أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - لماذا يكره الأصوليون باب أسباب النزول ؟





لماذا يكره الأصوليون باب أسباب النزول ؟


طلعت رضوان
الحوار المتمدن-العدد: 4624 - 2014 / 11 / 4 - 15:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يكره معظم الأصوليين التعامل مع باب أسباب نزول الكثير من آيات القرآن ، ولا يلجأون إليه إلاّ فى الحالات التى تؤيد وجهة نظرهم. فلماذا هذا الموقف منهم ؟ أعتقد أنّ السبب ليس له تفسير غير أنّ هذا الباب (أسباب النزول) يُوضح أنّ القرآن (باستثناء الآيات التى تناولتْ قصة الخلق والأنبياء وتاريخ الشعوب القديمة الخ) كان ترجمة لواقع مادى وبيئة مُحدّدة وزمن مُعيّن. وعن أسئلة تـُصوّر العرب على أنهم مجرد مرتزقة يسألون عن المنافع المادية مثل (يسألونك عن الأنفال) أو مثل الأطفال عديمى الخبرة فى الأسئلة الساذجة مثل ((يسألونك عن المحيض)) (البقرة/ 222) وعن تلك الآية روى مسلم والترمذى عن أنس أنّ اليهود كانوا إذا حاضتْ المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يُجامهوها فى البيوت)) (تفسير وبيان القرآن الكريم مع أسباب النزول للسيوطى- تأليف محمد حسن الحمصى- رسالة ماجستير فى الشريعة من جامعة الأزهر- الناشر دار الرشيد دمشق- ص76، 77)
وعن أسباب نزول آية ((نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنىّ شئتم)) (البقرة/223) جاء ما يلى ((أخرج البخارى عن ابن عمر قال : أنزلتْ هذه الآية فى إتيان النساء فى أدبارهنّ . وأخرج الطبرانى فى الأوسط بسند جيد عنه قال : إنما أنزلتْ على الرسول رخصة فى إتيان الدبر)) (المصدر السابق- ص78، 79)
والأصوليون الذين يُردّدون أنه تم تحريف التوراة والإنجيل ، فإنّ آية ((ولا تشتروا بآياتى ثمنـًا قليلا)) (المائدة/ 44) جاء فى تفسيرها ((لا تتركوا العمل بآياتى التى فى التوراة لتأخذوا بدل ذلك عوضًا حقيرًا زائلا)) (ص91) وتأكد ذلك فى آية ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)) (آل عمران/23) و((أخرج ابن أبى حاتم وابن المنذر عن عكرمة عن ابن عباس قال : دخل الرسول بيت المدارس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد ، على أى دين أنت يا محمد ؟ قال : على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإنّ إبراهيم كان يهوديًا ، فقال الرسول : فهلما إلى التوراة فهى بيننا وبينكم ، فأبيا عليه فأنزل الله (ألم تر)
وعن أسباب نزول آية ((والمحصنات من النساء)) (النساء/24) روى مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى عن أبى سعيد الخدرى قال : أصبنا سبايا من سبى أوطاس لهنّ أزواج ، فكرهنا أنْ نقع عليهنّ ولهنّ أزواج . فسألنا النبى فنزلتْ (والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكتْ أيمانكم)) يقول إلاّ ما فاء الله عليكم فاستحللنا بها فروجهنّ . وأخرج الطبرانى عن ابن عباس قال : نزلتْ يوم حنين لما فتح الله حنينـًا أصاب المسلمون نساءً من نساء أهل الكتاب لهنّ أزواج وكان الرجل إذا أراد أنْ يأتى المرأة قالت : إنّ لى زوجًا . فسُئل الرسول فنزلتْ (والمحصنات) (ص 129، 130) واضح من تلك الآية وأسباب نزولها أنّ الرجال (العاديين) (كرهوا) معاشرة الأسيرات المُـتزوجات ، بينما (الله) لم يَـكره ذلك وأباح تلك المعاشرة ، وكانت النتيجة أنْ فرح الرجال ومارسوا الجنس مع الأسيرات (المتزوجات) وقالوا ((فاستحللنا فروجهنّ))
