أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعد محمد رحيم - المكان والهوية والاغتراب















المزيد.....

المكان والهوية والاغتراب


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4694 - 2015 / 1 / 19 - 21:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


فيلسوف مثل جاستون باشلار لا يعنيه المكان العام، المكان المخترق بالسياسة والمنقّع بها.. إنه يبحث في جماليات المكان الخاص/ الشخصي، الدافئ، الأليف، الحميمي، والمفعم بالشاعرية، فديدنه الشعر؛ أي، خلق الصور الشعرية. حيث يتعالق الشاعر والمكان عبر أحلام اليقظة.. يقول: "إن الفكر والتجربة لا يكرِّسان وحدهما القيم الإنسانية. فالقيم المنسوبة إلى أحلام اليقظة تسم الإنسانية في العمق". والمكان، كما يؤكد، إنما يتحدث إلى الشاعر بطريقة خاصة، فيحيل الشاعر مكانه إلى صور شعرية وهي التي تكون بحاجة إلى "ومضة من الروح". من هنا تختلف رؤية الشاعر إلى المكان عن رؤية السياسي، ورؤية المفكر، ورؤية المهندس، ورؤية الإنسان الاعتيادي. وباشلار الباحث في هذا الحقل إنما يبحث عن "تكييف ظاهراتي للصورة الشعرية". مختزلاً الظاهراتية بـ "دراسة بداية الصورة في الوعي الفردي". وفي تناوله الاستثنائي للمكان يبدأ من البيت الذي هو "كيان مميز لدراسة ظاهراتية لقيم ألفة المكان من الداخل". ذلك أن الحياة "تبدأ بداية جيدة، تبدأ مسيّجة، محميّة دافئة في صدر بيت.. ولأن البيت هو مصدر صور متفرقة فإن الخيال يمنح إضافات لقيم الواقع". وطالما كان يعوِّل على الذكريات لإيقاظ جنيّة الشعر فإنه يرى أن "الكثير من ذكرياتنا محفوظة بفضل البيت" ذلك أن "اللاوعي يقطن البيت".
أما ميشيل فوكو المفكر/ الفيلسوف صاحب كتب ( الكلمات والأشياء، أركيولوجيا المعرفة، المراقبة والعقاب، تاريخ الجنسانية، وغيرها ) فيتناول موضوعات السلطة والمكان والجسد والعلاقة فيما بينها من منظور مغاير تماماً، وبمنهجية مختلفة عن تلك التي يستخدمها باشلار، حيث العامل السياسي يكون مؤثراً بقوة. وهو إذ ينطلق من مفهوم الخطاب بعدِّه "دائرة مستقلة"، يسعى لوصف "مختلف الأشكال التاريخية للممارسات الخطابية.. وإجراء وصف موضوعي للطريقة المنظمة التي يدير بها الخطاب ذاته إلى جانب إدارته الممارسات والمؤسسات الاجتماعية". كما أن المفاهيم التي تحضر في خطابه تتوسع وتتشعب ومنها؛ السلطة والمعرفة والجسد، وأنظمة التأديب والتكنولوجيات التأديبية وتقنية التعذيب، الخ.
في إطار شبكة علاقات السلطة يخبرنا فوكو أن "لكل فرد مكانه، وفي كل موضع فرد". وهي العملية التي تجعل من مراقبة الأفراد ممكنة ويسيرة حتى أنها تتم "باقتصاد مذهل في الوسائل". والعقوبة ليست غاية وإنما هي وظيفة اجتماعية معقدة في سياق بزوغ المجتمع الرأسمالي.
