أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - بيرم ناجي - من-الجبهة الشعبية- الى -الجبهة الديمقراطية المتحدة- في تونس.















المزيد.....



من-الجبهة الشعبية- الى -الجبهة الديمقراطية المتحدة- في تونس.


بيرم ناجي

الحوار المتمدن-العدد: 4064 - 2013 / 4 / 16 - 09:16
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    



تصدير:
كنت بصدد اعداد مقال سأرسله الى مجلة "الفكرية "التونسية حول ملف العمل الجبهوي المزمع نشره في العدد المقبل الذي سيصدرفي شهرماي القادم . كنت بصدد التفكير في التركيز على نقاط أساسية لم أتناولها بالتحليل كثيرا في السابق وهما خاصة مسألتي خصوصية الثورة التونسية و خصوصية الانتقال الديمقراطي. و لكن أصدقاء يساريين مستقلين ينشطون مثلي في الجبهة الشعبية طلبوا مني ورقة فكرية تلخص تصوراتي حول مسألة التكتيك السياسي و التحالفات لتعميق نقاش قد يتمأسس نهاية هذا الشهرالجاري. لهذا السبب أنشر هذا المقال الذي أحين فيه نسبيا أجزاء من مقالات سابقة و أفسر فيه مسألة نقطة خصوصية الانتقال الديمقراطي وألامس فيه مسألة طبيعة حزب "نداء تونس" لأخلص الى ضرورة الجبهة الديمقراطية المتحدة.
ان ضغط الوقت جعلني أكتفي في القسم الأول باعادة صياغة فقرات نشرتها سابقا و لكن بربطها مباشرة بغرض المقال الجديد. من ناحية أخرى اكتفيت بتسجيل الملامح النظرية العامة لمسألة الانتقال الديمقراطي و لا أزعم قدرة على تحليل حيثياتها الجزئية مثل مسائل المحاسبة و المصالحة و العدالة الانتقالية و غيرها. و من ناحية ثالثة قمت باستغلال نداء 7 أكتوبر الذي أصدرته الجبهة الشعبية في المقارنة بين النهضة و نداء تونس و لا أدعي تماما أن ما قمت به يفي بالغرض في هذا المجال. أما الجزء الرابع المخصص للجبهة الديمقراطية فهو عبارة عن أفكار سبق أن عبرت عنها و لكنني أعيد نشرها في اطار المقال الجديد لتجسد تتويجا لمنطقه الداخلي.
لقد أهملت التفاصيل كثيرا و تجنبت الحديث في المسائل التنظيمية عمدا. و من يبحث عن التفاصيل بامكانه الرجوع الى المقالات التي سبق نشرها و التي سأعطي بعض روابطها. ولقد أهملت عمدا المسائل التنظيمية لثقتي في ان حلها سيصبح سهلا تماما اذا ما توفرت الرؤية السياسية السليمة و الارادة الفعلية في التغيير.

مقدمة:

تعرف تونس حاليا مرحلة من تاريخها تكاد تكون خاصة بكل المقاييس و تتطلب حسب رأينا رؤية سياسية خاصة تختلف عن كل التجارب السابقة في تاريخها.
تمر تونس بمرحلة ثورة من صنف خاص، هي ثورة 14 جانفي التي، ليست هي ثورة وطنية ديمقراطية من التبعية والاستبداد الى الاستقلال والد يمقراطية و لا هي ثورة اشتراكية بل هي ثورة سياسية ديمقراطية حصريا وأساسا الى حد الآن ولا يمكنها فعل غير ذلك في المدى المباشر لأسباب عديدة أهمها ردة استثنائية في تاريخها تتسبب فيها هيمنة حركة النهضة الاسلامية على الحكم وتهديدها بالسير بالبلاد وجهة أخرى قد تكون الأخطر في تاريخها المعاصرلو تعمقت مقارنة حتى بأحلك فترات مرحلتي بورقيبة وبن علي.
ان سيطرة حركة النهضة الاسلامية على الحكم دشنت مرحلة تاريخية استثنائية تماما في خطورتها على تطور البلاد عموما و على المسار الثوري الديمقراطي الذي "انطلق" يوم 17 ديسمبر2010 خصوصا و ذلك بفتحها الباب على مصراعيه لتحويل وجهة التاريخ التونسي المعاصر من الوجهة التاريخية الوطنية الاصلاحية الحداثية (على نواقصها و عيوبها بل و جرائمها ) ومن الوجهة الثورية الجمهورية الديمقراطية المدنية التي حاول الحراك الثوري خلقها الى وجهة تقليدية محافظة ورجعية تؤسس لمرحلة خاصة من الاستبداد الشامل في كل الميادين باسم المقدس الديني .
ان التحليل المختصر لطبيعة الثورة التونسية (التي لم تنته) ثم لطبيعة مسار الانتقال الديمقراطي وللملامح العريضة في برنامج الحركة الاسلامية التي وصلت الى الحكم سوف يبين لنا خصوصية هذه المرحلة و خطورتها و هو الذي يبرر مطالبتنا بالجبهة الديمقراطية المتحدة كضرورة سياسية حيوية وملحة لانقاذ تونس و ثورتها من المصير الأسود الذي يحضر لهما.

الجزء الأول : في الثورة التونسية وطبيعتها

لقد مثل اسقاط نظام بن علي ما درجت القوى السياسية التونسية على تسميته بالثورة التونسية الا ان هذه التسمية نفسها ارتبطت بجملة من الأخطاء القاتلة بسبب خصوصية ما وقع فعليا مقارنة بالمفاهيم النظرية العامة الجاهزة عن الانتفاضة وعن الثورة.
لقد سبق لنا و نشرنا رأينا في طبيعة الثورة التونسية في مقال سابق بعنوان " أخطاء الديمقراطيين القاتلة في الثورة التونسية" (1) و لكن بسبب شعورنا ان هذه المسألة تشكل عائقا ذهنيا يمنع اليسار من التفكير السليم في مسألة التكتيك و التحالفات نعيد عرضها مع تحيين و تعديل نسبيين.

لقد انقسمت التوصيفات النظرية لما وقع بين مصطلح الانتفاضة عند بعض قوى أقصى اليسار -- بحجة ان ما اسقط هو السلطة و ليس النظام بكامله- في مقابل استعمال البعض الآخر مصطلح الثورة. ولكن نظرا لكون البعض ادرك جيدا اختلاف ما وقع فعليا عن مفاهيمهم النظرية عن الثورة الاجتماعية التجأوا الى مصطلح "المسار الثوري" أملا في "استكمال مهام الثورة" الذي هو في الواقع تعبير آخر عن نظرية "تحويل الانتفاضة الى ثورة". و لكن الفرق بين الطرفين ليس نظريا بقدر ما هو عملي حسب رأينا. فمن يقول بالانتفاضة هي قوى أقصى اليسار الضعيفة تنظيميا و جماهيريا و غير الفاعلة سياسيا و التي ، في جانب ما، تتمسك بحرفية المصطلح الثوري لتبرير فشلها التاريخي في التحول الى قوى فاعلة و فشلها السياسي الحالي في التأثير على مجرى الأحداث نظرا لتبنيها نظريات تقليدية جاهزة عن "حرب الشعب طويلة الأمد" و "الثورة الوطنية الديمقراطية" و" الثورة الديمقراطية المعادية للامبريالية" و غيرها. انه في جانب ما تمسك عقائدي بنقاوة نظرية بسبب العجز في التعامل مع الواقع الحي الخاص في تونس.
ان القوى اليسارية القائلة بمصطلحات الثورة و المسار الثوري هي التي تهمنا أكثر و هي تبدو أكثر ارتباطا بالحراك الثوري و بمتطلبات مسار الانتقال الديمقراطي المعقدة في تونس.
ان مشكل هذه القوى هو عدم قدرتها على توصيف الواقع الخاص للثورة التونسية بمفاهيم ملائمة له. و عوض ذلك تواصل تمزقها بين المفاهيم النظرية العامة عن الانتفاضة و الثورة و المسار الثوري و بين مقتضيات النضال الواقعي من أجل دفع العملية الثورية الى الأمام. ان المشكل ، حسب رأينا، يمكن حله "ببساطة" لو توفر شرط الاستعداد النفسي- الفكري للاجتهاد النظري بعيدا عن الواقعية الفجة و الشعاراتية الفجة في نفس الوقت و ذلك على النحو التالي.

