أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - بيرم ناجي - تونس : في الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الاسلاموي .















المزيد.....



تونس : في الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الاسلاموي .


بيرم ناجي

الحوار المتمدن-العدد: 4030 - 2013 / 3 / 13 - 10:16
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


اهداء : الى الشهيد شكري بلعيد.

مقدمة:

تعرف تونس حاليا مرحلة من تاريخها تكاد تكون خاصة بكل المقاييس و تتطلب حسب رأينا رؤية سياسية خاصة تختلف عن كل التجارب السابقة في تاريخها.
تمر تونس بمرحلة ثورة من صنف خاص، هي ثورة 14 جانفي التي، ليست هي ثورة وطنية ديمقراطية من التبعية والاستبداد الى الاستقلال والديمقراطية - بل هي ثورة سياسية ديمقراطية حصريا وأساسا الى حد الآن - ولا يمكنها فعل ذلك في المدى المباشر لأسباب عديدة أهمها ردة استثنائية في تاريخها تتسبب فيها هيمنة حركة النهضة الاسلامية على الحكم وتهديدها بالسير بالبلاد وجهة أخرى قد تكون الأخطر في تاريخها المعاصرلو تعمقت مقارنة حتى بأحلك فترات مرحلتي بورقيبة وبن علي.
ان سيطرة حركة النهضة الاسلامية على الحكم دشنت مرحلة تاريخية استثنائية تماما في خطورتها على تطور البلاد عموما و على المسار الثوري الديمقراطي الذي "انطلق" يوم 17 ديسمبر2010 خصوصا و ذلك بفتحها الباب على مصراعيه لتحويل وجهة التاريخ التونسي المعاصر من الوجهة التاريخية الوطنية الاصلاحية الحداثية (على نواقصها و عيوبها بل و جرائمها ) ومن الوجهة الثورية الجمهورية الديمقراطية المدنية الحالية الى وجهة تقليدية محافظة ورجعية تؤسس لمرحلة خاصة من الاستبداد الشامل في كل الميادين باسم المقدس الديني .
ان التحليل المختصر للملامح العريضة في برنامج الحركة الاسلامية سوف يبين لنا خصوصية هذه المرحلة و خطورتها و هو الذي يبرر مطالبتنا بالجبهة الديمقراطية المتحدة كضرورة سياسية حيوية وملحة لانقاذ تونس و ثورتها من المصير الأسود الذي يحضر لهما.

1-

ان ما يهدد بهذا المصير هو خصوصية الحركة الاسلامية ليس فقط مقارنة بالحركات الليبيرالية و القومية واليسارية التونسية بل حتى بحركات استثنائية في خطورتها التاريخية عرفتها بعض المجتمعات الأخرى . اننا و ان كنا لا نميل الى توصيف الحركة الاسلامية لا بالفاشية و لا بالاقطاعية ، كما يسود عند أغلب نقادها في تونس (1) ، الا اننا نعتبر ان الاستفادة من التوصيفين ممكن نقديا .و سنقتصر الآن على تقاطعات الحركة الاسلامية مع التوصيفين باختصار شديد و غير مباشر تسهيلا لغرضنا المباشر في الدعوة الى الجبهة الديمقراطية المتحدة و تجنبا للتوسع و التخصيص في البحث الذي حاولنا القيام به أيضا في دراسة خاصة بحركة النهضة التونسية.
ان الحركة الاسلامية هي ، في جانب ما ، أخطر على تونس من الدمار الذي تسببت فيه الحركات الفاشية التي ظهرت نماذجها الأصلية في ألمانيا و ايطاليا و نسبيا في اليابان واسبانيا و البرتغال على شعوب تلك الدول.
ان الفاشية في هذه الدول الخمسة ظهرت كحركة قومية شوفينية متطرفة في بلدان عرفت كلها الثورة الصناعية و الدولة القومية الحديثة رغم ضعف تطورها الصناعي وتجربتها الديمقراطية مقارنة بالولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا مثلا.
ان ايطاليا – فلورنسيا هي مهد النهضة الأوروبية و عرفت وحدتها القومية مع غاريبالدي وان ألمانيا عرفت الاصلاح الديني البروتستانتي ثم حققت لاحقا الوحدة القومية مع بيسمارك وان اليابان عرفت ثورة الميجي ووحدتها القومية وكذلك اسبانيا التي كانت من أول وأقوى الدول الاستعمارية التقليدية و هي من خطت طرق الاكتشافات الجغرافية للعالم الجديد مع البرتغال. ان كل هذه الدول عرفت تطورا نسبيا للرأسمالية وأصبحت دولا استعمارية وامبريالية رأسمالية رغم محدودية تطورها مقارنة بغيرها.
أما الحركة الاسلامية فهي حركة ما قبل- قومية و بالتالي ماقبل- فاشية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة .كما انها حركة ماقبل- صناعية حداثية و ماقبل- ديمقراطية .و بالتالي فان تقاطع بعض ملامحها مع الفاشية و الاقطاعية يجعل منها أخطر على المجتمع التونسي من الفاشية نفسها لأن هذا المجتمع ، رغم مكاسبه الهامة ، لم يعرف الثورة الصناعية و لا المرحلة القومية أو الوطنية الاستعمارية و لم يركز بما فيه الكفاية من التقاليد الديمقراطية ما به يصل الى نقطة "اللاعودة" التاريخية التي تسهل الانتصارالسريع و اعادة الانطلاق في الاتجاه الديمقراطي الحداثي.
ان الحركة الاسلامية هي حركة ماقبل قومية و بالتلي ماقبل فاشية بمعنى انها لا تعتمد حتى على شوفينية الأمة الحديثة بالمعنى العرقي- الفاشي بل على التعصب المذهبي الديني للأمة- الجماعة الدينية ما قبل القومية الحديثة. انها بذلك حركة "وطنية محافظة و رجعية من نوع خاص" ترفض القومية الحديثة باسم " الوطن الاسلامي" و"الأمة الاسلامية" و باسم رفض الشعوبية ولكن من منطلق التعصب الديني الأكثر تخلفا من وجهة النظر التاريخية.
و لكن وطنية الحركة الاسلامية الخاصة لا تمنع من تطور نزعة التبعية حتى الى مركز خارجي يقع في دولة أخرى في الأمة الاسلامية يمكن أن يعتبر كمركز للخلافة و لا يمنع كذلك من تطور نزعة معاكسة استعمارية امبراطورية تقليدية اذا اعتبرت الحركة الاسلامية المنتصرة انها هي نفسها مركزا لتلك الخلافة الاسلامية.
من ناحية أخرى ، ونظرا لكون الحركة الاسلامية حركة ما قبل- ديمقراطية حديثة فان كليانيتها – توتاليترتها- أكثر محافظة ورجعية حتى من الكليانية الفاشية في المستويات الاقتصادية والاجتماعية و السياسية و الثقافية و هي شديدة التأثر بالماضي ما قبل الرأسمالي (الاقطاعي و الآسيوي او الخراجي ،الخ).
ان الحركة الاسلامية ،بهذا المعنى، قد تصبح أكثر خطرا على المجتمع التونسي من الخطورة التي كانت للفاشية على المجتمعات التي ذكرناها أعلاه لأنها ليست وطنية – قومية جذرية ( الى حد الشوفينية) كما كانت الفاشية و لأنها شديدة الارتباط بالماضي في مجتمع لم يحقق نقلته نحو الحداثة و الديمقراطية كما كانت حققتها بلدان كألمانيا وايطاليا و اليابان واسبانيا،الخ . و ان ما يزيد من تلك الخطورة لبوسها الديني المقدس في مجتمع لم يعرف تبدلات عميقة في بنيته بعمق النهضة الايطالية و الاصلاح الديني البروتستانتي وعصرالأنوار والثورة العلمية و التكنولوجية وحركة التصنيع و اعلان الحقوق الأنجليزي و اعلان الاستقلال الأمريكي والثورة الفرنسية،الخ.
ان هشاشة الاستقلال و الحداثة و الديمقراطية عندنا ، رغم المكتسبات الفعلية و رغم خصوصية التاريخ التونسي ،تجعل من خطورة سيطرة الحركة الاسلامية على المجتمع بمثابة خنق للرضيع في المهد أو في أحسن الحالات مزيد من اعاقة وتشويه المولود المعاق والمشوه أصلا مما يجعل النتائج قد تكون كارثة تاريخية بكل معنى الكلمة.