تعامل السلطة الجسد ( الفردي ) بحسب فوكو كشيء، وفي كتابه ( المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن ) يشير إلى أنه من خلال التأديب "يدخل الجسم البشري في آلية للسلطة تنبشه وتفكك أوصاله وتعيد تركيبه.. هكذا يصنع التأديب.. أجساداً طيّعة.. فهو يفكك سلطة الجسد، ويجعل منها.. استعداداً وطاقة يسعى إلى تنميتها". وتكون التنمية في حقل الإنتاج تحديداً.. فالجسد لابد من أن يكون متورطاً على الرغم منه في المجال السياسي، "فعلاقات السلطة تعمل فيه عملاً مباشراً؛ فهي توظِّفه، وتطبعه، وتقوِّمه، وتعذِّبه، وتجبره على أعمال، وتضطرّه إلى احتفالات، وتطالبه بدلالات، هذا التوظيف ( الاستثمار السياسي للجسد مرتبط، وفقاً لعلاقات معقدة ومتبادلة، باستخدامه اقتصادياً؛ وإلى حد بعيد، كقوة إنتاج، يزوّد بعلاقات سلطوية". وهذا يتطلب الانضباط الذي ينظِّم فضاءً تحليلياً من أجل المعرفة، ومن أجل التحكّم، ومن أجل الانتفاع". وهكذا يمضي فوكو في سبر التقنيات والوظائف والغايات التي تفرض طرقاً وخرائط خاصة ومعماراً معيناً للأمكنة المعدّة للحالات المختلفة؛ السجون والمدارس والمستشفيات والمصحّات العقلية وثكنات الجيش والمصانع، الخ. الميسِّرة لعمليات المعرفة والتحكّم والانتفاع. وكل مكان من هذه الأمكنة تُقسّم إلى صوامع وساحات وصفوف لخلق فضاءات مركّبة هي في الوقت نفسه: "هندسية وبنائية، ووظيفية وتراتبية، إنها فضاءات تؤمِّن التثبيت، وتيسِّر التجوّل؛ وهي تقطّع أجزاء فردية وتقيم علاقات عمليانية؛ إنها تحدد أماكن وتدل على قيم؛ وهي تضمن طاعة الأفراد، وأيضاً تنظيماً أفضل للوقت وللتحركات".
أما الفاشيات الرثة في البلدان ذات الاقتصاد الريعي فقد اختلقت أو استعارت أو حوّرت تقنيات للتحكّم بالأماكن والأجساد تتساوق وتوجهاتها، وتلائم طبيعتها وطبيعة المجتمع الذي يجري إخضاعه، وهو ما يقتضي احتواء المكان/ الوطن الذي يقطنه ذلك المجتمع. حيث تنبث أو تحاول أن تنبث في المكان عيوناً ترى كل شيء، وآذاناً تسمع كل صوت، ويداً تحمل السوط والسيف، ويداً أخرى تتصدق على الممتثلين بالقطّارة.
السلطة الفاشية تنبث في كل زاوية من المكان، إذ أن موقعها ليس في جزء منه، وإنما تمتد إلى كل جزء.. فالسلطة الفاشية المتوسِّلة بالخوف والترهيب تستحوذ على النفوس.. فأنت تعتقد أن في ذلك الشق من الجدار كاميرا خفية، أو جهاز تنصت. وأن وراء تلك النافذة مخبر يتسمع، وأن ذلك المتسول الأعمى على ناصية الشارع عميل للمخابرات.. وتتوقع مع كل طرقة لبابك رجال الأمن وقد جاؤوا لاصطحابك حتى وإن لم تكن فعلت أي شيء يعادي السلطة.. المكان الذي تحكمه الفاشية يصبح مسكوناً بالأشباح، كدراً وكئيباً، يخيم عليه الرعب.. فلا سلام للنفوس مع الفاشية.. يستحضر الشاعر اليوناني ريتسوس هذه الأجواء فيصورها بشيء من التهكم المرّ في قصيدة له؛
"السلام هو ألا يبعث توقف سيارة في الشارع خوفاً.. السلام هو أن تعني الطرقة على الباب صديقاً".
إن الممارسات التي تفضي إلى تخريب المكان وتقبيحه وعزله لأسباب أمنية وبقصد السيطرة والتحكم هي فاشية في جوهرها.