ان الجمبع يعرف ان ما وقع في تونس هو تفاعل خاص بين انتفاضة شعبية عميقة من ناحية و بين عمل عسكري من ناحية ثانية. وان هذا التفاعل هو الذي حسم أمر بن علي دون ان يكون انقلابا عسكريا تقليديا يعطي السلطة الى الجيش و هو الذي - بفضل النضال الجماهيري - سمح بقيام اصلاحات ديمقراطية جذرية نسبيا مثل حل الحزب الحاكم السابق و مجلسي النواب و المستشارين و ايقاف العمل بالدستور السابق و الدعوة لانتخاب مجلس تأسيسي و اطلاق الحريات السياسية و الاعلامية و النقابية ، الخ.
ان ما وقع في تونس ، بهذا المعنى، ليس مجرد انتفاضة و ليس مجرد انقلاب عسكري تقليدي و لكنه ليس ثورة اجتماعية بمعنى ذلك العمل الشعبي العنيف الذي يقلب النظام السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي جذريا ليعوضه بنظام جديد.
ان ما وقع في تونس يمكن توصيفه بكونه ثورة سياسية ( و ليس اجتماعية) بصفة أساسية لأن سهم العمل الشعبي كان موجها نحو النظام التسلطي لبن علي و عائلته و حزبه تحديدا و لم يكن يهدف الى تغييرنوعي جذري و تام لنظام العلاقات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية بل الى اصلاحها العميق لا غير.
ان فهم هذه المسألة و توضيحها هكذا قد يساعد ، حسب رأينا، في الانتباه الى ماهو أكبر من مجرد انتفاضة و ما هو أقل من ثورة اجتماعية شاملة. لكنه يساعد أكثر على الوعي بآفاق تطور ما وقع و حدوده التاريخية تجنبا للانهزامية اليمينية المسبقة و "اليسارية" الناتجة عن نظرية "الانقلاب المقنع" و عن نظرية" الانتفاضة العفوية" و تجنبا للطوباوية الثورية المقابلة و المتوهمة في قدرة انتصارية ثورية كلاسيكية تستكمل المسار الثوري كلاسيكيا بعيدا عن قراءة موضوعية للشروط الذاتية و الموضوعية الضرورية لذلك.
ان شروط تحول الثورة السياسية التونسية الى ثورة اجتماعية جذرية شاملة تكاد تكون منعدمة و لكن امكانات تجذير المسار و فرض المزيد من الاصلاحات العميقة تبقى واردة اذا أحسن الديمقراطيون فعل ذلك.
ان المبالغة في تقييم امكانات التحول الثوري تؤدي الى رفع شعارات عالية السقف و بعيدة عن المزاج الشعبي العام و عن الامكانيات الذاتية و العوائق الموضوعية مما يجعلها تؤدي الى انفصال الديمقراطيين عن أوسع الجماهير و فشلهم ليس فقط في تجذير المسار بل و حتى في المحافظة عليه و على ما حققه، هذا الى جانب امكانية حدوث رد فعل عكسي يجعل جماعات هامة من الشعب تسير وراء قوى محافظة – بسبب انعدام الاستقرار الاقتصادي و الأمني،الخ - أو حتى وراء قوى تغير مسار الانتقال الديمقراطي الى وجهة أخرى اسلامية تحديدا و هذا ما حصل في انتخابات 2" أكتوبر2011 .و لكن المسار مازال متحركا الى حد الآن و يمكن انقاذه.


المسألة الثانية التي سنحاول تقييمها هي ربط المسار الثوري بقضيتي التبعية الخارجية و نظام الطبقات الاجتماعية في تونس.

ان الثورة التونسية ركزت على التخلص من بن علي و عائلته و حزبه و لكنها لم تكن موجهة، بصورة مباشرة وواضحة ، لا ضد الامبريالية و التبعية في عمومهما و لا ضد طبقات اجتماعية محلية محددة. انها أقرب ، من هذه الناحية ، الى الانتفاضة الشعبية العامة التي لعبت فيها الشرائح الاجتماعية الوسطى المتعلمة دورا كبيرا بمساندة شعبية عامة – خاصة المعطلون عن العمل من الشباب - بهدف التخلص من بن علي و عائلته و محيطها المافيوي و حزبه لا غير.
لهذا السبب نعتبر ان مسألة على غاية من الأهمية لا بد أن تطرح الآن على كل الديمقراطيين و لكن خاصة على الجبهة الشعبية وقواها اليسارية و القومية بالتحديد .
هل ان المزاج الشعبي مع، و خاصة هل هو قادر الآن على، طرح مهمة القطع مع التبعية في نفس الوقت و بنفس القدر الذي يسعى فيه الى الديمقراطية السياسية و الاصلاحات الاقتصادية و الاجتماعية أم لا؟

هنا يرتكب الديمقراطيون التونسيون أيضا أخطاء قاتلة.
من ناحية أولى يهمل قسم من الديمقراطيين تقريبا مسألة التبعية و السيادة الوطنية و لا يركز ، ان فعل، الا على ما تقترفه النهضة و الترويكا من علاقات مع قطر خاصة. و لكنه يتناسى مثلا العلاقات بالاتحاد الأوروبي بل يمدح احيانا الانتقادات الفرنسية للسلطة التونسية او ما يتسرب عن ضغوطات امريكية على الترويكا الحاكمة.
ان اصحاب هذا التوجه يفصلون تقريبا، و بدرجات متفاوتة، بين المسار الديمقراطي و مسألة السيادة الوطنية و لا يساهمون في استغلال الظرف التاريخي الراهن لترشيد العلاقات الخارجية الاقتصادية و السياسية و غيرها في اتجاه تخفيف آثار التبعية على البلاد على الأقل.
من ناحية ثانية ، وفي المقابل، يرتكب القسم الآخر من الديمقراطيين ، و خاصة من الجبهة الشعبية، خطأ وضع مسألة التبعية في مقدمة أولويات المسار الثوري المباشرة و الفورية.
ان الجبهة الشعبية تعتقد انه من الضروري طرح "المسألة الوطنية" كشرط أولي لطرح قضية الانتقال الديمقراطي. ان هذا الطرح هو نظريا "تحليل اقتصادوي" يعتقد انه يستحيل تحقيق اية انجازات ديمقراطية قبل حل المسألة الوطنية و التخلص من التبعية جذريا.
أما من الناحية السياسية العملية فهو قفز عن مستوى الوعي الشعبي العام الذي لم يثر ضد التبعية ، مباشرة، بل ضد الاستبداد و البطالة و انعدام التوازن الجهوي و الفقر...و هو ، عندما ثار و الى الآن ، غير قادر على الربط المباشر، بل و حتى غير المباشرأحيانا ، بين ما ثار ضده و حالة التبعية.
ان الشعب التونسي و ان رفع، جزئيا، وراء بعض قادة ثورته شعار " شغل حرية كرامة وطنية " و " الشعب التونسي شعب حر لا امريكا لا قطر" لم يطرح تحقيق الانجاز التام للمسألة الوطنية بل كانت أهم مطالبه سياسية و اجتماعية داخلية بالأساس.
لذلك فان المطروح ، مباشرة و ليس استراتيجيا، هو استثمار الحراك الاجتماعي للتخفيف من سلبيات التبعية ما أمكن داخل مسار الانتقال الديمقراطي و من خلاله.
ان المزاج الشعبي ساير و يمكن ان يساير النضال السياسي من أجل "تونس ديمقراطية اجتماعية أقل تبعية" و ليس من أجل تونس "الوطنية الديمقراطية" . و انه من الخطأ السياسي القاتل لليساريين و القوميين اسقاط استراتيجيتهم الخاصة على مستوى الوعي الحالي للشعب بمحاولة تحويلها الى مهام مباشرة للتحقيق الفوري. ان ذلك سيكون تطرفا يسهل على غيرهم سحب البساط من تحت أقدامهم ، خاصة في ظروف الأزمة الاقتصادية الحالية الخانقة، و ذلك بتركيزالآخرين على تسهيل سياسة الهجرة و الاستثمار و التشغيل المرتبطين بالتعاون الدولي،الخ.
ان اللحظة التاريخية الحالية، وفي المدى المباشر و المتوسط، ليست لحظة "فك ارتباط" و " ثورة وطنية" أو غيرهما.انها موجة اصلاحية ديمقراطية و اجتماعية تحديدا و من يسلك على غير هذا الهدي يتجاهل و عي الشعب و موازين القوى الدولية الحالية و يخدم ، دون ارادته، انصار التبعية الواضحين و اعداء النضال حتى من أجل تخفيف وطأتها، انه بالتالي قد يخسر فضيتي التبعية و الانتقال الديمقراطي على حد السواء.
ان مؤشرات هامة تدل على هذا. فتطور شعبية النهضة التي يحلو للبعض اعتبارها عميلة وتطورشعبية "نداء تونس" الذي يحلو للبعض تسميته بالحزب "الليبيرالي " و "التابع" و تكرار مغامرات الهجرة السرية وتنامي الرغبة في الهجرة القانونية و كثرة الاهتمام بقرارات صناديق الائتمان العالمية واكتفاء العمال بالنضال في سبيل تحسين ظروف عملهم في المؤسسات الأجنبية و سعيهم لبقائها في تونس و غيرها من المؤشرات تدل بوضوح على عدم انخراط شعبي واسع و فوري في "الثورة الوطنية" بل على بحث عن اصلاحات اقتصادية و سياسية و اجتماعية داخلية قد تلطف من التبعية لا غير.

