أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (2)















المزيد.....

احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (2)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 4316 - 2013 / 12 / 25 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


عمّان 1992
تسعينيات القرن العشرين لم تكن امتدادا عاديا لما سبقها.. انما كانت بداية جديدة في التاريخ العراقي والعربي، ونقلة نوعية في الثقافة العراقية.. ففي أحد الليالي الساخنة جدا من صيف 1990 خرج المارد العراقي عن طوره، واختلّت معادلة التوازن بين العقل والعضلة. وكانت تلك بداية انقضاض النظام العراقي على نفسه.. ولسان حاله يقول..
كلهه بيده.. كلهه بيده
اليريد يعيش.. يزرع ورده بيده
واليريد ايموت.. يحفر قبره بيده – فلاح عسكر
وفي لحظة انتهت حكاية الشبابيك والستائر الملونة، والشمس التي كان يفترض بها أن ترسل خيوطها الذهبية على أحياء الفقراء ودور السكك... - حتى نهاية الحكاية-. بدلا منها تم تدشين موعد جديد لهجرات سومرية جديدة تأمل فرصة قيامة أخرى، خارج (بيت نهرين)..
الغزو العراقي للكويت استتبعه أمران: صدور عقوبات اقتصادية وسياسية ضدّ العراق؛ بدء عمليات حرب الخليج في النصف الثاني من يناير 1991 بقيادة القوات الأميركية ومشاركة أكثر من ثلاثين دولة عربية وأجنبية ضدّ العراق. وقد ترتب على تلك الحرب الأولية أمران : اندلاع انتفاضة عارمة ضدّ النظام في جنوب البلاد وشمالها، استتبعت اعلان مجلس الأمن الدولي (المنطقة الكردية) شمال البلاد منطقة حظر جوي وعسكري (شمال خط عرض 36 درجة)؛ انعقاد اجتماع بيروت (مارس 1991) للشخصيات المعارضة للنظام العراقي في أعقاب فشل الانتفاضة، والذي تبعه مؤتمرا فيننا وأربيل (يونيو، سبتمبر 1992) لتنسيق وتأطير نشاطات المعارضة في إطار المؤتمر الوطني العراقي المدعوم مباشرة من دوائر البيت الأبيض والمخابرات الأميركية والحكومة البريطانية.
في شهر ديسمبر 1992 شهدت العاصمة الأردنية "عمّان" انعقاد المؤتمر الثاني عشر لاتحاد الأدباء العرب.. وبينما شاركت النقابات الأدبية العربية بوفود رسمية تضم بضعة أنفار، جاءت المشاركة العراقية فوق كلّ التصورات.. باص مليان (44 راكبا) من باصات المنشأة العامة لنقل المسافرين، إضافة للوفد الرسمي وآخرين بسياراتهم الرسمية أو الشخصية..
كانت الأردن.. إلى جانب اليمن والسودان وليبيا، البلدان العربية الوحيدة التي تسمح بدخول العراقيين بدون تأشيرة.. لكنها في خريف 1991 عادت لفرض الرسوم أمام طوفان سيل الهجرة العراقية الجديد. وكانت لبنان وسوريا تسمحان بدخول العراقيين لقاء تأشيرة رسمية. وهكذا كانت هناك في مطلع التسعينيات، ست دول عربية فقط تستقبل الوجه العراقي، ثلاثة منها بتأشيرة دخول وشروط [الأردن، لبنان، سوريا]، وثلاثة منها بدون تأشيرة [اليمن، السودان، ليبيا]. ومن هذه الدول كان العراقيون يبدأون رحلة الولادة الجديدة..
كان بعض الأدباء العراقيين وصلوا الأردن قبل المؤتمر، دون علاقة مباشرة به، ومنهم الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان مقيما في العاصمة الأردنية من قبل. في أروقة المؤتمر أو المهرجان الذي جرى افتتاحه في مركز مجمع النقابات في الشميساني، كان همس حول حضور الشاعر سعدي يوسف ضمن تشكيلة الوفد الجزائري، البلد الذي أقام فيه سعدي منذ السبعينيات..
في كواليس المؤتمر تدور أسئلة بين بعض الأردنيين عن سبب عدم وجود اسم سعدي يوسف ضمن لائحة الوفد الأدبي لبلده "العراق".. ذلك الوفد الذي كان يضمّ يومها أسماء حميد سعيد وسامي مهدي وغيرهم من رؤساء تحرير الصحف الرئيسية وصدارة المؤسسة الثقافية الرسمية.. ولم يغب عن الأردنيين الطابع الأمني/ الحزبي للوفد العراقي الرسمي أكثر من كونه أدبيا.. البياتي أيضا لم يكن مع الوفد الرسمي، وكان يحضر النشاطات بعد المقدمات والخطب، بصفته الشخصية المستقلة خارج الوفد، وكان يفصل نفسه عنهم في مكان جلوسه أيضا.. كان الموقف السياسي والفكري للشاعر سعدي يوسف واضحا ومميزا، وكذلك خلافه مع المؤسسة الثقافية الرسمية الممثلة للنظام العراقي..
