أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميثم الجنابي - جنون الإرهاب الوهابي - خاتم الإرهاب التوتاليتاري 4 من 4















المزيد.....

جنون الإرهاب الوهابي - خاتم الإرهاب التوتاليتاري 4 من 4


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 1260 - 2005 / 7 / 19 - 10:46
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن ظاهرة "الإرهاب العالمي" الآخذة في الانتشار والتوسع، والتي تجسدت في سلسلة عمليات تخريبية هائلة من حيث تأثرها المادي والمعنوي تشير أولا وقبل كل شئ إلى بروز الأبعاد الدفينة فيما يمكن دعوته بمنظومة الخلل العالمي المتراكم في مجرى المسار التاريخي المعاصر. وهو "خلل" يرافق التاريخ العالمي ككل، إلا انه يبرز بهيئة قوى متشنجة وعصابية في مراحل الانعطاف الحادة المرافقة لسقوط الإمبراطوريات أو صعود الجديد منها. أما نماذجها المحلية فهي الصورة المحلية للظاهرة. بمعنى أننا نعثر عليها أيضا في مراحل الانعطاف الحاد لصعود الأمم أو هبوطها. ذلك يعني أن ظهور القوى المتشنجة، التي عادة ما تخضع كل شئ بما في ذلك قوى العقل والعلم لعبودية الانسياق التام للوجدان والإيمان هو النتاج المرافق لانعدام الاستقرار السياسي والديناميكية الثقافية. وهي ظاهرة تكشف أولا وقبل كل شئ عن عنفوان الوجدان الذي عادة ما يقيد العقل النقدي بقيود وقواعد الإيمان المغلق والتعصب العقائدي والغلو المذهبي. وهو السبب الذي يفسر سر اجتذابها الشديد للصبيان والمراهقين والشبان وأنصاف المتعلمين والحثالات الاجتماعية.
فعندما ننظر إلى ظاهرة الإرهاب المتنامية في العالم العربي المعاصر، فإننا نرى تراكم ثلاث طبقات تاريخية أدت، على خلفية الأزمة الشاملة للدولة العربية الحديثة وفشل مشروعها التنموي والتحديثي، إلى "تكامل" الأصولية الإسلامية الإرهابية بوصفها الرد المشوه على إرهاب الاستبداد "العلماني" و"التيوقراطي".
فقد كانت الصيرورة العربية الجديدة بمختلف قواها الاجتماعية والسياسية والفكرية مرتبطة ومحكومة في الوقت نفسه بثلاث ظواهر كبرى في التاريخ الحديث. وهي ظاهرة الغزو الاستعماري والحرب الباردة وصعود الفكرة الليبرالية. وهي بأجمعها ظواهر "غربية" (أوروأمريكية) المنشأ، عالمية التأثير والأبعاد. من هنا إشراكها الجميع، بما في ذلك العالم العربي، في عملية جديدة أخرجته من تقوقعه الذاتي وانغلاقه العميق في السلطنة العثمانية المتهرئة. ومن ثم إدراجه في فلك الحركة التاريخية الجديدة التي استطاعت أن تستثير فيه تيارات متقطعة من النهضة الأدبية والإصلاح الديني - السياسي والانبعاث القومي. وهي عملية تاريخية معقدة لم تتكامل في الوجود والوعي العربي المعاصر. من هنا استمرار الخلل البنيوي في الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة.
وهو خلل يكشف أولا وقبل كل شئ عن عدم تكامل بنية الوعي الذاتي العربي، والذي برز بوضوح في ثلاثة أشكال مختلفة ويكمل أحدها الأخر في مجرى تاريخه الحديث. الأول وهو صعوبة بناء الدولة العصرية والتحديث، والثاني في سهولة انجراره وراء صراع المصالح والعقائد الذي ميز اغلب تاريخ الحرب الباردة (اغلب القرن العشرين)، وأخيرا انقباضه الذاتي واستعصاء قدرته على التحول صوب الديمقراطية والإصلاح البنيوي الشامل بعد انهيار المواجهة التاريخية للمعسكرين (الاشتراكي والرأسمالي).
