟ 2-ماذا فعلَ الآخرون بنا؟، ولأنّ إلقاء اللومِ على الآخرين أسهلُ من نقد الذات، نراهم يوقنون يوماً بعد يوم بـ "نظرية المؤامرة" على الإسلام.

وحتى عندما يفكّرون بالسؤال الأوّل "ماذا فعلنا بأنفسنا؟"، فإنهم لا يشخّصون مشكلاتِ واقعهم، تبعاً لأسبابها المادية والتاريخية والسياسية والثقافية، أي تبعاً للأسباب العلمية والمنطقية، بل يردُّون كلَّ مشكلاتهم إلى انحرافهم عن النموذج الكامل، وهو –في نظرهم- الإسلامُ في عصر النبوّة وتأسيس الدولة الأولى. وبالتالي لا يرون الاستبداد السياسي انعكاساً لعلاقات الاستبداد في الأسرة والمدرسة والعشيرة والطائفة، ولا يرون الفساد السياسي والاقتصادي والإداري انعكاساً للفساد المُستشري في علاقات الإنتاج. ولا يرون انتشار الجهل والأميّة والغيبيّة انعكاساً لموقفهم العُمقي الرافض للعلم والتعلُّم والتفكير، والمتشبِّث بالغيبيّات والنقليّات والمرويّات. بل يرون كلَّ ما سبقَ، عائداً إلى الانحراف عن النموذج الكامل، الذي لم يكن كاملاً إلّا في خيالهم.

ومع ظهور التطرّف الإسلاموي العنيف في العقدين الماضيين، ولا سيّما تنظيم "الدولة الإسلامية" اليوم، نراهم يسوقون الحجج والأدلّة للدفاع عن الإسلام المُستهدَف، لكنّ النوايا الطيّبة لا تكفي، فالخطابُ الجاهلُ يحقّق عكسَ النتيجة التي يطمحُ إليها، والمحامي الفاشلُ يخسرُ أكبرَ القضايا المحقة. لستُ بمعرض تفسير أسباب ظهور هذه التنظيمات المتطرّفة، فقد أسهبَ غيري في شرحها. لكني سأتطرّق إلى تهافُت الخاطب الإسلاموي المُدافع عن الإسلام، مشيراً إلى آلياتِ الدفاع السائدة حالياً، مُـفـنِّـداً أساسها الغثّ.


آليات الدفاع المتّبعة اليوم:
--------------------------
1- إبراء الإسلام من مطبّقي الإسلام: أي فصلُ الأيديولوجيا عن السلوكِ المنفّذ لهذه الأيديولوجيا، ويريدُ هذا الخطاب أنْ يُقنع المتلقّي؛ أنّ كلَّ من يطبّق الإسلام -كما وردَ في النصوص المقدّسة والفتاوى- لا يمثّل الإسلام، أي أنّ الإسلام لا يمثّل الإسلام، وبالتالي لا يبقى سوى غير المسلمين كممثلين للإسلام. وللتوضيح: جميعُ الجرائم التي يرتكبها تنظيم "داعش" منصوصٌ عليها في القرآن والسنة، هذا فيما يتعلّق بالحدود المعروفة. أما الحرق فهو مستمدّ من فتوى لابن تيمية (كتاب: الفروع في الفقه الحنبلي)، ومن وصايا أبي بكر لخالد بن الوليد بأنْ يقتل ويحرق ويسبي نساء كلِّ من لا يدفع له الزكاة (تاريخ الطبري). وعندما جاءت مؤسسة الأزهر لتُدين جرائم داعش بوصفها أعمالاً إرهابية، طالبتْ بقتلِ وصلب وتقطيع أيدي وأرجل مقاتلي داعش. وبالتالي تساوى سلوكُ وعقليةُ المُدِين والمُدَان، فكلاهما ينهلان من نفس المصدر، وكلاهما يطبّقان الإسلام نقليّاً، ويمثّلانه.