عند انتهاء أعمال المؤتمر، تخلف كثير من جماعة الباص عن العودة لبلدهم.. وكذلك بعض الذين حضروا بأبهتهم الرسمية.. وفي السنة اللاحقة تضاعف وصول الأدباء العراقيين للأردن، ليتفاقم أكثر في أواسط التسعينيات، حيث شكلت عمّان ودمشق وبيروت منافذ لجوء، توزعوا منها في أطراف العالم.
الملاحظة الأثيرة هنا، أن غالبية المشهد الأدبي والمؤسسة الثقافية الرسمية العراقية غادرت مواقعها في الداخل، وانتقلت للضفة المقابلة خارج الحدود. الهجرة الثقافية لم تقتصر على العراقيين، وانما تضمنت الأدباء العرب والفلسطينيين الذين كانوا يعملون ضمن المؤسسة الثقافية الرسمية والحزبية، والذين خرجوا مع أواخر 1990 وبداية 1991، عائدين إلى بلدانهم أو مهاجرهم الأصلية. فتغيير السواري أو تنكيس الأعلام لم يكن عراقيا في التشكيلة، وانما عربيا ومن باطن مؤسسة النظام الرسمية والحزبية.
مغادرة العراق يومذاك لم تكن مجرد سفر أو سياحة أو هجرة أو محاولة للموت خارج الحدود. المغادرة في الحالة العراقية وفي ذلك المفرق الزمني كان موقفا معارضا للنظام. ولربما.. للمرة الأولى، في تاريخ العراق المعاصر، صارت المعارضة الثقافية أو الثقافة والأدب المعارض، فصيلا اعلاميا يضاهي المعارضة السياسية وينافسها. وكان من جرائه ظهور مصطلح "ثقافة معارضة" و "أدب معارض" في الثقافة العراقية. تعريف الأدب المعارض وتحديده وتصنيفه ما زال بكرا على الدراسة المنهجية والتشخيص الأكاديمي رغم مرور ربع قرن عليه. هذا التصنيف لا يشمل كلّ أدباء الخارج ولا يعني كل انتاجهم جملة، وهناك أدب معارض وأدباء معارضون داخل بلدانهم أيضا. كما أنه لا توجد وصفة جاهزة تنطبق معاييرها على النص ليكون معارضا، وانما يختلف الأدباء وتختلف نصوصهم بحسب اجتهاداتهم الابداعية وتجاربهم السياسية. ويختلف النص الثقافي عن النص السياسي عموما، بأن الأول يتوجه لوعي الانسان واستنهاض مداركه ومعنوياته، نحو ادراك أفضل وممارسة أكثر لياقة بالحياة؛ فيما يتجه الأدب السياسي لخدمة عجلة الحكم والمصالح السياسية الشخصية والحزبية، وتسخير الناس لخدمة اتجاهاته وأطماعه.
سبقت مصطلح المعارضة مصطلحات "المنفى" و "الاغتراب" و"المهاجر"، ولكن أيا منها لم يستقر أو يثبت فنيا أو اعلاميا، رغم العدد الهائل للعراقيين المقيمين خارج العراق منذ عقود، وبينهم أدباء وفنانون وأكادميون وعلماء، حكم عليهم بالضياع والتجهيل والنسيان. ووراء تقاليد الإهمال والنكران والنسيان، دوافع ونزعات كثيرة بحاجة إلى دراسات اجتماعية ونفسية. فصلة المرء واعتزازه ببلده ورموزه وشخصياته الثقافية والتاريخية تترجم معنى الوطنية والانتماء.
لا يخطر سؤال ببال الفرد العراقي أو المسئول والسياسي ما هو مصير وحال ملايين العراقيين خارج بلدهم، ولماذا تعاقبهم بلادهم بالتنكر والالغاء؟ لقد كان كثيرون يلومون نظام البعث لاهماله مواطنيه في الخارج!.. أما اليوم.. فأن المجتمع عموما إلى جانب الحكومة لا تهتم بعراقيي الخارج، رغم وجود وزارة شكلية للهجرة.
ما زال أمام العراق الكثير ليستطيع ان يكون وطنا.. وطنا وليس عشيرة أو طائفة أو مقبرة. وما زال هناك قرن أو قرون.. لكي تنبت أزهار الوطنية والمواطنة وحرارة الانتماء والوحدة الاجتماعية الفعلية على الأرض، وليس في التصورات والأوراق.. عندها ستبدأ فصول جديدة للعلاقة بالماضي، فصول جديدة تضاف إلى بكائيات جلجامش وبابل وسنحاريب والحسين والمتنبي حتى المقبرة الملكية ببغداد.. فاكتشاف الأشياء يأتي متأخرا تماما.. وظيفة الماضي هي النواح والتباكي.. أما الحاضر فوظيفته استفراغ التناحرات الفردية وحروب التباغض والتحاسد بكل مستوياتها. هنا.. حيث يتنافس الناس ليس في الطعام والثياب والألقاب فقط، وانما يتنافسون في بناء القبور وطول مسيرات الجنائز وحدّة الصراخ أيضا.
سوف يذهب هذا العراقُ إلى آخر المقبرة
سوف يدفن أبناءه في البطائح، جيلاً فجيلاً
ويمنحُ جلاده المغفرة...
لن يعودَ العراقُ المسمّى
ولن تصدح القبّرة...
(قصيدة رؤيا- من مجموعة حانة القرد المفكر)
*





