أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - فاطمة الفلاحي - حوار مع الدكتور الناقد محمد عبد الرضا شياع في- القيم الفاعلة والإرتكاسية -، من -بؤرة ضوء- الحلقة الثانية















المزيد.....


حوار مع الدكتور الناقد محمد عبد الرضا شياع في- القيم الفاعلة والإرتكاسية -، من -بؤرة ضوء- الحلقة الثانية


فاطمة الفلاحي

الحوار المتمدن-العدد: 4511 - 2014 / 7 / 13 - 16:47
المحور: مقابلات و حوارات
    


حوار مع الدكتور الناقد محمد عبد الرضا شياع في" القيم الفاعلة والإرتكاسية "، من "بؤرة ضوء" الحلقة الثانية

يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الفقر:" العطاء العادل وسيلة القضاء على الفقر"

ولكن في العشر سنوات الأخيرة ، انقسم الشعب العراقي إلى طبقتين ، الأولى طبقة الرأسمالين المتمثلة بكل من له منفعة مع رجالات السلطة ، والثانية طبقة المدقعين فقراء تحت خط كسرة الخبز ..

2.أ - أ هناك من سبل ناجعة لنشر الوعي - البوليتاري - في صفوف طبقة المدقعين ، ليتمكنوا من انهاض القدرة التنافسية لإسقاط سيطرة نفوذ الرأسمالين الجدد في كل مفاصل الوطن ؟

يبدو سؤالك ذا قيمة مركّبة الأولى في ابتنائه والثانية في ما تمنحه للمتلقي من قلق يدعو إلى تأمل المصطلحات الواردة فيه وهذا يتطلّب قبل الدخول في الإجابة معاينة المقدمات التي أدّت إلى الوضع الراهن، لأن تجاوز المقدمات لا يمنح الإجابة قيمة المتن بقدر ما يجعلها نتائج لا تنهض على إشكاليات ينبغي للمتصدي لها أن يتأملها ويقول.
أرى أن أعاين المقدمات التي أجدها ماثلة في مرحلة الحكم السابق حيث شعار الاشتراكية الذي كان واحداً من الأهداف الثلاثة التي سار بموجبها النظام الاقتصادي السياسي المرتهن للتغيير الذي وقع عام 1968 فالذي لم يشهد إرهاصات هذه المرحلة يكون قد قرأ عنها وعن الشعارات التي رافقتها على الصعيد السياسي الذي سخّر كلّ الإمكانات التي تتوافر عليها قدرات (دولة) سواء أكان على الصعيد الإعلامي أم الجماهيري، وحتى الأحزاب الموجودة في الساحة بغض النظر عن مدى فاعليتها لم تكن تتقاطع مع اسم الحزب الحاكم (حزب البعث العربي الاشتراكي) وما يعنيني هنا لفظ (الاشتراكي) وقد استشعر المجتمع العراقي أنّه سائر في هذه الطريق بخاصة في منتصف سنوات سبعين القرن الماضي، ولاسيما بعد تأميم النفط واستشعار الجماهير أن البلاد سائرة نحو نظام اشتراكي يكون فيه (نفط الشعب للشعب) وإن على الصعيد الإعلامي فقط، إذ تعلمين مدى وعمق تأثير الإعلام على مجتمع يعاني من الأميّة، ويعيش حالة وعي طوطمي يقدّس الرمز خاصة إذا كانت الأضواء مسلّطة عليه، والذي جعل عامة الشعب يصدّقون معطيات المرحلة ويتفاعلون معها مستبشرين بتلك الزيادات التي طرأت على المرتبات، وإن لم تكن ذات اعتبار يخلق الرفاه أسوة بالدول النفطية المجاورة، نستثني من هذا أصحاب الإيديولوجيات الذين كان تأثيرهم محدوداً لسببين اثنين؛ يتمثل الأول في محدودية القدرة الإعلامية، والآخر في الطرح العالي أو المتعالي الذي لا يفهمه شعب يعيش حالة من التردي المعرفي والثقافي وإن بدا غير ذلك، وأنا هنا لا أريد أن أمارس لعبة جلد الذات، أو نقد المرحلة وتسجيل موقف ضدها، وقبل هذا وبعد لا أريد أن أجرح كبرياء الشخصية العراقية التي تحسّ بالعظمة التي تشبه حالة تورم الذات، لكنني أقدم قراءة في الأقل هكذا أراها.