وعن أسباب نزول آية ((لا يستوى القاعدون)) (النساء/95) روى البخارى عن البراء قال : لما نزلتْ (لا يستوى القاعدون من المؤمنين)) قال النبى : ادع فلانـًا فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال : اكتب (لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله) وخلف النبى ابن مكتوم فقال : يا رسول الله أنا ضرير فنزلتْ مكانها (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر)) (151) وأسباب نزول آية ((يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى)) (الأنفال/70) روى الطبرانى فى الأوسط عن ابن عباس قال : فىّ والله نزلتْ حين أخبرتُ الرسول بإسلامى وسألته أنْ يُحاسبنى بالعشرين أوقية التى وُجدتْ معى فأعطانى بها عشرين عبدًا)) (226) أى مقابل كل أوقية إنسانـًا ظلمته ظروف المجتمع البدوى الرعوى فصنـّـفته (عبدًا) وعن أسباب نزول آية ((إلا تنفروا)) (التوبة/ 39) أخرج ابن أبى حاتم عن نجدة بن نفيع قال : سألتُ ابن عباس عن هذه الآية فقال : استنفر رسول الله أحياءً من العرب فتثاقلوا عنه. فأنزل ((إلاّ تنفروا يُعذبكم عذابًا أليمًا)) فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم)) (234) ومعنى استنفرهم أى طلب منهم مشاركته فى الغزو، فلما رفضوا جاء القرآن ليُنذرهم بالعذاب الأليم .
ولأنّ القرآن كان يرصد خطى محمد ، سواء فى علاقاته الشخصية أو فى غزواته ، لذلك فإنّ أسباب نزول آية ((ومنهم من يقول إئذن لى)) (التوبة/49) أخرج الطبرانى وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد النبى أنْ يخرج إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس : يا جد بين قيس ما تقول فى مجاهدة بنى الأصفر؟ فقال : يا رسول الله إنى إمرؤ صاحب نساء ، ومتى أرى نساء بنى الأصفر أفتن ، فأذن لى ولا تفتنى ، فأنزل الله ((ومنهم من يقول إذن لى ولا تفتنى)) وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله مثله. وأخرج الطبرانى من وجه آخر عن ابن عباس أنّ النبى قال ((اغزوا تغنموا بنات بنى الأصفر)) فقال ناس من المنافقين : إنه ليفتنكم بالنساء فأنزل الله الآية)) (235، 236)
وعن أسباب نزول آية ((ومنهم من عاهد الله)) (التوبة/75) أخرج الطبرانى عن فلان عن فلان أنّ ثعلبة بن حاطل قال : يا رسول الله ادع الله أنْ يرزقنى مالا. قال : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تـُطيقه ودعا له فاتخذ غنمًا فكثرت. ثم أنزل الله ((خذ من أموالهم صدقة تـُطهرهم وتـزكيهم بها)) فقال ناس ((ما هذه إلاّ أخت الجزية)) (246، 247)
والقرآن يتدخل فى أدق الأمور الشخصية : هل يحق للإنسان الاستغفار لوالديه أم لا ؟ وذلك بغض النظر عن البُـعد الميتافيزيقى فى مسألة (الاستغفار) لذلك جاء فى أسباب نزول آية ((ما كان للنبى والذين آمنوا أنْ يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى)) (التوبة/ 113) أخرج الشيخان من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه الرسول وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبى أميه فقال : أى عم قل لا إله إلاّ الله أحاجج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال النبى : لأستغفرنّ لك ما لم أنـْهِ عنك فنزلتْ ((ما كان للنبى)) ونزل فى أبى طالب ((إنك لا تهتدى من أحببت)) وأخرج الترمذى والحاكم عن على قال : سمعتُ رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلتُ له : أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك. فذكرتُ ذلك للرسول فنزلتْ الآية. وأخرج الحاكم والبيهقى فى الدلائل وغيرهما عن ابن مسعود قال : خرج الرسول يومًا إلى المقابر فجلس إلى قبر وناجاه ثم بكى فقال إنّ القبر الذى جلستُ عنده قبر أمى وإنى استأذنتُ ربى فى الدعاء لها فلم يأذن لى فأنزل الله (ما كان للنبى) وأخرج أحمد وابن مردويه من حديث بُريده قال : كنتُ مع النبى إذْ وقف على عسفان فأبصر قبر أمه فتوضأ وصلى وبكى ثم قال إنى استأذنتُ ربى أنْ أستغفر لها فنـُهيتُ فأنزل الله (ما كان للنبى) وقال الحافظ ابن حجر يُحتمل أنْ يكون لنزول الآية أسباب : منها المتقدم وهو أمر أبى طالب ومنها المتأخر وهو أمر آمنه (أم محمد) (259، 260) وتلك الآية مفتاح لفهم الكثير عن الدين الإسلامى الذى يمنع الابن من الاستغفار لأمه. مع ملاحظة أنّ الابن هنا هو (حامل الرسالة) والأم هى التى (حملتْ) فى الجنين الذى سيُصبح مبعوث السماء ، ورغم ذلك تظل تلك الأم على (شركها) رغم أنها وُلدتْ ونشأتْ قبل بداية دعوة ابنها ، فما ذنبها وما جريمتها لتوصف بهذا الوصف غير العلمى (مشركة) وما حدث مع أم محمد حدث مع والد إبراهيم الذى استغفر لأبيه ثم ((تبين له أنه عدو لله)) فتبرأ منه (التوبة/ 114) وهكذا يرتفع سقف الميتافيزيقا ليقضى على صلة الحب بين الأبناء والآباء ، وإذا كان هؤلاء من (الأنبياء) فالتعميم واجب (مقدس) على كل مؤمن بماء جاء فى كتاب الشعبة الثالثة (القرآن) من الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) ولذلك كان من الطبيعى أنْ نقرأ فى الأخبار عن الابن الذى كفــّر والده ووالدته وقتلهما تقربًا لله وكأنه يذبح (خروف العيد) كما فعل خليفة المسلمين (هشام بن عبد الملك) الذى أرسل إلى واليه فى العراق (خالد القسرى) وأمره بأنْ يقتل (الجعد بن درهم) لمجرد أنه كان من معتنقى فكرة (خلق القرآن) ولأنّ العرب وخلفاء المسلمين لم يعرفوا تطبيق عقوبة الإعدام بالشكل الحضارى لذلك فإنّ الوالى أجـّـل التنفيذ إلى عيد الأضحى وبعد أنْ صلى بالناس قال فى آخر الخطبة : انصرفوا وضحوا تقبل الله منكم فإنى أريد أنْ أضحى اليوم بالجعد بن درهم ثم نزل من على المنبر وذبحه ذبح الشاة (أحمد أمين - ضحى الإسلام - ج3 هيئة الكتاب المصرية- عام 99- ص 162)
وفى القرآن آيات عديدة جاءتْ لتـُعالج الواقع والأحداث وتؤرخ لتفاصيلها مثل آية ((ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين)) (الحجر/24) فروى الترمذى والنسائى والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال : كانت امرأة تـُصلى خلف الرسول حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون فى الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم فى الصف حتى يكون فى الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله الآية)) (266، 267)
وفى آيات أخرى يبتعد القرآن عن الواقع ورصد ما فيه ، ليُحلق فى سماوات الميتافيزيقا فيجعل النمل يتكلم كما فى سورة النمل ، أما الشرح كما ورد عند كثيرين فهو درجة رفيعة من الفانتازيا حيث ((خرج سليمان بن دواد يستسقى فإذا بنملة مستلقية على ظهرها ، رافعة قوائمها إلى السماء وهى تقول ((اللهم إنـّا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن سقياك وإلاّ تسقنا تهلكنا فقال سليمان : ارجعوا فقد سُقيتم بدعوة غيركم)) (301) خيال تجاوز خيال إيسوب المنسوب إليه كتابة العديد من القصص التى يدور فيها الحوار بين الحيوانات ، ولم أجد عند إيسوب أو غيره من مؤلفى الحكايات التى أبطالها من الحيوانات ذلك الخيال الذى يجعل النملة ((تستلقى على ظهرها)) ومع التجاوز عن أنّ النملة رفعتْ قوائمها وخاطبتْ السماء من أجل الاستسقاء ، باعتبار أنّ ذلك يدخل ضمن باب الميتافيزيقا ، فهل للنملة قدرة على أنْ تسلتقى على ظهرها ؟ وهل حجم النملة يُستبان منه (ظهر) و(بطن) ؟
