أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بيرم ناجي - تونس و-الانقاذ من الانقاذ-: نحو جبهة و طنية جمهورية ديمقراطية واجتماعية. – نداء 20 مارس 2014-















المزيد.....


تونس و-الانقاذ من الانقاذ-: نحو جبهة و طنية جمهورية ديمقراطية واجتماعية. – نداء 20 مارس 2014-


بيرم ناجي

الحوار المتمدن-العدد: 4399 - 2014 / 3 / 20 - 20:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة :

هذه الورقة أقدمها بالدرجة الأولى الى الجبهة الشعبية باعتباري ناشطا مستقلا فيها . و لكنني أتقدم بها أيضا الى كل الوطنيين و القوميين و الديمقراطيين التقدميين من اليسار و الوسط أشخاصا و أحزابا و جمعيات. و ان منطلقاتي الأساسية فيها هي التالية:
- اعلان الدستور و اسقاط حكومة الترويكا هما اعلان لمرحلة جديدة في التاريخ التونسي المعاصر تتطلب تصورا جديدا نسبيا يبني على ما سبق و يحتاط من الانتكاس المحتمل و لكن ينظر الى الأمام باحتراز و مرونة حسب موازين القوى و يضع عينيه التقدم بالثورة التونسية بسلاسة .
- النجاح الجزئي في سد الباب أمام الاستبداد الاسلاموي للنهضة يقترن الآن باحتمال النجاح الجزئي في عودة الحرس القديم الدستوري – التجمعي الذي بدأ يتجرأ حتى في الاعلام على الدفاع عن العهد البائد التسلطي و المافيوي.
- تجربة 23 اكتوبر 2011 تدل ان الوحدة بين اليسار و الوسط هي قدرنا الوحيد لانقاذ تونس و تدعيم الجمهورية الديمقراطية المدنية التي تحقت دستوريا بمضامين و طنية و وقومية و اجتماعية و بوحدة سياسية قوية تضمن تعديل موازين القوى لصالح القوى الوطنية الشعبية في معناها الواسع.
أما الهدف الأساسي من المقال فهو السعي الى توحيد الوسط و اليسار ضد الاستقطاب الثنائي النهضوي الندائي لأن حتى و ان يبدو اننا تجاوزنا سعيهما لتصفية الحساب على حساب تونس فان احتمال تقاسمهما للسلطة سوف يكون على حسابها أيضا و سيتم بمباركة دولية و لكن على حساب كل ما هو و طني و/أو قومي - اجتماعي على الأرجح بحيث ستفرغ الجمهورية الديمقراطية المدنية من بعديها الوطني- القومي من ناحية و من بعدها الاجتماعي من ناحية ثانية.

1-

بعد أن وصلت نوايا التصويت الى الجبهة الى حوالي العشرين في المائة مباشرة بعد اغتيال الرفيق شكري بلعيد هاهي تتدحرج الى مادون الخمسة في المائة ثم تكاد تعود الى السبعة في المائة مؤخرا. و بعد حماس شديد داخلي في صفوف الأعضاء و المتعاطفين تعرف الجبهة الآن فتورا في صفوف متعاطفيها بل و حتى مناضليها. و ان أحد أسباب هذا الأمر هو بالتأكيد الوضعية التنظيمية للجبهة- و هو ما وضحته في نص سابق لي و لكن أيضا "تكتيك جبهة الانقاذ" الذي أريد أن أركز عليه الآن لتكون هذه الورقة تكملة لمشروع اصلاح الجبهة الشعبية في الوقت الحالي.

2-

عندما طرحت الجبهة الشعبية فكرة "مؤتمر الانقاذ الوطني" المقابلة لفكرة "مؤتمر الحوار الوطني " -التي طرحها الاتحاد العام التونسي للشغل- ثم فكرة "جبهة الانقاذ الوطني " كنت شخصيا ليس ضد المبدأ بل ضد الصيغة التي طرح بها التكتيك. كانت الجبهة طرحت تكتيك الانقاذ – مؤتمرا ثم جبهة- بمنطق انقاذي سطحي ووقتي كما بدا لي وقتها و ليس عميقا و طويل المدى. و ذلك بمعنى انقاذ نظام البلاد من الغرق بتخليصة من حكومته "الحالية" التي تغرقه و ليس بانقاذها من الوضعية التي تنتج الحكومات – الحالية و المستقبلية المحتملة- التي تؤدي الى الغرق. كان الانقاذ كما تصورته الجبهة يعني التخلص من الترويكا الحاكمة و لكن دون "ضمانات" لعدم تكرار التجربة و الا فسيكون الانقاذ جزئيا و قد يساهم لا حقا في تغول قوى أخرى تستغل مشاركتها في الانقاذ الفوري لتأسيس وضعية تمكنها من الالتفاف اللاحق على الحكم و البلاد.