2-

الحركة الاسلامية كما قال عنها راشد الغنوشي في مقال له حول "مصطلح الحركة الاسلامية المعاصرة" تتميز ب:
" …فهمها الشمولي في نظرتها للإسلام و موقفها الحركي في إقامة مجتمع إسلامي على أساس هذا التصور الشامل عن طريق إقامة تنظيم يعمل على إنشاء دولة إسلامية…" (2) ( ص91).

ان الهدف السياسي الاستراتيجي للحركة الاسلامية ، و منها حركة النهضة، ليس هو اقامة الدولة الديمقراطية الحديثة ، كما قد يروج تكتيكيا ، بل "الدولة الاسلامية" التي تعمل وفق "الفهم الشمولي للاسلام". و ان فهم حركة النهضة لا يتناقض استراتيجيا عن فهم السلفية أو حزب التحرير بل فقط في التفاصيل وتكتيكيا لأن النهضة حزب أصولي اسلامي يعتمد في أرضيته الفكرية العقائدية الموضحة في وثيقة " "الرؤية الفكرية و المنهج الأصولي للاتجاه الإسلامي." (3) على رؤية دينية أصولية تجعلها حركة سياسية أصولية سلفية و شمولية مثل غيرها في الجوهر والاستراتيجيا.
ان الدولة الاسلامية حسب الحركة الاسلامية تختلف جذريا عن الدولة الديمقراطية لأن مبدأ "الحاكمية الالهية الأصولي الديني يختلف عن مبدأ "حكم الشعب" الديمقراطي الحديث ويؤدي استراتيجيا و حتما ،مهما تم تلطيفه، الى سيطرة رجال الدين على الحكم و اعتبار الشريعة المصدر الأساسي – بل الوحيد أحيانا- للقانون.
ان انتصار الحركة الاسلامية اذن سيؤدي حتما الى التراجع حتى عن الجمهوريات الوطنية – القومية – على سلبياتها- و الى تركيز شكل خطير من الاستبداد السياسي الديني المحافظ لأن رابط المواطنة سيعوضه رابط التابعية التقليدي القائم على مجرد الانتماء الاداري و رابط الشعب سيعوضه رابط الرعية القديم القائم على مركزية الجماعة الدينية -المذهبية .
اضافة الى هذا سيطال التغيير بالطبع العلاقة بين السلط الثلاث حيث ستقترب العلاقة باتجاه الادماج الفعلي لصالح "الولاية الكبرى" و ضرب مبدأ فصل السلط وسينال الاعلام نصيبه كسلطة رابعة و ستتغير العلاقة بين السلطة والأحزاب و النسيج المنظماتي و الجمعياتي برمتها جذريا.
من ناحية أخرى سوف تتغير فلسفة القانون و معها كل منظومة الحقوق و الحريات و الواجبات بعيدا عن التصور العالمي لحقوق الانسان الحديث القائم على المساواة بين كل المواطنين مهما اختلفوا في الجنس واللون و الدين و القومية و الرأي ،الخ و تعود الى التصور المذهبي- الديني القائم على مبدأ المفاضلة بين الرعايا على أساس الدين و بالتالي على كل ما يبرره الدين من تفاضل ديني وجنسي و فكري و غيره .
و اذا تغيرت فلسفة الحقوق السياسية لتصبح تيولوجيا حقوقية فان كل التنظيمات السياسية و النقابية والمدنية المناضلة من أجل الحقوق و الحريات المختلفة سوف تصبح مرفوضة لأنها سوف تتهم بمعاداة الشريعة الالهية و حكمة الله في خلقه.
و هكذا سيقع الاعتداء على أهم الحقوق السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية و القومية و سوف تنتفي الحرية الديمقراطية و التعددية الحديثة بكل مظاهرهما في كل مظاهر الحياة الاجتماعية.
و على المستوى الخارجي سوف يقع تغيير جذري للسياسة الخارجية بتوجيه الرؤية الديبلوماسية وفق فكرة "دارالاسلام" و"دار الكفر" و " دار الحرب" و تدخل الدولة في تصور سياسي خارجي يناقض كليا المبادئ الديبلوماسية الحديثة القائمة – نظريا- على التعايش السلمي و عدم التدخل في شؤون الغيرو غيرهما لتعوضها نظرية الجهاد الذي يعتبره كل الأصوليين الاسلاميين الركن السادس من أركان الاسلام.

