أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - أبو بكر الآشي القسم الأول الفصل الأول















المزيد.....

أبو بكر الآشي القسم الأول الفصل الأول


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 4705 - 2015 / 1 / 31 - 15:11
المحور: الادب والفن
    


أبو بكر الآشي القسم الأول الفصل الأول


في إحدى مطالعاتي عن تاريخ الأندلس وأدبها وثقافتها، لفت انتباهي ما غاب عن أذهان المختصين في هذه الميادين، وذلك عندما قرأت "أن المسيحيين الإسبان الذين كانوا يعيشون بين العرب، والذين عرفوا فيما بعد بالمستعربين (Mozarabes)، كانوا يؤثرون استعمال لغة العرب وأسمائهم وأزيائهم، وقد بلغ بهؤلاء المستعربين الأمر حتى نسيان لغتهم، فنظموا من الشعر العربي ما يفوق شعر العرب أنفسهم في الفن والجمال". من اللازم أن أؤكد ما سبق بشهادة للأسقف ألفارو القرطبي في القرن التاسع الذي يشكو مما يجده إخوانه في الدين من لَذة كبرى في قراءة أشعار العرب وحكاياتهم وفي دراسة مذاهب المسلمين وفلاسفتهم لا ليردوا عليها وينقضوها وإنما ليكتسبوا منها أسلوبًا عربيًا جميلاً قويمًا. وبعد أن يطلق آهات الحسرة يقول: "إن الموهوبين من شبان النصارى لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها ويؤمنون بها ويقبلون عليها بنهم. ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها، ويصرخون في كل مكان أن هذه الآداب جديرة بالإعجاب. وإذا حدثتهم عن الكتب النصرانية أجابوك بازدراء أنها غير أهل بلفت انتباههم إليها. واهًا وألف واه! لقد نسي النصارى حتى لغتهم، فلا تكاد تجد بين الألف منهم واحدًا يستطيع أن يكتب إلى صاحب له كتابًا سليمًا من الخطأ، أما عن الكتابة بلغة العرب، فإنك واجد فيهم عددًا عظيمًا يجيدونها بأسلوب منمق...".
الغريب في الأمر أن هذا "العدد العظيم" من المستعربين الذين يتقنون قرض خفايا الصدور باللغة العربية يناقض ما يقوله المختصون بخصوص بعض الجهابذة من المسلمين الذين وصلتنا أشعارهم، فالظاهرة عامة، تكاد تكون مع مرور السنين طبيعية لدى هؤلاء المولعين بلغة تمثل بالنسبة لهم حضارة جديدة أثبتوا أنهم قادرون على استيعابها والتفوق فيها.
ولكن أين ذهبت أشعارهم وباقي إنتاجاتهم الأدبية، غير تلك المنتقاة، التي جمعها كُتاب ارتبطوا ببلاط الأمراء، أي ما لا تسمح به "الرقابة" بلغة عصرنا، أين ذهبت؟ عذبني السؤال، خاصة عندما نعلم أن من بين الإسبان المستعربين من أسلم، وأطلق عليهم العرب اسم المولدين (Muladies) الذين تقول عنهم الكتب مضيفةً: "وقد شكل هؤلاء المسلمون المستجدون طبقة اجتماعية خاصة من أكثر طبقات الشعب انتفاضًا على الحكومة القائمة... ولم يأت آخر القرن الأول بعد الفتح حتى أصبح المولدون –أو المسلمون الجدد- أكثرية السكان في كثير من المدن، وكانوا أول من حمل السلاح، وأعلن الثورة على النظام الجديد". أعلن الثورة على "الغزاة"، ثورة غذتها معتقدات دينية ضد-إسلامية: "مدنسة" للواحد "مقدسة" للآخر، ولكن مقموعة بضراوة، معاقبة بشراسة، في الواقع، وفي التمثيل الأدبي.
لهذا السبب نفهم غياب أدبهم المتمرد، المحتج، الناقم على الأوضاع القائمة، شأن كل أدب معارض، وفي كل أدب أيةً كانت هويته، ومهما كانت عراقته، فقد مُنع في أوائل عهود الإسلام ما كان يدعى بالشعر الماجن في الجاهلية، وعانى بعد ذلك شعراءُ التجديد الشيء الكثير، وعلى مر العصور كلُّ من كان يُتَّهم بالزندقة. هذا النوع الأخير من الأدب، في الشعر على الخصوص، جعلني أفكر في وجود شعر "مدنس" في الأندلس حتمًا من إنتاج المستعربين عامة والمولدين خاصة، لأن بعضهم ظلَّ يبطن النصرانية رغم اعتناقهم الإسلام، أي أنهم مارسوا "الكفر" خفية أو علانية، إلى جانب أنهم كانوا قادرين على نظم الشعر كالعرب، وربما أفضل منهم. بعد انتزاع صبغته الدينية، وبعد إطلاق العِنان للأهواء، يبقى الشعر المعارض أقرب إلى طبيعة المتمرد أيًا كانت أصوله. ونحن إن سلمنا بتواضع هذه الأصول، عندما كان ينظر المسلمون العرب إلى المولدين على أنهم من طبقة دنيا، أي جاهلة، طبقة فلاحين مستعبدين للعمل في الأرض وعبيد معتقين وقفوا أنفسهم على الحراثة أو الأعمال اليدوية، إلا أن من بين هؤلاء كان أناس يتحدرون من عائلات عريقة النسب، أبناؤها قادرون على قرض الشعر المدنس الذي أفترض وجوده بكل بلاغة وكل شجاعة.