3-

لقد كنت مع جبهة انقاذ ديمقراطي أو "جبهة ديمقراطية موحدة" من كل الديمقراطيين للاطاحة بالنهضة و الترويكا عبر النضال داخل و خارج المجلس التأسيسي و ان لم يتم ذلك ففي الانتخابات المقبلة . و كان تصوري ان جبهة ديمقراطية ستقوم أما بالاطاحة بالترويكا و تعويضها في الحكم مباشرة عبر الشارع أو بتحضير ذلك عبر الانتخابات. و لكن ما وقع هو أمر آخر اذ خيرت الجبهة الشعبية تكوين جبهة انقاذ ليس لتعويض الترويكا عند اسقاطها بل باسقاطها و تكوين حكومة مستقلة عن الجميع.ان هذا الخيار دقيق جدا و يمكن ان تكون له ايجابيات و سلبيات – مثل غيره طبعا- و لكن كان من المهم حسب رأيي توضيح ايجابياته و احتمالاته السلبية في وثائق نظرية- تكتيكية و عدم الاكتفاء بمحتوى قرار ندوة سوسة حتى يفهم المناضلون لماذا تم اتخاذ هذا التكتيك و ماهي احتمالاته الايجابية و السلبية و كيف تعالج الثانية ان تغلبت على الأولى . و لكن لا بد من الاعتراف انه من السهل اليوم قول هذا و تقييمه و لكنه كان من الصعب ذلك حينها . و حتى لو تم فكان سيكون ضربا من التوقع لا غير مع ان بعض المؤشرات يمكن ان تساعد على التوقع طبعا. لكن – مع الأسف- ان واحدا من عيوب الجبهة الشعبية الكبرى انها لم تقم في اية محطة كبرى بتوضيح تكتيكاتها لمناضليها. انها لا تكاد تستشيرهم -فمجلس الأمناء و المقربين منه يقومون بكل شيء- بل تعلمهم بالتكتيك و لا تفسر لهم حتى لماذا اتخذ ثم لا تقيم معهم نتائجه و هي نقيصة كبرى لا بد من تداركها بسرعة و دون تصفية حسابات أو مزايدات لا طائل منها.

4-

ان طرح جبهة الانقاذ بهذا المعنى أدى الى مكاسب – الاطاحة بالترويكا- و لكن الى مصائب يمكن تلخيصها في اثنتين:
الأولى : عدم التزام "نداء تونس" بالخط الديمقراطي الى الآخر. فبينما كان تصوري الشخصي- مثلا- يسمح بالضغط على نداء تونس- نظريا على الأقل- حتى الانتخابات المقبلة و الحكومة التي يمكن أن تنشأ عنها. أدى تكتيك جبهة الانقاذ الذي اعتمدته الجبهة الشعبية الى تحقيق نداء تونس لهدفين خاصين هما اسقاط النهضة- الترويكا - و هو هدف مشترك مع البقية- و لكن معه اعادة رسكلة التجمعيين طالما ان الأرضية المشتركة لجبهة الانقاذ كانت موجهة ضد عودة "الاستبداد الجديد" ولا شروط سياسية فيها على الحليف بالتزام منع عودة الاستبداد السابق أيضا في خضم النضال ضد الاستبداد النهضاوي.
الثانية : تراجع الجبهة الشعبية وتواجدها في وضعية لا تحسد عليها سياسيا و أخلاقيا لأنها قبلت بجبهة انقاذ أساسها معاد للنهضة و نتائج سياستها ولكن لم يكن في ممارسة جبهة الانقاذ ما يمنع من الضغط على الجناح اليميني في نداء تونس و يمنعه من اعادة تشغيل ماكينة التجمعيين المنحلة و هو ما أدى الى ارتباك داخلى ادى الى انسحاب أربعة أحزاب من الجبهة مع عدد من المستقلين و تذمر كبير في صفوف القواعد . هذا رغم ان نقطتي "المقدرة الشرائية" و " السيادة الوطنية " كانتا تمكنان جزئيا من الفرز النسبي.و لكنني أعتقد أن المشكل الأكبر كان في التطبيق العملي لتكتيك جبهة الانقاذ اذ لم تتحرك الجبهة الشعبية بمفردها كثيرا و باستقلال عن "الاتحاد من أجل تونس" للحفاظ على تميز خطها المعادي ليس فقط للاستبداد الجديد بل لعودة القديم أيضا أضافة الى المسائل الوطنية و القدرة الشرائية.