3-

ان الخصوصية ماقبل الوطنية-القومية الحديثة وماقبل الديمقراطية الحديثة تجعل من الحركة الاسلامية تهدد كل مقومات الاجتماع السياسي الديمقراطي الحديث (بقطع النظر عن سلبياته) .
ان فكرتي التابعية الالهية و الرعية تقضيان على سلطة الشعب لصالح رجال الدين و على فكرة المواطنة الديمقراطية في الدولة الحديثة و تعوضانهما بشكل خطير من الاستبداد السياسي- الديني يمارس كل أنواع التمييز و الاقصاء الاجتماعي و تهددان بتفكيك الاجتماع السياسي الحديث و تعويضه بكيان تقليدي و محافظ أساسه المفاضلة بين البشر على أساس الدين و ما ينتج عنها من أشكال تمييز واقصاء أخرى.
ان القاعدة الأساسية التي تقوم عليها فكرتا الحاكمية الالهية و الرعية الدينية هي سلسلة من التفضيلات المذهبية الدينية التي يمكن ان تفوق العشرة: فعوضا عن المساواة بين كل مواطني الدولة في كل الحقوق و الحريات و الواجبات مهما اختلفوا في الصفات تقوم الحركة الاسلامية - التي هي دائما حركة مذهبية بحكم الاختلافات بين المذاهب الاسلامية نفسها بتفضيل - 1- المؤمن على الملحد و2- المؤمن "بدين سماوي" على المؤمن "بدين وضعي" و3- المسلم على بقية الموحدين و4- و المسيحي على اليهودي و5- المسلم السني على الشيعي أو الخارجي (أو العكس) و 6- السني المالكي على الحنبلي و الشافعي و الحنفي ( أو العكس) و7-المسلم السلفي على الأشعري أو المعتزلي أ الصوفي (أو العكس) و8- و المسلم المطبق للشعائر على المسلم غير الملتزم بها أو ببعضها و9- المسلم المنضوي الى حزب النهضة على المنتمي الى حزب التحرير أو غيره (أو العكس) و10- المسلم المنضوي الى أي من هذه الأحزاب على المسلم العلماني و الديمقراطي و القومي و اليساري العربي و 11- المسلم المجيد للقرآن باللغة العربية على غيره و 12- المسلم الرجل على المرأة المسلمة و 13- المسلم المولود من أب وأم مسلمين على المسلم المولود من أب مسلم فقط حتى لو كانت أمه كتابية والى آخر ذلك من التفضيلات.
تصل الحركة الاسلامية الى أقصى هذا التمييز باعلانها تكفير الآخرين و ان كل الفرق الأخرى في النار الا هي بوصفها" الفرقة الناجية " و بالتالي حرمانهم من أبسط حقوقهم الانسانية و أولها الحق في الحياة أحيانا و ذلك اذا وصلت الى تطبيق حد الردة عليهم.
ان الحركة الاسلامية بهذا تهدد كل ميزات المجتمع الحديث فتضرب أول ما تضرب حقوق و حريات النساء- على نقصها- فتحرمهن من تولي مناصب كالولاية العامة ( الرئاسة او الوزارة الأولى أو الامارة ،الخ) و القضاء والتمثيل الديبلوماسي و غيرها بل انها تجعل من حق المرأة في العمل عموما ثانويا مقارنة بالرجل بحجة ان واجب القوامة موكول اليه بالدرجة الأولى.
كما ان حقوق الأقليات الدينية تصبح مهددة –كما أسلفنا – بمقتضى حكم "أهل الذمة" و معها الحقوق القومية بحجة التصدي "للشعوبية" و قد يصل الأمر عند بعض المتطرفين الى اعادة السبي و العبودية بحجة انها لم تكن محرمة في الاسلام وهي مباحة زمن الحروب، مثلما تم في الجزائر وغيرها و يتم الآن في سوريا ، بل وقد يصل البعض منهم الى تبرير ذلك بما ورد في التوراة وأخذه بعض المسلمين و أورده في"قصص الأنبياء" ( ابن كثيرمثلا) من أن سواد البشرة كان لعنة الهية على نسل أحد أبناء النبي نوح مما يفتح الباب مشرعا أمام أشنع التصورات العنصرية ضد السود.
كما ان الحركة الاسلامية قد تعيد كل أشكال العقوبات البدنية و المعنوية القديمة التي ترفضها أبسط مبادئ حقوق الانسان الحديثة مثل القصاص و العقاب الجماعي ( كقصاص على جريمة جماعية) و تعيد العمل بالحدود و بالتالي القتل و الجلد و الرجم وقطع الأعضاء و التعذيب و النفي ( كان يسمى عقوبة الاجلاء عن دار الاسلام كما حصل لليهود عن الجزيرة العربية) والضرب للنساء و العبيد و غيرها.
ان كل هذا وغيره سوف يؤدي الى تغيير تام لكل قواعد اشتغال الهياكل الاجتماعية من العائلة الى غيرها من المجموعات و المؤسسات الاجتماعية ( المدرسة ، مؤسسة العمل الخ) الى المجتمع الكلي الى العالم الاسلامي – و الحركة الاسلامية حركة توحيد-اسلامية ( البان- اسلاميسم) الى العالم بكامله الذي سيقسم الى" دار اسلام" و" دار كفر وحرب".