* * *

كانت جامعة مدريد حيث أعمل أستاذًا للغة العربية وآدابها قد أغلقت في الصيف أبوابها، ومنذ حوالي شهر، وأنا أعمل في مكتبة الإيسكوريال، مع طالب لامع لي اسمه آميديه، بحثًا عن هذا الشعر الذي أدعوه بالمدنس، في محيط مؤلف من آلاف المخطوطات التي قام فيليب الثاني وخلفاؤه بجمعها من مخازن الكتب العربية بعد انتهاء السلطة الإسلامية في إسبانيا. وحدث –كما يقال- في أوائل القرن السابع عشر، عن الشريف زيدان، الذي غدا سلطان مراكش فيما بعد، حين هرب من عاصمته الأندلسية، أنه أرسل كتب مخزنه في سفينة، ولكن الربان أبى أن يوصل الكتب إلى الميناء المقصود لأنه لم يعطَ أجرته سلفًا، واتجه بسفينته نحو مارسيليا، فوقعت في أيدي بعض قراصنة البحر الإسبانيين، ومنهم انتقلت هذه الكتب إلى غيرهم، فغيرهم، فغيرهم، وأخيرًا إلى فيليب الثالث، فأمر بإيداعها في مكتبة الإيسكوريال. وبهذا، أصبحت المكتبة من أغنى المكتبات بالمخطوطات العربية، الشيء الذي لن يسهّل لي الأمور، إذ تعددت المخطوطات في أصولها: من المغرب أم من إسبانيا؟ وفي أنواعها: في الشعر أم في النثر؟ وهل تلك التي من المغرب نسخت في إسبانيا وتلك التي من إسبانيا نسخت في المغرب أم في مصر أم في الشام؟ خاصة أن المؤلف لم يكن معروفًا، هذا ما أسعى إليه، أن أجد مؤلفين غير معروفين، أو تآليف شعبية لا تنتمي إلى أحد.
عزمت إذن على قضاء العطلة الصيفية بين صفحات الماضي المصفرة المغبرة واحتمال الحرارة الشديدة لسلسلة جبال وادي الرامة، هناك حيث يقع قصر ودير الإيسكوريال شمالي-غربي مدريد، على أن يكون ذلك على الشواطئ الجنوبية مع زوجتي وبناتي الثلاث اللاتي تركنني لشغلي الشاغل دون أن يشأن. لكنهن كن يقدّرن قيمة هذا المشروع عندي، ويعرفن أنه إذا ما تحقق افتراضي تحققت بادرة أدبية لا سابق لها، وكذلك حال المنافع التي سأجنيها من هذا الاكتشاف، والتي فيها فوائد مادية لنا كلنا.
في الدير، استأجرت غرفة لي وأخرى لآميديه، كسبًا للوقت، فلا نضيعه في التنقل بين الإيسكوريال ومدريد. عندما علم الراهب دومينيك، المسؤول عن المكتبة، بضخامة العمل الذي أزمع القيام به، تركني أعمل وطالبي في الليل إلى الساعة التي أشاء، حتى أنه استعد لإعانتي في قراءة ما أجده جديرًا بالقراءة بعد فحصي للفهارس، إذ كان يتقن اللغة العربية كأحسن مستشرق، رغم أنه لم يتجاوز الثلاثين من العمر. شَعَرَ بما سبب لي ذلك من استغراب، فقال دون أن يقصد المزاح إنه يتحدر من عائلة أندلسية مستعربة، لكنه ما لبث أن أوضح، وهو يمسح بيده على برنس الصوف الذي يرتديه (ومن هنا جاءت الصوفية اسم مصدر للمذهب المعروف) أن رجال الدين المسيحيين اليوم لا يكتفون بقراءة الشروح اللاتينية التي كُتبت على الأناجيل المقدسة كما كان يحصل في الماضي تاركين لباقي الشعب تعلم العربية، لقد ترك الناس العربية إلى الأبد، أما رجال الدين، وقد انعكست الآية، فهم الذين يلمون بها تمام الإلمام، من أجل جدارة شِعر العرب حقًا وجماله.
وهكذا، تحت سقف مرسوم بريشة الإيطالي بيلليغرينو تيبالدي، كنا ثلاثتنا نعمل ليل نهار على المخطوطات التي تكدست الرفوف بها، وكان للماضي الذي يفوح منها رائحة غريبة خانقة لم نلبث أن اعتدنا عليها، واعتدنا على نسخ الكلمات فيها، وإن كان النسخ يختلف من خطاط إلى آخر اختلاف الطرق في التعبير عما يجيش في صدر كل واحد من تذوق للجمال حين كان رسم الطبيعة أو تمثيل الكائنات الحية ميدانًا محرمًا على الفنان، كيلا ينافس الخالق في خلقه أو يعلو عليه، ويؤدي به ذلك إلى الإلحاد. هل حصل الأمر ذاته لِما أبحث عنه من شعر مدنس فأُحرق أو دُمر؟ وفيما يخص الخط، التعبير الوحيد المسموح للفنان آنذاك، تحضرني هنا قصة الوزير الخطاط الشهير ابن مقلة، الذي أمر الخليفة الراضي بقطع يمناه، فلم يمنعه ذلك من إجادة الخط بيسراه، فقطعوا يسراه، فراح يشد القلم على ساعده، ويكتب بها، فالنسخ كل ما تبقى للفنان. ومع مضي الأيام، أصبح النسخ مبتذلاً، فقلد الخطاطون بعضهم، ولم تبق سوى بعض الخطوط المعروفة.
نعم، كنا في البداية هيابين أمام كل هذه الكتب المزينة المذهبة المجلدة، وعلى الخصوص أمام ضخامة كل مخطوط، ثم بعد ذلك أمام قيمته الأدبية، إلى أن بدأت هذه القيمة تتحدد بالنسبة للموضوع الذي لم يكن يتعدى ما هو معروف في الأدب الأندلسي من مدح وغزل. وعلى الرغم من الجهد الجبار الذي بذلناه في فحص الكثير من المخطوطات إلا أن منها لم يزل العديد من الرفوف، فلم أقطع الأمل، وقلت لا بد من علامة تدل على ما أسعى إليه، وبقيت أحلم بوجود الأدب المدنس –تحت كل معانيه الدينية والدنيوية- في مكان ما من الإيسكوريال، هو بمثابة السرة في الجسد.