5-

لقد كان منطلق محتوى مبادرة جبهة الانقاذ كما طرحتها الجبهة الشعبية في البداية هو " اولا: ايقاف العنف و الارهاب. ثانيا: دستور ديمقراطي وانتخابات ديمقراطية تنهي المرحلة الانتقالية.ثالثا :وقف تدهر القدرة الشرائية والتهاب نار الاسعار. ورابعا:عدم بيع ثروات البلاد و التفريط فيها." و قد ورد في النص الصادر عن "ندوة سوسة" رأي الجبهة كما يلي"... وتقديرا منها بأن المهمة العاجلة التي تطرح اليوم على كافة القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية هي إنقاذ البلاد وسد الباب أمام عودة الاستبداد وتحسين أوضاع الشعب المادية والمعنوية وصيانة سيادة تونس وكرامتها، والانتهاء في أسرع وقت من الفترة الانتقالية، تتوجه إلى الشعب وإلى كل القوى السياسية والمدنية والاجتماعية المعنية بمصير البلاد والمتباينة مع مشروع الاستبداد الجديد، بهذه المبادرة السياسية من أجل تشكيل ائتلاف وطني واسع على أساس المهام التالية..."
ان عبارة"سد الباب أمام عودة الاستبداد" نظر اليها و كأنها سد للباب امام الاستبداد النهضاوي "الجديد" لا غير و لكن لم ينظر الى مخاطر استعمال المبادرة في اعادة فتحها الباب أمام عودة الاستبداد التجمعي-الدستوري "القديم "بلون جديد وقتها .لأن "نداء تونس" لم يكن بعد قد عرف التحولات التي سيعرفها لاحقا كما سنرى.لقد كان من المهم مراقبة سلوك الحليف في مجمل النقاط التي تمت على أساسها المبادرة و لكن يبدو لي ان التركيز تم على مسائل الارهاب و الدستور و الانتخابات و الاطاحة بالترويكا مع اهمال نسبي لمدى التزام "نداء تونس" بمسالة " عودة الاستبداد" و " صيانة سيادة تونس" من خلال" عدم بيع ثروات البلاد و التفريط فيها". ان نداء تونس نشط في ما يخص الاطاحة بالنهضة و مدنية الدستور و لكنه لم يفعل شيئا تماما في منع عودة التجمعيين و لم بنبس ببنت شفة حول سيادة البلاد على ثرواتها مما جعل مبادرة جبهة الانقاذ تتحول الى سفينة نجاة بالنسبة اليه للعودة الى الساحة السياسية دون أن يتطور في اتجاه ديمقراطي حقيقي بل ان العكس هو مايحدث منذ مدة و يتواصل حاليا.

6-

لقد اختلف الجبهويون منذ اعلان "جبهة الانقاذ" بين فريقين: بين "يساريين" متشددين رفضوا وجود الجبهة بتعلة ضررة الاكتفاء بالتنسيق الميداني – الذي كانوا يتذمرون منه سرا هو الآخر- و تساندهم في ذلك قوى يسارية وقومية بقيت خارج الجبهة. ومن ناحية ثانية "يمينيين" دافعوا عن جبهة الانقاذ دون نقد التجربة و التنبيه الى مخاطرها مركزين جهودهم على الاطاحة بالنهضة لا غير و تساندهم في ذلك أحزاب في "الاتحاد من أجل تونس" من خارج "نداء تونس" و شخصيات نقابية و يسارية سابقة من داخل النداء نفسه. وقد كان الموقف المتوازن الذي يساند جبهة الانقاذ مع ضرورة مراقبة و نقد تصرفات جناحها اليميني المتمثل في نداء تونس شبه غائب – ربما بسبب الخوف من انفراط العقد و ضغط الواقع و الانغراس في الحراك و حدة انتقادات اليسراويين و تخوينهم لرفاقهم مما جعل مناخ التقييم الهادئ غير ممكن- و كان كل نقد للجبهة الشعبية في "ذيليتها" و لنداء تونس و يمينيته يلاقي الرفض التام و وصل حد التخوين والاقصاء.