نتقدم خطوة في قراءة سنوات السبعين ليطفو على السطح شعار آخر (نفط العرب للعرب) والمحلل النابه يدرك أن هذا الطرح الاقتصادي المرتهن بما هو سياسي لا يرتبط بمشروع قومي، وإنما ستتضح نتائجه لاحقاً بأنّه يهدف إلى استقطاب القومي إلى ما هو محلي ولا أقول قطري، حيث سيتجلّى هذا في الانقلاب ذي النفس الطويل المتمثل بتسنم صدام حسين للسلطة وإقصاء البكر وجلّ الرفاق المؤمنين بالمشروع القومي ولو حضر فيه تقاطع سؤال الولاءات في منظومة الحزب الواحد الذي سنشهد له سيفاً واحداً وإن قال لن أكون إلا سيفاً من بين السيوف، ولن أكون الفارس الأوحد، بل سأكون فارساً من بين الفرسان، بيد أن النتيجة أمست سيفاً واحداً بيد فارس أوحد، لكن هذا السيف كان هو النفط الذي به يحيي ويميت هذا الفارس، والذي به أمسى (صدام كلّ العرب)!

ما الذي جرى؟ وما علاقة هذا بالنظام الاقتصادي المتسق وأهداف حزب البعث العربي الاشتراكي (وحدة حرية اشتراكية)؟ هنا بيت التخلّص وهنا يكمن مقتل الرجل، إذ سرعان ما بدأ التبشير بنظام اقتصادي جديد يجافي الحقيقة من يقول أملتها ظروف حرب جاءت على الأخضر واليابس؛ لأن الذي يغامر بحرب كونية لا ينبغي له أن يكون مقامراً هكذا نقول افتراضاً، لذلك ظهرت شعارات جديدة لا أدري إذا أطلق عليها مصطلح الخوصصة أم الخصخصة وهو الأصح، لكن اليافطة العريضة تضمنت عبارة (تحويل القطّاع العام إلى خاص) وسيجد المحلل الذي لا يحتاج إلى نباهة كبيرة أن هذا المشروع كان يهدف إلى تحويل ثروة الشعب بيد أفراد من الشعب، وهنا ظهر بقوة معنى الملكيّة الخاصة التي تشهد عليها المزارع بأنواعها والمصانع وعملية التبادل التجاري التي لا تحتاج إلى إغماضة عين للتأمل؛ إذ ما المقصود بالتبادل التجاري هنا؟ أظن بأن هناك تصديراً للنفط واستيراد احتياجات الدولة وهذا أمر مشروع لا غبار عليه، لكنّه مشروعٌ آخر عندما تُحتكر عملية الاستيراد بيد أشخاص معينين بدأت الأموال تنزف تحت أقدامهم نزيف الدماء تحت أجساد الفقراء حراس البوابة الشرقية، فحتى التعويضات التي كانت تُقدّم لأسر الشهداء انحسرت فيما بعد، بل حتى الشهداء أنفسهم أضحوا درجات تفوق تدرج طبقات المجتمع الذي بدأ يشهد شروخاً اعترف بها هرم القيادة، ولكن بتبرير يدعو إلى صمود به يُصنع النصر، صمود يتطلب شد الحزام على البطن وترشيد الاستهلاك، حتى أضحى أبناء الطبقات التي تعيش تحت خط كسرة الخبز بتعبيرك يقولون فاكهتنا البصل، فبماذا نرشّد الاستهلاك ونحن لا نعرف لسواه معنى، مستذكرين تصريح عزت الدوري عندما كان وزيراً للزراعة أن عام 1980 سيكون عام الحبوب نظراً للخطط الزراعية المتقدمة التي وضعتها الوزارة للمشاريع الإنمائية، وإذا بعام 80 يصبح أكثر الأعوام استيراداً للحبوب، ناهيك عن كارثة الحنطة المسمومة التي حصدت في سنوات السبعين المئات من أبناء الفقراء الذين لا يجيدون التفريق بين حنطة مسمومة وأخرى مصبوغة اعتقاداً بأن القيادة الحكيمة قد خضّبتها بالمطيّبات، لكنّها كانت صبغة الموت التي بها تلوّن زاد الفقراء.

