أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سلامة كيلة - حول العلاقة بين الليبرالية و الديمقراطية دخول في النقاش الساخن















المزيد.....


حول العلاقة بين الليبرالية و الديمقراطية دخول في النقاش الساخن


سلامة كيلة
الحوار المتمدن-العدد: 1300 - 2005 / 8 / 28 - 11:54
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


أثارت المقالات التي كتبها د. برهان غليون حول العلاقة بين الليبرالية و الديمقراطية، ردوداً متشنّجة من " مستجدّين " في تبنّي الليبرالية و الديمقراطية. الأمر الذي كان يوضّح قلّة إضطلاعهم على تاريخية هذه و تلك، و بالتالي إنحصارهم في العموميات المنقولة شفاهة، أو التي كانت ترد في الأدبيات الشيوعية كرذيلة. لتبدو الليبرالية و الديمقراطية و حاملهما البرجوازي كثالوث لا يمكن فصمه، كان مرذولاً و بات معشوقاً.
لهذا بات يتّخذ النقاش حول الرابط بينها طابعاً حادّاً من قِبل الليبراليين تحديداً، حيث بدا لهم أن الفصم بين هذه و تلك مستحيل نتيجة الرابط الأصلي بينهما منذ المنشأ. و هنا تكون الليبرالية فلسفة، أو هي بالتحديد " فلسفة الحرّية "، و بالتالي فهي هي الديمقراطية. و لما كان من ضمن فلسفة الحرّية حق التملّك، كانت الليبرالية الإقتصادية حتميّة في ترابطها مع الديمقراطية. هذا هو المنطق " البسيط " الذي يستولي على أذهان الليبراليون الجدد، و يبدو كمصفوفة متكاملة، و ترابط لا إنفصام فيه. و لاشكّ في أن التعميم هنا هو الذي يوصل إلى ذلك، حيث تغيب صيرورة التطوّر الواقعي كما الواقع ذاته، و يبقى " التجريد العام " للمسائل و كأنه الروح المخلّدة. هل هذا التجريد صحيح؟
فإذا كانت الليبرالية بدت لأوّل وهلة كفلسفة للحرّية، فقد كانت الحرّية هي الأساس هنا، و كانت الليبرالية فرعاً منها، حيث الحرّية هي التجريد الأعمّ. و بالتالي فقد تمظهرت فلسفة الحرّية في مستويين في إطار فكر عصر النهضة الأوروبية: الحرّية السياسية التي أصبحت هي الديمقراطية، و تتعلّق بطبيعة النظام السياسي و حقوق المواطنين في المجال السياسي. و الحرّية الإقتصادية التي إتّخذت إسم الليبرالية، و قامت على مبدأ الملكية الخاصة و مبدأ حرّية السوق تحت عنوان " دعه يعمل، دعه يمرّ "، و أن حرّية السوق هي التي توجد التوازن فيه. و من هذا التمييز جاء الإنفصال بين المستوى السياسي ( الدولة ) و المستوى الإقتصادي، لأن السوق هو الكفيل بحلّ مشكلات الإقتصاد دون تدخّل الدولة. و هذا الإنفصال بين المستويين كان يعزِّز من الليبرالية الإقتصادية، لكن وضع الديمقراطية مختلفاً.
في هذا السياق سوف نلحظ التناقض الذي حكم العلاقة بين الليبرالية و الديمقراطية منذ نشوء الرأسمالية إلى نهاية القرن التاسع عشر. حيث تطوّرت الرأسمالية القائمة على " المنافسة الحرّة " في إطار نظمٍ إستبدادية، معادية للديمقراطية ( فرنسا منذ بابليون الأوّل، إلى عودة الملَكيّة، إلى نابليون الثالث. و ألمانيا الإقطاعية، ثم سيطرة بسمارك. و حتى بريطانيا التي حصرت حق الإنتخاب فيمن يملك فقط). بمعنى أن القرن التاسع عشر هو قرن إستبداد الرأسمالية، و هو تاريخ للتناقض بين الليبرالية بمعناها الإقتصادي ( أي الرأسمالية ) و الديمقراطية. حيث كان الإستغلال المفرط، و ضخامة " جيش العمل الإحتياطي "، و بالتالي النهب الرأسمالي الذي عمّم حالة الإفقار المطلق، يفرض تحكُّم الطبقة البرجوازية بالسلطة في صيغة دكتاتورية. فالبونابرتية كانت في الأدبيات السياسية مثال النظم الدكتاتورية. هذا الوضع كان يوضّح التباعد التام بين الليبرالية و الديمقراطية، على العكس كان يشير إلى ضرورة الدكتاتورية كمرادف لليبرالية.