7-

لقد حققت جبهة الانقاذ احدى مهامها الأساسية و هي الاطاحة بالنهضة- الترويكا و اعلان الدستور التونسي يوم 26 جانفي 2013. ان اخراج النهضة من الحكومة انجاز مهم جدا لم يكن ليتحقق لولا جبهة الانقاذ – و عوامل اخرى منها حتى ما هو خارجي- و كذلك صيغة الدستور التي اعلنت . و لكن تراجع النهضة وضعفها و ضعف حلفائها بل تلاشيهم شبه التام أحيانا لم يمنع من السير في اتجاه معاكس قد يكون خطيرا على تونس في المستقبل. و في المقابل لم تتقدم هذه الجبهة في مسألة منع عودة الاستبداد التجمعي بل ساعدته – ولكن بطريقة غير مباشرة- و لم تحقق شيئا من مسألة السيادة على الثروات الوطنية وقد لعب نداء تونس الدور الاساسي في عرقلة تحقيق الجزء الثاني من هذه المطالب و هو الآن يفتح أبوابه على مصاريعها لغلاة التجمعيين و ينصبهم في قيادته و يقصي الشخصيات اليسارية و النقابية و الحقوقية من صفوف قياداته الوسطى في الولايات و المهجر- عبر لعبة التعيينات و أحيانا بالانتخابات الممسرحة- و يسمح بعودة آلة التجمع المنحل للسيطرة على هياكل التنظيم بمباركة من قيادته و بارونات المال المحيطين بها في تناغم تام مع مشروعه الليبيرالي الذي لا يعبأ بمسائل السيادة الوطنية و لا بالجانب الاجتماعي في الثورة التونسية و لا بالديمقراطية حتى في صفوف هذا الحزب نفسه رغم المحافظة الشكلية عليها في الواجهة الاعلامية و في بعض المؤسسات القيادية.

8-

هنالك جانب آخر مهم في الوضعية التي وصلت اليها تونس الآن هو نتيجة تظافر بين الوضع الدولي و الداخلي. و لقد سبق لي أن وضحت ذلك في نص سابق . و لكن في علاقة بجبهة الانقاذ أريد اضافة ما يلي:
بعد سقوط النهضة تبدو جبهة الانقاذ عند الكثيرين هي الضمانة الوحيدة لعدم عودتها الى الحكم . و لكن أصحاب هذا الرأي يتناسون دور الاتحاد العام التونسي للشغل و اتحاد الصناعة و التجارة مثلما يتناسون دور منظمات المجتمع المدني بل و الوضعية الدولية . هذا طبعا اضافة الى اهتراء النهضة و خاصة حلفائها .و كل هذا يساهم في ضرورة الانتباه الى أمر مهم جداهو التالي:
ان الصيغة التي تم بواسطتها "الانقاذ" في تونس هي صيغة أدت الى انقاذ اليمين السياسي من أزمته و لكن مع تقليم أظافره نسبيا و هذا في حد ذاته جيد في الظروف الحالية للبلاد. و اذا لم يتمكن اليسار من فهم الوضعية و تداركها فان تواصلها سيؤدي الى استرداد هذا اليمين أنفاسه و تقاسمه الكعكة التونسية بمباركة دولية على حساب المطالب الوطنية و القومية و الديمقراطية و الاجتماعية للشعب التونسي.
ان الانقاذ الوطني الذي تم أنقذ النظام السياسي و اليمين السياسي التونسي أكثر مما أنقذ الشعب . و يبدو لي ان الانقاذ الثوري للشعب لن يتم بسبب موازين القوى الداخلية و الخارجية الكبرى . و لكن من الضروري – بل من الواجب- التفكير في الحد من الأضرار التي يمكن أن تحدث مستقبلا على حساب الخط الوطني و الديمقراطي و الاجتماعي التقدمي في البلاد.
يبدو لي ان الأمور تسير باتجاه تقاسم اليمين للسلطة و من الضروري العمل على "افساد "هذا الأمر قدر المستطاع ضمانا للحد الأدنى من المكاسب الوطنية و الاجتماعية للشعب التونسي ضد احتمال التغول اليميني .