2- مقارنة الجريمة بجريمة أخرى: يحاول قسمٌ آخرٌ البحثَ والنبشَ في سجّلاتِ الجرائم عبر التاريخ، ليقولوا إنّ الجماعة الفلانية ارتكبتْ نفس الجريمة، وكأنّ الجريمة تُبرَّر بجريمة أخرى!. وكالعادة يعودون إلى تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، فيُشيرون إلى جرائم المسيحيين ليبرّروا جرائم المسلمين. وهُـم –بجهلِهم هذا- يُسيؤون إلى الإسلام أكثر، لأنهم يقارنون بين حادثةٍ وقعتْ قبل ألف عام، وبين حوادث تقع اليوم، فلِمنْ ستكون الغلبة عند المقارنة؟! هذا أولاً. أما ثانياً: يلفتون الانتباه إلى عدم وجود نصٍّ دينيّ مسيحيّ يحرّضُ على العنف والقتل، وبالتالي يمكن للمرء أنْ يحمَّل مسؤولية جرائم المتطرّفين المسيحيين للبشرِ الذين ارتكبوها، أما جرائم المتطرّفين الإسلاميين فهي تطبيقٌ للنصّ. وثالثاً: يذكّرنا هؤلاءِ أنّ الغرب تبرّأ من أفعال الكنيسة وأدانها، وسمّى حقبة سيطرة الكنيسة بـ"عصر الظُلُمات"، أما المسلمون فلا يتبرّؤون من جرائمهم وجرائم أسلافهم، ولا يعتبرون ماضيهم عصرَ ظُلمات، بل يعتبرونه الفردوس المفقود الذي يجبُ إعادته.

3- نظرية المؤامرة على الإسلام: ينطلق نفرٌ من المسلمين في تفسيرهم لواقعهم، من المؤامرة الكونية على الإسلام والمسلمين، حيث أنّ "الغرب" يحاربُ الإسلام لأنه إسلام، وينوي القضاء عليه أو إبعاد المسلمين عنه. في الحقيقة لا تستحق "نظرية المؤامرة" النقاش، لأنها ليستْ نظريةً أصلاً، بالمعنى العلمي للنظرية. لكنْ يمكن دحضُ هذا الطرح الغثّ، بكونِ مصالحِ "الغرب"، لا يرتبطُ تحقيقها أو عدمه، بوجود الإسلام والإسلاميين، بلْ إنّ تشبّث المسلمين بدينهم سلفيّاً، يشكّل الجسرَ الذي تمرُّ فوقه هذه المصالح (مع الإشارة إلى عمومية مصطلَحَيْ "الغرب" و"الشرق"). فكلّما ازداد المسلمون تديّناً وتشبّثاً وسلفيةً، تتحقق مصالح الغرب في البلدان المسلمة بشكلها الأمثل، لأنّ بقاء العقل العربي محكوماً بالغيبية الدينية، والماضوية السلفية، يمنعهُ عن السيرِ خطوةً واحدةً نحو الأمام. ولأنّ بقاء الجسد أسيراً ومكبوتاً ومقيّداً، يزيد من تقييد العقل وتكبيله، فانشغالُ الإنسان بحاجاته البيولوجية، يمنعُ عنه أيَّ فرصةٍ للإبداع العلمي أو الصناعي أو الفكري أو الفني. إنّ تقييد العقل والجسد بالأوهام والتابوهات، يُبقي الإنسانَ المُسلم مُستهلكاً للمادّة والثقافة، ويُقصيهِ من ميدان الإنتاج المادي والثقافي.

4- خطاب التفوق العنصري: وكما يعتقد الطفلُ في الخامسة من عمره، بأنه مركزُ الكون، يعتقد المسلمون نفس الشيء، وكأنّ العالم خُلق لهم ولا يوجد فيه سواهم. وينطلقون من مفهوم "الأمة الإسلامية"، وهو مفهوم مُتخيَّلٌ لا وجودَ له. فالرعيةُ التي كانتْ تضمُّها دولة الخلافة، كان فيها اليهود والنصارى والزنادقة (اللادينيّون) والمنافقون (مَنْ دخل الإسلام خوفاً من السيف). ولعبتْ هذه الفئاتُ أدواراً مهمةً في دولة الخلافة، فمنهم كان الوزراء وكبار الموظفين، ومنهم كان المترجمون، ومنهم أبرزُ الشعراء المجدّدين، ومنهم العلماء الذين يُسمَّون اليوم "علماء المسلمين". كما أن مفهوم "الأمة" (أيَّ أمةٍ كانتْ) ينطوي على تمييز عنصريّ، بأنّ لهذه الأمة صفاتٍ تميّزها عن غيرها من الأمم، وتضعُها في مرتبةٍ أسمى من غيرها.


نحو استبدال الخطاب المُتهافت بخطابٍ عصري:
------------------------------------------------
وبدلاً من الدوران حول المشكلة في حلْقةٍ مفرغة، وبدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين لتبرئة الذات، يمكن للمسلمين بالعموم، وللإسلاميين بالخصوص، أنْ يبدؤوا بنزعِ أشواكهم بأيديهم، وأنْ يسيروا مع السيرورة التاريخية، لا عكسها. وذلك عبْرَ:

1- قراءة التاريخ العربي- الإسلامي قراءةً جديدة، ومن مصادره الأقدم، والإشارة إلى جوانبه المُظلمة بالتوازي مع جوانبه المُضيئة، فليس من المقبول علمياً ولا أخلاقياً أنْ نسقي الناس أوهاماً عن نموذج كامل، لا وجود له إلّا في الخيال.