و لهذا، مَنْ يدرس تاريخ الحركة الإشتراكية طيلة القرن التاسع عشر، سيلحظ بأن نضالها تمحور حول هدف الحصول على الديمقراطية، بدءاً من الحصول على حق الإنتخاب للطبقات الشعبية، و للطبقة العاملة خصوصاً. كما لتأكيد مبدأ المواطنة و تحقيق العلمانية ( مثلاً كتاب ماركس حول المسألة اليهودية، و مخطوطات 1844 )، قبل أن ترفع شعار تحقيق الإشتراكية، حيث إعتبرت أنه عبر الديمقراطية و من خلال صناديق الإقتراع يمكن أن تفوز الطبقة العاملة بالسلطة. ( يمكن العودة إلى كتاب ارتو روزنبرج " الديمقراطية الأوروبية بين 1845و 1933 " الصادر عن وزارة الثقافة، و ترجمة ميشيل كيلو، الذي يشرح علاقة الماركسية بالديمقراطية آنئذ ). و بالتالي كانت الديمقراطية هي هدف الإشتراكيين بينما كان الإستبداد هو ممارسة الرأسمالية، التي كانت تفرض بكلِّ عنف السياسات الليبرالية. و سنلحظ بأن كل المكتسبات الديمقراطية تحقّقت بفعل نضالات الطبقة العاملة، و مجمل الطبقات الشعبية. كما سنلحظ بأن ترابط الليبرالية و الديمقراطية لم يتحقّق جوهرياً إلا بعد " المساومة التاريخية " التي تحقّقت بين العمل و رأس المال في المرحلة التالية لإنتصار ثورة أكتوبر، و الخشية من " شبح الشيوعية " الذي بات يتكرّس في الواقع. و لكن أيضاً إنطلاقاً من تبلور النمط الرأسمالي كنمط عالمي ( أي إمبريالي )، و بالتالي مقدرة الرأسمال نتيجة سيطرته العالمية على إعادة صياغة التكوين الطبقي الداخلي في مصلحة توسّع الطبقة الوسطى. رغم ذلك، فقد تحقّق الربط بين الديمقراطية و الليبرالية عبر " ثلم " الليبرالية ذاتها بعد الأزمات التي مرّت بها الرأسمالية، و فرضت تعميم السياسات الكينزية، و تكريس " دولة الرفاه ". بمعنى أن هذا الربط بات حقيقياً لحظة تحويل الصراع الطبقي إلى " صراع إجتماعيّ " يقوم على أساس التنافس و ليس التناقض، و الذي عبّر عن الميل العام لدى الطبقة الوسطى تلك، التي باتت أقرب إلى ( أو التي شكّلت ) الحركة الإشتراكية الديمقراطية، التي دخلت في آليات تداول السلطة على أرضيّة النمط الرأسمالي.
هذا التاريخ الواقعي يوضّح أنْ ليس من رابط جدّيٍّ بين الرأسمالية و الديمقراطية، حيث أن الربح هو الذي يحدِّد شكل النظام السياسي، كما أن الليبرالية لا تستدعي الديمقراطية بالضرورة. على العكس من ذلك فإن تحقيق الربح الأعلى كان يستدعي الإستبداد. و إذا كان إستقرار الرأسمالية يمكن أن يقود إلى الترابط بين الليبرالية و الديمقراطية، فإن " ميل معدّل الربح إلى الإنخفاض "( الذي هو قانون في الرأسمالية )، الذي يفرض السعي لنهب " باقي العالم " ( أي كل الأمم المخلَّفة )، و الذي يستدعي فرض حرّية السوق، يفرض أن يكون الإستبداد هو الميل الضروري لرأسمالية المراكز، كما للرأسمالية المحليّة. حيث أن النهب هنا ( كما كان بداية تشكُّل الرأسمالية ) يفرض تعميم قانون " الإفقار المطلق ، و هو القانون الذي تجاوزته الرأسمالية في مراكزها لمصلحة قانون " الإفقار النسبي ". و كما كان النهب في بداية تشكُّل الرأسمالية يفرض الإستبداد، فإن تعميم النهب عالمياً يفرض تعميم الإستبداد كذلك.