وعن أسباب نزول آية ((وما أرسلنا من قبلك)) (الحج/52) أخرج ابن أبى حاتم وابن جرير وابن المنذر من طريق بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : قرأ النبى بمكة (والنجم) فلما بلغ (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلا وإنّ شفاعتهنّ لتـُرتجى ، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا فنزلتْ (وما أرسلنا) (304، 305) وعن أسباب نزول آية ((ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرّعون)) (المؤمنون/76) أخرج النسائى والحاكم عن ابن عباس قال : جاء أبو سفيان إلى النبى فقال : يا محمد أنشدك الله والرحم قد أكلنا العلهز يعنى الوبر والدم فأنزل الله (ولقد أخذناهم الخ) وأخرج البيهقى فى الدلائل بلفظ ابن إياز الحنفى لما أتى به النبى وهو أسير خلى سبيله وأسلم ، فلحق بمكة ثم رجع فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلتْ قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبى فقال : ألستَ تزعم أنك بُـعثتَ رحمة للعالمين ؟ قال : بلى . قال : فقد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلتْ الآية)) (306، 307) فمن هذه الآية وأسباب نزولها يتبيّن أنّ أبناء قريش كانوا لا يجدون ما يأكلونه لدرجة أنهم يُسكنون آلام الجوع بأكل الوبر، وأنّ النبى الذى زعم أنه رحمة للعالمين (وفق كلام أبى سفيان) فإذا به يقتل الآباء بالسيف .
وعن أسباب نزول آية ((الزانى لا ينكح إلاّ زانية)) (النور/3) أخرج النسائى عن عبد الله بن عمرو قال : كانت امرأة يُقال لها أم مهزول وكانت تـُسافح فأراد رجل من أصحاب النبى أنْ يتزوّجها فأنزل الله (والزانية لا ينكها إلاّ زانٍ أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين) وأخرج أبو داود والترمذى والنسائى والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يُقال له مزيد يحمل من الأنبار إلى مكة حتى يأتيهم وكانت امرأة بمكة صديقة له يُقال لها عناق ، فاستأذن النبى أنْ ينكحها (= يتزوّجها وفق اللغة العربية) فلم يرد عليه حتى نزلتْ الآية. وعن سعيد بن منصور عن مجاهد أنّ الناس كانت تـُشجع الرجال على الزواج من (الزانيات) فنزلتْ الآية بتحريم ذلك (307) وتلك الآية وأسباب نزولها تجعل العقل الحر يتساءل : أليس الزواج من (الزانية) درجة عالية من الرقى والرحمة ، لأنّ الرجل الذى يقبل الزواج منها (وهو يعلم ماضيها) فإنه يُنقذها ويُخلصها من الاستمرار على وضعها المنبوذ أخلاقيًا والضار صحيًا ؟ أى أنّ تحريم الزواج من (الزانية) يجعل الظاهرة مُستمرة ، ولماذا اشترط النص القرآنى أنْ يتم (النكاح) بين الزانى والزانية فقط ، أى لماذا جاء على سبيل الحصر، ولم يُوسّع القاعدة ويجعل هذا الزواج مُـتاحًا للجميع ، وهو السبيل الوحيد لفتح باب (التوبة) ؟ تلك أسئلة لم ولن تخطر على عقل أى أصولى أسير النصوص ، بينما يطرحها العقل الحر لأنه يعى أنّ اللجوء إلى ما يُسمى (زنا) له أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لذلك فهو مع الرحمة بالمخطىء .