ان الحلقة الأساسية التي يجب المسك بها الآن هي حلقة النضال الديمقراطي السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي "الداخلي" و ليس حلقة النضال الوطني ضد الامبريالية . و هذا ما يجب ان يرشد السلوك السياسي الداخلي و الخارجي على السواء لتجنب وضع العربة أمام الحصان بسبب طرح الواقع لمهام سياسية تخالف التبويب النظري الكلاسيكي للحركات الثورية اليسارية و القومية.
لكن المسك بحلقة النضال السياسي الديمقراطي الداخلي لا يجب ان ينسي الحلقة الاخرى بل أن يسحبها بمرونة معها على أمل اشراك أوسع ما يمكن من الجماهير و القوى السياسية تدريجيا في رفع سقف المطالب الوطنية داخل و من خلال موجة الحراك الديمقراطي نفسها و ذلك بالتدرج مع تطور التجربة الجماهيرية نفسها في النضال الديمقراطي.
كما ان هذا لا يجب أن ينسي انه بسبب العولمة و كل التغيرات الدولية المعاصرة كان الكل قد وصل الى استنتاج ضرورة العمل العربي الواسع للتصدي لسياسة المحاور الكبرى اذا أردنا تحقيق شيء في المسائل الوطنية و القومية. و لذلك فانه من العناد السياسي لا غير تقديم المسألة الوطنية و القومية فوريا و بصورة مباشرة داخل المسار الفعلي للحركة التاريخية الحالية ، حتى لو اعتقدنا ان ذلك هو "الأصح نظريا" و هو أمر يناقش هو الآخر في اطار العولمة الجديدة و بعد تقييم التجارب السابقة في "فك الارتباط" و لكن ليس هذا هدفنا الآن .
ان الخطأ القاتل الثاني هو اذن عدم القدرة على تمثل العلاقة بين الوطني و الديمقراطي في المسار الفعلي للتاريخ التونسي الحالي. ولقد ارتبط هذا بهراءات أخرى لعل أغباها مثلا ترويج بعض فصائل الجبهة الشعبية ، بمناسبة قضية قرية الدخيلة في ولاية منوبة، لروابط على الفايسبوك تقول ان "الجبهة الشعبية تخوض معركة الأرض ضدالاقطاع ".
كما ان البعض يكاد يدعو الى "النضال ضد الرأسمالية " من أرضية "برنامج انتقالي اشتراكي" أو "وطني ديمقراطي" " شعبي" و كأن "الثورة الدائمة" (التي أصبحت بسرعة "ثورة مغدورة") أو " الوطنية الديمقراطية "على الأبواب.
ان من يدافع عن مثل هذه الأطروحات لا يفرق بين برنامج انتقالي لثورة دائمة و اشتراكية أو وطنية ديمقراطية كلاسيكية و بين "الانتقال الديمقراطي" الواقعي الممكن انجازه فعليا في تونس اليوم و المهدد أصلا بالانحراف نحو "الديمقراطية الاسلامية " المعادية تماما للديمقراطية الحديثة .هذا اذا لم نكن مقبلين على خراب سياسي أكبر قد يهدد وجود الدولة أصلا.
ان هذا يرتبط ، كما قلنا ، من ناحية أولى بتقييم ما وقع في تونس ( مسألة الثورة و الانتفاضة...) و من ناحية ثانية بالعلاقة بين الوطني و الديمقراطي في الواقع العيني التونسي الحي و ليس في الكتب الثورية. و قد أدت هذه الأفكار القاتلة الأصلية الى سلسلة من الأخطاء بدأت حتى قبل الاطاحة ببن علي وقد تخرب كل شيء اذا تواصلت الآن بعد صعود النهضة أيضا.
لكن من الممكن تدارك هذا الأمر اعتمادا على مخيال اليسار التونسي نفسه مع تعديله و ذلك على هذا النحو:
ان ما وقع في تونس هو الى حد الآن ثورة سياسية ( و هنا نقول اننا استفدنا من مقولة تروتسكي الذي كان يدعو الى ثورة سياسية ضد البيرقراطية الستالينية دون ثورة اجتماعية ضد الاشتراكية نفسها ) و هو يشبه الى حد ما ما كانت تسميه بعض فصائل اليسار التونسي القديمة و خاصة "الشعلة" و "العامل التونسي" مرحلة الحرية السياسية السابقة على الثورة الوطنية الديمقراطية و ما كان يطالب به الحزب الشيوعي التونسي السابق من اصلاحات ديمقراطية على الدولة الوطنية و غير ذلك من الأطروحات.
ان على اليسار التونسي ان ينسب اليوم تفكيره و يطبق هذا التنسيب على قراءة الواقع الحي القائم فعليا و ليس في الكتب. و عليه ان يدمج الديمقراطية فعليا في برامجه .أما اذا كان لا يزال أسير "دكتاتورية البروليتاريا" التي سيحكمها حزب واحد و داخله خط سياسي واحد فعلى الدنيا السلام.

كما ان على القوميين و البعثيين و غيرهم الانتباه الى ان مقولاتهم السابقة حول الثورة ولى زمنها و لكن ليس في الهدف بل في الطريقة. فاذا كانوا لا يزالون يحلمون بالانقلابات العسكرية و بأنظمة سياسية تعتمد الحزب الواحد أحيانا و ترفض كل تنظيم حزبي أحيانا أخرى فانهم لم يتعظوا بما وقع لكل التجارب الناصرية و البعثية الكلاسيكية.
ان اليسار الشيوعي و القومي اذا واصل التمسك بتصوراته القديمة المعادية للديمقراطية السياسية سيتنتهي الى الزوال وهو ان فعل ذلك لن يقنع أحدا باختلافه عن "اليمين الديني" و "اليمين الليبيرالي" المدعوان هما أيضا الى التخلي عن "الاستبداد الوطني" البورقيبي و "الاخواني الاسلامي" التقليديين و الا فاننا جميعا سنساهم في الخراب الذي ينتظر الجميع رغم ان الحركة الاسلامية تتميز عنا جميعا بأنها تبشر بخراب قديم و محافظ له من الخطورة ما يجعله يهدد كل مكاسبنا التاريخية تقريبا.



2- الجزء الثاني : في الطبيعة الخاصة للانتقال الديمقراطي في تونس

قلنا أعلاه في المقدمة " تعرف تونس حاليا مرحلة من تاريخها تكاد تكون خاصة بكل المقاييس و تتطلب حسب رأينا رؤية سياسية خاصة تختلف عن كل التجارب السابقة في تاريخها". و يبدو ان اليسار في الجبهة الشعبية لم يستطع الى حد الآن أن يعي خطورة المسألة .
ان الوعي بهذه المسألة هو الشرط الأولي لأي عمل سياسي ثوري جديد في تونس حسب رأينا. اذ ان ما يحصل في تونس، كما قلنا، ليس هو ثورة وطنية ديمقراطية كلاسيكية و لا ثورة اشتراكية أو ثورة دائمة بل كما قلنا ثورة سياسية ديمقراطية من صنف خاص تشبه ما يسمى مرحلة الحرية السياسية التي تسبق الثورة الوطنية الديمقراطية التي كانت تنظر لها بعض فصائل اليسار التونسي في السبعينات و لكن في ظرف تاريخي جديد تماما في تونس و في العالم.
لهذا الأمر فاننا نعتقد ان الرؤية التكتيكية للجبهة الشعبية عليها أن تكون جديدة تماما. ان المطلوب اليوم ليس سحب الرؤى السياسية الروسية أو الصينية أو غيرها على الواقع التونسي بهدف استكمال المسار الثوري الوطني الديمقراطي أو الاشتراكي بل الاستفادة الخلاقة من تجارب أخرى يبدو ان الجبهة تتجاهلها تماما و هي تجارب الانتقال الديمقراطي في أروبا الشرقية و جنوب افريقيا و قبلها في اليونان و اسبانيا و البرتغال و بعض تجارب بلدان أمريكا اللاتينية و لكن مع تبيئتها في الواقع التونسي الجديد و الفريد.
ان الاستفادة من هذه التجارب التي يبدو ان الجبهة الشعبية لا تلتفت اليها تماما ، بعكس اليساريين المستقلين و اليسار الموجود في "الاتحاد من أجل تونس"، لا بد ان يراعي فرادة الحالة التونسية على الأقل للأسباب التالية :
- أولا: نظام بن علي كان نظاما تسلطيا و لكنه يختلف عن الأنظمة "الاشتراكية البيرقراطية" أو "الامبريالية الاشتراكية" في المعسكر الشرقي و عن الفاشية العسكرية التي كانت في اليونان و اسبانيا و البرتغال و جنوب أمريكا مثلما يختلف عن نظام الميز العنصري في جنوب افريقيا.
- ثانيا : بعد سقوط بن علي صعد في تونس نظام الحركة الاسلامية بقيادة النهضة بينما لم يصعد أقصى اليمين في الدول السابقة الذكر بل هو من كان قد هزم وكانت التجربة في اروبا الشرقية مخالفة تماما اذ اليسار التقليدي هو الذي انهزم و صعدت القوى الليبيرالية الى الحكم.
- ثالثا: ضعف القوى اليسارية الاشتراكية و القومية و القوى الوسطية و شدة الاستقطاب بين "اليمين الديني" و "اليمين الليبيرالي" بسبب خصوصية البلدان العربية الاسلامية بعد انهيار الأنظمة الوطنية التقليدية حيث تزامن ذلك مع انحسار كبير لليسار و القوميين و البعثيين و صعود صاروخي للحركة الاسلامية مع ما يسمى الربيع العربي.
- رابعا : خصوصية الوضع الدولي الراهن و خصوصية التعامل الدولي مع المنطقة العربية الاسلامية تحديدا و أهمية التأثير الناتج عن ذلك لامارات و مشيخات الخليج بالتنسيق مع قوى دولية و اقليمية في اطار نزاع عالمي جديد هدفه اضعاف التأثير الصيني و الروسي و الايراني في المنطقة لصالح التحالف الأمريكي الأوروبي التركي الخليجي.