فقد بقى العالم العربي من بين المناطق القليلة في العالم التي تتلذذ بنفسية وروحية المعسكر. وهي حالة تشير إلى بقاء وتعايش المراحل التاريخية الثلاث في وجوده ووعيه المعاصر كما لو أنها مكونات لا يمكن المزج بينهما. وهو واقع بشير بدوره إلى بقاء المشاكل والإشكاليات الكبرى في تاريخه الحديث دون حلول، أي انه لم يتطور من الناحية النوعية. من هنا بقاء اغلب مكونات تاريخه التقليدي في الوعي والممارسة، بما في ذلك السياسية. وهو واقع شكل من الناحية المادية والمعنوية مرتعا للثقافة التوتاليتارية. وليس اعتباطا أن يكون تاريخ العالم العربي السياسي في مجرى القرن العشرين ولحد الآن هو تاريخ الراديكاليات الدنيوية والدينية. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحكم على أن النمو المفرط للتدين المفتعل من "الصحوة الدينية" و"الانبعاث الإسلامي" وأمثالها ما هو إلا الوجه الآخر للمزاج اللاعقلاني الذي صنعته التوتاليتاريات الدنيوية، بمعنى فشل المشاريع "العلمانية" في تنفيذ شعاراتها المعلنة في الوحدة والتحديث والعصرنة. وفي هذا يكمن سر "الانبعاث" و"الصحوة" التقليدية. بمعنى استثارة الإرث المتراكم في نفسية وذهنية العقائد السلفية بشكل عام والحنبلية الوهابية بشكل خاص.
فالوهابية من حيث بنيتها العقائدية وذهنيتها الثقافية ومزاجها النفسي هي الصيغة الأكثر تمثلا لتاريخ الانحطاط الفكري والروحي والعقلي للإسلام. ومن ثم لا يعني صعودها المعاصر سوى عصرنة الانحطاط بأحد أقسى واتعس وارذل نماذجه النظرية والعملية. فهي ليست حاملة العقيدة الأصولية التوتاليتارية، بل وداعم الإرهاب الفعلي من خلال رفع فكرة وممارسة "الجهاد" النجدي للقرن الثامن إلى مصاف "الإرهاب المقدس" ضد "الكفرة"! أما "الكفرة" فانه الوعاء الذي يمكن إدخال كل من تعتقد فيه "عدوا" لها. لهذا نرى تغير وتبدل الأشخاص والنماذج والدول والقوميات والأديان والمذاهب بما في ذلك الإسلامية. بعبارة أخرى، إنها تعيد إنتاج نفس العناصر الجوهري المميزة للفكرة التوتاليتارية، التي لا ثبات فيها لغير الثبات اللاعقلاني. وهو الأمر الذي يؤدي، كما هو الحال بالنسبة لكل النماذج التوتالتيارية، إلى استفحال نفسية الكراهية والانغلاق الذاتي، ومن ثم استفحال نفسية وذهنية الإرهاب بمختلف أشكاله وأصنافه ومستوياته. وهي الذروة التي بلغتها الأصولية الإسلامية المعاصرة من خلال استقطاب كل التيارات الراديكالية الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي وبالأخص منذ خمسينيات القرن العشرين ولحد الآن في تيار "القاعدة".
إن صعود "القاعدة" الوهابية يشير من الناحية الرمزية إلى صعود قاعدة واحدة في التفكير والعمل، أي إلى توتاليتارية إسلامية جديدة على النطاق العالمي. وليس مصادفة أن تكون القاعدة في "القاعدة" هو سيادة اللاعقلانية وتوحيدها المتميز في جعل الإرهاب العشوائي والمنظم "جهادا مقدسا" ضد الجميع!
إن هذا التمركز "الروحي" للأصولية التوتاليتارية الإسلامية الجديدة هو الاستعادة العصرية لروح الوهابية الميت. وفيه يمكن رؤية واقع العالم العربي وفاعلية الإرث التقليدي للحنبلية. فقد عاش العالم العربي قرنا من الزمن فقط. أي زمن بلا تاريخ منذ أن ظهر للمرة الأولى بهيئته الجديدة من تحت أنقاض السلطنة العثمانية. إذ نراه يقف في بداية القرن الحادي والعشرين أمام نفس الحالة التي واجهها في بداية القرن العشرين: مسلوب الإرادة، ضعيف المناعة وفاقدا لمشروعه الخاص في التنمية والتحديث والعصرنة والوحدة. من هنا قسوة الضغوط الخارجية (الأمريكية بالأساس بوصفها قوة عالمية) والداخلية (من جانب الاصوليات الجديدة بوصفها النتاج الطبيعي لغياب الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والثقافة العقلانية والمجتمع المدني). وهي الحالة التي تجعل من العالم العربي كيانا مشوها ومعقدا في الوقت نفسه. بمعنى انه يقف أمام مفترق طرق من جهة، ولكنه مغلق من الداخل من جهة أخرى. من هنا مراوحته الذاتية وتفسخه الدائم.