وعن أسباب نزول آية ((والذين يرمون أزواجهم)) (النور/6) والأدق لسهولة القراءة والفهم (والذين يرمون زوجاتهم) أخرج البخارى عن طريق عكرمة عن ابن عباس أنّ هلال ابن أمية قذف امرأته عند النبى فقال له النبى : البينة أو حدّ فى ظهرك فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فقال النبى : البينة أو حدّ فى ظهرك ؟ فقال هلال : والذى بعثك بالحق إنى صادق ولينزلنّ الله ما يُبرىء ظهرى من الحد. فنزل جبريل بالآية فقرأ حتى بلغ ((إنه لمن الصادقين)) ولما نزلتْ (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء (الأدق لغويًا شهود لعدم اللبس بين شهداء المعارك) فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا)) قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا نزلتْ يا رسول الله؟ فقال الرسول : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ قالوا : يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور. والله ما تزوّج امرأة قط فاجترأ رجل منا أنْ يتزوّجها من شدة غيرته. فقال سعد : والله يا رسول الله إنى لأعلم أنها الحق وأنها من الله ولكنى تعجبتُ أنى لو وجدتُ (لكاع- يبدو أنها زوجته) قد تفخذها رجل لم يكن لى أنْ أنحيه ولا أحرّكه حتى آتى بأربعة شهداء (أى شهود) فوالله لا آتى بهم حتى يقضى حاجته. واجتمعتْ الأنصار وقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة ، الآن يضرب رسول الله هلال بن أميه ويُبطل شهادته فى الناس (من 307- 309) وهذه الآية وأسباب نزولها تؤكد على 1- القرآن (بدون قصد) وصف ذلك المجتمع الرعوى الذى يسكن فى الأكواخ والعشش التى يسهل تـلصص الناس على بعضهم البعض (وهو المعنى المُستفاد من النص على أربعة شهود) 2- القرآن لم يضع فى حسبانه مجتمعات أخرى وعهود أخرى يسكن فيها الناس داخل بيوت وشقق مغلقة 3- ومعنى ذلك أنّ تلك الآية توقف العمل بها منذ نزولها والسبب أ- استحالة وجود أربعة شهود كما قال سعد بن عبادة وأنه لو فعل وأحضر الشهود يكون الرجل قد تفخــّـذ زوجته وقضى حاجته ب – ما حدث مع المغيرة بن شعبة والى عمر بن الخطاب على البصرة. حيث كان جاره أبو بكرة جالسًا فأزاحتْ الريح باب كوة مشربة المغبرة فقام ليغلقه فشاهد المغيرة بين ساقىْ امرأة وشاء حظ المغيرة السيىء أنْ يكون لدى أبى بكرة ضيوف فأشهدهم على الواقعة وسألهم عن المرأة فتعرّفوا عليها وقالوا إنها أم جميل ابنة الأفقم إحدى بنات بنى عامر بن صعصعة ، فمنعوا المغيرة من إقامة الصلاة وأرسلوا إلى عمر بالخبر. فأرسل إليهم أبا موسى الأشعرى ومعه رسالة إلى المغيرة نصها ((أما بعد فإنه بلغنى نبأ عظيم فبعثتُ أبا موسى أميرًا فسلــّم ما فى يدك والعجل)) فارتحل المغيرة ومعه الشهود الأربعة وهم أبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد وسألهم عمر فوصفوا واقعة الزنا إلاّ زياد الذى تلجلج فذكر أنه لم يشهد المرود فى المكحلة (أى لم يشهد عملية الايلاج) ولكنه شهدهما عارييْن وقال ((رأيتُ استيْن مكشوفتيْن)) ورغم ذلك كان قرار عمر بجلد الشهود الثلاثة بتهمة القذف (تاريخ الأمم والملوك – الطبرى- ج3 مؤسسة الأعلمى – بيروت – لبنان- من ص168- 170) ومع ملاحظة أننى حذفتُ الكثير من الأوصاف الخادشة للحياء التى ذكرها الطبرى . فلماذا جلد عمر ثلاثة لمجرد أنّ الرابع لم ير عملية الدخول والخروج كما المرود فى المكحلة؟ وهل معنى ذلك أنّ ذاك المجتمع لم يعرف (الملايه أو اللحاف) عند جماع الرجل بالمرأة ؟ كما يحدث لدى الشعوب المتحضرة ، حتى فى عز حرار الصيف ؟ ولماذا لم يكتف (أى عمر) بأنّ الشاهد الرابع أكد على رؤية المغيرة بن شعبة والمرأة عارييْن؟ وهل معنى ذلك تشريع (عُمرى) بإباحة مثل هذا الفعل دون عقاب كما فعل عمر مع المغيرة وعفا عنه ؟ أم السبب انحياز عمر ل المغيرة ولديه أسبابه الخاصة فى العفو عنه ؟ خاصة وأنّ المغيرة كان واليه على البصرة . والدليل على موضوعية تلك الأسئلة أنّ النص القرآنى لم يشترط حكاية الدخول والخروج كما المرود فى المكحلة ولكنه اشترط أربعة شهود بدون الدخول فى التفاصيل .