4-

ان كون الحركة الاسلامية حركة " وطنية محافظة من نوع خاص" يجعلها لا تقطع لا مع التبعية و لا مع الرأسمالية (التابعة أو شبه الاستعمارية أو المحيطية ---) بل بالعكس فانها قد تصبغهما بلباس أشد تدميرا .
من ناحية أولى : قد تربط الحركة الاسلامية مصير البلاد التي تحكمها ببلدان "اسلامية" هي نفسها تابعة ووكيلة للقوى الدولية في المنطقة فتقدم البلاد لقمة سائغة لمقاولي المناولة الامبريالية الدولية الأكثر تخلفا و انحطاطا مثل قطر و السعودية حيث لا توجد حتى أبسط أشكال الدولة الحديثة بل تسيطر أنظمة عشائرية ملكية مطلقة و حيث لا دساتير و لا فصل سلط و لا أحزاب سياسية و لا مجتمع مدني و لا حرية اجتماعية ولا حقوق مهما كانت بسيطة للنساء و العمال و حيث يعامل العمال الأجانب كخدم يشبهون العبيد تماما و حيث لا حرية دينية أو علمية أو فكرية أو ثقافية .
من ناحية ثانية: على الرغم من أن الحركة الاسلامية ليست معادية للرأسمالية عموما فانها تقترب أكثر من أسوأ أشكال الليبيرالية الاقتصادية كتلك التي سادت مرحلة ما يسمى " التراكم الأولي لرأس المال" و تمتزج بملامح ما قبل رأسمالية اذ تطلق حرية الملكية على عنانها و تعطى السيطرة للرأسمال التجاري – بحجة تحريم الربا- و تسود أشكال الاقتصاد الريعي من خلال التركيز على الأنشطة الاستخراجية و الخدماتية غير المنتجة و تتحول السياحة الى ما يشبه الترفيه الارستقراطي – الصيد والفروسية – وتغيب السياحة الثقافية و تتحول أحيانا الى ما يشبه التجارة الجنسية لأمراء الخليج و توجه الأنشطة الاستثمارية الانتاجية الى تلبية حاجيات الأمراء و يتم تهديد ما تبقى من النسيج الاقتصادي العمومي المنتج من خلال خوصصته و ربطه بالاستثمار الأجنبي عبر الوكيل الخليجي أو مباشرة و يتم اضعاف دور الدولة و القطاع العمومي خاصة في الأنشطة الحيوية .
من ناحية أخرى يتم ارجاع أشكال اقتصادية –اجتماعية ما قبل رأسمالية مثل الأوقاف التي تعطي لرجال الدين سلطة اقتصادية كبيرة تشبه سلطة الكنيسة في القرون الوسطى و تعوض الخدمات الاجتماعية التي كان يقدمها ما يسمى الاقتصاد الاجتماعي التضامني بالمؤسسات الخيرية الاسلاموية التي تساعد على تهرب الدولة من مسؤولياتها كدولة "رفاه اجتماعي" ديمقراطي و تتحول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الى شأن خيري يصبح القيام به من باب الاحسان التلقائي للرعية المترفهة وليس واجبا على الدولة تجاه كل مواطنيها كما تنص على ذلك المواثيق الدولية لحقوق الانسان.
كما تسعى الحركة الاسلامية الى تغيير النظام الضريبي الحديث و تعويضه بالنظام الضريبي القديم القائم على الخراج و الجزية و المتأسس على التفريق بين الرعية على أساس ديني .
ان الحركة الاسلامية لا تعادي الرأسمالية في عمومها و لكنها تبشر بشكل من الرأسمالية يهدد بتدمير المكتسبات التاريخية – على نواقصها- التي حققها الشعب في اطار الدولة الوطنية الحديثة التي و ان لم تقض على التبعية جذريا فانها حققت درجة من الاستقلال السياسي النسبي وانخرطت أحيانا في اصلاحات اقتصادية حديثة - و لكنها في أغلبها بقيت اصلاحية – واضطرت بفعل النضال السياسي و النقابي الى الاعتراف بجملة من الحقوق والمحافظة على قسم من القطاع العمومي و غيره.
و لهذا فان الحركة الاسلامية لا تعادي فقط مصالح الطبقات و الفئات الشعبية بل حتى شرائح هامة من البورجوازية و كبار الملاكين بما في ذلك من الرأسماليين التابعين الذين يرفضون الاقتصاد التقليدي الاسلاموي المعلب في نسق اجتماعي و سياسي و ثقافي شديد التقليدية والمحافظة.