هكذا بدأت الخطوط البيانية تعلن عن نسبة (الرأسماليّة) في المجتمع العراقي ولا نغالي إذا قلنا على قياسات الاقتصاديين الغربيين أن 10% مَن يمتلك الثروة فيما الـ 90% يتناوبون الحضور في فضاءات الحرمان، ولعلّ الشاهد على هذا الانحراف عن أهداف الحزب الحاكم ما رصدته الصحافة الكويتيّة في لقاء مع صدام حسين حيث كان السؤال الذي وجهه الصحفي الكويتي لمفكّر الحزب وقائده ]أورده بالمعنى[: كيف أنتم دولة تنتهج نهجاً اشتراكيّاً وتحوّلون القطاع العام إلى خاص؟ فحار صدام عن الإجابة،} كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران{ ولكنّ الصحفي أصرّ على السيد الرئيس ليصر السيد الرئيس من طرفه على إحالة الصحفي إلى كتاباته في هذا الموضوع، ظنّاً منه أن الآخر لا يملك جراءة طرح السؤال وجرأة المطالبة بالإجابة التي جعلت المفكّر عصفوراً بيد طفل على الرغم من ارتدائه بدلة القتال برتبة تشي هي الأخرى بالقرصنة أيضاً.

شرخٌ بين طبقات المجتمع العراقي بدأ يتعمّق وقد تجلّى عنوانه العريض في العربة الذهبية الملكيّة التي كان يستعرض بها قائد الجمع المؤمن وفارس النضال الطبقي لا العراقي فحسب، بل القومي وربما الإنساني أيضاً، يا للسخريّة! فيما يئن الشعب تحت سياط الجوع الذي تملأ رائحته شوارع مدن العراق الكبرى، ناهيك عن القرى التي اعتادت معانقة ضيق الأرض رغم اتساعها.
أرجو أن لا تكون هذه المقدمة ترهلاً في الإجابة، أو مواجهة ذاتيّة للتاريخ، إذ رجوت منها الدخول إلى الإجابة عبر تفاصيل لا تكف عن الحضور لتفصح عمّا آلت إليه الأمور بعد زلزال 2003 على الرغم من أن هذه المقدمة جاءت مختزلة، والاختزال ضد المعرفة، لكن لا بد من ذلك قبل معاينة عين الأرض التي مسّها وجع الإنسان.

لقد تأمّل الإنسان العراقي الموجوع خيراً بالرجال الذين قدموا من الخارج يحملون معاناة المنافي ومشاريع بناء عراق جديد وفق العقائد الدينية التي تعطّر نفوسهم، فالعراقي الموجوع فتح قلب الروح لهم؛ لأنّهم عنوان هذا الوجع، وضوء الشمس المطرّزة بعفة الزهد وببهجة الإيثار، لكن شقاء العقل يحضر دائماً، فإذا بالقادمين الجدد يحضرون مدججين بشهوة الانتهاب، وهو أمر يظلّ أيضاً بحاجة إلى دراسة مستفيضة ذات منطلقات ومبان سايكولوجية وسوسيولوجيّة، (فكلّ العمر أضحى في انتهاب) لكنني أسبّق النتيجة وأقول إن الحَجْرَ المعرفي الذي مارسه النظام الشمولي الذي حكم البلاد بقبضة الحديد أكثر من ثلاثة عقود سجّل شرخاً معرفيّاً بين داخل العراق وخارجه، علاوة على أن هذا الداخل مرتهن بإرث عتّق في أعماقه نزاهة السياسي الرافل بثوب الدين، بعد أن خَبَرَ بؤس الأحزاب القوميّة، وهشاشة الأحزاب العلمانية في تحقيق ما لم يتحقق، وهذه لعمري إشكالية وإن بدت قبيحة الآن، فهي مازالت فاعلة وبثوب النقاء أيضاً، وسأوضح بعض هذا فيما يأتي.
علاقة الإنسان بالدين علاقة وجوديّة تشهد عليها الأيقونات الظاهراتيّة التي تحمل معانيها في ذواتها من دون أن تتلمّس لها طريقاً إلى الحياة، هكذا أضحى القادم المؤثث بأيقونات دينيّة رمزاً للخلاص، وإذا لم يتحقق هذا الخلاص وهو لم يتحقق، فإن سلطة الغيب حاضرة، يفعّلها هذا الشيطان الرمز عبر سلطة الحكم، شيطان استغل الروح والعقل والوجدان لشعب ملتذ بآلامه رغم عويل الاستغاثات، وهذا الأمر لا يتوقف على طائفة بعينها، وإن اختلفت طرائق التجسيد الطوطمي لشعب يأبى أن ينفض غبار الحضارة عن رداء العقل؛ ليستبدله برداء التحضّر، وهنا يكمن سرّ الوجع.