ان هذه الخصوصية التونسية – والمصرية- تجعل من الواجب التفكير بطريقة جديدة تماما – تقريبا- و تفرض بالتالي على الجبهة الشعبية و عموم الديمقراطيين التونسيين التحلى بالابتكارية و الابداعية النظرية و السياسية و الا فانهم سيخطئون الهدف تماما.
ليس المطلوب الآن و فورا – نحن نتحدث عن التكتيك- لا ثورة وطنية ديمقراطية و لا ثورة اشتراكية – و هما محل مراجعة بسبب ما آل اليه أصلا مصير المعسكر الاشتراكي- و بالتالي ليس المطلوب مرحلة انتقالية مباشرة نحو الثورة الوطنية الديمقراطية أو "البرنامج الانتقالي" التروتسكي للثورة الدائمة .
ان المطلوب هو انتقال ديمقراطي من نوع خاص تقريبا يهدف الى سد الطريق أمام احتمال عودة التسلط البورقيبي- النوفمبري و أمام تواصل الاستبداد الاسلامي المتطرف الذي بدأ مع انتخابات 23 أكتوبر2011.
ان هذا الانتقال الديمقراطي لن يهدف مباشرة الى تحقيق نماذج كلاسيكية ثورية بل الى ضمان دمقرطة الحياة السياسية التونسية دون قطع جذري لا مع التبعية و لا مع الليبيرالية الاقتصادية .و لكن بمحاولة تخفيف اضرار التبعية و محورها الجديد و هو الوكيل الخليجي و الدفاع اكثر ما يمكن عن السيادة الوطنية من ناحية و تخفيف أضرار الليبيرالية وشكلها المتوحش الاسلامي المحافظ و الدفاع اكثر ما يمكن عن الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية للشعب.
ان المرحلة الحالية في الثورة التونسية ليست مرحلة ثورية جذرية كما هو الأمر في الثورات الاجتماعية الكلاسيكية بل هي مرحلة انتقالية سياسية جذرية سياسيا باتجاه القبول بالديمقراطية السياسية و لكنها اصلاحية اجتماعية تقريبا لأنها لن تقضي جذريا لا على التبعية و لا على الرأسمالية أو غيرها.
انه على اليسار التونسي أن يعي خصوصية هذه المرحلة و موازين قواها و الظرف الاقليمي والعالمي الذي نمر به و بالتالي أن ينسى مؤقتا أحلامه الثورية الكلاسيكية ، التي هي محل تساؤل أصلا، ليفكر بطريقة جديدة يستفيد فيها من التجارب القديمة و لكن فقط من روحها التكتيكية و ليس بنقلها حرفيا و اسقاطها على المسار الثوري التونسي.
ان احدى اهم المخاطر المهددة لليسار التونسي اليوم انسجانه في شرنقة مخياله النظري و التاريخي الكلاسيكي على حساب تجديد خياله النظري و السياسي و التنظيمي الحالي تأقلما مع الوضع التونسي الخصوصي الحالي.
ان "العلبة السوداء" للخيال اليساري لا تزال تقليدية تماما لأنه لا يزال يفكر وفق منظور ذهني نظري وسياسي و تنظيمي كلاسيكي. و ان هذا الوضع هو الذي يجب تغييره و فق نماذج تحليلية جديدة تستفيد من تجارب الانتقال الديمقراطي التي ذكرناها أعلاه و ذلك كما يلي و باختصار شديد.
لنترك مسألة "الانتقال الديمقراطي" في اروبا الشرقية لأن ما وقع هنالك هو "عودة الرأسمالية" على حساب "الاشتراكية التاريخية" التي لا داعي الآن لتوصيفها و النقاش حولها.
ان أهم ما يجب الانتباه اليه الان هو تجارب بلدان كاليونان و اسبانيا و البرتغال و جنوب افرييقيا و امريكا اللاتينية قبل – وليس أثناء- التحولات اليسارية الأخيرة.
اننا لا نعتقد ، نظرا لخصوصية الثورة التونسية و للأسباب الأربعة التي ذكرناها أعلاه، ان تونس يمكنها الآن و فورا القيام بتحول يساري عميق على شاكلة ما حدث مؤخرا في بلدان أمريكا اللاتينية. بل ان أقصى ما يمكنها أن تحققه هو الموجة السابقة لذلك بالتحول من الحكم العسكري الى الحكم الديمقراطي الذي سمح لا حقا بانتصار اليسار اللاتيني. اننا لا نستطيع المراهنة على صعود اليسار الاشتراكي- القومي الى الحكم الآن في تونس و لكننا نعتقد ان اليسار عليه و اجب ويمكنه أن يساهم مع غيره من الديمقراطيين التونسيين في انتقال ديمقراطي سياسي لنظام الحكم يقطع الطريق أمام احتمال عودة التسلط البورقيبي –النوفمبري و يطيح بالاستبداد الاسلامي المتطرف الذي يسيطر الآن ويفتح المجال لنضال لاحق من اجل تعميق المسار الثوري على اسس ديمقراطية جديدة تماما ستتطلب من بين ما تتطلبه تجديد اليسار نفسه على كل المستويات.
ان النماذج التي يجب الاستفادة منها اذن هي ليست نماذج كلاسيكية و لا حتى نماذج صعود اليسار اللاتيني الأمريكي الأخيرة الى الحكم بل هي نماذج أخرى خاصة من الانتقال الديمقراطي .
ان نماذج اليونان و اسبانيا و البرتغال ، رغم اختلاف درجة تطور هذه البلدان علينا و انتمائها الأوروبي و غيره من العوامل ، تعطينا ما يلي باختصارشديد.
عند الانتقال الديمقراطي هنالك لم يتم الاطاحة بالبورجوازية كطبقة اجتماعية ولا بالرأسمالية كنظام اقتصادي و اجتماعي. كل ما حدث هو ثورة سياسية عميقة نسبيا بحيث تم تعويض حكم العسكر بحكم ديمقراطي مدني سياسيا و تم النضال داخل النظام الجديد من أجل تحديث الاقتصاد و البنى الاجتماعية و الثقافية لتحاول تلك البلدان اللحاق بالقافلة الأروبية في كل الميادين وضمان الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية للشعب داخل الليبيرالية الديمقراطية و ليس ضدها.
في هذه التجارب كان اليسار حاضرا بقوة كبيرة و تمت تحالفات بين الليبيراليين و الاشتراكيين الديمقراطيين و اليساريين عموما ، و لكن كل من موقعه الخاص، من أجل ضمان القضاء على الدكتاتوريات العسكرية و الانتقال نحو الديمقراطية الليبيرالية نفسها.
في تجارب بلدان أمريكا اللاتينية ،قبل صعود اليسار اللاتيني الأخير، تم تقريبا نفس الشيء فتحالف الجميع هنالك ضد الأنظمة العسكرية من أجل الوصول الى الديمقراطية السياسية المدنية التي تواصل داخلها النضال لاحقا وأوصل اليسار هنالك ديمقراطيا الى الحكم عبر الانتخابات .
في هذه التجربة أيضا لم تتوجه النضالات مباشرة ضد البورجوازية التابعة أو "الكومبرادورية" و ملاكي الأراضي الكبار الأقوياء هنالك من أجل سلطة الطبقات الشعبية و لكن تم التحالف العام بين كل من هو ضد حكم العسكر للوصول الى دمقرطة الحياة السياسية ثم تواصل نضال اليسار لاحقا بطرق ديمقراطية ليصل أخيرا الى الحكم.
في المرحلة الأولى في أمريكا اللاتينية اذن لم تطرح "المسألة الوطنية" كمسألة مركزية بل طرحت المسألة الديمقراطية لانهاء الدكتاتوريات العسكرية التي كانت تعرقل النضالين الوطني و الشعبي الاجتماعي على حد السواء. و لم يتمسك اليسار اللاتيني بقوالب نظرية جاهزة رغم باع المدرسة اللاتينية النظري الطويل و العريض في التنظير لمسألة التبعية و "فك الارتباط" ورغم تجربته الطويلة ، ولكن المريرة، في النضال المسلح .
في جنوب افريقيا تم شيء مشابه أيضا:
لقد كان المؤتمر الوطني الافريقي يحوي داخله اليساريين و الوطنيين السود و الديمقراطيين الذين يمارسون حتى النضال المسلح ضد نظام الميز العنصري . و كان من المؤتمر الوطني الافريقي من يعتبر المسألة الأساسية هنالك مسألة الاستقلال الوطني الافريقي عن الاحتلال الأبيض الذي يتخد نظام الميز العنصري شكلا له. و مع تطور النضال و تغير المعطيات العالمية اثر سقوط الاتحاد السوفياتي فهم نيلسون مانديلا و رفاقه كلهم في المؤتمر الوطني الافريقي انه من المهم اقتناص الفرصة التاريخية التي أدت الى العزل التام لنظام الميز العنصري عالميا و محليا والقضاء عليه بسرعة و التحول الى نظام ديمقراطي ليبيرالي لا يطرح على نفسه لا حل "المسألة الوطنية " السوداءالجنوب – افريقية ولا التخلص الراديكالي من البورجوازية. و يبدو ان هذا ما لم يفهمه روبات موغابي في زيمبابوي مثلا و نظامه يعاني الآن من كل اصناف المصائب.
في تونس الآن علينا الاستفادة من كل هذه التجارب كما يلي ، و بصفة عامة جدا، و لكن بكامل المرونة المرتبطة بخصوصية ما يقع عندنا.
ان الثورة التونسية – كما حاولنا توضيحه أعلاه- هي ثورة سياسية ضد التسلط و ضد المافيا و الفساد و الجهوية و غيرها . و كانت وجهة الثورة ديمقراطية اجتماعية و لكنها – في مستوى الوعي الشعبي – لم تطرح على نفسها لا حل "المسألة الوطنية" و التخلص من الامبريالية و لا تصفية كل الطبقات الحاكمة بل – وفقط- دمقرطة الحياة السياسية بضرب التسلط و النزعة البوليسية للحكم و تحقيق اصلاحات اجتماعية في التشغيل و التوازن الجهوي خاصة .
لكن ما يميز ما وقع في تونس هو انه بعد الاطاحة ببن علي و نظامه صعد اليمين الديني المتطرف الى الحكم. و هذا اليمين أصبح لا يهدد فقط التوجه الديمقراطي المدني للثورة و الدولة بل حتى المكاسب التاريخية التي تحققت منذ الاستقلال السياسي للبلاد و ذلك في اتجاه يميني استبدادي و محافظ .
ان ما وقع في تونس بعد صعود الاسلاميين الى الحكم هو تعميق أهمية المسألة الديمقراطية و دعمها بمخاوف حقيقية حول كل المكاسب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي تحققت منذ الاستقلال بمشاركة من الحكم أحيانا و ضده أحيانا أخرى.
ان الحكم الاسلامي المتطرف يجعل المسألة الديمقراطية مسألة حيوية مباشرة و فورية و يحتم التوحد حولها من قبل كل الديمقراطيين التونسيين سواء كانوا يساريين أو وسطيين أو ليبيراليين. وبما ان الاسلاميين لا يختلفون كثيرا مع الليبيراليين في جذرية طرحهم لمسألة التبعية بل ربما يزيدون الأمور سوءا بربط البلد بنخاسي العصر من مشائخ الخليج فان و حدة الديمقراطيين تصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة للشعب التونسي اليوم و بذلك لا بد من طرح مسألة الجبهة الديمقراطية المتحدة فورا على جدول الأعمال.