5-

في المستوى الثقافي تتميز الحركة الاسلامية المتطرفة بما يسمى الظلامية المعادية للتنوير العلمي و الفكري و الثقافي الحديث ، بما في ذلك التنويرالاصلاحي الديني الحديث .
ان الحركة الاسلامية بوضعها ما يسمى العلوم النقلية والشرعية في مرتبة الصدارة تهدد جانبا كبيرا من الابداعات الثقافية القديمة و الحديثة و خاصة من العلوم الحديثة و الفلسفة و الفكرو الفن بل و حتى الدراسات الدينية الحديثة مهما كانت هذه الأخيرة ايمانية.
ان رفض الحركة الاسلامية للعلمنة الحديثة – و التي كانت أحيانا علمنة متطرفة غير مقبولة هي الأخرى- يؤدي بها الى عرقلة البحث العلمي الحديث و الاجتهاد الفلسفي و الفكري و حتى الديني الحديث و كذلك الابداع الفني الحديث و غيرها من الميادين الفكرية.
ان الحركة الاسلامية قد تمنع تماما علوما بكاملها أو مدارس و نظريات علمية كنظريات التطور والنظريات التاريخية في الطبيعة و الحياة و المجتمع و خاصة الوضعية والداروينية و الماركسية و الفرويدية والوجودية و غيرها و قد تهدد النظريات العلمية القديمة التي تقيمها انها لم تكن أصولية اسلامية.
في الفلسفة تسعى الحركة الاسلامية ، ان سمحت أصلا بهذه المادة، الى منع النظريات الفلسفية القديمة و الحديثة غير الملتزمة بالتصور الاسلاموي السائد عن الوجود و ذلك يطال حتى الفلسفات الايمانية للفرق و المذاهب والأديان الأخرى. و في الثقافة العربية الاسلامية يكاد الاسلاميون المتطرفون يكفرون الكندي و الفارابي و ابن رشد وابن سينا و المعتزلة و حتى الأشعرية لم تسلم من علم الكلام السلفي.
في الفن تسعى الحركة الاسلامية الى تدمير كل أشكال الفن الحديث تقريبا و بل تهدد حتى المنتوج الفني القديم العربي الاسلامي الذي لا يطابق التصور الأصولي السلفي مثل الشعر"الجاهلي" و الشعر "غير الديني" و الشعر الصوفي و الموسيقى غير الدينية أو الصوفية و النثر العقلاني العربي القديم ناهيك عن الرسم و النحت و السنما و المسرح حيث "التجسيد" ،الخ.
ان الحركة الاسلامية بهذا سوف تدمر الثقافة القديمة و الحديثة في نفس الوقت و قد تصل أجنحة منها الى حدود تهديم المعالم الثقافية المادية منها و المعنوية مثل المدن الأثرية و المخطوطات و غيرها اذا رأت فيها ما يخالف تصورها الأصولي السلفي.
ان هذا سوف يكون له التأثيرالأكثر كارثية على التعليم و على البحث العلمي و الانتاج الفكري و الديني و الابداع الفني و سوف يدمر تماما أي معنى لحرية المعتقد والفكر والتعبير والصحافة و النشر و الاتصال و الاعلام وغيرها من الحقوق و الحريات المتصلة بالثقافة.

6-

ان هذه الصورة المختصرة و المكثفة - و لكن كثيفة السواد - لبرنامج الحركة الاسلامية الاستراتيجي تجعل من خطر الاسلام السياسي المتطرف قاتلا. ان المشروع المجتمعي العام للحركة الأصولية الاسلامية هو مشروع معاد للمشاريع الوطنية بما في ذلك المشروع الوطني الاصلاحي و ليس الوطني الثوري فقط و للمشروع الديمقراطي بما في ذلك الديمقراطي الليبيرالي و ليس الديمقراطي الثوري فقط. و انه بذلك يعادي كل الطبقات الشعبية و قسما هاما من الطبقات غير الشعبية أيضا وهو لذلك لا يمكن اختزاله في المستوى الثقافي مثلما قد توحي بذلك عبارة "اليمين الديني" السطحية المعنى عند البعض و التي تعكس عندهم فهما اقتصادويا لا غير بحجة ان المحتوى الاقتصادي لكل من اليمين الليبيرالي و الديني هو نفسه و أنه لا خلاف بينهما الا حول الشكل الثقافي في "البنية الفوقية".
ان الحركة الاسلامية تهدد كل مقومات المجتمع الحديث الداخلية و علاقاته الخارجية رغم عيوبه. و تهديدها يكمن في انها تنقد تلك العيوب من موقع اليمين المتطرف و تقدم بديلا عنه في غاية المحافظة و الرجعية و هي بذلك تتناقض مع البديل الديمقراطي العام الساعي الى الاصلاح و التثوير الحداثي و التقدمي .
ان الطابع اليميني المتطرف للحركة الاسلامية يجعل التاريخ الحالي للبلاد لا يطرح ، بصورة مباشرة و فورية ،مهمة النضال ضد الانتهازية داخل الحركة العمالية أو الاصلاحية في الحركة الوطنية ،أو غيرها – في اطار "الثورة الوطنية الديمقراطية " أو غيرها من التصورات الثورية، بل مهمة انقاذ المجتمع من الارتداد التاريخي العام الذي قد تحققه الحركة الاسلامية المتطرفة فيعدم الاصلاحية و الثورية معا اذ لا تعترف هذه الحركة أصلا ، من خلال قراءتها لفكرة "الأمة الاسلامية الوسط" - التي يكثفها سياسيا مصطلح "الاسلام الوسطي المعتدل" الاخواني التاريخي - لا باليمين و لا باليسار بالمعنى الحديث للكلمة و هي بالتالي تعادي اليمين و اليسار الحداثيين معا " بالضبط كما" عادت الفاشية اليمين الليبيرالي و اليسار الاشتراكي معا .وهنا لا بد من الاستفادة من تجربة النضال ضد الفاشية فعلا .