تعكس هوية الإنسان والمجتمع ماهية وطريقة ومغزى وجودهما في المكان.. مكاني هو مرآة أناي.. مكاننا هو ما نحن عليه.. المكان الجميل، المالك لسحره المائز، يحاكي أرواح قاطنيه، غير أن المفارقة التي علينا توكيدها هي أن المكان الخرب يحاكي أولاً خراب أرواح المستولين على مقاديره، أي السلطة المنبثة في الحيّز العام لذلك المكان..
حين تريد أن تتعرف على مجتمع ما فأحد معاييرك هو النظر إلى مكانه.. مكانه هو صورته، صورة نفسه والتجسيد الحي لهويته، لرؤيته إلى نفسه وإلى العالم، لكيفية تدبير موقعه في العالم، وأخيراً؛ لدرجة رقيّه أو انحطاطه. تلتبس الهوية حين تعلّق خارج المكان، تبقى ناقصة، هلامية، وغير مشبعة.
العامل الأهم الذي يجعل من مكان ما بيئة طاردة للإنسان أو جاذبة له هو طبيعة السلطات المتحكمة به وفيه، واستراتيجياتها ووسائل إدارتها وأهدافها. وكل سلطة تسعى لتحوير المكان وتغييره وتكييفه على وفق نمطها ومنظورها ورؤيتها ومصالحها. وتبعاً لذلك يكون المكان مقفلاً أو مفتوحاً.. السلطة الديمقراطية البانية تمنح المكان أفقاً مفتوحاً فيما الأنظمة الفاشية والشمولية تحوِّل المكان إلى ما يشبه السجن.. يكون المرء في مكانه وغريباً عنه في الوقت نفسه على الرغم من أنه لم يغادره قط، وهذا النمط من الاغتراب تجيد تلك الأنظمة الفاشية والشمولية صناعته..
أتحدث هنا عن حس الغربة والاقتلاع حتى وأنت في مكانك.. ومع الاستبداد تلتبس العلاقة بين الكائن ومكانه، يغدو مكانه غريباً عنه وهذا ما يفضي إلى انحلال هويته القديمة.. هنا يحصل صدع بين ماضي المكان وحاضره، بين الذاكرة واللحظة العيانية.. والسلطة التي تخرّب المكان تخرّب بالتناظر علاقة الإنسان الذي يسكن المكان بمكانه. هذا الانفصال/ الاغتراب هو المقدمة ليفكر الإنسان بالمغادرة، بالبحث عن منفى.. اختيار المنفى هو عملية تبادل للأمكنة.. تغادر مكانك المخرّب الذي لم تعد آمناً فيه وتشعر أنه ما عاد يخصك إلى آخر مؤقت بانتظار استعادة صورة مكانك الأول.
الاغتراب هو أن تشعر بأنك خارج مكانك مرغماً.. أستعير عنوان كتاب إدوارد سعيد وفكرته.. وهذا تخريج سياسي للعلاقة المحطمة بين الإنسان ومكانه بفعل قوة خارجية ( كارثة طبيعية أحياناً، نزاعات مسلحة وحروب وسلطة قاهرة غالباً ).
حس المنفى يكافئ وضع الذاكرة المأسورة.. يعيش المنفي حالة توتر مضنية، مقيماً في نقطة الإرجاء.. المرجّأ هو موقع المنفي وزمنه، وهو موقع هش كما لو أنه على وشك التلاشي والاختفاء. المنفيون الحقيقيون لا يغادرون أمكنتهم الأولى التي تبقى تسكنهم حتى وإن ابتعدوا عنها عشرات آلاف الأميال.. يعيد المنفي ترميم مكانه الأول بالخيال.. إنه يحافظ عليه، على حرارته وخطوطه وألوانه وأشكاله ونكهته وروحه، وعلى أشيائه.. المنفي الذي يثبت زمن مكانه القديم في الذاكرة ويصبح أسيراً لها منذور بصدمة مهولة.