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,473,836,489
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (1)
- اتجاهات الرأي.. والرؤية العراقية
- الكراهية.. الأكثر كراهية!..
- في علم الاجتماع القبلي (10)
- في علم الاجتماع القبلي (9)
- في علم الاجتماع القبلي (8)
- في علم الاجتماع القبلي (7)
- في علم الاجتماع القبلي (6)
- في علم الاجتماع القبلي (5)
- في علم الاجتماع القبلي (4)
- في علم الاجتماع القبلي (3)
- في علم الاجتماع القبلي (2)
- في علم الاجتماع القبلي (1)
- مصر ونظرية الأمن القومي الستراتيجي
- أوراق شخصية (5)
- هل الدمقراطية كلمة عربية؟!..
- أوراق شخصية (4)
- الدين (و) الاستعمار
- أوراق شخصية (3)
- أوراق شخصية (2)


المزيد.....




- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويل التعاوني
- مجلس الحكومة يصادق على مقترح تعيينات في مناصب عليا
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بإحداث دوائر وقيادات جديد ...
- ابراهيم غالي في -الحرة- : خبايا خرجة فاشلة !
- المصادقة على مشروع مرسوم بإحداث مديرية مؤقتة بوزارة التجهيز ...
- بالصور... من هو الممثل الأعلى أجرا في العالم لسنة 2019
- كشف تفاصيل هامة عن الجزء القادم من -جيمس بوند-
- تمثال للفنان حسن حسني يثير ضجة
- معرض فني عن مايكل جاكسون في فنلندا لا يسعى لتمجيد الفنان الم ...
- كاظم الساهر يحيي حفلا ضخما في السعودية


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (2)