ثالثا : في طبيعة حركة النهضة الاسلامية و حركة نداء تونس

ان ضرورة الجبهة الديمقراطية المتحدة تنبع اذن من طبيعة الثورة التونسية و من خصوصية مسار الانتقال الديمقراطي عندنا و من مخاطر الحركة الاسلامية المتطرفة على الثورة و على المكاسب التاريخية للمجتمع وعلى "النموذج المجتمعي " التونسي الحداثي والديمقراطي والتقدمي برمته . ولكن اضافة الى ذلك لا بد من توضيح طبيعة "اليمين الليبيرالي" ( كما تسميه الجبهة الشعبية) و أسباب امكان بل وضرورة مشاركته في الجبهة الديمقراطية,

لقد سبق لنا ووضحنا خطورة المشروع الاسلامي المتطرف – بقيادة النهضة- في نصوص سابقة أهمها " حركة النهضة الاسلامية التونسية : دراسة نقدية" (2) و وضحنا في مقالات أخرى انه من الواجب على الديمقراطيين التونسيين الاستفادة من تجربة "الجبهة الوطنية المتحدة ضد الفاشية" أيضا و لكننا نكرر ونذكر بما يلي :
من مفارقات الحياة السياسية التونسية اليوم ومن مأزقها السياسي الذي يجب أن يحل فورا ما يلي:
تبدو الجبهة الشعبية ظاهريا القوة الأكثر تجذرا في النضال السياسي ضد الترويكا الحاكمة بقيادة النهضة و لكن في المقابل فان الجبهة هي نفسها من يعرقل تحقيق انتصار فعلي في هذا النضال بسبب ما يمكن ان يعتبر تطرفا يساريا فيها برفضها التنسيق مع ما تسميه "اليمين الليبيرالي" .
ان خطاب و سلوك الجبهة الشعبية هما اللذان يعرقلان تكون جبهة ديمقراطية متحدة بحجة القطع مع الاصلاحية ومع الليبيرالية خاصة و لكننا نصر على ان البرنامج الاستراتيجي للحركة الاسلامية هو مدمر حتى للاصلاحية والليبيرالية و ان طبيعة الثورة التونسية و مسار الانتقال الديمقراطي فيها يحتمان تكوين هذه الجبهة. ان خطاب الجبهة و سلوكها بهما مشاكل حقيقية لا بد من المصارحة بها .

و حتى لا يبدو ذلك مناقضا لفكر ولوجود الجبهة الشعبية يكفي أن نذكر بنداء 7 أكتوبر التأسيسي للجبهة الشعبية الذي حلل خطورة المرحلة و لكنه لم يستنتج منها ما نراه ضروريا من ضرورة توسيع التحالفات السياسية على أرضية ديمقراطية واسعة ودنيا حتى مع الليبيراليين.

لقد جاء في النداء المذكور ما يلي:
" جماهير شعبنا

لقد مضت شهور عن انتصاب "الإئتلاف" الحالي في الحكم وقد تبين أن المخاطر والأزمات التي ولّدتها سياسات هذا الائتلاف تتجاوز حدود الالتفاف على أهداف الثورة وإجهاضها إلى تهديد غير مسبوق للنسيج الاجتماعي والسيادة الوطنية وقيم الجمهورية.
فبعد أن نجحت السلطة الحاكمة في الانحراف بالاستحقاق الانتخابي المتصل بالمجلس التأسيسي المنتَخب لصياغة دستور حددت الثورة ملامحه المدنية والاجتماعية والدّيمقراطية، ها أننا نجد أنفسنا أمام ما يشرّع لنوع جديد من الاستبداد وما يتصل به من تهديد للحريات العامة والفردية ومن تراجع عن المكاسب الاجتماعية وذلك في انقلاب سافر على تلك المبادئ التي أقرتها الثورة.
لقد استحوذ الائتلاف الحاكم على مختلف السّلط فوضع يده على كل أجهزة الدولة ومؤسساتها (القضاء، الإعلام، الإدارة، الأمن...) وهو يتصرف كأنه سلطة دائمة ومطلقة لها كامل الصلاحيات على البلاد والعباد.
إن الإئتلاف الحاكم ما انفك يتغوّل على المجتمع ويوظف مؤسسات الدولة لصالح سياسات حزبية ضيقة ملحقا أضرارا كبيرة بمصالح البلاد الداخلية والخارجية منتهجا خيارات وإجراءات اقتصادية ليبرالية متوحشة تعمق معاناة الشعب وتزيد من فقر المواطنين وبؤسهم. إن هذا الائتلاف يرهن مقدرات الوطن للدوائر الاستعمارية ووكلائها ويكرس سياسة المكيالين ويطلق العنان لسيطرة المليشيات لضرب الحريات وتعنيف المعارضات والمعارضين وتجريم الاحتجاجات الشعبية وغض الطرف عن قوى تكفيرية مهددة لوحدة المجتمع التونسي وحرية أفراده ومثقفيه ومبدعيه فضلا عن العبث الخطير بملف العدالة الانتقالية. إن إذلال جرحى الثورة ورموزها والاستهانة بشهدائها والسّعي إلى تحويل بنات الوطن وأبناءه إلى رعايا بلا حقوق ولا كرامة أصبحت من سياسات الحكومة الثابتة.