9-

بعد اعلان الدستور في 26 جانفي 2014 يمكن القول ان تقليم أظافر النهضة قد تم و ذلك من خلال الصيغة المكثفة للجمهورية الديمقراطية المدنية التي اقرت. كما انه يمكن القول ان "الحرية السياسية" قد تحققت دستوريا- و لكن مع ضرورة الضغط الدائم على ميزان القوى- .و اذا أضفنا الى ذلك تراجع النهضة عن اقصاء نداء تونس و تبادلهما التصريحات باحتمال التعاون في الحكم و التزامهما بعدم الاقصاء المتبادل و المحافظة على التزامات تونس الدولية و تنسيقهما مع البلدان "الصديقة و الشقيقة" و الصناديق الدولية.و اذا اضفنا الى ذلك تحرك حكومة المهدي جمعة "القوي" ضد الارهاب و سعيها الى استعادة "هيبة الدولة" و ترميم علاقاتها الخارجية و خاصة مع "الدول المانحة" و الصناديق و البنوك الدولية وغيرها. اذا ربطنا بين كل هذه المعطيات فان الأمور تبدو متجهة الى الاستقرار النسبي الموصل الى الفرز الانتخابي القادم – هذا طبعا ان لم تحصل كارثة استثنائية داخلية أو لم تنخرم الأمور بسرعة في الجزائر خاصة.
في ظل كل هذا يبدو لي ان الجبهة الشعبية بل و كل الأحزاب الوسطية و اليسارية القومية و الاشتراكية التي لا تنتمي الى الجبهة حاليا هي التي ستكون الخاسر الأكبر في المستقبل ان لم تستفق جميعها منذ الآن و تنقذ نفسها و تحافظ على جذوة "التيار الثالث" المستقل عن الاستقطاب الثنائي بين النهضة و حلفائها و نداء تونس و المجموعات الدستورية و التجمعية القريبة منه و لو كانت "على يمينه" الآن. ان تراجع الحزب الجمهوري و تجمد حزب المسار الديمقراطي و مراوحة كل من حركة الشعب و التحالف الديمقراطي في مكانيهما اضافة الى ما تعرفه الجبهة الشعبية من جمود نسبي يؤذن بأن " الخط الثالث " لن يكون له من دور هام الا اذا قام بانقاذ نفسه منذ الآن.
و بصورة موجزة يمكنني أن ألخص الوضعية في المعادلة التالية: تبدو نوايا التصويت لصالح نداء تونس و النهضة دون اعطاء أي منهما أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة القادمة. و اذا لم يتمكن " التيار الثالث" من جمع ما يقارب الخمسة عشر في المائة من الأصوات موحدا حتى يكون حكما انتخابيا و حتى يحرج كتلتي النهضة و نداء تونس معا و حتى يتمكن من فرض تنازلات عليهما و يفسد احتمال تقاسمهما السلطة فانه سيفشل انتخابيا و سياسيا و سيفتح الباب التاريخي لتحالف مريح بين النهضة و نداء تونس.
اذا حصل "التيار الثالث" على نسبة انتخابية تجعله – نظريا- قادرا على انجاح حكومة ائتلافية مع أحد الطرفين القويين فسيكون ذلك اختبارا هاما جدا لرأسي الاستقطاب. كل منهما سيوضع في وضعية حرجة:لماذا اختار التنسيق مع خصمه الثاني و لم يختر التنسيق مع "التيار الثالث"؟ و سيكون بامكان "التيار الثالث" التقدم بشروطه في حكومة ائتلافية و هي شروط متجذرة و طنيا و اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا بحيث سيكون هنالك و احد من أمرين. اما قبول أحد طرفي الاستقطاب الثنائي بالتحالف مع "التيار الثالث" أو رفضه ذلك رغم انه من الممكن حسابيا القيام به. في هذه الحالة سيقع اما تحقيق تنازلات هامة من اليمين لصالح "التيار الثالث" و ذلك بالضغط من أجل اقتراب اليمين من الوسط و اضعاف ميله نحو ما يجعله يمينا متطرفا – و أنا أعرف أنه أمر صعب جدا و لكن الضغط في اتجاهه يمكن أن يحقق مكاسب سياسية ربما منها تقسيم أحد طرفي اليمين - أو سيتحالف قطبا اليمين على حساب اليسار. في كلتا الحالتين سيكون التيار الثالث قد حقق مكسبا تاريخيا كبيرا و ذلك اما بفرض مطالبه على طرف يميني واما بفضح تياري اليمين اذا اختارا التحالف على حساب التيار الثالث و تنكرا لوعودهما "الثورية" . و حتى في هذه الحالة سيكون توحد مكونات "التيار الثالث" كلها هو الضمانة الوحيد ة لعدم تغول اليمين المتحالف.
باختصار شديد اذا لم تتحد قوى الوسط و اليسار جميعها في جبهة سياسية و انتخابية بحيث تجمع أقصى ما يمكن جمعه من اصوات لتكوين كتلة برلمانية قادرة على التعديل فان هذا التيار سيخسر كل شيء و بكل مكوناته . و سيحصل لكل حزيب أو حزب أو تحالف حزبي أو جبهوي منه يختار الانسلاخ و الالتحاق فرديا بقوة كبرى ما حصل اليوم لحزبي المؤتمر و التكتل من ضعف و تلاش.