لقد استمرأ هذا الشيطان استغلال الدين بأدواته البشعة، كما فعل نظام الأمس مستغلاً نشيد العروبة البائس؛ فأُفرغ شعار العروبة وشعار الدين من مضمونهما في ظلّ سلطة حاكم مستبد وإن بدا ملاكاً، هكذا هي الشياطين دائماً تظهر بثوب العفاف، ولا أعني هنا فرداً بعينه إطلاقاً بل أقصد منظومة حكم سادت وتسود من دون أن ينتابها القلق، ولكن من أين يأتي اطمئنان الحاكم؟
تتطلب الإجابة هنا تفعيل مقولة (الناس على دين ملوكها) وقبل تحليل هذه المقولة أؤكد أن الضمير الإنساني يفرض وجوده هنا للقول ليس المجتمع العراقي كلّه خضع لهذه المقولة، لا في الزمن الماضي ولا في الزمن الحاضر، إذ هناك شريحة واسعة ظلّت تقاوم بؤس الوجود بحصافة المنطق وبنقاء الضمير رغم الألم، هي (طبقة) الأفاضل، ولكنني أتحدث هنا عن منظومة حكم أنجزها الحاكم والمحكوم في آن، وعلينا أن لا نخجل من تشخيصها، تشخيص المرض خطوة مهمة في الوصول إلى العلاج الناجع، والتردد في القول يعني وضع الرأس في الرمال؛ فتطأ الجسدَ خيولُ الزمن الجامحة؛ فتتلاشى الحياة.
بدأ غول الفساد يمد أذرعه القويّة ناهشاً جسد الشخصيّة العراقيّة فيما الروح تترنح. أخذ غول الفساد ينهض بشراسة في الربع الأول من سنوات ثمانين القرنين الماضي بعد تغوّل الحرب التي باتت بذوراً سامة تنمو في أرض المؤسسات العسكريّة والمدنيّة على السواء، حتى أضحى من الصعب استثناء واحدة منها، ولكن يمكن القول إن هناك تفاوتاً في النِسب، وهنا يتجلى موضع الشاهد (الناس على دين ملوكها) فإذا كان ربّ العمل فاسداً فما المانع من أن يمارس الكثير من المرؤوسين هذا الفساد، هذا وجه آخر للحياة!

يرى علماء المنطق أن الخط المنحرف من نقطة الانطلاق يزداد ابتعاداً عن الخط المستقيم المنطلق من النقطة ذاتها كلّما ابتعدت المسافة زمانيّاً ومكانيّاً، وهذا الذي حصل في العراق، فلم تبدأ نقطة التحول من الدرجة الصفر للفساد عام 2003 أو تحديداً مع سؤالك خلال العشر سنوات الأخيرة من عمر العراق، وإنّما هي كما ذكرتُ لها إرهاصات ومقدماتها وصيرورتها التي نعيشها الآن. فإذا كان المقاتل يتلاشى على خط النار وخلفه بطون جائعة وأصوات ضائعة، وقائده الضرورة يمارس استراحته في المدن الخلفية سابحاً مع الدلافين، فهذا المقاتل ليس جورج أورويل ليكتب (مزرعة الحيوان) وإنّما هو ابن عين الأرض البركانيّة التي يريد إطفاءها بالفعل، فيقلّد السيد بما يفعل، ولكن هيهات مادام فعله من مستوى أدنى، ويستمر الانحراف ويتعمق طولاً ويتسع عرضاً خاصة عندما يرى أن المسؤول لا يكتفي بأن يغترف بيديه كلتيهما، وإنما استعار أو أنبت في جسده أذرع التنين ليأخذ، ثم ييسر السبيل للسارق الآخر لينجو، وها هي مقولة (الناس على دين ملوكها) تسمو، وها أقول مرة أخرى (فكلّ العمر أضحى في انتهاب)!