إن هذه السياسات المعادية لمصالح الشعب والمناقضة لأهداف الثورة تلقى مقاومة متعددة الأشكال من مختلف طبقات الشعب وفئاته المفقرة في كل الجهات وهو ما يستوجب من قوى الثورة وكل من انحاز إلى أهدافها العمل على رص الصفوف وتوحيد الجهود للتصدي لهذه السياسات اللاشعبية واللاوطنية.
إن بناء جبهة شعبيّة، وطنية، ثورية هي ضرورة حتمية لتلبية طموحات شعبنا في تحقيق أهداف ثورته وهي إذ تتقدم ببديل سياسي وهياكل تنظيمية فاعلة فإنّها تمنح القوى الشعبية وحدتها ونجاعة لنضالاتها وترسم لها آفاقا على درب تحررها الوطني وانعتاقها الاجتماعي.
يا بنات شعبنا و أبنائه.
أيها العمّال والفلاّحون، أيها الطلبة والمثقفون والمبدعون.
ياشبابنا المعطّل،
يا أحرار تونس وشرفائها.
أنتم من كنتم محرّك الثورة وشعلتها،
ندعوكم في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ وطننا إلى استنهاض الهمم من جديد لاستكمال أهداف الثورة.
إننا نهيب بكم أن تشاركوا في بناء جبهتكم الشعبية عبر الانخراط في هياكلها المحلية والجهوية والوطنية والمساهمة في برامجها ونضالاتها.
إن النصر في متناولنا وهو مرهون بنجاحنا في بناء الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة.
لنتّحد من أجل بناء جبهة شعبية تنتصر للشعب ولقيم الثورة.
المجد والخلود لشهيدات وشهداء تونس
النصر والعزة للثورة ولبناتها وأبنائها. "
- انتهى النداء-
ان هذا التوصيف للوضع العام الذي تتسبب فيه النهضة واقعي و حقيقي .
ولكن الأرضية السياسية للجبهة تقول، مع الأسف، : " لقد أفرزت انتخابات 23 أكتوبر 2011 مجلسا تأسيسيّا تهيمن عليه حكومة الترويكا بقيادة "حركة النهضة"، واليوم بعد مرور قرابة ثمانية أشهر من وصول هذا التحالف إلى الحكم فقد بدا واضحا أنه يسير بخطى حثيثة نحو الالتفاف على ثورة شعبنا و التمهيد لإعادة إنتاج نظام التبعية و الاستبداد والفساد بغلاف ديني" .

هنا يدور الحديث حول "اعادة انتاج" الاستبداد. وهذا ما أدى الى تلك الجملة التي أصبحت تتكرر دائما و المساوية بين خطورة " اليمين الديني" و "اليمين الليبرالي" و كأنهما مجرد غلافين شكليين لنفس المحتوى اليميني.

و هنا لا بد من طرح النقاط التالية حول "اليمين الليبيرالي" و حول "نداء تونس" تحديدا:
ان حزب نداء تونس يتركب من خليط بشري من الدستوريين القدامى و التجمعيين و النقابيين و اليساريين و المثقفين و المناضلين المستقلين . وهو حسب رأينا محاولة سياسية في انقاذ ما يمكن ان نسميه الحركة الوطنية الاصلاحية التونسية بعد أزمتها التي تتوجت باسقاط بن علي و حل التجمع الدستوري الديمقراطي.
ان عمق الازمة التي بلغها هذا التيار الوطني الاصلاحي التاريخي تجعل من نداء تونس غير قادر على الانقاذ الا اذا مال الى الوسط نسبيا و ذلك بمحاولة التأليف بين الأجنحة المكونة له و حتى لا يقطع مع التاريخ ويتفاعل مع شعارات الثورة التونسية و لا يبدو كمجرد اعادة انتاج للتجمع بل مجددا سياسيا.
لهذه الأسباب و غيرها فهو يشبه – مع كل الفروقات التاريخية- الأحزاب التي ورثت الأحزاب الشيوعية المتساقطة في اروبا الشرقية نسبيا و لكنه يشبه كثيرا الأحزاب الاصلاحية اليبيرالية التي أعادت هيكلة الأحزاب الحاكمة السابقة حتى في بلدان كجنوب افريقيا و لكن وفق مشروع سياسي جديد . و يتميز نداء تونس عن هذه الأحزاب انه تجديد داخل نفس المشروع المجتمعي القديم بينما أحزاب أروبا الشرقية و جنوب افريقيا مثلا كانت تجديدا يقطع مع المشروع القديم الاشتراكي أو العنصري.
من ناحية ثانية لم تصاحب انهيارات اوروبا الشرقية أو انهيار نظام الميز العنصري عودة اليمين المتطرف بينما صاحب انهيار التجمع في تونس عودة الاسلاميين و تهديدهم الجذري لكل النموذج المجتمعي التونسي الذي قادت بناءه الحركة الوطنية الاصلاحية نفسها. و ان هذا المعطى جوهري في تقييم "اليمين الليبيرالي "التونسي الحالي.
و لتوضيح هذه الأهمية يكفي أن نقارن بين ما كتبته الجبهة الشعبية في نداء 7 أكتوبر2012 حول الخطر الاسلامي وبين توجهات "نداء تونس" و باختصار شديد:
لقد سجل نداء 7 أكتوبر نقاطا عديدة هامة ضد حركة النهضة و الترويكا الحاكمة فلنوضحها و لكن و في علاقة بمشروع نداء تونس المجتمعي لنقوم بمقارنة ولو بسيطة و مختزلة بين "اليمين الديني" و "اليمين الليبيرالي".
- "تجاوز حدود مجرد الالتفاف و اجهاض الثورة الى ما هو أخطر" بالنسبة الى النهضة و لكن اليمين الليبيرالي لا يستطيع الذهاب أكثر من الالتفاف " الى ماهو أخطر" بل لا يمكنه ذلك أصلا لأن الاستبداد السياسي على الطريقة البورقيبية و النوفمبرية انتهى زمنه و نداء تونس مجبر على القبول بالديمقراطية السياسية و على المحافظة على ما تحقق و يمكن دفعه لتعميقه نسبيا.
- "تهديد غير مسبوق للنسيج الاجتماعي و السيادة الوطنية وقيم الجمهورية" بالنسبة الى النهضة و لكن "اليمين الليبيرالي" هو من ارتقى بالنسيج الاجتماعي التونسي بعد الاستقلال – مع كل العيوب- و هو من حقق السيادة الوطنية المتمثلة في الاستقلال السياسي و هو من أعلن الجمهورية رغم كل النواقص و الانحرافات.
- "الانحراف عن هدف الثورة في سن دستور يكرس جمهورية مدنية ديمقراطية اجتماعية " بالنسبة الى النهضة و لكن نداء تونس ليس ضد مدنية الدولة و لا يعادي الديمقراطية السياسية الحديثة و لا يتنكر للمكاسب الاجتماعية الكبرى التي ساهم تاريخيا في تحقيق بعضها ( بورقيبة والمرأة..).وان من يعتقدون أن مدنية الدولة مسألة ثانوية نذكرهم ان المقصود بها هو ألا تكون الدولة بوليسية – عسكرية أو دينية بل أن تكون جمهورية ديمقراطية فعلا.
- "نوع جديد (وليس مجرد شكل ) من الاستبداد" بالنسبة الى النهضة بينما اليمين الليبيرالي يحاول اصلاح الاستبداد الذي مارسه قسم منه تاريخيا و يقبل مبدئيا بالديمقراطية السياسية.
- " تهديد الحريات الفردية والعامة" ( نظريا و عمليا ) بالنسبة الى النهضة بينما اليمين الليبيرالي لا يهدد هذه الحريات و يعترف بها على الأقل نظريا و يمكن دفعه بسهولة أكثر، من خلال النضال، الى الاعتراف العملي المتجذر بها ولونسبيا .
- "تراجع عن المكاسب الاجتماعية التاريخية " بالنسبة الى النهضة بينما اليمين الليبيرالي ساهم بشكل ما في تحقيق تلك المكاسب تاريخيا و هو لا يهدد مثل "اليمين الديني" تلك المكاسب.
- "التصرف كسلطة دائمة ( عرقلة التداول---) ومطلقة ( التغول)" بالنسبة الى النهضة بينما يتصرف اليمين الليبيرالي كمعارضة ديمقراطية تسعى الى التداول على الحكم في اطار اللعبة الديمقراطية و موازين القوى الممكنة و يتبرأ من الممارسات التاريخية النوفمبرية. و مع انه لم يفعل نفس الشيء مع التسلط البورقيبي الا انه من الممكن فهم ذلك في اطار البحث عن هوية وطنية تاريخية و كتطرف مضاد للنزعة الاسلامية الرافضة تماما للميراث البورقيبي الايجابي و السلبي على السواء .
- "الاضرار الكبير بمصالح البلاد الداخلية و الخارجية " بالنسبة الى النهضة بينما اليمين الليبيرالي ساهم تاريخيا في بناء تلك المصالح و انهار لأنه رهنها بمصالح بن علي و عائلته و هو يحاول اصلاح ذلك الآن نسبيا باعلان رفضه تكرار التجارب السابقة نظريا على الأقل.
- "الليبيرالية الاقتصادية المتوحشة" بالنسبة للنهضة و ليس الليبيرالية غير المتطرفة التي كانت دائما في برنامج اليمين الليبيرالي التونسي و التي يرثها "نداء تونس" حتى انه يعلن نفسه كحزب وسطي – في كلمة أخيرة لقائد السبسي- يتحالف مع اليسار في اطار "الاتحاد من أجل تونس" .
- "الميليشيات المهددة للمعارضة" المتجاوزة حتى للدولة البوليسية بالنسبة للنهضة بينما الليبيراليون يعانون من هذه الميليشيات و يسعون الى منع اعادة انتاج النظام البوليسي الذي كان سبب انهيارهم هم بالذات.
- " تجريم الاحتجاجات الشعبية بل و تحريمها دينيا " بالنسبة للنهضة بينما يعترف اليمين الليبيرالي نسبيا بحق الاحتجاج الشعبي و هو على الأقل لا يجرمه دينيا باعتباره تيارا ليبيراليا مدنيا.
- "التساهل مع القوى التكفيرية المهددة لوحدة المجتمع التونسي" بالنسبة للنهضة بينما يعاني اليمين الليبيرالي نفسه من تكفير هذه القوى له و هو الذي نسج "وحدة النسيج الاجتماعي التونسي" الحديث و ليس اليسار أو القوميين التونسيين .
- " تهديد حرية الأفراد و المثقفين والمبدعين "من منطلق ديني بالنسبة للنهضة بينما لا يعارض اليمين الليبيرالي الثقافة و الابداع الحداثيين و لا يهددهما الا سياسيا ان حصل و ليس دينيا في الغالب.
- "العبث بالعدالة الانتقالية" بالنسبة الى النهضة و من بين ذلك العبث استعمالها من أجل الاقصاء الجماعي لليمين الليبيرالي.
- ا"لعبث بقضية الشهداء و الجرحى " بالنسبة الى النهضة في مقابل بداية سقوط شهداء من اليمين الليبيرالي نفسه (لطفي نقض).
- "تحويل الناس الى رعايا ( وليس مواطنين) دون حقوق و كرامة " بالنسبة الى النهضة بينما لا ينكر أحد ان اليمين الليبيرالي هو من ارسى فكرة المواطنة و اعترف بالحقوق الحديثة بقطع النظر عن نواقص التطبيق و الانحرافات و غيرها.