بعد زوال حكم الاستبداد يعود المنفي إلى مكانه الأول ولا يجده.. يجد أطلالاً وخرائب، بالمعنى الحقيقي أحيانا، وبالمعنى المجازي في معظم الأحايين. وفي لحظة واحدة مباغتة وجارحة يدرك أنه خسر رهانه مع الزمان، وأنه في حقيقة الأمر كان قد خسر منذ أمد بعيد وما كان يدري.. في قصة للكاتب العراقي فرج ياسين عنوانها ( سدوم/ من مجموعة؛ واجهات براقة ) يعود رجل بعد سنوات طويلة، بعدما أصيب بالعمى، إلى مكانه الأول ومعه ابنه.. يحكي لولده عن مكانه الذي في ذهنه، ويشير إلى معالم وبنايات وأشخاص؛ تلك التي تختزنها ذاكرته، ويعتقد أن لا تغيير حصل مذ غادر مكانه القديم، فيما يرى ابنه شيئاً آخر.. وبعد بحث، ينهكهما، عن مقهى كبير وعن أشخاص من دون جدوى، يسأل الأب؛ أهذا كل شيء؟ يجيبه ابنه؛ هذا كل ما أرى.
"أرخى الرجل قبضته المشدودة حول عصاه، وتراجع حتى مس قفاه الجدار. وجعل يهبط متراخياً، ثم تربع على أرض الرصيف مصالباً عصاه مع فخذيه، ثم شدَّ طرف ثوب الصبي، فأدناه منه، وأبركه إلى جانبه؛
ـ أحقاً ما تقول؟
ـ والله يا أبي.
ـ لا تقل ذلك لنفسك يا علي.
ـ ماذا يا أبي؟
ـ لا تقل لنفسك أبداً، أننا تجولنا في مدينة معينة ولكننا لم نعثر عليها".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,711,534,850
- قصة قصيرة؛ مساء عاطل
- السردية التأسيسية للدولة وموقع المثقف
- أيمكن ممارسة الديمقراطية من غير مبدأ التسامح؟
- ثلاث قصص قصيرة جداً
- باتريك موديانو هل يستحق نوبل الآداب؟
- الاقتصاد السياسي للعنف
- موقع الهوية
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 2 2 )
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 1 2 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 3 3 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 2 3 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 1 3 )
- الجسد العراقي: التاريخ، الهوية، والعنف
- لماذا يرتد بعضهم إلى الطائفية؟
- الجسد العراقي: السلطة، الثقافة، الهوية
- المثقفون: الحلم العراقي وهوية الدولة
- السلطة، الجسد المعولم، والمجتمع الاستهلاكي
- الهوية وغربة الإنسان في عالم معولم
- الكتاب الإلكتروني والمكتبة الإلكترونية ومجتمع المعرفة: تحديا ...
- السلطة، هوية الجسد، والاغتراب 3 جنسنة الشرق


المزيد.....




- إيران: المرشحون للانتخابات التشريعية يضعون اللمسات الأخيرة ل ...
- مشايخ وأعيان ونخب ليبيا ينددون بالغزو التركي ويطالبون برفع ق ...
- السعودية تمنع وزيرة قطرية من المشاركة باجتماع حول -كورونا- و ...
- المغرب يرفض تدخل البرلمان الهولندي في الشأن الداخلي للمملكة ...
- طعن رجل في مسجد بالقرب من ريجنتس بارك في لندن
- ماهي الشروط الجديدة للهجرة إلى بريطانيا؟
- الوافدون من إيران "ممنوعون" من دخول العراق... والس ...
- شاهد: المجر نحو حظر استخدام المواد البلاستيكية
- طعن رجل في مسجد بالقرب من ريجنتس بارك في لندن
- ماهي الشروط الجديدة للهجرة إلى بريطانيا؟


المزيد.....

- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف
- في التمهيد إلى فيزياء الابستمولوجيا - الأسس الفيزيائية - ... / عبد الناصر حنفي
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعد محمد رحيم - المكان والهوية والاغتراب