بمعنى أن الإنطلاق من تصوّرٍ نظريٍّ " مبتسر " لطبيعة الأفكار في عصر النهضة الأوروبية، قاد إلى بناء تصوّرٍ خاطئ للمسألة مجال النقاش. لأن عمومية مفهوم الحرّية ( التي طبعت فكر عصر النهضة )، تمظهرت في الواقع – كما أشرت – في صيغ محدَّدة فرضت تناقض الليبرالية و الديمقراطية إنطلاقاً من مصلحة الرأسمالية ذاتها، لأن النهب كان يستلزم الإستبداد لقمع حركات المحتجّين الذين يعيشون حالة الإملاق. و حين تجاوزت الرأسمالية هذه المرحلة، بات بالإمكان المزاوجة بين الليبرالية و الديمقراطية، و أيضاً المكتسبات الإجتماعية. الأمر الذي لا يجعل الرابط " أبدياً "، و لا مطلقاً، فالمكتسبات الإجتماعية أخذت تتلاشى بعد إنتصار الليبرالية الجديدة، و وضع الطبقة الوسطى بات يهتزّ نتيجة أزمة الرأسمالية. كما أنه ليس من الممكن سحب الرابط ذاك إلى البلدان التي لم تصبح رأسمالية بعد ( بمعنى صناعية ) رغم تغلغل العلاقات الرأسمالية فيها، لكن المجدولة بالمراكز الإمبريالية. لهذا سيبدو أن الرأسمالية ليست معنيّة بالربط بين الليبرالية و الديمقراطية. على العكس، فقد كرَّست نظماً إستبدادية ( ملكيّة و جمهورية )، لأنها كانت تعمّم الإفقار ( متحالفة مع الإقطاع في المرحلة الأولى )، و تسهِّل نهب الرأسماليات العالمية، الأمر الذي كان يزيد من حالة الإفقار و التخليف و التبعيّة.
و حالة سوريا ما بعد الإستقلال واضحة في هذا المجال، حيث تحالفت مع الدكتاتوريات، و لم يصبح ممكناً نشوء التجربة الديمقراطية القصيرة ( 1954- 1958 ) إلا بفعل النضالات الشعبية التي قادتها الأحزاب الشيوعية و القومية، حيث تشكّل توازن قلق فرض هذه الفسحة القصيرة قبل أنْ يُحسم لمصلحة الوحدة مع مصر. بمعنى أنْ ليست الديمقراطية تلك هي من صنع الرأسمالية لكي يعود الحنين لأيامها. و سنلمس أن كل الأشكال " الديمقراطية " التي مورست في بعض البلدان العربية، مثل مصر قبل ثورة يوليو و بعدها، أو المغرب كذلك، أنها كانت " سطحيّة " و بعيدة عن التعبير عن مصالح المجتمع، فإنحصرت في النخبة الثقافية السياسية، عازلة إيّاها عن الطبقات الشعبية. و كانت الإنتخابات تعيد " حزب السلطة " إلى السلطة بشكل دوريّ، و بالتالي كانت تكرِّس هيمنة الكومبرادور، و كذلك تخلُّف المجتمع. حيث ظلّ طابع الإقتصاد ريعياً، و يعتمد على نشاط قطاع التجارة/ الخدمات/ المال، مما كان يوسِّع من إفقار الطبقات الشعبية.