لقد افترضتُ أن التمايز الطبقي في المجتمع العراقي كان على عهد النظام السابق يشكّل نقطة افتراق حيث الثروة بيد 10% من السكّان، فيما يتقاسم الآخرون إيقاع ندب جنائزي لكن بمستويات متفاوتة، في حين اختلف وضع المأساة خلال العشر سنوات الأخيرة، إذ من الممكن أن تكون نسبة الـ 10% قد تغيّرت، وأضحت أوسع من هذا؛ لأن المجتمع قد أفرز شرائح اجتماعيّة جديدة أصبح لها حضور اجتماعي وسياسي، ومن ثَمّ اقتصادي، وهذا يعني أن صدام كان واحداً، فيما المالكي صاراً متعدداً، بيد أن المفارقة قد تجلّت في أن الفقر ازداد عمقاً وتقلّص اتساعاً، وقد أسهم في هذا العمق الزيادةُ النوعيّةُ في مستوى مرتبات العاملين؛ وبذلك صار البون أكثر وضوحاً وأشد اتساعاً، خاصة إذا أضفنا إليه مآسي غول الموت الذي هو الآخر قد جرد الحياة مما تبقى لها من معنى، فأضحت المأساة مركّبة.
هنا أود أن أخلص إلى سؤالك الذي تكون الإجابة عليه نتيجة لما تقدم، وبذلك لا تتجاوز النتائجُ المقدمات، حيث ما عرضتُه يشي بفوضى اقتصاديّة لا أجد فيها المجتمع العراقي منتجاً، بقدر ما يتراءى لي كونه مجتمعاً استهلاكيّاً فرضت عليه هذا الوضع سنواتُ القهر وتناسلُ حروب لا يكف رمادها عن تصحير الحياة. لذلك أرغب في أن أضع أسئلة اعتاد الاقتصاديون طرحها في مناقشة مثل هذه الحالة لأعاين من خلالها صيرورة الاقتصاد العراقي:
-هل يستخدم العراقيون رأس المال في الإنتاج وهم مجتمع استهلاكي؟
- هل تُستثمر الملكيّة الخاصة في خلق طاقة إنتاجيّة؟
-هل هناك حريّة عمل ومن ثَمّ حريّة إنتاج في ظلّ الوضع الأمني المتردي إلى حدّ الابتئاس؟
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة أرى أن أسجّل بعض التحفظ على مصطلح النظام الرأسمالي الذي يمكن أن نصف به الاقتصاد العراقي حيث وبكلّ بساطة لا يمتلك صاحب العمل -إن وجد- وسائل الإنتاج والإنتاج معاً؛ وبذلك لا يوجد العامل الذي يبيع جهده إلى ربّ العمل، فمثل هذا النسق الاقتصادي صراحة لا أراه موجوداً في مجتمعنا، وإن تباينت طبقات المجتمع العراقي وتباعدت مستوياتها المعيشية.
بذلك فإن الإجابة عن هذه الأسئلة تكون بالنفي، وعليه فأنا لا أرى أن ما يمكن أن نطلق عليه الرأسمالية هي التي تسببت في خلق اللامساواة بين طبقات المجتمع، وإنّما هناك مجموعة عوامل اجتمعت وخلق هذا البناء الاجتماعي المؤلم منها ما هو اجتماعي وما هو ديني وما هو سياسي، ويمكن إجمالها جميعاً تحت عنوان النظام السياسي الذي فشل عبر عقود من الزمن في بناء مجتمع تتكامل فيه شروط المساواة بدلاً من أن تتقابل وإن كانت مستويات دخول الأفراد متباينة.
لكن بين كلّ هذه التناقضات أين دور البرجوازيّة الصغيرة التي ينبغي لها أن تسجّل ثورة بالمفهوم الماركسي، أم أنّها تائهة في دخان صخب النيران وهي تتحسس ضوء وجودها المفقود؟ أظننا نعيش لحظة سقوط العالم خارج المأساة مثلما يرى رولان بارت، وعلينا أيضاً أن لا ننتظر الإنسان النيتشوي الأعلى؛ لأنه إذا جاء سَيُؤْثِر الذهاب إلى العالم السفلي ليعاين الخراب من هناك؛ }بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا{ الآية.
لم تضف الإيرادات النفطيّة التي بلغت ذروتها في السنوات الثلاث الأخيرة للمجتمع العراقي ما يفيد بأن هناك نهضة اقتصاديّة قادمة ولو من تحت رماد الحروب، فكيف يكون هذا ومازالت الحياة تستجدي ما تقوم عليه أسبابها وهي الكهرباء، لقد ظلّت الحياة تناوس الحروب التي لم يعرف نهايتها غير الموتى، حيث (وحدهم الأموات شهدوا نهاية الحرب) ]أفلاطون [فهل يحق لنا أن نرفع شارات النصر من تحت الأنقاض؟
بلغت واردات العراق في الثلاث سنوات الأخيرة مئات المليارات من الدولارات، وهو رقم يراه الاقتصاديون قد سجّل قفزة نوعيّة ينبغي لمدخولات الفرد العراقي أن تتضاعف بموجبها، أو أن يسجّل العراق نهضة اقتصاديّة واجتماعيّة قل نظيرها في تاريخه، بيد أن تدهور البنية التحتيّة، وتدهور الوضع الأمني، وتغوّل وحش الفساد حال دون أن يشهد المواطن حلم تغيّر وضعه الحياتي، وقد أدرك صانعو الإرهاب أهميّة الاقتصاد في نهضة الإنسان، فأضحى الهدف الأول سواء على مستوى النهب، أو التدمير. فــ(كلّ الذين كرهتهم مرّوا ببابي/ من آدم المحكوم بالصحراء حتى آخر الأعداء) ]محمود درويش[
بعد هذا التشظي الذي تشهده بنية المجتمع أفقيّاً ورأسيّاً هل يستطيع أحد أن يقول إن هناك سبلاً ناجعة لنشر الوعي البولتاري في صفوف طبقة المدقعين، وهم يبحثون عن سبيل حياة يكون فيها مستوى العيش تحت خط كسرة الخبز حلماً وردياً، هي الحياة فقط، فمن أين تأتي لهؤلاء القدرة التنافسية لإسقاط سيطرة نفوذ الرأسماليين الجدد في كلّ مفاصل الوطن.
الأستاذة الفاضلة فاطمة الفلاحي: دعيني أختم بأمر طريف تخلل النقاش حول كتاب (رأس المال في القرن الحادي والعشرين) لـلاقتصادي الفرنسي توماس بيكاتي الذي يرى أن العائد على رأس المال أكثر من معدل النمو، وهذا أمر سيجعل الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً، ولحل هذه المشكلة يقترح الاقتصادي الفرنسي فرض ضريبة عالمية على الثروة لتعزيز الحركيّة في المجتمعات، أو ما يسميه (إمكانية الانتقال الطبقي)، ويرى الكاتب حسن شقراني أن هذا الطرح يبدو بعيداً عن التحقيق في المستقبل القريب، غير أنّه يؤسس لاعتماد سياسات عامة تعكس فعليّاً هواجس البشريّة: اتساع هوة العدالة، وخصوصاً في ظلّ التقدم التكنولوجي اللافت... وقد لاحظنا الجدل الواسع الذي سببه المشروع الضريبي الذي تبناها رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة باراك أوباما.