ان "اليمين الليبيرالي" يتقاطع مع "اليمين الديني" في نقاط و لكنه يختلف عنه في نقاط عديدة و خطيرة و انه من السذاجة اليوم تكرار تلك الجملة المنسوبة الى لينين " اذا خيرت بين اليمين و اليمين سأختار معركتي الخاصة " لأننا نخير بين اليمين الليبيرالي و أقصى اليمين الديني الآن و لا بد من التفكير بطريقة ديميتروف و تولياتي و مانديلا و غيرهم في الجبهة المتحدة و ليس بطريقة لينين الديمقراطية الثورية أو بطريقة لينين – تروتسكي في العشرينات عندما كانا يدعوان الى "الجبهة العمالية " أو "الجبهة الاشتراكية".

رابعا: من الجبهة الشعبية الى الجبهة الديمقراطية المتحدة

ان الطبيعة الخاصة للثورة التونسية و ما ينتج عنها من طبيعة خاصة لمسار الانتقال الديمقراطي في تونس تدعمهما خطورة المشروع الاسلامي مقارنة حتى بمشروع "اليمين الليبيرالي" كل هذا يحتم عدم ا لاكتفاء بالجبهة الشعبية وضرورة تكوين ما سميناه في مقال سابق " الجبهة الديمقراطية المتحدة " (3) .

ان المهمة المطروحة اليوم في تونس هي بالتالي "الجبهة الديمقراطية المتحدة" لكل الجمهوريين الديمقراطيين المدنيين على اختلاف نزعاتهم و تباين درجة ثوريتهم أو اصلاحيتهم و على اختلاف درجة وطنيتهم الاصلاحية ( التي لا تعارض التبعية جذريا) و الثورية و ديمقراطيتهم الاصلاحية و الثورية . مثلما تم تأجيل قضية الاشتراكية ( التي يجب اعادة تقييمها أصلا من الأساس) و التركيز على الديمقراطية في اطار النضال ضد الفاشية ومثلما تم تأجيل قضية التبعية و تم التركيز على قضية الديمقراطية السياسية في النضال ضد الدكتاتوريات العسكرية و ضد نظام التمييز العنصري يمكن تأجيل قضية الثورة الوطنية الديمقراطية ( التي يجب اعادة التفكير فيها هي الأخرى) أو غيرها و التركيز على الانتقال الديمقراطي الآن .
نكرر أيضا:
ما كنا لنطالب بمثل هذه الجبهة لو أن الحركة الاسلامية التونسية هي "ديمقراطية محافظة" ( كالمحافظين الأنجليز او الديمقراطيين المسيحيين الألمان أو حتى كالاسلاميين الحاكمين في تركيا) في صراع مع" الديمقراطية الليبيرالية" في بلد له نظام ديمقراطي مستقر.

و لكن كون تونس هي في مرحلة "انتقال ديمقراطي" و كون النهضة ( السلفية غير الديمقراطية بعد) هي التي توجد في الحكم و تريد التمسك به و تهدد بتحويل البلاد الى عصر "الخلافة السادسة" باستغلال الآليات الديمقراطية المفرغة من محتواها للتراجع عن أهم المبادئ الديمقراطية السياسية و الاجتماعية التي لم تستقر بعد في النظام السياسي و في المجتمع، فان الموقف يصبح خطأ قاتلا في حق الديمقراطية التونسية الناشئة حتى لو كانت ، بشكل ما ، ديمقراطية تابعة نسبيا.

ان الموقف الديمقراطي الأسلم باتجاه اليمين الليبيرالي و الوسط الآن يجب أن يكون مخالفا.
طالما ان المسألة الوطنية لا يطرحها الشعب بحدة و طالما ان الخطر الأساسي يكمن في النهضة و الاسلاميين الذين ، فرضا، يمارسون نفس التبعية و لكن يضيفون اليها عداءهم للديمقراطية الحديثة ، حتى الليبيرالية منها، فانه يمكن اعتبار اليمين الليبيرالي من القوى الممكن التنسيق معها مرحليا في الجبهة المتحدة و ذلك لانجاح مسار الانتقال الديمقراطي و انقاذ ما يمكن انقاذه .

ان الجبهة الشعبية عليها أن تستنتج التاريخ ومن ندائها التاريخي المذكور أعلاه ما يجب استنتاجه و هو التالي:

ان طبيعة الثورة التونسية الخاصة ومشروع النهضة و الاسلاميين يهدد حتى الليبيرالية الاقتصادية غير المتوحشة و الليبيرالية السياسية القابلة - ولو شكليا - بالحقوق و الحريات الفردية و الجماعية و التداول و التعددية... و القابلة لمبدأ الديمقراطية الاجتماعية نسبيا "دولة الرفاه الاجتماعي الليبيرالية" و للحريات الفكرية و الثقافية و لو نسبيا و لسياسة خارجية وطنية حديثة اصلاحية نسبيا على الأقل حتى لو لم تكن متجذرة في طرح مسألة التبعية.
كما ان المشروع الاسلامي لا يعادي فقط " العمال والفلاحين و الطلبة و الشباب المعطل و المثقفين و المبدعين " – كما ورد في الفقرة الثانية من النداء- بل وكذلك شقوقا هامة من البورجوازية المحلية نفسها و هي الشقوق التي لها تصورات وطنية واصلاحية بهذه الدرجة أو تلك و ترفض النموذج التقليدي المحافظ الذي تريد الحركة الاسلامية فرضه عليها وتقبل بالديمقراطية .
ان الجبهة الشعبية لا تعي على ما يبدو ان العمال لم يشاركوا كثيرا في الثورة و غاب عنها الفلاحون تماما بينما كان وقودها فئات تنتمي أساسا الى الطبقات الوسطى المتعلمة من النقابيين و المهمشين من الشباب تحديدا.
كما ان الجبهة الشعبية بهذا التوجه "الشعبي" القائل – على لسان الرفيق حمة الهمامي- "ان الثورة قام بها الفقراء و يجب أن تعود الى الفقراء" لا تخسر فقط شرائح هامة من البورجوازية الكبيرة بل و كذلك من البورجوازية المتوسطة و الصغرى التي قام على أكتافها "النموذج المجتمعي التونسي" و ما يزال و التي هي الى حد الآن العمود الفقري الاقتصادي وحتى الديمغرافي للمجتمع التونسي .
لذلك فان الصراع مع الحركة الاسلامية ،التي تعشش كثيرا في الفئات البرجوازية و المتوسطة التقليدية ، لا بد أن يتم ليس فقط عبر "جبهة شعبية،وطنية، ثورية " - كما ورد في آخر النداء - بل وكذلك في "جبهة جمهورية ديمقراطية مدنية موحدة و موسعة" أكثر ما يمكن لانقاذ البلاد والثورة من النفق المظلم الذي تحظره لهما الحركة الاسلامية باحتمال ادخالنا في مطب الصوملة و الأفغنة و العرقنة.


هنالك كلمة أخرى لا بد من اضافتها حتى لا يقع خلط في اذهان البعض.
لقد كانت الجبهة المتحدة ضد الفاشية جبهة سياسية و عسكرية خاضت النضال المسلح ضد النازية والفاشية بينما ليس مطلوبا من الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الديني ان تكون سوى جبهة سياسية انتخابية ديمقراطية تعتمد النضال الديمقراطي الجماهيري السلمي لتحقيق الانتصار.
كما ان الجبهة المتحدة ضد الفاشية اضطرت الى التنسيق الدولي المسلح للتصدي للفاشية التي تحتل الأوطان شرقا وغربا و ليس مطلوبا من الديمقراطيين التونسيين المتحدين سوى التنسيق الديمقراطي مع الأصدقاء العرب و الدوليين المناصرين للديمقراطية الوطنية المستقلة في البلاد.
على الجبهة الديمقراطية المتحدة أن تحافظ على السلم المدني و أن تتجنب منزلق الحرب الأهلية بكل ما أوتيت من قوة و أن تحافظ على مبدأ الاستقلال و السيادة الوطنية بنفس القدر.
لهذا لن يكون لهذه الجبهة من دور ايجابي الا بمقدار ما حيدت قدر الامكان من يسعى الى العنف و يحتمي بالخارج و لذلك لن تكون صالحة للعب دورها الا اذا كان عمودها البشري كل من اليساريين الديمقراطيين و القوميين الديمقراطيين و الليبيراليين الديمقراطيين و لم لا: الاسلاميين الديمقراطيين.


خاتمة :

في خاتمة هذا المقال لا أجد ما يلخص ويكثف ما أريد من أفكار ومخاوف أبلغ و أثمن من التذكير بما يلي:


أولا :
بعد انتصار الزعيم نيلسون مانديلا في الانتخابات الرئاسية الأولى في جنوب افريقيا الجديدة عين فريدريك دوكليرك، الرئيس الأسبق لنظام الميز العنصري، نائبا له.
كما عين نيلسون مانديلا كلا من بيتر بوطا ، قائد المتطرفين البيض السابق و عدوه الأول ، و بوتوليزي ، قائد المتطرفين السود من الزولو انكاطا و خصمه الأول، وزراء في حكومته .
لقد تصرف نيلسون مانديلا كحكيم سياسي افريقي صاحب نظرة ثاقبة ضمانا لسلاسة الانتقال الديمقراطي و حماية لبلده من كل النزعات الارتدادية والانتقامية معا .
ثانيا :
يصف عدد كبير من أنصار الجبة الشعبية الاسلاميين بالفاشية و لكن لا تكتفي الجبهة الشعبية فقط برفض التحالف مع "نداء تونس" بحجة انه "يمين ليبيرالي" ،رغم خطورة الوضع الذي تسببه حركة النهضة و الاسلاميين عموما، بل ومع الأسف ترفض التنسيق – عمليا - حتى مع "حزب العمل الوطني الديمقراطي" و "الحزب الاشتراكي اليساري" الأقرب اليها ، و لكن الموجودان في "الاتحاد من أجل تونس" و في المقابل ، و يالها من مفارقة ، تنسق "ميدانيا" مع الوسط " الحزب الجمهوري" و اليسار المعتدل في "المسار الاجتماعي " البعيدين عنها نسبيا.
ثالثا :
بعد الثورة في تونس قام "حزب العمال الشيوعي التونسي "، و هو أقوى فصيل في اليسار التونسي و في الجبهة الشعبية حاليا وهو الذي يتزعمه الرفيق حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية أيضا ، بتغيير اسمه ليحذف عبارة الشيوعي و يصبح "حزب العمال التونسي" و ذلك لأسباب ما لاداعي للعودة اليها. و لكن نفس الحزب يمتلك منظمة شبابية ، هي أقوى و أنشط ذراع في الحزب، اسمها الى اليوم ما يزال "اتحاد الشباب الشيوعي".
ان هاته الواقائع لوحدهما تكفي لفهم درجة النضج الفكري والسياسي و التنظيمي عندنا.

عسى أن تتعظ نخبنا السياسية الديمقراطية ، و أولها النخب الحزبية في الجبهة الشعبية ، من التاريخ ومن علمه و ترتقي الى مستوى ذكاء شعبنا وآلامه وآماله.



الهوامش: مقالات لي في موقع الحوار المتمدن" في موقعي الفرعي http://www.ahewar.org/m.asp?i=5544

(1) أخطاء الديمقراطيين القاتلة في الثورة التونسية .
(2) حركة النهضة الاسلامية التونسية : دراسة نقدية.
(3) في الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الاسلاموي.







الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة مفتوحة ثانية الى الرفيق حمة الهمامي: أسئلة حول المفاهي ...
- رسالة مفتوحة الى الرفيق حمة الهمامي
- شكري بلعيد : وصية شخصية
- تونس : في الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الاسلاموي .
- راشد الغنوشي واغتيال شكري بلعيد: بيان النفاق و تبيين الشقاق.
- حكاية تونسية ...الى نيروز و ندى بلعيد.
- تونس : من - مؤتمرالانقاذ الوطني- الى- جبهة الانقاذ الديمقراط ...
- اغتيال الثورة التونسية و مسؤولية الديمقراطيين الانقاذية .
- شكري بلعيد : في معنى الوفاء
- عزمي بشارة و التدخل الأجنبي: كارثة المثقفين العرب.
- الى الدكتورعزمي بشارة : رسالة عتاب شخصية.
- من أجل حزب اشتراكي موحد و جديد في تونس: (مشروع للنقاش حول وح ...
- تعقيب على الرسالة الرابعة الموجهة الى الجبهة الشعبية: الى ال ...
- الجبهة الشعبية التونسية بين -اليمين الديني- و- اليمين الليبي ...
- الوصايا العشر اليسارية الجديدة : مديح الانتهازية الثورية .
- الرفيق بشير الحامدي : -حول مواصلة تنفيذ المهام الثورية و دور ...
- الرفيق بشير الحامدي بين -وعي الهزيمة - و -هزيمة الوعي-.
- تونس والاضراب العام : حتى لا تضيع البوصلة.
- تونس : برقية عاجلة الى أعضاء حركة النهضة الاسلامية التونسية.
- رسالة من قلب سليانة ...الى العاقين من الأبناء.


المزيد.....




- انقذوا “الشيخ جراح”| “التحالف الشعبي” يطالب بعقوبات دولية ضد ...
- براءة مأمور قسم حدائق القبة و11 شرطيا من تهمة قتل المتظاهرين ...
- انقذوا “الشيخ جراح”| “التحالف الشعبي” يطالب بعقوبات دولية ضد ...
- جريمة اغتيال الوزني ادانة للنظام والمدافعين عن بقاءه
- ? ? النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 13 (68)
- حجر شامل لتجويع الكادحين ومراكمة أرباح الرأسماليين
- صوت الانتفاضة العدد 343
- الملف الصوتي- النصر لإضرابات واحتجاجات عمال الأجور والعقود و ...
- المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي: نستنكر بشدة جرائم الاح ...
- يجب وقف المذبحة التي تقترفها حكومة دوكي بحق الشعب الكولومبي! ...


المزيد.....

- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - بيرم ناجي - من-الجبهة الشعبية- الى -الجبهة الديمقراطية المتحدة- في تونس.