الفكرة الأساسية هنا، و في واقعنا نحن، تتمثّل في أن الليبرالية الإقتصادية لا تقود سوى إلى التشابك مع المراكز الرأسمالية من موقع تبعيّ. حيث تقود حرّية السوق إلى منافسة غير متكافئة بين المنتَج و المستورَد ( و هذا نتاج خلل تاريخيّ فرضته الرأسمالية ذاتها، و هو يستدعي دراسة تاريخ الرأسمالية )، يؤدي إلى دمار الإنتاج و يقمع الميل الإنتاجي، و تكييف الإقتصاد إنطلاقاً من الربط مع المراكز الرأسمالية، و بالتالي إلى تمركز الرأسمال المحلّي في القطاع الأكثر ربحيّة و أمانٍ، أي قطاع التجارة/ الخدمات/ المال. و هو الأمر الذي لا يقود إلى إستيعاب " جيش العمل الإحتياطي "، و بالتالي يزيد من عدد العاطلين عن العمل. كما يقود إلى إفقار قطاعات واسعة من المجتمع، لأن التراكم الرأسمالي ينزح نحو الخارج في إطار تقسيم غير عادل للثروة تحكمه آليات النهب ( إنخفاض الأجور و إرتفاع الأسعار ). و في هذا الوضع تحافظ البنى التقليدية على إستمراريتها و تصبح أداة تشكيل سلطة " بطركية " مستبدّة. و بهذا يكون هدف السلطة هو الحفاظ على التكوين الإقتصادي القائم، و بالتالي ردع ميل الفئات المفقرة إلى الإحتجاج. و من ضمن ذلك يمكن للسلطة أن تميل إلى عزل " النخبة " عن " الرعاع " عبر شكل " ديمقراطيّ " يحرم النخبة التواصل مع قاعدتها الإجتماعية، عبر إصدار قانونٍ للأحزاب يشرعن وجود الأحزاب دون أن يسمح لها التواصل مع القاعدة الإجتماعية التي تُكبت أو تعبّر عن إحتجاجاتها منفردة.
و بالتالي، إذا كانت المراكز الرأسمالية قد وصلت مرحلة الربط بين الليبرالية و الديمقراطية، فإن ذلك ليس ممكناً في واقعنا، نتيجة كل ما أشرت إليه للتو. و مادام التطوّر الرأسمالي الصناعي ( الذي هو أساس نشوء الرأسمالية في المراكز، و في تطوّرها )مستحيل عندنا، فإن إنفصال الليبرالية عن الديمقراطية يكون ضرورياً و ملحّاً، لأن التطوّر الذي يفترض نفي الليبرالية، يفترض مشاركة طيف إجتماعيّ واسع من جهة، كما يفترض رقابة على آليات التطوّر ذاتها، التي تصبح من مهمة الدولة ( دون منع أية فئة من المشاركة ). و هنا تكون الديمقراطية لصيقة بمشروع إجتماعيّ ( و أشير أنه ليس إشتراكياً لأن المهمات الواقعية سابقة للوضع الذي يسمح بتحقيق الإشتراكية: و التي تُسمّى المهمات الديمقراطية )، يتحدَّد في ثلاثة مستويات: التطوّر الإقتصادي المنتج ( في الصناعة و الزراعة ) و في البنية التحتيّة، ويقوم على الحقوق الإجتماعية و الإقتصادية للطبقات الشعبية، و يتأسّس على الديمقراطية. و هي مستويات مترابطة، و لا يمكن تصنيفها إلى، أوّلاً و ثانياً و ثالثاُ. و بالتالي ستكون الديمقراطية جزء من برنامج شعبي.
و هذه النتيجة ليست نابعة من ميل " أيديولوجيّ ". على العكس من ذلك، فإن الميل " الأيديولوجي " لدي الحركة الشيوعية كان يزوغ عنها لمصلحة الميل لربط الليبرالية بالديمقراطية. و بالتالي فهي نتاج فهم لطبيعة التكوين الإقتصادي العالمي الذي نتج عن سيطرة رأسمالية المراكز. و هذه ليست " خرافة " مدرسة التبعية كذلك كما يشار أحياناً، بل نتاج تحليل آليات الرأسمالية ذاتها، و القوانين التي تحكمها، و مدرسة التبعية إنطلقت من هذا التحليل تحديداً.
ألخّص هنا الفكرة التي بحثت فيها:
1) إن تطوّر الرأسمالية لم ينحكم للفكرة العامة التي أنتجها عصر النهضة الأوروبية، و التي تبدأ من الحرّية لتؤسِّس ترابطاً بين الحرّية الإقتصادية ( الليبرالية ) و الحرّية السياسية ( الديمقراطية )، بل إنحكم لمبدأ الربح. و لهذا قامت الرأسمالية في مرحلتها الأولى على الضد من الديمقراطية، و في حضن الليبرالية. حيث أن الحرّية الإقتصادية كانت تفضي إلى اللاحرّية، نتيجة إنقلاب المساواة القانونية في الملكية إلى لامساواة فعلية، أنتجت القلّة الغنية و الأغلبية الفقيرة. و في هذا الوضع لم يكن سوى الإستبداد وسيلة لضبط " الرعاع ".