2- إعادة تأويل النصّ الديني تأويلاً جديداً، وربطه بظروفه الزمانية والمكانية، وبأسباب التنزيل. فلا يوجد شيءٌ صالح لكل زمان ومكان، إلّا في حالة توقُّف الأرض عن الدوران.

3- أنْ نأخذ من الموروث الديني ما يُناسب العصر، ونترك ما لا يناسبه. وأنْ نقيّم الموروث بأكمله وفقاً لعقلية وأخلاق العصر، لا أنْ نقيّمَ الحاضرَ وفقاً لعقلية وأخلاق الماضي. فالعالمُ يسيرُ نحو الأمام، والنموذج الأمثل يُبنى في المستقبل، ولا يُستعاد من الماضي.

4- النظر إلى الشريعة الإسلامية كما هي، بكونها من وضع الفقهاء في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وتتباينُ فيها آراءُ الفقهاء كثيراً، فهي ليستْ تنزيلاً ولا بُنياناً مكتملاً. ومثلما كانت الشريعةُ ثورةً وتقدُّماً في عصرها، فإنها ستكون حتماً، تخلُّفاً ورجعيةً في العصور التي تليها.

5- حصرُ الدين في مكانه الطبيعي، وهو المسجد، ومنعه من التدخّل في مجالاتٍ غير دينية، كالسياسة والقانون والاقتصاد والعلوم والآداب. فهذه المجالات تتغيّر قواعدُها وآلياتُ عملها وطرائقها كلّ يوم، بعكس الدين الذي اكتملتْ رسالته عند وفاة الرسول.

6- حرية التفكير أقدسُ المقدّسات، وتتهاوى جميعُ المقدّسات أمامها. وينتجُ عنها حقُّ الاختلاف بالرأي، وحقُّ احترامِ الرأي المُختلِف. هكذا يسيرُ العالم اليوم، فإما أنْ نسير معه، أو نبقى خارج التاريخ.

وفي النهاية، يمكن للخطاب الجاهل أنْ يضيّعَ الحقَّ، عندما يقومُ على أُسسٍ هشّة، أو عندما يعتمدُ سلوكيّاتٍ مرفوضةً قانونياً أو أخلاقياً. ولنا في الخطاب الإعلامي للثورة السورية، خيرُ مثالٍ على إضاعة الحقّ بين الجهل والغباوة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,051,839,721
- (مارينا) للشاعر: ت. س. إليوت
- قصيدة (رحلة المجوس) للشاعر ت. س. إليوت
- الشاعرة الفرعونية: بيتوحا
- أقدم قصيدة حب في العالم
- فيلم (آغورا).. أجوبة الماضي لأسئلة الحاضر..
- (بانوراما الموت والوحشة) للشاعرة رشا عمران
- نظام الأسد: محدثو نعمة وثقافة وسياسة
- أثر المكوّنات الثقافية في السرد النسائي
- يوميّات الجرح السوري (شِعر)
- المرأة بوصفها رمزاً للحرية - قراءة في مجموعة للشاعر فرج بيرق ...
- دُوَار (شِعر)
- مدينة الأحزان (شِعر)
- في مطلعِ السنة الجديدة (شِعر)
- هذا المساء (شعر)
- سلطة النموذج في العقل العربي
- حمص: الأسطورة تجدّد شبابها
- إلى شاعر معتقل
- هل كان الماغوط معارضاً للنظام؟
- هل العنف ظاهرة دينية؟
- النظام الوراثي.. من الدين إلى السياسة


المزيد.....




- بالصور ..الكاتدرائية المرقسية تحتفل بعيد ميلادها الخمسين
- الجزائر.. المصارف الإسلامية حل اقتصادي أم ضرورة شرعية؟
- جهود لاستعادة أملاك مسيحيين بالموصل
- هيئة الإفتاء الجزائرية: الاحتفال بالمولد النبوي غير جائز شرع ...
- السفير السعودي ببيروت ينفى طلبه منع قرع أجراس الكنائس قرب سف ...
- توجيه اتهامات لمدير عام مؤسسة بحثية أردنية لزيف ادعائه باختط ...
- جهود لاستعادة أملاك مسيحيين بالموصل
- مطران الكنيسة الأسقفية بشمال أفريقيا في زيارة للسودان
- أداء صلاة الغائب على خاشقجي في المسجدين الحرام والنبوي
- فوز موشي ليون المدعوم من الجماعات اليهودية المتشددة برئاسة ب ...


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الكريم بدرخان - تهافُت الخطاب الإسلاموي المُدافع عن الإسلام