الموقف المفارق الذي أريد الوصول إليه هنا يتمثل في النقاش الساخر الذي دار بين الإعلامي المحافظ ستيفين كوبلير وبين الاقتصادي الفرنسي توماس بيكاتي بعد أن سأل الأول: لماذا تحاول هدم الاقتصاد الغربي واستبداله بنظام اشتراكي يعيد توزيع الثروة؟ ينفي الثاني ذلك ويضيف (إذا كانت الأجور ثابتة فإنه من الصعب جداً على (الأجراء) أن يبدأوا بمراكمة الثروة؛ كيف تراكم الثروة من لا شيء)؟ فيحسم الإعلامي المحافظ النقاش بقوله على أي حال يبلغ سعر الكتاب 40 دولاراً وبالتالي فإن الفقراء لا يعرفون ما خلاصته!!! ]من مقال الكاتب حسن شقراني[
هذا بالضبط ما أردت الوصول إليه؛ أي إذا كان الأجير في الولايات المتحدة الأمريكيّة لا يستطيع شراء كتاب بـ 40 دولاراً، على الرغم من أنّه الأكثر مبيعاً على موقع (أمازون) فكيف يستطيع الفرد العراقي الذي يعيش تحت خط كسرة الخبز أن يعرف التغيرات الكونيّة في حركة الاقتصاد العالمي؟ أو كيف تتمكن النخبة من خلق وعي بوليتاري في صفوف المحرومين وهي لا تمتلك وسائل التواصل بينها وبينهم، لذلك لا أرى سبلاً ناجعة لنشر الوعي البوليتاري بين طبقات اجتماعية تعاني العوز والحرمان، حيث لا يمكن التلقي وإن وجد الإرسال، وفي حالة عدم وجود المرسل، فلا يمكن التفكير بأمعاء خاوية؛ لذلك أجد أبناء الطبقات التي تعاني التهميش والحرمان يقول لسان حال كلّ واحد منهم ما قاله أدونيس:
زمن يجري، زمن يهرب مثل الماء / وأنا أجري / كلّ نهار سكين في أحشائي / والليل حراب.