2) إن إنتصار الرأسمالية في عدد من البلدان الأوروبية و أميركا و اليابان، و تحوّلها إلى نمط عالمي عبر الإحتلال و الإستعمار من أجل النهب، خلق فجوة هائلة بين المراكز و باقي العالم، في تراكم الرأسمال و التطوّر التقني و الخبرة و حجم الأسواق و القوّة، جعل بناء الإقتصاد في باقي العالم إستناداً إلى الحرّية الإقتصادية يعني الدخول في منافسة غير متكافئة و بالتالي مدمّرة. لهذا بات الرأسمال المحلّي ينزع إلى الهروب من التوظيف في القطاعات المنتجة التي حولها تدور المنافسة. الأمر الذي عنى سدّ إمكانية التطوّر الصناعي و تشكيل رأسماليات منتجة تؤسِّس لتكوين مستقلّ. و بهذا فقد إنفصل التطوّر عن حامله " التاريخي "، أي الرأسمالية، و بات من مصلحة طبقات أخرى.
3) و إذا كانت الرأسمالية في القرن الأوّل من تشكُّلها ضد الديمقراطية، فقد حملت الحركة الإشتراكية الوليدة هذه المهمة، و غدت في صُلب برنامجها. و بالتالي لا يمكن الجزم بأن تناقضاً يحكم العلاقة بين الإشتراكية و الديمقراطية، كما بات يُعمّم بعد إنهيار النظم الإشتراكية. فهذه التجربة لا ترتبط بالفكر فقط، بل هي نتاج التكوين الواقعي، و تأثيره بالتالي على الفكر ذاته ( و هو ما أنتج الصيغة الستالينية للماركسية، أي " الماركسية اللينينية " ). و كما عادت الرأسمالية و ربطت بين الليبرالية و الديمقراطية، يمكن على ضوء تجربة النظم الإشتراكية ذاتها إعادة الربط بين الحركة الإشتراكية و الديمقراطية. خصوصاً أن فكرة ماركس في هذا المجال، كانت تتمثّل في تعميق التحرُّر السياسي عبر التحرُّر الإنساني، و ليس نفي التحرُّر السياسي الذي كان يناضل من أجله. و هنا لم يضع ماركس الحرّية السياسية في مواجهة الحرّية الإجتماعية كما صاغت الستالينية المسألة، بل ضمَّن الحرّية السياسية في الحرّية الإجتماعية ( التي أسماها في البدء: التحرُّر الإنساني ).
4) الليبرالية الإقتصادية عنصر مكرِّس للتخلُّف و الفقر و التبعية عندنا. و لهذا فإن الكتلة الأساسية من الطبقة الرأسمالية التي تميل لفرض الليبرالية، ستكون خارج معادلة التطوّر. لكن دور الدولة الإقتصادي المتمثّل في الحماية من جهة، و الإستثمار من جهة أخرى، و الرعاية الإجتماعية من جهة ثالثة، يمكن أن يؤسِّس لتغوّل السلطة، و بالتالي يقود إلى وضع التطوّر في مواجهة الديمقراطية، خصوصاً و أن هذا الدور يجعل للسلطة قاعدة إجتماعية كبيرة ( و هو الأمر الذي كان يطرحها بديلاً للديمقراطية تحت مسمّى الديمقراطية الإجتماعية ). لكن ذلك، إضافة إلى كونه يؤسِّس لنشوء سلطة مستبدّة، يقود كما أوضحَت التجربة إلى الإنهيار كذلك. لهذا يجب أن لا تكون الديمقراطية مطلباً في مواجهة النظم المستبدّة فقط، بل يجب أن تكون أساس تشكيل السلطة البديلة، في إطار يسمح بالرقابة الشعبية على نشاط الدولة الإقتصادي، كما تحقيق الحرّيات لكل المواطنين لكي يقرِّروا بأنفسهم طريق التطوّر و آلياتها، و يراقبوا تطبيق كل ذلك. من هنا باتت الديمقراطية ملازمة للتطوّر.