بعد صعود الفاشية الى الحكم ، وكانت فاشية رأسمالية ، اتجهت كل الشعوب تقريبا الى تصور تكتيكي مفاده ان الخطر الفاشي المدمر لا بد من مواجهته بالتحالف مع البورجوازية الليبيرالية نفسها. و قد أثبت التاريخ انه رغم صحة ذلك التكتيك فان البشرية دفعت من التضحيات ما يعجز العقل عن تصديقه . ولنا أن نتصور ماذا كان سيقع لو أن الاختلاف بين الفاشية والليبيرالية اعتبر "مجرد اختلاف شكلي" بين أجنحة البورجوازية و تمت الدعوة المباشرة والفورية الى الاطاحة بالرأسمالية بكل أشكالها فورا و لم تتم الدعوة الى الجبهة الوطنية المتحدة ضد الفاشية وقتها.
و اليوم ، و الحركة الاسلامية تصل الى الحكم ، و مع الاختلاف بين الفاشية و الحركة الاسلامية الذي نعيه و لكن نعي تشابههما أيضا ، فانه من العمى السياسي عدم الاستفادة من روح التحليل التاريخي و عدم التفريق السياسي بين "اليمين الديني" و "اليمين الليبيرالي" و الدعوة لاسقاطهما معا.
من ناحية أخرى، بعد صعود الفاشية لم يوجد فقط تكتيك "الجبهة الوطنية الموحدة" ضد الفاشية - و هو كان يهم أساسا البلدان الخاضعة أو المهددة بالخضوع للاحتلال الفاشي و لكن داخل ألمانيا نفسها و ايطاليا و اليابان و اسبانيا و البرتغال كان التكتيك السياسي الأسلم هو تقريبا الجبهة الديمقراطية المتحدة بين كل الديمقراطيين ضد الفاشية بمن فيهم أجنحة البورجوازية الليبيرالية التي كانت لها علاقات مع البورجوازيات الأنجليزية والأمريكية مثلا. و لو ان الظروف و البورجوازيات تختلف طبعا الا انه من الممكن الاستفادة من منطق التكتيك السياسي البشري السليم .

ان ما يهدد تونس هو مشروع سياسي يدمر مفاهيم الوطن و الدولة و المجتمع بمعانيها الحداثية للكلمة و يعوضها بمشروع غاية في الرجعية. اننا أمام مفترق طرق. اما ردة تاريخية محافظة و مدمرة و اما صمود ووحدة كل الديمقراطيين لحماية المكتسبات التاريخية و المحافظة على شعلة ثورة الشغل و الحرية و الكرامة و تطويرها "لاحقا" باتجاه أكثر جذرية ما أمكن و ان الأمل هو في توحيد كل أطياف المعارضة الجمهورية الديمقراطية بكل تياراتها الليبيرالية و القومية و اليسارية و لم لا الاسلامية المعتدلة و التقدمية غير الأصولية ان وجدت، و لعلها فرصة تاريخية سانحة لوجودها الآن حتى نتيجة انشقاق في النهضة و انفصال البعض عن الجناح المتطرف الذي يقوده الغنوشي – شورو -اللوز ،و لكن دون أوهام بل على قاعدة النضال وحده.
ان الحركة الاسلامية التونسية ، بقيادة النهضة، تهدد بادخال البلاد في نفق الاستبداد السياسي الديني الذي يدمر ليس فقط ما روكم من انجازات و مكاسب منذ الحركة الاصلاحية للقرن التاسع عشر و الحركة الوطنية و ما اكتسب داخل الدولة الوطنية ، على نواقصه، بل وقد يؤجل الى تاريخ غير مسمى كل آمال تعميق تلك المكتسبات و تجذير المسار الثوري الديمقراطي الحالي.
و انطلاقا من المنطق التكتيكي الذي ذكرناه أعلاه ، و بعد صعود الحركة الأصولية الاسلامية ، نقول انه على الثوريين الذين كانوا يطمحون الى "الثورة الوطنية الديمقراطية " أو ما شابهها و يريدون تجذير المسار الثوري الحالي باتجاهها أن يعدلوا البوصلة قليلا الآن .
ان الأهم اليوم – و لاداعي للتذكير بالفرق بين الأهم و المهم- هو ايقاف المسار الارتدادي الاسلامي المتطرف (الذي قد يصل بالبلاد الى الافلاس المالي و حتى الى ادخال البلاد في حرب أهلية) و اعادة البلاد الى سكة الانتقال الديمقراطي السلمي . و ان هذه المهمة تفرض تأجيل الاستراتيجيا و التركيز على المهام المباشرة و الملحة و تشكيل أوسع جبهة ممكنة بين كل الديمقراطيين التونسيين بمن فيهم الليبيراليين ،الذين لا يقطعون كما يريد الثوريون مع التبعية، و لكن بشرط ان يكونوا جمهوريين ديمقراطيين مدنيين يرفضون الاستبداد الاسلامي و كذلك الحداثي الذي مارسه الحزب الواحد عبر الدولة البوليسية و يعملون على تجنب الانحراف العسكري.
ان ذلك لا يعني التخلي لا عن المهمة الاستراتيجية و لا عن النضال الجزئي من أجل تخفيف وطأة التبعية و أضرار الليبيرالية قدر الامكان و لكن المطروح الآن هو انقاذ البلاد من الكارثة الاستبدادية للتطرف الديني و تجنب أسوء الأضرار على الوطن و الشعب بالتحالف مع من هو أقل خطرا عليهما بدفعه الى النضال الديمقراطي و الحذر من قدرات النهضة الاستيعابية لبعض الليبيراليين و توضيح كونها الأخطر ضمن الحركات الاسلامية ليس فقط لأنها في الحكم الآن بل لأنها الأكثر قدرة على المناورة و التضليل عبر خطابها المزدوج و سلوكها الحربائي القائم على استغلال الديمقراطية من باب "التمسكن حتى التمكن" وهو ما حاولنا تبيانه من خلال دراستنا الوثائقية "حركة النهضة التونسية :دراسة نقدية" (4) و يكفي لأي عاقل تذكر شريط الأحداث التونسية منذ عودة النهضة ووصولها الى الحكم لاثباته بالوقائع و الحجج الدامغة.