إن الواقع الآنف الذكر هو المرتع الذي يجعل من الاصوليات الإسلامية الإرهابية القوة الأكثر عنفا ونشاطا وحيوية فيه. كما انه السبب الذي جعل ويجعل من الصعود السهل للاصوليات التوتاليتارية الحنبلية وذروتها في الوهابية أمرا مقبولا في الوسط الجماهيري "الإسلامي". وذلك لفقدان الدولة والسلطة والمجتمع مقومات وأسس وجودهم الذاتي ووعيهم القومي التاريخي. فالأصولية التوتاليتارية الإسلامية الوهابية لا أسس ومقومات ذاتية فيها لغير العبودية التامة للنصوص الميتة، ولا مجال للقومية فيها لأنها تفعل وتنشط وتعيش بمعايير ومقاييس الرؤية المذهبية الضيقة، ولا وعيا تاريخا فيها لأنها لا تحس ولا تفهم ولا تتذوق ولا تعترف بقيمة التاريخ، لأنها خارجه. من هنا سيادة الأوهام والأصنام المقدسة فيها. وهو الأمر الذي يجعلها قبلة وكعبة القوى الهامشية بالمعنى الاجتماعي، والمهمشة بالمعنى الثقافي. وفي هذا يكمن سر قدرتها على اجتذاب رؤوس بلا عقول، وأجساد بلا أرواح. ومنهما يمكن صنع سبيكة "المجاهدين" المستعدة لتفجير نفسها في كل مكان بوصفها الشهادة الحية للإيمان! بينما تفترض الشهادة الجسدية شهادة اليقين الروحي والعقلي، بمعنى القدرة على رؤية حقائق الأمور كما هي. أما حالما يصبح الموت رديف الشهادة، فان الشهادة تصبح إجازة للقتل والتخريب والتدمير. وهو الواقع الذي نعثر على نموذجه الملموس في ما يجري من أحداث في العراق.
إن بلوغ الحركات الإسلامية الراديكالية ذروتها في الأصولية الوهابية الجديدة هو مؤشر على ما يمكن دعوته بختم الولاية الإرهابية في التاريخ العربي المعاصر. بمعنى تراكم الذهنية والنفسية الراديكالية في نموذج ديني أصولي توتاليتاري جمع في ذاته كل النتاج اللاعقلاني للقرن العشرين في العالم العربي. وبما انه قرن التفريغ الشامل للبدائل العقلانية، من هنا فراغ البدائل الأصولية الإسلامية بشكل عام والوهابية بشكل خاص من أية رؤية استراتيجية باستثناء استراتيجية الإرهاب بوصفه أسلوب "الشهادة الحية" للأموات. وهي حالة لا يمكنها أن تصنع في نهاية المطاف غير ترميم جزئي لأصولية توتاليتارية إرهابية ميتة. وهي الخاتمة التي تحتوي في ذاتها على ما يمكن دعوته بخاتمة الإرهاب الديني الأصولي التوتاليتاري.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,394,206
- جنون الإرهاب المقدس – الحنبلية الجديدة 3 من 4
- جنون الإرهاب الأصولي – تحطيم العدل والاعتدال 2 من 4
- جنون الارهاب السلفي – إيمان مشوه وبصيرة حولاء-1 من4
- الجمهورية العراقية الرابعة – الاحتمالات والابعاد المجهولة
- هل العراق بحاجة إلى مرجعيات دينية؟
- الأغلبية المعذبة ومشروع البديل الوطني في العراق
- إشكالية الهوية العربية للعراق – مشكلة الجهل والرذيلة
- المثقف العراقي – المهمة الشخصية والمسئولية التاريخية
- العلم والأنوثة
- ملاحظات على حملة التضامن مع منتدى الاتاسي
- فلسفة الاعتدال السياسي الأمثل في العراق المعاصر
- فلسفة التسامح ومنظومة الاحتمال العقلاني
- فلسفة الإصلاح العقلانية
- الاسلام والجنس – عقيدة العقدة
- المشروع الديمقراطي العراقي وفلسفة النفي الشامل للطائفية السي ...
- الحركة القومية الكردية - المثلث الهمجي للطائفية العرقية 5 من ...
- التوتاليتارية الشيعية – المثلث الهمجي للطائفية السياسية الجد ...
- الطائفية السياسية - قاعدة الاحتمال الهمجي في العراق 2 & 3 من ...
- المثلثات الهمجية - برمودا الانحطاط العراقي 1 من 6
- الاصولية والعنف في العراق – عنف بلا اصول


المزيد.....




- فتيات غير محجبات في قوائم حركة النهضة الإسلامية في تونس
- الرئيس الأفغاني يرجح بدء المحادثات بين الحكومة وحركة طالبان ...
- شيخ الأزهر يعود من رحلة علاج
- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة «وطن» لليهود في أمريك ...
- صحيفة: الشرطة الإيطالية تبحث عن سوري هدد بالتوجه مباشرة من ر ...
- اتحاد الشغل في تونس يطلب تحييد المساجد والإدارة قبل الانتخاب ...
- راهب برازيلي يحظر الجنة على البدينات ويثير على مواقع التواصل ...
- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة -وطن- لليهود في أمريك ...
- أردنيون ضد العلمانية، وماذا بعد؟
- الأرجنتين تحي الذكرى الـ25 للهجوم على الجمعية اليهودية وسط م ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميثم الجنابي - جنون الإرهاب الوهابي - خاتم الإرهاب التوتاليتاري 4 من 4