على ضوء كل ذلك أعود للتساؤل: هل أن الربط " الأصلي " بين التطوّر و الرأسمالية هو مطلق؟ أقول لا. و هل أن التطوير الإشتراكي ملازم للإستبداد؟ أيضاً أقول لا، و إلا لما كان للتاريخ قيمة، و لما كان للممارسة و التجربة قيمة، و لما كان الفكر في صيرورة من التطوّر تقتضي تضمُّن ما هو حقيقي و الإنتقال إلى ما هو أبعد، و بالتالي تجاوز ما إنتهى.
إن الحتميات التي حكمت " العقل الشيوعي " في الوطن العربي، هي التي تؤسِّس الآن نشوء حتميات جديدة، و تُبقي العقل في قوقعة لا يستطيع تجاوزها، من أجل النظر إلى الواقع. فحتمية تكرار تجربة التطوّر الرأسمالي الأوروبي ( و هي التي كانت مثال الحركة الشيوعية العربية المستندة إلى " الماركسية اللينينية "، أي الماركسية السوفييتية، قبل أن تفرض الحركة القومية سياق آخر، و التي يقول بها تيار الليبراليين العرب – الشيوعيين سابقاً )، هي حتميّة مجرّدة، لكنها مناقضة للواقع لأنها لا تأخذ بعين الإعتبار أن نشوء الرأسمالية في المراكز، و تشكيلها لنمط عالميّ، قد أخلّ بالظروف التي نشأت فيها الرأسمالية الأوروبية/ الأميركية/ و اليابانية، لأن تلك الظروف كانت تشير إلى نشوءٍ عفويّ " طبيعيّ " للرأسمالية في مواجهة الإقطاع، دون قوّة خارجية ضاغطة. بينما غدت الرأسمالية ذاتها قوّة خارجية ضاغطة، و عنصر فِعلٍ داخليّ، عبر التكوين العالمي الذي صاغته بالعنف ( إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، و خلال الحرب الباردة لكن ضمن حدود، و الآن )، و الذي أشرت إليه للتو.
لهذا باتت حركة الرأسمال المحلّي لا تنزع نحو الإستثمار في الصناعة كما كانت تفعل في أوروبا آنئذ، بل باتت تنزع إلى الترابط مع الرأسمال الإمبريالي. الأمر الذي ترك أمر التطوّر الصناعي، و بالتالي المجتمعيّ، على قارعة الطريق.
إذن هذه الحتمية سقطت، و لقد أسقطتها الرأسمالية ذاتها، و لم يسقطها " الوهم الأيديولوجي " كما يجري الإدّعاء. و ربما كانت تجربة محمد علي باشا توضّح ذلك حتماً، لأنها إنتهت بالقوّة، و لقد فرضت الدول الرأسمالية الأوروبية شرطاً في معاهدة 1840 تمنع مصر من تطوير الصناعة. مما كان يؤشّر إلى أهمية هذه المسألة في نظر الرأسمالية تلك، حيث غدت عنصر فِعل من أجل منع التصنيع، الذي يشكِّل أساس كل تطوّر.
هل نبحث عن طرق أخرى لتحقيق التطوّر؟ هذا يفترض تكسير الحتميات، و التفكير بالواقع، و بالتالي تجاوز منطق الماركسية السوفييتية الذي لازال يحكم الليبراليين تحديداًن و الذين إنطلاقاً منه يكرِّرون التأكيد على تكرار تجربة التطوّر الرأسمالي الأوروبية. حيث ستبدو الإشتراكية مستحيلة قبل ذلك كما كان يقول الرفيق خالد بكداش قبل أنْ يُلحق بسلطة البعث، عبر طريق التطوّر اللارأسمالي. دون أن يلاحظ هؤلاء الليبراليين أن ذاك الطريق كان يؤشِّر إلى فشل التطوّر الرأسمالي و إلا لما كان وُجد أصلاً، الأمر الذي دفع بتناقضات المجتمع إلى فرض هذا الشكل من التغيير، الذي كان رأسمالياً في جوهره، و كانت إشتراكيته تعني المساواة التي ستقود حتماً إلى اللامساواة كما نلمس الآن.