_________________
انتظرونا والأديب، الناقد، الليبرالي محمد عبدالرضا شياع عند ناصية السؤال " في العشر سنوات الأخيرة، انقسم الشعب العراقي إلى طبقتين ، الأولى طبقة الرأسمالين المتمثلة بكل من له منفعة مع رجالات السلطة ، والثانية طبقة المدقعين فقراء تحت خط كسرة الخبز ..في
2. ب - هل ترى إمكانية قيام ثورة الجياع باستخدام حقهم في الحياة ؟ الحلقة الثالثة





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,324,197,458
- حوار مع الدكتور الناقد الليبرالي محمد عبد الرضا شياع في- الق ...
- صهوة الكلم
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- وجع الأمنيات
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- حوار مع الأديب والمفكر الماركسي حسين علوان حسين وَ - المثقف ...
- عباءة الحُلم
- - سلافة مداد - حوار مع الشاعرة - بارقة أبو الشون - في -بؤرة ...
- - سلافة مداد - حوار مع الشاعرة - بارقة أبو الشون - في -بؤرة ...
- دهشة الشروع إليك
- ذاكرة الغواية
- - سلافة مداد - حوار مع الشاعرة - بارقة أبو الشون - في -بؤرة ...
- قراءة في رواية الدومينو - للروائي سعد سعيد
- - سلافة مداد - حوار مع الشاعرة - بارقة أبو الشون - في -بؤرة ...
- - سلافة مداد - حوار مع الشاعرة - بارقة أبو الشون - في -بؤرة ...


المزيد.....




- انفجار محولات كهربائية يحول الظلام في تكساس لعرض ضوئي مبهر
- داخل حمام كيم كارداشيان.. مغسلة من -عالم آخر-
- ردود فعل تستنكر الانفجارات الدامية في سريلانكا
- قرقاش: غدت قطر تتمسك بصعوبة مع ما تبقى من علاقاتها العربية و ...
- صور.. ضيفة غريبة ميتة على شاطئ رفح
- المجلس العسكري الانتقالي في السودان يجدد التزامه بتسليم الحك ...
- ترامب يرتكب خطأ جسيما في أول تعليق له بشان تفجيرات سريلانكا ...
- صحف عربية: صفقة القرن بين -الرفض السلبي- وحل الدولتين-
- ترامب يرتكب خطأ جسيما في أول تعليق له بشان تفجيرات سريلانكا ...
- الخارجية الروسية : هجوم سريلانكا يؤكد الحاجة لتوحيد الجهود ل ...


المزيد.....

- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - فاطمة الفلاحي - حوار مع الدكتور الناقد محمد عبد الرضا شياع في- القيم الفاعلة والإرتكاسية -، من -بؤرة ضوء- الحلقة الثانية