10-

ملخص الصورة و ما العمل؟

ملخص الصورة:

النهضة قلمت أظافرها و الترويكا تم تحجيمها و المؤتمر و التكتل ضعفا حد التلاشي و حلفاؤها من خارج الترويكا اما يتذمرون منها- السلفية و حزب التحرير- و اما لا قيمة لهم في الساحة مستقبلا و و لن يكون للنهضة من رهان كبيرعليهم وهي لذلك تغازل نداء تونس بمباركة دولية أكيدة في انجاح تجربة الانتقال الديمقراطي التونسي.
نداء تونس بصدد التقوي و لكنه يقوم بذلك من ناحية أولى على حساب حلفائه- ما حدث مع الجمهوري له دلالاة سياسية كبيرة- و من ناحية ثانية بمغازلة النهضة و من ناحية ثالثة باعادة رسكلة التجمعيين و الدستوريين و بشكل صارخ في المدة الأخيرة .
تونس تسيراذن نحو استقرار نسبي للنظام السياسي بعيدا عن الحرب الأهلية و بعيدا عن احتمال انفراد اي حزب مهما كان كبيرا بالحكم لوحده و لكن هنالك ميل الى تطبيق سياسة شد أحزمة قد ترهن البلاد الى الخارج و تجوع الشعب و قد تكون لها انعكاسات خطيرة على الحريات السياسية و النقابية خاصة خاصة اذا تحالف قطبا الاستقطاب في حكومة ائتلافية قادمة.
الجبهة الشعبية لوحدها لن تعدل الكفة بين القطبين و بقية الأحزاب اليسارية و الوسطية منقسمة على نفسها و ضعيفة و لن يكون للجميع من مستقبل الا بالوحدة.

ما العمل؟

الذي يجب فعله الآن هو التالي:
- أ- انسحاب الجبهة الشعبية من "جبهة الانقاذ" بسلاسة و ذلك بعدم الرفض القطعي لآمكانية التنسيق الميداني مع "الاتحاد من أجل تونس" و خاصة بعض مكوناته استكمالا للمرحلة الانتقالية الحالية مع الاعلان المبدئي للانفصال .
- ب- اعادة توحيد الجبهة الشعبية بارجاع الأحزاب التي انفصلت عنها و عقد مؤتمر توحيدي فعلي يتم عبره تجاوز الخلافات و اصلاح الوضع التنظيمي.
ج- التقريب بينها و بين أحزاب المسارالديمقراطي و الاشتراكي اليساري و العمل الوطني الديمقراطي ما أمكن.
د- التقارب مع الحزب الجمهوري و حركة الشعب و التحالف الديمقراطيو غيرها من الأحزاب الوسطية ما أمكن.
ه- السعي الى كسب شقوق من حزبي المؤتمر و التكتل – المقصود أشخاص و مجموعات صغيرة- وابعادها عن حزبيهما والترويكا شرط الا يكون الأشخاص من المتورطين في الخراب المباشر الذي لحق بالبلاد في السنوات الأخيرة و ذلك لاضعاف الحزبين أكثر و كسب من بقي منهما نظيفا و استغلال تجربته البرلمانية و/أوالادارية – و ليس الحكومية- لصالح الشعب مستقبلا.
و- اعادة تشكيل الائتلافات المدنية- السياسية التي تمت بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني في كل الولايات وفي المهاجر قصد تمتين التنسيق و التحالف بين كل المناضلين السياسيين و المدنيين استعدادا للانتخابات بما في ذلك التفكير في الانتخابات البلدية القادمة لا محالة .