بمعنى أن أزمة التطوّر الرأسمالي الحرّ هي التي فرضت دخول الفئات الريفية على خطّ التغيير، و تجييره لمصلحتها ( و بالتالي لمصلحة قلّة منها ). و إذن، هل أن العودة إلى الخيار اليساري القديم ذاته يسمح بأن نتجاوز أزمة التطوّر الرأسمالي؟ سنكتشف بأن تغييراً آخر من قوى تحمل مصالحها الخاصّة، يعصف بنا و يقود إلى إشكاليات جديدة، لأننا نراهن على تاريخ لن يتكرَّر، و نتوهّم سياقاً للتطوّر بات مستحيلاً. و ربما نلهث وراء " أوهام طبقية " لم تَعُد تُجدي.
المسألة هنا، ليست في تغيير الخيارات الأيديولوجية ( و إن ظلّت الخيارات السياسية هي ذاتها في الغالب )، بل في تغيير " العقل " أوّلاً، لكي نتجاوز منطقاً نتوارثه بالولادة، هو الذي حكم وعينا الماركسي، و هو يحكم الآن الوعي الليبرالي، يقوم على العودة إلى " النصّ المقدّس " الذي يصبح هو حاكم الواقع، دون أن يُرى الواقع ذاته، حيث ما من حاجة إلى ذلك. لهذا يصبح التطوّر الرأسمالي، و ترابط الليبرالية بالديمقراطية، هما " المثال " الذي يجب أن ينحكم الواقع له، و إلا فكلّ ما هو غير ذلك هو " أيديولوجيا ".
هذا الأمر جعل النقاش الراهن أقرب إلى السطحية، لأنه يقوم على الربط أو عدم الربط بين الليبرالية و الديمقراطية، مع إستشهادات مجزوءة، و فهم منقوص لما يُستشهَد به، و خصوصاً حينما يجري الربط بتاريخ أوروبا. المسألة هنا ليست ميلاً شخصيّاً، بل حاجة لدراسة الواقع الذي أنتج مفاهيم الليبرالية و الديمقراطية، و أنتج الرأسمالية، و حاجة أخرى لدراسة الواقع القائم الآن، فما يمكن أن يكون صحيحاً في لحظة سيصبح معيقاً في أخرى. بمعنى أن الواقع الراهن هو الذي يحدِّد ممكناته، و ليست تخيّلاتنا الأيديولوجية. و بالتالي إذا كان الهدف هو تحقيق التطوّر الرأسمالي ( وهذا من حقّ أيٍّ كان أن يحكم به ) يجب أن تُلحظ الحاجة الرأسمالية للإستبداد و ليس إلى الديمقراطية، و خصوصاً في عصر سيطرة النمط الرأسمالي عالمياً. أما التكيّف في إطار النمط الرأسمالي الراهن ( العولمة ) فيمكن أن يسمح بوجود متنفّسٍ " ديمقراطيّ "، لكن مع إزدياد النهب و الإستغلال، و بالتالي الإفقار و البطالة و الجوع. دون أن تستطيع الديمقراطية هذه حلّ مشكلات كل هؤلاء المفقرين، و لا في ضبط ردود أفعالهم. الأمر الذي يدفع لحدوث الإنتفاضات و التمرّدات و القلاقل.
إذن، لم تكن الديمقراطية توأم الليبرالية منذ نشوء الرأسمالية. و ليس من الممكن أن يظلاّ متّحدين. و هما نتاج التطوّر الرأسمالي، لكن ليس بالضرورة أن تظلّ الديمقراطية حِكراً على الرأسمالية، فهي ممكنة في كل مجتمع تجاوز تحقيق التراكم الأوّلي و بات مستقراً في المستوى الطبقي. و لقد كانت الإشتراكية إستبدادية لأنها كانت تحقِّق ما حقّقته الرأسمالية في بدء نشوئها ، أي التراكم الرأسمالي. و لأن " الأدوات " ، أي الذين عملوا على تحقيقها، خرجوا من بطن العصر الإقطاعي، و حملوا الوعي البطركي. لهذا تشوّه الحزب الشيوعي، و أعدمت كادراته الأساسية. و بالتالي يمكن أن تترابط الديمقراطية و الإشتراكية حينما " تتمدّن " البلد. و هو الوضع الذي بات ممكناً اليوم بعد التطوّر الهائل الذي شهده القرن العشرين.