يتبع الفصل الثاني من القسم الأول





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,466,895,902
- علاء الأسواني ومرحلة المرآة
- منيف وجبرا وعقدة الدونية
- تساؤلات حول شارلي هيبدو
- مظفر النواب والنمط الأولي
- سعدي يوسف وعقدة أوديب
- توفيق زَيَّاد وعقدة الخِصاء
- فدوى طوقان وعقدة القضيب
- ملاحظات بلا غضب حول أدب العرب
- افنان القاسم - المفكر والأديب والناقد - في حوار مفتوح مع الق ...
- الدين السياسي سرطان الشعوب
- لم يخلق الله الكون
- الإسلام دراسة سيميولوجية
- ضد الدين وليس ضد الإسلام أو المسيحية أو اليهودية
- سامي الذيب إسهال ثقافي وإفلاس فكري
- موعدي مع القارئ والكاتب للمحاورة في 14 الشهر الجاري
- وقفات سيميائية إزاء النساء في أحاديث نبوية
- بشرية القرآن دراسة سيميائية
- الحركتان الخارجية والداخلية في قصة -صعلوك- لنازك ضمرة
- دمروه ليدمروا الأدب الفلسطيني غسان كنفاني
- محمود درويش وسميح القاسم مرة أخرى ردًا على تداعيات قاسم محاج ...


المزيد.....




- تنصيب رجال السلطة الجدد بمقر ولاية جهة الشرق
- وفاة الممثل الأمريكي بيتر فوندا.. أحد رموز -الثقافة المضادة- ...
- بالفيديو... موقف إنساني لعمرو دياب على المسرح
- الفنانة أمل حجازي تشكر السعودية على تكريمها: -معودين على كرم ...
- الإيرلندي ليس تعاونهما الأول.. ثمانية أفلام جمعت دي نيرو وسك ...
- الشاهنامة الفارسية دعاية الحرب العالمية الثانية.. حكاية هتلر ...
- فنانة برازيلية تعمل على منحوتات فنية -مصيرها الذوبان-
- قرناشي يترأس حفل تنصيب رجال السلطة الجدد بالفقيه بن صالح
- بالفيديو... الفنانة أحلام تفاجئ الجمهور السعودي
- صدور النسخة العربية من رواية -فالكو-


المزيد.....

- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - أبو بكر الآشي القسم الأول الفصل الأول