كل هذا يجب أن يتم من أجل السعي الى تشكيل أوسع جبهة يسارية- وسطية تونسية من المحبذ أن تكون سياسية و ان تعذر فلتكن انتخابية على الأقل. و بهذا ستتكون الجبهة الديمقراطية التقدمية من أجل كسر الاستقطاب الثنائي و احتمال عودة الاستبدادين النهضوي و الدستوري من ناحية و الدفاع عن الأبعاد الوطنية و القومية و الاجتماعية في الجمهورية التونسية الديمقراطية المدنية الناشئة.
انها مهمة تاريخية بأتم معنى الكلمة : فليتوحد الجميع مع المحافظة على استقلالية التنظيمات - و لكن لم لا تقاربها و حتى انصهار بعضها - .أما اذا كرر اليسار و الوسط حماقات 23 أكتوبر 2011 بالتشبت بالانعزالية و التقدم الى المعركة كل لوحده فانه لن يستحق الا نقمة الشعب و لعنة التاريخ.
يمكن ان ألخص الأمر في الشعار التالي اذن : نحو جبهة وطنية جمهورية ديمقراطية و اجتماعية.

20/مارس/2014.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,268,763
- الجبهة الشعبية التونسية -مبادرة الشهداء -: حان وقت التقييم و ...
- تونس -ما بعد- النهضة : نقاط من أجل التقييم ومن أجل خارطة طري ...
- تونس و العلبة السوداء التاريخية للمسلمين:الدستور التونسي الج ...
- رسالة الى المسلمين
- -القرآن و العلم الحديث:لا معجزة و لا تطابق .-- تقديم أولي لك ...
- الثقافي و السياسي و بؤس الايديولوجيا : اليسارالماركسي نموذجا ...
- مهمة عاجلة - حول الثورجية اليسراوية في تونس اليوم -.
- الدولة و الثورة و الفوضى في تونس .
- تونس و الدرس المصري : قبل فوات الأوان.
- الائتلاف الوطني للانقاذ في تونس :من الانقاذ الى انقاذ الانقا ...
- من-الجبهة الشعبية- الى -الجبهة الديمقراطية المتحدة- في تونس.
- رسالة مفتوحة ثانية الى الرفيق حمة الهمامي: أسئلة حول المفاهي ...
- رسالة مفتوحة الى الرفيق حمة الهمامي
- شكري بلعيد : وصية شخصية
- تونس : في الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الاسلاموي .
- راشد الغنوشي واغتيال شكري بلعيد: بيان النفاق و تبيين الشقاق.
- حكاية تونسية ...الى نيروز و ندى بلعيد.
- تونس : من - مؤتمرالانقاذ الوطني- الى- جبهة الانقاذ الديمقراط ...
- اغتيال الثورة التونسية و مسؤولية الديمقراطيين الانقاذية .
- شكري بلعيد : في معنى الوفاء


المزيد.....




- حسني مبارك يتحدث عن ذكريات أكتوبر 73 في فيديو نادر: حتى يستع ...
- مشروع في مصر للأمن الغذائي والهدية -الإقامة مجاناً-
- مساعد وزير الخارجية الأمريكي يحمل رسالة إلى قطر حول إيران
- أردوغان يرفض وقف العملية العسكرية بسوريا ما لم يقض على -التن ...
- تبادل لإطلاق النار بين الأمن الهندي ومسلحين في كشمير
- بومبيو: انتخابات الرئاسة التونسية "علامة فارقة" في ...
- اليوم الثامن: آخر مستجدات العملية العسكرية التركية في شمال س ...
- عملية نبع السلام: المدنيون العالقون جراء القتال في شمال سوري ...
- بومبيو: انتخابات الرئاسة التونسية "علامة فارقة" في ...
- اليوم الثامن: آخر مستجدات العملية العسكرية التركية في شمال س ...


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بيرم ناجي - تونس و-الانقاذ من الانقاذ-: نحو جبهة و طنية جمهورية ديمقراطية واجتماعية. – نداء 20 مارس 2014-