ستكون الليبرالية إذن، ضد الديمقراطية الآن، لأنها تفتح أفق النهب و الإستغلال. و أيُّ ديمقراطية ممكنة لن تكون أكثر من هامش في دفتر السلطات المستبدّة. و بالتالي فإن التطوّر يتناقض مع الليبرالية لكنه يفترض الديمقراطية. هل نستطيع بلورة هذا الترابط الذي ينطلق من الواقع القائم؟ المسألة ليست " أيديولوجيا " بل واقع يفرض آليات تطوّره برغم كل مطامح الليبراليين و ميولهم، أو أوهامهم. الليبرالية باتت أداة سيطرة الإحتكارات الإمبريالية، و تشكّل الرأسمالية المحلية التابع، و المعادي للتطوّر و الحداثة. هذه حقيقة توضّحت ليس في مماحكاتنا " الأيديولوجية "، بل في الواقع الذي أبان أن الدول التي ظلّت ليبرالية ( مثل المغرب و الخليج و تونس ) لم تبلغ مستوى التطوّر الذي تحقّق في مصر أو العراق أو الجزائر أو سوريا. على العكس من ذلك ظلّت متخلّفة و تابعة.
الليبرالية ليست السحر الشافي كما كانت تُرسم الإشتراكية. بل هي أساس التبعية و الإلحاق، و لا تجلب الديمقراطية. و بالتالي يجب أن نفكّر بشكل أعمق في واقعنا، لا أن ننتقل من ترداد أفكار إلى أخرى، دون أنْ نمرّ بالواقع ذاته.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,013,272,250
- ثورة اكتوبر ، محاولة للتفكير
- العلمانية كمطلب واقعي
- حين تتجرّد الديمقراطية من علمانيتها
- اليسار السوري في ميله الليبرالي
- مناقشة - مشروع بيان غير شيوعي
- منطق الإستبداد لحظة القرار الأميركي بالتغيير في سوريا
- الماركسية و أفق البديل الإشتراكي: الماركسية في أزمة؟
- مأزق اليسار الديمقراطي و إشكالية الإشتراكية الديمقراطية
- دافوس البحر الميّت
- سياسة أميركا
- ورقة عن الحرب الإمبريالية الصهيونية في المنطقة العربية
- الحركة القومية العربية: تجربة نصف قرن
- مسار الخصخصة في سوريا
- عودة الى الطبقة العاملة
- الحركات الشعبية و دور أميركا
- التغيير التائه بين الداخل و الخارج
- ديمقراطية الطوائف
- أميركا و الأصولية
- منزلقات الأصولية
- الإصلاح ليس ضرورة


المزيد.....




- في السودان ،هل مازلنا بحاجة الى ماركس ؟
- يوسف أبو الفوز في ندوة عن واقع الجاليات العربية
- تهنئة المكتب السياسي الى الشيوعي الكردستاني
- إصابة 20 فلسطينيا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي شمال قطاع غ ...
- حمة الهمامي: الفساد متفشي ومنتشر بشكل خطير جدّا ً
- تصريح صحفي صادر عن ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية
- الحركة التقدمية الكويتية ترحب بقرار إعادة بعض الجناسي المسحو ...
- الأردن تعلن نيتها إنهاء العمل بملحقي “الباقورة والغُمَر”
- الجامعة السنوية لحزب التقدم والاشتراكية: أي نموذج تنموي للمغ ...
- غورباتشوف يرد على ترامب: خطط الانسحاب من المعاهدة النووية -غ ...


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية والدولة الوطنية / لطفي حاتم
- ماذا يقول التاريخ عن الربيع العربي ؟ / فؤاد النمري
- البيان الشيوعي، بعد 170 عامًا - د.سمير أمين / أحمد البلتاجي
- مهمّة الانتخابات هي إصباغ الشرعيّة على النظام - / شادي الشماوي
- المنافسة الاشتراكية والمنافسة الرأسمالية / ارام محاميد
- العولمة الرأسمالية ومناهضة التبعية والتهميش / لطفي حاتم
- نقاش في الحتميات مع مهدي عامل: أحزاب الله اليسارية / محمد علي مقلد
- الفقر العالمي: جريمة الرأسمالية ضد الإنسانية / جوش هولرويد
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (2) / غازي الصوراني
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (1) / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سلامة كيلة - حول العلاقة بين الليبرالية و الديمقراطية دخول في النقاش الساخن