وهكذا فإنّ باب أسباب النزول يكشف طبيعة ذلك المجتمع الرعوى ، وحالة الفقر الحضارى لدرجة أنْ تسأل النساء عن (المحيض) ويسأل الرجال عن مدى (شرعية) إتيان المرأة من دبرها ويسألون عن ماذا يفعلون لو ضبطوا زوجاتهم مع رجل يمارس معها الجنس ، ويسألون عن (شرعية) الاستمتاع بالبنات والسيدات اللائى لهنّ أزواج ويقعنَ فى الأسر. وقول ابن عباس أنّ النبى قال ((اغزوا تغنموا بنات بنى الأصفر)) وكذا عدم الاستغفار للوالديْن . وكيف كان المسلمون يذهبون إلى المسجد لمشاهدة جسد المرأة أثناء الصلاة كما ورد فى أسباب نزول الآية 24من سورة الحجر. لكل ذلك يخشى الأصوليون التعرض لباب أسباب النزول رغم أهميته القصوى فى التعرف على ذلك المجتمع وعلى هؤلاء البشر الذين خاطبهم القرآن.
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- بشأن منح جائزة ابن رشد للغنوشى
- العلاقة بين الإرهاب والغزو والنهب
- الأصولى وتوقف النمو العقلى
- بشر يحاكمون الحيوانات والحشرات (3)
- بشر يُحاكمون الحيوانات والحشرات (2)
- بشر يُحاكمون الحيوانات والحشرات (1)
- دراما حياة ومقتل عثمان بن عفان
- الجمل وصفين وبحور الدم
- القرآن والأحاديث والسيرة والغزو
- هامش على أحاديث وسيرة (نبى) العرب (3)
- أحاديث (نبى) العرب محمد (2)
- قراءة فى أحاديث (نبى) العرب محمد (1)
- مغزى تعدد أسماء الآلهة
- الجسد بين الإنسان والوطن إبداعيًا
- العلاقة بين الواقعى والغرائبى فى (ماكينة الأحلام)
- حنان الشيخ وروايتها البديعة مسك الغزال
- ذيح الابن فى تراث الشعوب القديمة
- الأدب الإسرائيلى ومجابهة الصهيونية
- الخيال والواقع فى الأسطورة الأوزيرية
- القومية العربية والقومية المصرية : نقيضان


المزيد.....




- -بوكو حرام- تشن هجوما على مدرسة للبنات في نيجيريا
- نيجيريا تدين 205 مشتبه بهم من بوكو حرام
- التحقيق مع كاتب سعودي طالب بتقليص عدد المساجد
- التحقيق مع كاتب سعودي طالب بتقليص عدد المساجد
- #السحيمي_يطالب_باغلاق_المساجد: غضب بعد دعوة كاتب سعودي لتقلي ...
- المسلمون واليهود يعارضون حظر ختان الذكور في آيسلندا
- كاتب سعودي يطالب بتقليص عدد المساجد
- إلهام المانع تتحدث عن مبادرة المسجد الشامل
- في تركيا العلمانية.. تفرض الشريعة تدريجيا
- الإسلاموية وأدلجة التاريخ


المزيد.....

- المتأسلمون بين نظرية المؤامرة والشوفينية / ياسين المصري
- سوسيولوجية الأماكن الدينية بين البنية المزدوجة والوظيفة الضا ... / وديع جعواني
- وجة نظر في البحث عن ثقافة التنوير والحداثة / ياسين المصري
- إستراتيجية الإسلام في مواجهة تحدي الحداثة كلود جيفري ترجمة ح ... / حنان قصبي
- سورة الفاتحة: هل هي مدخَل شعائري لصلاة الجَماعة؟ (2) / ناصر بن رجب
- مقدمة في نشوء الاسلام (2) / سامي فريد
- تأملات في ألوجود وألدين - ألجزء ألأول / كامل علي
- أسلمة أردوغان للشعب التركي واختلاط المفاهيم في الممارسة السي ... / محمد الحنفي
- سورة الفاتحة: هل هي مدخَل شعائري لصلاة الجَماعة؟ (1) / ناصر بن رجب
- لم يرفض الثوريون التحالف مع الاخوان المسلمين ؟ / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - لماذا يكره الأصوليون باب أسباب النزول ؟