ان أهمية الجبهة الديمقراطية المتحدة تكمن أيضا في قطع الطريق على احتمال حدوث مساومات بين الحركة الاسلامية و بعض الليبيراليين أو غيرهم ، و هو ما سيشكل مصيبة ان حدث، و كذلك في تجنب اعادة انتصار النهضة على الجميع و هو ما سيشكل كارثة حقيقية .
انه من المهم التذكير هنا أيضا ان انتصار الليبيراليين بمفردهم على الحركة الاسلامية سوف يعتبر مكسبا على أية حال. و لكن النضال السياسي ضد اليمين الليبيرالي وقتها سوف يكون أصعب لاحقا آلاف المرات على الشعب وقواه الديمقراطية الاجتماعية و غيرها من الحالة التي يكون فيها ذلك الانتصار قد تم بشكل جماعي في اطار الجبهة الديمقراطية المتحدة بين اليمين الليبيرالي و الوسط واليسار. و يكفي أن نقارن – مع كل الفروق التاريخية التي نعيها جيدا- بين نتائج الانتصار على الفاشية في كل من الولايات المتحدة و ما وقع فيها زمن ترومان و ما شهدته من مصيبة الماكارثية و تطرفها اللييبيرالي و بين فرنسا شارل ديغول و محافظتها على المكاسب الاجتماعية مثلا. هذا طبعا اذا لم يؤد غياب ذلك التحالف الى الانتصار النهائي الساحق و المدمر للحركة الاسلامية على الجميع .
ان المهمة المطروحة اليوم في تونس هي بالتالي الجبهة الديمقراطية المتحدة لكل الجمهوريين الديمقراطيين المدنيين على اختلاف نزعاتهم و تباين درجة ثوريتهم أو اصلاحيتهم و على اختلاف درجة وطنيتهم الاصلاحية و الثورية و ديمقراطيتهم الاصلاحية و الثورية اذ مثلما تم تأجيل قضية الاشتراكية ( التي يجب اعادة تقييمها أصلا من الأساس) و التركيز على الديمقراطية في اطار النضال ضد الفاشية يمكن تأجيل قضية الثورة الوطنية الديمقراطية ( التي يجب اعادة التفكير فيها هي الأخرى) أو غيرها و التركيز على الانتقال الديمقراطي الآن .
ما كنا لنطالب بمثل هذه الجبهة لو أن الحركة الاسلامية التونسية هي "ديمقراطية محافظة" ( كالمحافظين الأنجليز او الديمقراطيين المسيحيين الألمان أو حتى كالاسلاميين الحاكمين في تركيا) في صراع مع" الديمقراطية الليبيرالية" في بلد له نظام ديمقراطي مستقر.

و لكن كون تونس هي في مرحلة "انتقال ديمقراطي" و كون النهضة ( السلفية غير الديمقراطية بعد) هي التي توجد في الحكم و تريد التمسك به و تهدد بتحويل البلاد الى عصر "الخلافة السادسة" باستغلال الآليات الديمقراطية المفرغة من محتواها للتراجع عن أهم المبادئ الديمقراطية السياسية و الاجتماعية التي لم تستقر بعد في النظام السياسي و في المجتمع، فان الموقف يصبح خطأ قاتلا في حق الديمقراطية التونسية الناشئة حتى لو كانت ، بشكل ما ، ديمقراطية تابعة نسبيا.

ان الموقف الديمقراطي الأسلم باتجاه اليمين الليبيرالي و الوسط الآن يجب أن يكون مخالفا.
طالما ان المسألة الوطنية لا يطرحها الشعب بحدة و طالما ان الخطر الأساسي يكمن في النهضة و الاسلاميين الذين ، فرضا، يمارسون نفس التبعية و لكن يضيفون اليها عداءهم للديمقراطية الحديثة ، حتى الليبيرالية منها، فانه يمكن اعتبار اليمين الليبيرالي من القوى الممكن التنسيق معها مرحليا في الجبهة المتحدة و ذلك لانجاح مسار الانتقال الديمقراطي و انقاذ ما يمكن انقاذه .

و لكن من المهم التذكير ختاما ان هذه الجبهة المتحدة لا بد ان تتأسس على المبادئ التالية:
- النضال الفعلي ضد الحركة الاسلامية و توابعها.
- الدفاع الفعلي على الجمهورية الديمقراطية المدنية.
- الاستقلال التنظيمي لمكوناتها داخل التحالف الجبهوي المتحد.
- السماح بالتمايز والاختلاف السياسي و النضالي الجزئي داخل النضال الجبهوي المشترك.
- التنسيق السياسي و الانتخابي المرن و لكن المشترك .

ان تونس في مفترق الطرق بين هاوية التطرف الاسلامي الاستبدادية و بين الانقاذ الجمهوري الديمقراطي و اننا نرى ان الانقاذ يتطلب جبهة ديمقراطية متحدة الآن و فورا .
اننا أردنا طرح الفكرة في مبدئيتها النظرية و السياسية و التنظيمية و يبقى مجهود نفسي- سياسي لا بد من القيام به لأنه يبدو لنا انه معرقل كبير لدى البعض . وتبقى التفاصيل التنظيمية و العملية ، التي نرجو ألا يسكنها الشيطان كثيرا ، وهي تفاصيل لا بد أن تنسج خيوطها تشاركيا .

خاتمة:

هنالك كلمة أخيرة لا بد من اضافتها حتى لا يقع خلط في اذهان البعض.
لقد كانت الجبهة المتحدة ضد الفاشية جبهة سياسية و عسكرية خاضت النضال المسلح ضد النازية والفاشية بينما ليس مطلوبا من الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الديني ان تكون سوى جبهة سياسية انتخابية ديمقراطية تعتمد النضال الديمقراطي الجماهيري السلمي لتحقيق الانتصار.
كما ان الجبهة المتحدة ضد الفاشية اضطرت الى التنسيق الدولي المسلح للتصدي للفاشية التي تحتل الأوطان شرقا وغربا و ليس مطلوبا من الديمقراطيين التونسيين المتحدين سوى التنسيق الديمقراطي مع الأصدقاء العرب و الدوليين المناصرين للديمقراطية الوطنية المستقلة في البلاد.
على الجبهة الديمقراطية المتحدة أن تحافظ على السلم المدني و أن تتجنب الحرب الأهلية بكل ما أوتيت من قوة و أن تحافظ على مبدأ الاستقلال و السيادة الوطنية بنفس القدر.
لهذا لن يكون لهذه الجبهة من دور ايجابي الا بمقدار ما حيدت قدر الامكان من يسعى الى العنف و يحتمي بالخارج و لذلك لن تكون صالحة للعب دورها الا اذا كان عمودها البشري كل من اليساريين الديمقراطيين و القوميين الديمقراطيين و الليبيراليين الديمقراطيين و لم لا الاسلاميين الديمقراطيين.

يا ديمقراطيي تونس:

ان البلاد مهددة بالتحول الى جارية و ان الشعب مهدد بالتحول الى غلام لشيوخ من بيننا خرجوا من كهف التاريخ السحيق مسنودين بأسوأ أبناء عمومتنا و أكثر أعدائنا حقدا علينا فامنعوا سبي حرائر تونس و استعباد أحرارها.
اتحدوا دفاعا عن تونس و عن شعبها و عن مكاسبه التاريخية و ثورته الديمقراطية ضد دجاليه وجلاديه .
و احرصوا على ألا يكون ذلك الاتحاد الديمقراطي انتقاميا لأن ذلك سوف لن يؤدي الا الى الاضرار بالوطن و الشعب والى تسهيل مهمة المتعطشين الى الدماء والمتربصين خلف الحدود ، بمن فيهم من لع عين على الجزائر لطعنها من حدودها الشرقية .
فليكن ذلك الاتحاد نضاليا و لكن انقاذيا عسى ان ينقذ حتى النهضة من نفسها أو فئة منها على الأقل من أصوليتها وسلفيتها فتتحول الى حزب ديمقراطي و عسى ان ينقذها من ارتهانها الى مشائخ الخليج وأسيادهم حتى تسترجع تونسيتها وعسى ذلك الاتحاد أن ينقذ آلاف الشباب التونسي من البطالة والقهر و قوارب الموت ومن شيوخ البترودولار الذين يدفعون بهم الى القتال في الداخل والخارج باسم السلفية .

يا ديمقراطيي تونس اتحدوا.



http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=328396 (1

(2) انظر وثيقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي للاتجاه الاسلامي".

(3) راشد الغنوشي ، مقالات، الطبعة الثانية، مطبعة تونس قرطاج 1988.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=320544 (4






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- راشد الغنوشي واغتيال شكري بلعيد: بيان النفاق و تبيين الشقاق.
- حكاية تونسية ...الى نيروز و ندى بلعيد.
- تونس : من - مؤتمرالانقاذ الوطني- الى- جبهة الانقاذ الديمقراط ...
- اغتيال الثورة التونسية و مسؤولية الديمقراطيين الانقاذية .
- شكري بلعيد : في معنى الوفاء
- عزمي بشارة و التدخل الأجنبي: كارثة المثقفين العرب.
- الى الدكتورعزمي بشارة : رسالة عتاب شخصية.
- من أجل حزب اشتراكي موحد و جديد في تونس: (مشروع للنقاش حول وح ...
- تعقيب على الرسالة الرابعة الموجهة الى الجبهة الشعبية: الى ال ...
- الجبهة الشعبية التونسية بين -اليمين الديني- و- اليمين الليبي ...
- الوصايا العشر اليسارية الجديدة : مديح الانتهازية الثورية .
- الرفيق بشير الحامدي : -حول مواصلة تنفيذ المهام الثورية و دور ...
- الرفيق بشير الحامدي بين -وعي الهزيمة - و -هزيمة الوعي-.
- تونس والاضراب العام : حتى لا تضيع البوصلة.
- تونس : برقية عاجلة الى أعضاء حركة النهضة الاسلامية التونسية.
- رسالة من قلب سليانة ...الى العاقين من الأبناء.
- أخطاء الديمقراطيين القاتلة في الثورة التونسية: تقييم يساري د ...
- تونس بين الانتقال الديمقراطي و الانتقام -الديمقراطي-: نداء ع ...
- تونس : الجبهة الشعبية و الطفولية اليسارية .( رسالة ثالثة).
- رسالة الى التونسيين : قراءة في خطاب رئيس الجمهورية يوم 23 أك ...


المزيد.....




- التحالف الاشتراكي يبعث رسالة الي القوي الاشتراكية للتضامن مع ...
- مطاردات ومداهمات وعمليات كر وفر بين الشرطة الإسرائيلية والمت ...
- وسائل إعلام لبنانية رسمية: إصابة متظاهرين على الحدود برصاص إ ...
- وسائل إعلام لبنانية رسمية: إصابة متظاهرين على الحدود برصاص إ ...
- بيان حول إيقاف مسيرة التضامن مع الشعب الفلسطيني
- الاشتراكي اليمني يؤكد وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقه ال ...
- أمين عام الاشتراكي يعزي في وفاة المناضل علي محمد السعدي
- الهلال الأحمر الفلسطيني: إصابة أكثر من 165 فلسطينيا في مواجه ...
- إصابة متظاهرين اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي عند الجدار الفاص ...
- فيديو: اشتباكات ليلية بين المتظاهرين والأمن الإسرائيلي في ال ...


المزيد.....

- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - بيرم ناجي - تونس : في الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الاسلاموي .